وجهة إسرائيل القادمة نحو إيران ولبنان

  • الأحد 14 يناير 2018 11:06 ص

 

  • مقدمة

تطورات متسارعة تعيشها المنطقة خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، تشير معظمها إلى أن تحركاً عسكرياً إسرائيلياً ما، قد تشهده الأجواء والسواحل والأراضي المجاورة، وغالباً سيكون وجهته إحدى الساحات التالية: غزة-لبنان-إيران، وطالما أنه لن يكون للحرب المتوقعة على الجبهة الأولى تلك التبعات الميدانية الإقليمية، فضلاً عن الدولية، فإن الحديث سيقتصر هنا على الاحتمالات الواردة في الجبهتين المتبقيتين.

علماً بأن التركيز الإسرائيلي منذ إعلان فوز اليمين في الانتخابات البرلمانية، بقي منصباً - وما زال- على الملف النووي الإيراني، وفي ظل تنامي المؤشرات الميدانية الأخيرة، والتحركات السياسية، واللقاءات المكوكية، السرية منها والعلنية، فقد بات من الواضح أن توجهاً إسرائيلياً يحضر لإيران ولبنان، وأن المنطقة حبلى بتطورات قد تبدو "دراماتيكية"، لا يعلم أحد عقباها، فكيف سيبدو الأمر؟

  • حرب اللا خيار

تشهد الآونة الأخيرة، حدوث تغير في طبيعة تناول إسرائيل لما بات يعرف بـ"المسألة الإيرانية"، فبعد أن كانت تعتبرها "مشكلة عالمية"، لن تتصرف حيالها بشكل أحادي، إلا أن التطور الملحوظ البادي مؤخراً يلمح إلى حرية الحركة ضدها، وهو تطور أخذ ينمو شيئاً فشيئاً، ولعل أهم نتيجة مباشرة لهذا التطور في التصور أن تبدو تل أبيب كما لو كانت مطالبة باتخاذ خطوة عسكرية ضد إيران، ولو بصورة منفردة!

علماً بأن أي عمل عسكري ضد إيران سيكون من أهدافه الأساسية تحسين القدرة الردعية لإسرائيل، في ضوء تراجع مستواها منذ سنوات في أعقاب الانسحاب من لبنان، وتنفيذ خطة فك الارتباط عن غزة، وإخفاقها في الحربين الأخيرتين 2006، 2009، وتل أبيب بدورها لن تتوانى عن استحضار شعارات "الحرب التي فُرضت علينا" و"حرب اللاخيار" ووضعية "الحرب من أجل بقائنا ذاته".

ووفقاً لأحدث تقرير إسرائيلي أعد بتعاون مشترك بين شعبة التحليل في جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان" ومركز الأبحاث التابع له، يجمع بين المعلومة الاستخبارية وتحليل الخبراء والمختصين، فإن الموضوع الإيراني يقف على رأس التحديات السبعة التي تواجه إسرائيل هذا العام، متوقعاً أن تتخذ ما وصفه بالقرار الصعب، واستبعاده لنجاح الغرب في مساعي إقناع طهران لتغيير موقفها، ووقف تطلعاتها النووية.

ويتوقع التقرير المسمى "عام مواجهة المخاطر والتحديات"، أن يبقى الخيار العسكري مطروحاً بجدية في أروقة صنع القرار الإسرائيلي، وما يتطلبه من دعم خطط استعدادات الجيش بأذرعه المختلفة ليكون جاهزاً للحظة المواجهة، ورفع مستوى التنسيق الاستراتيجي مع واشنطن، والتحذير من القيام بأي هجوم عسكري بشكل منفرد.

وهناك مؤشرات إسرائيلية تشهدها المداولات الحكومية، وتصريحات المسئولين، والاستنفار الاستخباراتي عبر تجميع معلومات شديدة الدقة عن إيران ومنشآتها، فضلاً عن الاحتياطات الداخلية التي تتخذها بصورة لا سابق لها مثل توزيع الأقنعة الواقية، وتوفير الملاجئ وتجهيزها.

