"إسرائيل" تحث الخطى الدبلوماسية والجهود السياسية لضرب إيران

  • السبت 20 يناير 2018 07:48 م

"إسرائيل" تحث الخطى الدبلوماسية والجهود السياسية لضرب إيران

تزايدت في الأيام الأخيرة التسريبات والتحليلات الإسرائيلية حول الفرضية القائلة بأنّ إسرائيل تعد العدة، وتحضر التجهيزات، وتحشد التأييد، لشنّ هجوم عسكري على منشآت إيران النووية، ما يعني أنها على وشك أن تزيح آخر العوائق في الطريق لما يوصف في تل أبيب بـ"الهدف الأسمى" الذي يسعى إليه رئيس الحكومة ووزير الدفاع، بحيث أنهما بعد أن غيرا قادة أذرع الأمن، لاسيما جهازي الشاباك والموساد، و"تخلصا" من جملة القادة الأمنيين والعسكريين الذي عارضوا هذا التوجه، وأثقلوا عليهما في العمل ضد إيران، وأعادا الجندي الأسير، فإنهما متفرغان للانقضاض على البرنامج النووي الإيراني.

وهو ما دفع بارتفاع حدة التحذيرات المتزايدة في إسرائيل مما بات يسمى "صفقة شاليط- إيران"، والمطالبة بمنع رئيس الحكومة ووزير الدفاع من تحويل الفرحة العارمة بإطلاق سراح الجندي إلى مظلة أو شرعية لشن هجوم على إيران، رابطة بين توقيت إبرام صفقة التبادل، والتأهب الإسرائيلي لتنفيذ ذلك الهجوم على طهران، الذي وصفته بـ"المغامرة المتهورة".

  • شواهد الاستعدادات

وصف "سباق الزمن" الذي يجريه رئيس الحكومة "بنيامين نتنياهو" ووزير الدفاع "إيهود باراك" نحو شن هجوم على إيران في هذه الآونة بسلوك رؤساء الوزراء ووزراء الدفاع في قضايا تاريخية سابقة، حيث تظهر مؤشرات دالة تتراكم لتصبح اتجاهاً واضحاً لهما، في الطريق نحو مغامرة عسكرية، في ضوء تقارير الخبراء الأكثر مصداقية في إسرائيل ممن يقدرون أن الخطر الكامن في النووي الإيراني سيتحقق في أقرب وقت عام 2014.

ويذكر هنا ما صرح به قبل أسابيع قائد الجبهة الداخلية "آيال آيزنبرغ" حين قدر تعاظم الاحتمالات للاشتعال الإقليمي، لأن "جهاز قياس الحرارة" يبين أنه قد يشتعل صدام كبير، متعدد الجبهات، مع صواريخ ومقذوفات صاروخية من الشمال والجنوب على الجبهة الداخلية، رداً من حزب الله وحماس على حملة كبيرة للجيش، أو كضربة مسبقة، بتكليف من إيران.

مع العلم أن السنوات الأخيرة، شهدت تهديدات إسرائيلية مراراً بشن هجوم على إيران، فلماذا تمّ إعادة إحياء هذا الموضوع اليوم؟ وهل تشعر تل أبيب بالقلق بسبب اقتراب طهران من حيازة القدرة على صناعة قنبلة نووية؟

يُجمع معظم الخبراء الاستخباراتيين الإسرائيليين على أن إيران لم تتخذ بعد قراراً بشأن صناعة الأسلحة النووية، لكن الدافع الأرجح لإسرائيل وراء تخوُّفَها يكمن في موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا، على العرض الإيراني القاضي بتجديد المحادثات، كما تخشى كثيراً أن تتوصل المجموعة لتسوية معها تسمح لها باستكمال تخصيب اليورانيوم لأهداف مدنية، ما قد يدفع العالم للموافقة على التعايش مع إيران النووية، وإن حصل ذلك، ستخسر إسرائيل احتكارها للأسلحة النووية التي تشكّل مصدر قوة أساسي للحفاظ على هيمنتها العسكرية الإقليمية.

