بعد ستين عاما: أزمات متلاحقة في المشروع الإسرائيلي

  • السبت 20 يناير 2018 07:35 م

بعد ستين عاما: أزمات متلاحقة في المشروع الإسرائيلي

شهدت الأعوام الأخيرة تراجعات إسرائيلية ملموسة وواضحة على مختلف الأصعدة، السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، ولم يكن هذا التراجع وليد اللحظة، أو نتيجة لحدث سياسي هنا، ومواجهة عسكرية هناك، بل جاء أمرا طبيعيا في قراءة المؤشر البياني التنازلي الذي تشهده إسرائيل منذ عدة سنوات.

علما بأن هناك سلسلة من التحذيرات الساخنة التي أطلقها كبار قادة الكيان من أن دولتهم تشهد انخفاضا في مستوى الأمن الداخلي، وتعاظما للأخطار والتهديدات الداخلية والخارجية.

السطور التالية تكشف إسرائيل على حقيقتها، وتحاول الإفصاح عن الجوانب الخفية التي تشير في مجملها إلى أن هذا كيان يعيش أسوأ لحظاته، وأكثرها تراجعا وانكسارا، رغم المحاولات التي يعطيها بين الحين والآخر عن قدراته "الخارقة الحارقة"، لكنه في الحقيقة منكمش، بل ويمضي في خططه السياسية والعسكرية حول الانطواء والانزواء، والعودة إلى حياة "الغيتو" التي ألفها اليهود منذ قرون مضت.

  • الاحتماء خلف السور

بعد سنوات من المعاناة الإسرائيلية بفعل تواصل المقاومة الفلسطينية، التي شهدت تطورا مطردا خلال انتفاضة الأقصى، اتجهت إسرائيل نحو الانحسار والانزواء الذي شكل العنوان الأبرز للسلوك الإسرائيلي خلال أعوام الانتفاضة الأخيرة.

هذا الانحسار والانكسار سبقه قيام إسرائيل بـ"صب جام غضبها" على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم اختارت للجوء إلى جدارها العنصري لتعميق "الكولونيالية" الداخلية، بحيث عمدت لممارسة السيطرة والتمييز تجاه الفلسطينيين، وأخذت تسير في منحى التعاظم والتفاقم في أعقاب الانسحاب من غزة.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي أراد الظهور بصورة المنتصر الحقيقي في بناء الجدار، ومن ثم تنفيذ الانفصال عن قطاع غزة، إلا أن استعراض القوة اللافت هذا، جعل إسرائيل تقف أمام نقطة تحول مهمة في ما بات يعرف بـ"سيرورة" تفكك الجيش الإسرائيلي.

ولم يعد خافيا على أحد أن المقاومة المسلحة، التي كبدت المجتمع الإسرائيلي خسائر فادحة وأثمانا باهظة، جعلت المطالبات الشعبية الإسرائيلية تخرج وبصوت عال، مطالبة بضرورة وضع حد فاصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد أن أثبتت المقاومة قدرتها على تجاوز كل الإجراءات الأمنية المشددة.

وبالرغم من أن السبب الأساسي لإقامة الجدار يكمن في وضع حد للعمليات الاستشهادية، إلا أنه يحمل في ذكرى قيام الدولة العبرية مؤشرات انحسار كارثية.

  • فشل النظريات الأمنية

منذ إنشائها قبل حوالي ستين عاما قامت نظرية الأمن الإسرائيلية على ما يعرف بـ"قوة الردع"، التي توفر على إسرائيل مهمة شن حرب هنا، وخوض مواجهة هناك، وقد راكمت إسرائيل عناصر نظريتها عبر سنين متواصلة، ومن خلال جهود جبارة، وعلى جميع المستويات، الأمنية والعسكرية، بما فيها النووية.