ولعل التصريح الأكثر وضوحاً جاء على لسان رئيس لجنة الخارجية والأمن في للكنيست "تساحي هنغبي" خلال ندوة نظمها المعهد الأميركي لدراسات الأمن القومي في نيويورك حين اعتبر أن عام 2010 هو عام الحسم بالنسبة لإسرائيل فيما يتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية، لأن إدارة "أوباما" لن تقدم على شن هجوم وقائي ضدها.

وتحضيراً لهذا الخيار، أجرت الجبهة الداخلية تمرينات لتشغيل صفارات الإنذار وفحص قدرات قوات الطوارئ في حالات القصف الصاروخي، وتلقت سلطة الإطفائية سيارات إضافية بشكل مفاجئ، ووصلت الطواقم العاملة أوامر تلزمهم بإلغاء إجازاتهم خلال الأشهر الأربعة المقبلة، واستمر سلاح الجوّ في التدريبات على قصف مواقع بعيدة المدى، وأجرى تدريباً لتزويد طائرات "إف 16" بالوقود في الجوّ.

  • إشكاليات المسار العسكري

بالرغم من المعلومات المتوفرة حول إعلان إسرائيل بأن كل الخيارات مفتوحة في التعامل مع إيران، بما فيها العسكري، وأجواء التهديد والحرب التي تخيم على المنطقة، إلا أن عدداً من الاعتبارات ترتقي لأن تسمى "إشكاليات وعقبات" تحيط بهذا التوجه، من أهمها:

  1. تعقيد الموقف الأميركي، واستنزاف الجيش في أفغانستان والعراق، وما قد يثيره أي تحرك عسكري إسرائيلي لحفيظة الدول والشعوب العربية والإسلامية ضد تل أبيب وواشنطن، وسيمنح طهران فرصة جديدة على الصعيدين السياسي والأيديولوجي لكسب الرأي العام.
  2. التسبب بموقف روسي مناهض للضربة، ما قد يسهم في إفشال الجهود الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، تريدها الولايات المتحدة أكثر صرامة.
  3. يختتم الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" عامه الأول في البيت الأبيض، وهو يبدو من الناحية العملية كـ"بطة عرجاء"، لن يكون باستطاعته اتخاذ مواقف وقرارات لها تبعات إستراتيجية بعيدة المدى، فضلاً عن أن اسم "إيران" بحد ذاته، عالق في الذاكرة الأمريكية، بإخفاقات كبيرة، ويكفي التذكير بالمحاولة الفاشلة لتحرير الرهائن الأمريكيين، وفضيحة "إيران غيت"، وهي حوادث تضع "حواجز نفسية" أمام المستوى السياسي الأمريكي للوصول إلى مرحلة العملية العسكرية.
  4. إمكانية نجاح العملية العسكرية تشوبها الكثير من الشكوك، لأنها ستقع وإيران لديها المعلومات والتقديرات بقربها، ومن المتوقع أن تتخذ أجهزتها الأمنية خطوات لإحباط أي هجوم مكثف وفاعل ضد منشآتها النووية، وبالتالي فمن الصعب تقدير طبيعة الأهداف والنتائج الناجمة عن هذه الضربة، على الأقل في ضوء هذا الاستعداد الكبير الذي تبديه.
  5. امتلاك إيران لقدرات عسكرية مادية وبشرية كبيرة، ولها النفوذ والقدرة على تحريك أكثر من ساحة، فقد توجه ضرباتها للقوات الأمريكية المتواجدة في الخليج ودوله عبر منظومتها الصاروخية، ولها القدرة على تجييش الجمهور "الشيعي" في العراق ضد القوات الأمريكية التي تعاني أصلاً من المقاومة السنية، ولها النفوذ والتأثير على حزب الله، الذي لا يخفي قدرته على استهداف إسرائيل، ما سيؤدي لإشعال المنطقة.