علماً بأن إسرائيل واجهت في السابق عمليات عسكرية ضد دولتين ذريتين عدوتين، وفي المرتين أفشلت برامجهما النووية بالقوة، فقد أمر "مناحيم بيغن" بمهاجمة العراق؛ وأمر "ايهود اولمرت" بمهاجمة سوريا، ما يعني أنه توجد سوابق وتركة ونجاحات، لكن إيران فهي مشكلة مختلفة تماماً، والأخطار والكلفة كذلك، فكل قرار مقرون بمقامرة على مصير الدولة، رغم أن المثير في النقاشات السائدة، ما قاله الكاتب البريطاني البارز "ديفيد هيرست" من أن إسرائيل ترى عدوها الحقيقى إيران، ويمكن فهم اعتذارها لمصر بعد مقتل جنودها، وإتمامها صفقة تبادل الأسرى مع حماس، بأكثر من طريقة، أحدها تهيئة الأجواء لهجوم عليها.

  • التنفيذ العسكري واللوجستي

يأخذ النقاش الإسرائيلي حول ضرب إيران أبعاده الجدية في ضوء المطالبات المتكررة من المستويات العسكرية والأمنية بضرورة وضع ملف مهاجمتها على طاولة صناع القرار في تل أبيب لمنعها من نيل السلاح النووي، وهو ما رفع حالة التأهب لدى جيوش دول عدة في المنطقة، مقابل حالة الاستنفار في إيران استعداداً لأي تطورات أو حالات طارئة.

وعلى فرض أن إسرائيل هاجمت المنشآت الإيرانية، فإن الأخيرة سترى فيه خطوة حربية، تستدعي رداً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهناك عدة إمكانيات لرد إيراني، منها:

  1. إطلاق صواريخ على إسرائيل، أو مهاجمتها بسلاح الجو، واستخدام سلاح البحرية ضدها،
  2. الإيعاز لحلفائها من حزب الله وحماس، والمبادرة لعمليات في العراق ضد أهداف أمريكية،
  3. أعمال عدائية في أرجاء العالم ضد أهداف يهودية،
  4. إمكانية متدنية، تتمثل بإطلاق الصواريخ من الأراضي السورية،
  5. ضرب السفن التي تمر في مضيق هرمز، أو مكان رسوها، ما قد يقلل حجم تصدير النفط والغاز، مما سيؤدي لرفع أسعارها في العالم.

     في هذه الحالة، فإن مراحل عمل الجيش الإسرائيلي، وبالتنسيق مع نظيره الأمريكي كفيل بأن يكون:

  1. مهاجمة الأسطول الإيراني، القواعد والوسائل التي تستخدم لإغلاق مضيق هرمز،
  2. ضرب منظومات مضادات الطائرات، مراكز التحكم والرقابة، وسلاح الجو، ومنظومة الصواريخ، مع التشديد على الصواريخ بعيدة المدى،
  3. استهداف المنشآت النووية، والفرضية أن هذه المنشآت "لا تهرب".

تتزايد المزاعم الإسرائيلية المتكررة من أن إيران النووية خطر كبير، ليس فقط على إسرائيل، بل على الكثير من الأنظمة الغربية، وهناك مصلحة دولية بقيادة الولايات المتحدة للقيام بجهود كبيرة طوال الوقت، لمنعها من التوصّل إلى المشروع النووي، بزيادة الضغط عليها.

  • توريط أمريكا

لكن السؤال المفتاح في النقاش الإسرائيلي الدائر حول ضرب إيران، يكمن في كيفية ضمان مشاركة الولايات المتحدة في الهجوم، أو أقله وقوفها إلى جانب إسرائيل في حال أدّى الهجوم الأولي إلى اندلاع حرب أوسع، بعد أن شكّلت التقارير المتعلقة بهذه النقاشات مصدرَ قلق كبير في واشنطن خلال قمة "نتيناهو أوباما" الأخيرة، ونُقل عن بعض الخبراء العسكريين الأمريكيين قولهم إنه سيتم إغلاق نافذة الفرصة لشنّ هجوم صهيوني على إيران في غضون شهرين، بما أن فصل الشتاء سيجعل هذا الهجوم أكثر صعوبة.