ورغم الأفكار الإبداعية المتجددة التي "تفتقت" عنها قريحة الخبراء الإسرائيليين، فإن النظريات الأمنية لم تحقق لإسرائيل سوى المزيد من الانحدار والهبوط على كل المستويات المادية والمعنوية، ومنها:

1- استمرار الصراع الدامي الناشب بين المقاومة وإسرائيل، الذي اتسم خلال الفترة الماضية، لاسيما عند شن الحرب الأخيرة على غزة بقاعدة "عض الأصابع"، حيث حاول كل طرف إلحاق أكبر قدر من الضربات الموجعة بالطرف الآخر حتى يقر بالقواعد الجديدة للمواجهة، مع إعلان إسرائيل ورغبتها بالقضاء على المقاومة، لكنها لم تتمكن!

2- الفشل الذريع الذي منيت به النظريات الأمنية الإسرائيلية، وتكرر عبر أكثر من محطة، بدءا باستمرار قصف الصواريخ من قطاع غزة، ومرورا بأسر الجنود، وانتهاء بخوض مواجهات عسكرية فاشلة مع المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، دفع بالعديد من الخبراء لطرح أسئلة ذات طبيعة لوجستية ربما تكون تسببت في خسارة إسرائيل وتراجعها.

3- تراجع الأهداف الردعية المعلنة من القضاء الكلي على قوى المقاومة، إلى الاكتفاء بالمطالبة بنزع أسلحتها، لذلك نرى أن اللغة التي استخدمها قادة الجيش في بداية الحرب على غزة تُبين التغيرات التي طرأت عليهم في نهايتها، فلم يعد الحديث عن "معركة وجها لوجه"، ولم يعودوا يعلنون "القضاء على العدو" و"استئصال الغول"، بل الاكتفاء بـ"التغلب عليه"، لأن أسلوب الكلام المليء بالعجرفة، والإعلانات القوية مثل "نحن سننتصر!" لم تعد تلائم مرحلة ما بعد انكسار القوة الرادعة!

4- وصول القادة العسكريين والمسئولين السياسيين في دولة الكيان إلى قناعة مفادها أن تحطيم قوة المقاومة وإبادة نموذج حركة حماس هدف غير واقعي، ومن هؤلاء "رؤوبين إيرليخ" الذي انتقد الأهداف الردعية الكبيرة الخاصة بالنظرية الأمنية الإسرائيلية بقوله: كل من يفكر بإزالة قدرات حماس غير واقعي، يجب التفكير بمصطلحات: ماذا يمكن إنجازه؟ المتاهة الحمساوية تشدنا مراراً وتكراراً إليها!

  • خسارة المعركة الديمغرافية

منذ عدة عقود، وإسرائيل تعكف على إيجاد الحلول "السحرية" لمحاولة التغلب على التفوق الفلسطيني في عدد السكان، للدرجة التي جعلتها تصنف التهديد السكاني كأحد التهديدات الرئيسة الماثلة أمام إسرائيل خلال السنوات القادمة، تحت اسم "القنبلة الديموغرافية".

ويأتي التخوف الإسرائيلي من الموضوع الديموغرافي انطلاقا من حقائق ميدانية تعيشها الأراضي الفلسطينية، سواء في أراضي العام 1967 أو 1948، ومن هذه الحقائق:

1- كل التوقعات الديمغرافية تشير إلى أن اليهود سيصبحون أقلية نهاية العقد الحالي، نظراً لارتفاع معدل الولادات لدى الفلسطينيين، وتراجع حركة هجرة اليهود لإسرائيل، بمعنى أن السكان اليهود اليوم ليسوا غالبية إلا بشكل بسيط بين البحر المتوسط ونهر الأردن، مقابل أن الفلسطينيين سيصبحون غالبية بين النهر والبحر.

2- يتبين من خلال الإحصائيات أن 80% من مجمل سكّان إسرائيل من اليهود، ما يعادل 5.45 مليون نسمة، و20% من السكان عربا.