وفي محاضرة أحيطت بأجواء من التكتم والسرية، طالب الجنرال احتياط "غيورا آيلاند"، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، وأحد أهم واضعي الإستراتيجية الإسرائيلية الحالية، بالتعامل مع اعتبارات هامة قبل اللجوء لخيار القوة، أهمها احتمالات نجاحه أو فشله في ظل الظروف الموضوعية القائمة، والإمكانيات العملية للتنفيذ، وتداعياته على الصعيدين العسكري والدبلوماسي.

وبذلك يبدي عدم حماسة تجاه هذا الخيار، في ضوء محددات تعمل على "فرملته" وكبح جماحه، ومنها:

  • لن تستطيع إسرائيل تجاهل انتقادات حلفائها، واتهامها بالدولة الهوجاء المتسرعة، تهدد الاستقرار الإقليمي، وتزعزع ركائز الاقتصاد الدولي وسط الأزمة المالية الخانقة، لتصبح منعزلة، إضافة للعزلة الحالية القائمة، وسيتدهور اقتصاد دول عديدة بسبب ما سيسمى لاحقاً "المغامرة الإسرائيلية".
  • رغم تنامي فرص الخيار العسكري في حال عدم تمكن واشنطن من بلورة الائتلاف الدولي المعادي لطهران لتنفيذ العقوبات بشكل حازم، أو ألا يظهر الواقع الدولي نية للقيام بعمل بسبب مقولة "كل لنفسه"، هنا بالذات لن تكون الكثير من الخيارات أمام تل أبيب، وستعتمد الخيار العسكري لانحسار الحيز السياسي.

وينصح صناع الاستراتيجيات في إسرائيل دوائر القرار في مكتبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع في تل أبيب بالإجابة عن جملة من الأسئلة "الملغومة" قبل إعطاء الضوء الأخضر لطياري سلاح الجو بضرب المنشآت النووية الإيرانية، والأسئلة في هذا المجال كثيرة ومتنوعة.

ولئن استحضرت المؤسسة العسكرية عدداً من السيناريوهات المتمثلة بـ: ضربات جوية، عمليات كوماندوز، زعزعة الاستقرار الأمني بطريقة ما، فإن التعقيدات ستكون في مرحلة ما بعد انطلاق الشرارة، وأن أي حرب مقبلة لن تكون سريعة، بل ستمتد لفترة طويلة، وستترك تداعياتها الدراماتيكية على المنطقة.

إن ما تقدم من إشكالات حاضرة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، مما يجعل من إمكانيات القيام بالضربة العسكرية محدوداً، وربما يقتصر على التلويح به دون تنفيذه، ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن تلك الإشكاليات، لا تنفي كلياً أو قطعياً إمكانية القيام بتوجيه الضربة المحدودة للمنشآت النووية، وتحمّل العواقب بحدّها الأدنى!

  • الحرب الثنائية

رغم كلفة هذا الخيار، وصعوبة تحمل إسرائيل لتبعاته، إلا أن هناك استعداد له في أروقة الجيش وأجهزة الأمن،وهو ما وجد ترجمته في دراسة "حرب مثلثة الجسور" الصادرة عن وزارة الدفاع في تل أبيب.

ويعني هذا السيناريو بتدمير مواقع حزب الله أولاً بأول، ثم احتلالها وهضمها، وتصحيح الأخطاء المميتة الناجمة عن شح تدريبات القوات الإسرائيلية المهاجمة وقلة خبرتها القتالية، خاصة صفوف الاحتياط.

وقدّرت مدة "الانتهاء من الحرب اللبنانية الجديدة بستة أسابيع" تبقى فيها القوات الإسرائيلية في الأماكن التي احتلتها، والممتدة على طول الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا، متوقّعة أن تكون "المرحلة الثانية هي الحرب الجوية على إيران، في حال اضطرت تل أبيب لخوضها منفردة لإزالة الخطر النووي، إذ سيتمكن سلاحا الجو والصواريخ الإيرانيان من تدمير واسع للمدن الإسرائيلية قبل القضاء عليهما، إذا ما تدخل الجيش الأمريكي متأخراً".