كما شكّلت الخشية من أن تقرر تل أبيب شن هجوم دون إعلام الولايات المتحدة مسبقاً، السببَ الرئيس الذي دفع بوزير الدفاع الأمريكي "ليون بانيتا" لزيارة تل أبيب مؤخراً، ويكمن هدفها على ما يبدو في كبح جماح الصقور الإسرائيليين، وهو ما دفع أوساطاً إسرائيلية نافذة لتلخيص رسالته على هذا النحو: "تقف أمريكا بجانب إسرائيل، إلا أن شن الأخيرة هجوماً غير منسق على إيران قد يتسبب باندلاع حرب إقليمية، ورغم أن الولايات المتحدة ستعمل على الدفاع عن إسرائيل، لكن ينبغي عليها التصرف بطريقة مسئولة".

في المقابل، فإن ما قد يعزز الرغبة الإسرائيلية بـ"توريط" واشنطن، التقدير السائد لدى "نتنياهو" بأن الوقت قد حان لانتهاز المبادرة، حيث تقوم حساباته على أن شن هجوم مدمر على إيران من شأنه إضعاف سورية التي تعاني الاضطرابات، وجعل حزب الله يتيماً، وبذلك تصيب إسرائيل 3 عصافير بحجر واحد.

أكثر من ذلك، فقد ذكرت محافل أمنية غربية أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان لإجراء تمارين مشتركة لا سابق لها لقواتهما الميدانية في أيار مايو المقبل، لإرساء قوة تدخّل مشتركة مستعدّة للتدخّل في حال حصول حرب إقليمية كبيرة، وتقوم الخطة على إرساء مقرات قيادة أمريكية في إسرائيل، ومقرات قيادة إسرائيلية في أمريكا، ونادراً ما كان التعاون بين القوتين وثيقاً لهذا الحدّ.

كما نشرت الولايات المتحدة 41 طائرة نقل عسكرية ضخمة من السرب "22" في الشرق الأوسط، وتجرب قيادة النقل العسكري في الجيش الأمريكي حالياً قدرتها على توفير استجابة سريعة وفعالة في حال نشوب أي أزمة في المنطقة، ومن المقرر انتشار طائرات "سي 5" الضخمة للنقل في إسرائيل ودول عربية، تحمل على متنها عناصر قيادة وسيطرة ووحدات قتالية، زاعمة أن إيران هي المقصودة بتلك التحركات.

أخيراً، يستذكر الإسرائيليون جيداً كيف أن الرئيس السابق "جورج بوش"، استعان بمعلومات استخبارية خاطئة حول الخطط المزعومة لصدام حسين، لإنتاج السلاح النووي والكيماوي والبيولوجي، لتبرير اجتياح العراق سنة 2003، وهم يتساءلون ويقولون: إذا كانت الاستخبارات الأمريكية مستعدة لملاءمة المعلومات والتقديرات الاستخبارية لأغراض القيادة السياسية، فما الذي يضمن ألا يفعلوا ذلك اليوم؟

ومع ذلك، فإن خيارات إسرائيل بشأن تعاملها مع البرنامج النووي الإيراني، مكلفة جميعها، ما يعني أنها ستكون في حالة تفضيل خيار سيء على آخر أكثر سوءً، وبديل ضار مع آخر أكثر ضررا ً وكلفة، مما يجعل الباب مفتوحاً على كل سيناريو قد يجعل مصيرها ووجودها موضع سؤال حقيقي، سواء سلمت بـ"إيران نووية"، وتعاملوا معها كدولة عاجزة في ضوء الكوابح الدولية والعسكرية والإستراتيجية، أو باغتوها بضربة استباقية إجهاضية ستكون البادئة فيها، لكنها حتماً لن تكون صاحبة الطلقة الأخيرة .. هذا ما يقوله الإسرائيليون على الأقل!