3- شكل الانسحاب من غزة عنوانا صارخا للتخوف الديمغرافي، حيث بررت إسرائيل انسحابها بضرورة الحفاظ على طابعها "اليهودي"، بما يعني النقاء العرقي! ورغم أنها حاولت التغلب على المشكلة الديمغرافية، عبر تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعا ملحوظا في أعدادها، للأسباب التالية:

1- النقص الحاد في الخزان البشري في الاتحاد السوفيتي السابق، بفعل الهجرة الكثيفة وخصوصاً باتجاه فلسطين المحتلة، والمغادرة إلى دول أخرى،

2- التدهور الأمني والموت الذي بات يلاحق الإسرائيليين في كل شارع وزقاق، منذ اندلاع الانتفاضة في أيلول 2000،

3- الانكماش الاقتصادي، وارتفاع معدل البطالة الذي بلغ 10% من القوى العاملة.

وكانت آخر الأفكار التي ابتدعها الإسرائيليون لمحاولة كسب المعركة الديمغرافية أمام الفلسطينيين، ما قدمه وزير الخارجية الجديد وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، حين طرح مشروعا يقضي باستبدال الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة منذ العام 1967، بتبادل أراض على أساس تواجد سكاني، بحيث أراد ضم منطقة المثلث في فلسطين المحتلة عام 1948، إلى الضفة الغربية، مقابل الاحتفاظ بكامل المستوطنات في الضفة.

  • أزمة القيادة!

تعيش إسرائيل في ذكرى تأسيسها أزمة حقيقية تتمثل في غياب جيل التأسيس الذي رافقها مع بداياتها الأولى، سواء بوفاة عدد منهم، أو باعتزال بعضهم عدد آخر للحلبة السياسية، لكن المعضلة الأكبر التي تصدرت غياب القيادة السياسية هذا العام، تكمن في تسلم عدد من القادة حديثي العهد للعمل السياسي في إسرائيل، وقد أخذت الأزمة القيادية تستفحل عبر عدد من المحاور السياسية والعسكرية.

ومن أهم معالمها:

1- الغياب القسري لـ"شارون" بفعل المرض، والغيبوبة الطويلة التي ألمت به حتى كتابة هذه السطور، مما ولد عنه تزاحم مرحلي لعدد ممن رأوا أنفسهم مؤهلين لخلافته، وخاصة في أوساط حزبه الوليد "كاديما".

2- المفاجأة التي ألمت بالوسط السياسي الإسرائيلي بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية، والإرباك الذي وقعت به المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

3- تفاعل قضايا الفساد التي تورط بها جملة من كبار السياسيين، بدءا برئيس الدولة، ورئيس الحكومة، ومختلف الوزراء والمسئولين.

4- أزمة القيادة العسكرية المتمثلة بتواصل عمليات المقاومة، واستئناف إطلاق القذائف والصواريخ لتكشف العجز الذي ألم بها، وانفجار الوضع في لبنان وغزة وأسر مزيد من الجنود، ما جعلها تقف "عارية" أمام جنودها وجمهورها الذي بات يتفرج على جيش مهزوم، وقيادة عسكرية لا تليق بأسطورة "الجيش الذي لا يقهر"! وجعلت الصحافة الإسرائيلية تطلق أوصافا معيبة بحق القيادة الحاكمة في إسرائيل، كـ"السخف، الخيبة، الجهل"!   

لقد قدم هذا التقرير أبرز محاور التراجع الإسرائيلي خلال الستين عاما المنصرمة، على جميع الأصعدة السياسية والعسكرية والبنيوية، وربما أهم ما ورد فيه أنه قدم شهادات لهذا التراجع والانكسار، بألسنتهم هم، وباعترافاتهم هم، مما يمنح الحديث مصداقية أكبر، وموضوعية أكثر.

علما بأن الحديث عن مؤشرات الهزيمة والتراجع التي يعيشها الكيان، لم تعد قاصرة على النخب الثقافية والسياسية، بل أصبحت حديث الساعة للمواطن العادي، الذي يتوجب عليه قراءة الواقع بكل موضوعية، ويرى إسرائيل على حقيقتها، دون تهوين أو تهويل، وألا يبقى أسير المقولات التي سمعها في لحظات النكبات والنكسات العربية.