وبناء عليه، يمكن إعداد سيناريوهات للحرب المقبلة بنظر العديد من المراقبين الواقعة حتماً، ومنها:

  1. حرب ضد إيران، تمهد إسرائيل لها عبر القيام بضربة جوية تستهدف بعض المنشآت، ما سيدفع الأولى للرد بحيث ستتساقط صواريخها البعيدة المدى على تل أبيب، والقواعد الأميركية في بعض الدول العربية، وسيكون جنودها هدفاً يومياً للقوى العراقية المتحالفة مع طهران.

ولعل خطورتها تكمن في معرفة توقيتها والبادئ بها، لكن من المستحيل الإلمام بتداعياتها، وبحجم الرد الإيراني، وبمدى قدرتها على إدخال المنطقة في حرب استنزافية تستمر سنوات، ما سيزعزع أمنها.

كما ينبع تخوف إسرائيلي من أن تكون هذه الضربة أشبه بسياسة "جز العشب"، تقوم إيران بعدها بإعادة البرنامج النووي مرة أخرى، مع أخذ الاحتياطات لحمايته من أي ضربة محتملة.

  1. عدم توجيه ضربة مباشرة ضد إيران، بل استئصال أطرافها الإقليميين ضد حزب الله تحديداً، بعد أن بات عبئاً ثقيلاً على إسرائيل، ولهذا يجب ضربه وتجريده بالكامل من سلاحه، مع إمكانية اختلاط الأوراق في سياق هذه الحرب، بعد أن يصبح من الصعب معرفة مساراتها وتأثيراتها ومدة استمراريتها.

وربما يبدو مشروعاً الحديث عن تقدير الأضرار التي قد تنجم عن "رد فعل إيراني صاروخي تقليدي، برؤوس حربية عادية، ما بين 10-20% من المرافق الحيوية الإسرائيلية كالمصانع والمطارات والمرافئ والمؤسسات العسكرية والاقتصادية، وصولاً إلى 50%، في حال حملت "حشوات" كيماوية، خصوصاً في صفوف السكان والأنهار والمزروعات ومخازن التموين"، وستكون الخسائر بين 800-1500 قتيلاً إسرائيلياً، و4-7 آلاف مصاباً".

وفي الوقت الذي ستتمكن فيه المقاتلات الجوية والصواريخ الإسرائيلية من تدمير 40-50% من المفاعلات النووية ومواقع التخصيب ومستودعات تخزين الصواريخ ومواقع إطلاقها خلال 4-5 أيام، فإن إيران ستستمر بإطلاق الصواريخ بمعدل 20-30 صاروخاً بعيد المدى يومياً، ما سيبرّر عندئذ دخول الولايات المتحدة المعركة بشكل حاسم.

وفي ضوء هذا السيناريو "الكابوس" تستبعد الأوساط الإسرائيلية الإقدام على "فتح جبهتي حرب ضد حزب الله وإيران في وقت واحد كما كان مخططاً أحياناً، وأن المعركة مع لبنان ستكون منفردة، ولكن شديدة القسوة والتدمير، استعداداً "للحرب الأم" مع إيران.

  • معضلة حزب الله

فجأةً، من دون سابق إنذار، شُغل الجميع بالحديث عن الربيع الساخن المقبل على لبنان، ولا يكاد يخلو لقاء سياسي أو محادثة دبلوماسية من السؤال عن جدية احتمال الحرب الإسرائيلية خلال الأشهر المقبلة، وكان آخرها تصريحات الوزير الإسرائيلي "يوسي بيليد".

وهو ما دفع بالمحللين السياسيين وخبراء شؤون الشرق الأوسط في مختلف مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية للإجابة عن السؤال التالي: هل ستندلع حرب مع حزب الله مرة أخرى؟ وعلى خلفية الإجابة تنقسم وجهات النظر إلى ثلاثة: الأولى تقول "نعم"، والثانية تقول "لا"، والثالثة تراهن على استمرار السيناريو الحالي، فيما تطرح المعطيات الجارية ذلك السؤال: إلى أين؟

وأياً كان ترجيح كفة الإجابة، فإن هناك إجماعاً في الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية على أن وجود الحزب يشكل خطراً كبيراً مهدداً للأمن الإسرائيلي، مع الانقسام حول كيفية التعامل معه:

1- الاتجاه الأول: يرى بضرورة اللجوء للخيار العسكري باعتباره الوسيلة الناجعة في القضاء على المخاطر، لكن تنفيذ هذا الخيار يصطدم بالعديد من العقبات ومنها:

أ- الخسائر الكبيرة بسبب امتلاك الحزب قدرات عسكرية تستهدف العمق الإسرائيلي.

ب- الدخول في مواجهة مع الرأي العام الدولي الذي أصبح أكثر رفضاً لعمليات إسرائيل العسكرية.

ج- احتمالات إضعاف حلفاء واشنطن في لبنان.

2- الاتجاه الثاني: يرجح اللجوء للخيار السياسي الدبلوماسي كونه الوسيلة المناسبة حالياً، عبر استخدام المؤسسات الدولية وتوظيفها في الحملة ضد الحزب، ودعم وتعزيز قدرة حلفاء أمريكا اللبنانيين، وهم الأكثر فعالية في إضعاف وزن حزب الله السياسي.

لكن هذا الخيار يصطدم بالعديد من العقبات كعدم توفر المبررات والذرائع المقنعة لدفع المؤسسات الدولية باتجاه تشديد الضغوط على الحزب، لأن الوضع السياسي اللبناني يقوم على أساس خطوط طائفية تجعل من الصعب القضاء على شعبيته في أوساط سكان الجنوب.

3- الاتجاه الثالث: يفضل استخدام معطيات "إدارة الأزمة"، بحيث يتم استخدام التهديد السياسي والعسكري كوسائل ضغط خارجية، مع ضرورة العمل على عزل الحزب عن حلفائه الخارجيين، واستخدام التفاهمات الدولية والإقليمية لحصر نمو قدراته ضمن أدنى حد ممكن.

نلاحظ هنا أن هذه الاتجاهات الإدراكية الثلاثة ما تزال تتميز بحركية الصعود والهبوط وفقاً لأداء ماكينة المؤسسة الإسرائيلية ومحتوى التصريحات السياسية، وبكلمات أخرى كلما ركز الإعلام الإسرائيلي على خطر حزب الله كلما كان الرأي العام فيه أكثر تأييداً للعمل العسكري.

لكن الإشكالية في إسرائيل تتمثل في ماهية سعيها لتحقيق أهدافها في القضاء على خطر حزب الله، ولكن كيف ومتى وبأي وسيلة وما هي احتمالات ذلك، وما هي الأضرار التي ستتعرض لها، وهل بالإمكان تفاديها في ظل الترتيبات الدفاعية الإسرائيلية التي ثبت عملياً عدم تمتعها بالمصداقية الكاملة.

علماً بأنه يمكن تصنيف معطيات الإدراك الإسرائيلي لحزب الله على أساس نوعين من الاعتبارات:

1- عوامل الضعف: يقول الإسرائيليون أن الحزب عانى منذ 2006 من تراجع قدراته في:

أ- عدم القدرة على حشد قدراته العسكرية بجانب الحدود الإسرائيلية، وتمركزها شمال الليطاني.

ب- فقدانه لقائده العسكري عماد مغنية دون الثأر لمقتله حتى كتابة هذه السطور.

ج- على الصعيد السياسي تمت هزيمته في الانتخابات النيابية الأخيرة.

2- عوامل القوة: مصادر قوة الحزب ما تزال فاعلة بنظر الإسرائيليين، ومن أبرزها:

أ- الدعم الإيراني والسوري له، وتأييد سكان الجنوب اللبناني.

ب- امتلاكه تنظيماً عسكرياً شديد التماسك يتميز بالقدرة القتالية ومعرفة الأرض والسيطرة عليها.

وقبل ذلك وبعده، فإن رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" يرى أن إشعال الحرب ضد حزب الله سيتيح له تحقيق المزيد من المنافع والمزايا السياسية والإستراتيجية، خصوصاً في ضوء ما يمثله الحزب من تحدي أمني إستراتيجي، مؤلف من أربعة أضلاع وفقاً لما جاء على لسان الجنرال احتياط " يعقوب عميدرور" الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية، يقع حزب الله في صلبها.

عموماً، يقول العالمون ببواطن الأمور في المنطقة أن الحزب لن يكون الطرف البادئ بالحرب، بل إسرائيل، والذريعة الأكثر احتمالاً أن تسعى للقيام بـ"تركيب" المبررات كإجراء التفجيرات، والقيام بالاغتيالات، واستخدام "الأطراف الثالثة" لإطلاق الصواريخ ضدها، بما يكون كافياً لظهور الإسرائيليين بدور الضحية، وحزب الله بدور الجلاد، الذي لم يترك أمامهم خياراً سوى الرد العسكري دفاعاً عن النفس.

ولئن كانت المعطيات الميدانية تشير إلى أن الجبهة اللبنانية هادئة في المدى الإسرائيلي المنظور، فإن هناك احتمالات لا تلغيها تل أبيب من فرضياتها الأمنية الاستخبارية يتم ترتيبها وفقاً لما أوضحته مصادر دبلوماسية أوروبية وثيقة الإطلاع، حول حتمية الحرب مع حزب الله، نتيجة عوامل أساسية:

  1. حزب الله لم ينس الانتقام لاغتيال قائده العسكري عماد مغنية، وهناك إنذارات ساخنة تشير إلى أنه بصدد الثأر في أي فرصة سانحة.
  2. تعتقد بعض المستويات البحثية والدراسية في تل أبيب أن إيران قد تلجأ لـ"مشاغلة" إسرائيل المتربصة بها، عبر الإيعاز للحزب بالتحرش بجيشها على الحدود الشمالية.
  3. الكشف عن شبكات تجسس في لبنان لم ينتهي بعد، وإبداء الأوساط السياسية في بيروت وتل أبيب، أن الهدف منها تجميع "بنك معلومات" جديد خاصة أساسا بالحزب، تحضيراً للحرب الثالثة.
  4. خضوعه لتعليمات القيادة الإيرانية، وتضامنه معها، ما يشكل تهديداً أمنياً بالغ الخطورة، وأي مواجهة عسكرية مع إيران سيكون الحزب طرفا أساسياً فيها.
  5. امتلاكه ترسانة كبيرة من الأسلحة، غير خاضعة للدولة اللبنانية، وعدم تردده في استخدامها ضد إسرائيل، إذا ما اقتضت مصالح المحور الإيراني السوري ذلك، وفق التصور الإسرائيلي.

كما تعتقد تل أبيب أن الوصفة المثلى لعودة مأمولة لعلاقات دافئة مع واشنطن تتمثل بـ"افتعال" حرب جديدة، سواء مسقوفة ومحددة، زماناً ومكاناً، أو مفتوحة دون جدول زمني، خصوصاً بعدما غادر "أوباما" سريعاً الموقع الملتبس، وإعلانه السير على خطى سلفه "بوش"، وهو ما قد يبرر تسارع وتيرة أنباء التصعيد العسكري الإسرائيلي شمالاً، وتزاحم أنباء الحشود العسكرية، والتصعيد اللفظي الإسرائيلي، وارتفاع نبرة التهديدات بحرب جديدة.

وقد ارتفعت وتيرة القلق الإسرائيلية مؤخراً في ضوء ما كشفت عنه مجلة "جينز" البريطانية، المتخصصة في شؤون الدفاع والتسلح، حول تصويب حزب الله نحو كل مدينة إسرائيلية أكثر من مائتي صاروخ ذات قدرات تدميرية هائلة، ونشره صواريخ أرض- أرض متطورة من نوع M600 على الأراضي اللبنانية، تصل لمناطق واسعة في إسرائيل، قادرة على الإصابة الدقيقة للأهداف، وإحداث دمار كبير، لأن الرأس الحربي يزن 500 كجم.

ووفقاً لما يسرب بين الحين والآخر في المحافل البحثية، فإن أي حرب مقبلة مع الحزب ستختلف جذرياً عن الحروب السابقة، مشددة على عدم خوض حرب استنزاف طويلة تتعرض خلالها، وطوال أسابيع، المدن والمنشآت الإسرائيلية لآلاف الصواريخ والقذائف، بل إن أي حرب جديدة ستكون كاسحة ومدمرة للغاية، تشمل غارات جوية وضربات صاروخية وقصفا بحرياً وهجمات برية مركزة على جبهات عدة، ولعل الحرب الأخيرة على غزة صورة مصغرة عما يمكن أن يتعرض له لبنان.

ولعل شكل الحرب المقبلة شغل جملة من الجنرالات الكبار في إسرائيل، وعلى رأسهم "غيورا آيلاند" رئيس مجلس الأمن القومي السابق، و"يوسي كوبرفاسر" الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية "أمان"، اللذان أدارا نقاشاً حول فرضيتين تناولتا الإجابة عن طبيعة وشكل حرب لبنان الثالثة.

وأجمعا على أن نتائج الحرب القادمة لن تكون بالضرورة أفضل من سابقتها، ما يجعلهما يجمعان ومعهما جملة من الباحثين المرموقين مثل: "أفراييم عنبار، عمانوئيل سيكيل، مردخاي كيدار، ايتان جلبواع" على أن إسرائيل فشلت خلال الحرب الثانية 2006، وربما يتكرر ذات الفشل في الحرب الثالثة، لأنها قاتلت العدو غير الصحيح، وحاربت حزب الله، بدلا من محاربة لبنان الدولة!

بمعنى أكثر وضوحاً، فهم يشيرون إلى أن الزمن الذي كان يقضي فيه سكان بيروت، أوقاتاً ممتعة على شاطئ البحر، والذهاب للمقاهي خلال أيام وليالي الحرب، في حين يقضي سكان مدينة حيفا لياليهم في الملاجئ، لن يعود أبداً، وهذه رسالة الحرب اللبنانية الإسرائيلية الثالثة!

  • غض الطرف الأمريكي

من المحتم أن تجلب العملية العسكرية الإسرائيلية المفترضة رداً إيرانياً، سيبدو صعباً الآن تقدير حجمه وحدته، وفي حال جاء كبيراً، وأسفر عن سقوط إصابات كبيرة في أوساط الإسرائيليين، فمن المؤكد أن يستجلب تدخلاً أمريكياً، سيوسع مدى الحرب القائمة.

وهناك شك كبير فيما إذا كان "أوباما"، سيوافق على الخروج لعملية عسكرية قد تؤدي إلى تورط أمريكي إضافي، بعد التورط الصعب الذي يعاني منه في أفغانستان وباكستان والعراق.

  • فالولايات المتحدة تأخذ بالحسبان إمكانية أن تسفر تغطيتها للعملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران إلى فتح حساب دموي طويل المدى مع العالم الإسلامي كله، حتى من أولئك الذين لا يؤيدون إيران، لأنهم سيعتبرونها هجوماً غربياً على دولة إسلامية، ومن الصعب توقع نتائج هذا الحساب وآثاره المترتبة.
  • من شأن العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران أن يحدث ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط العالمية، التي وصلت مستويات عليا غير مسبوقة، وتتسبب بأضرار كبيرة للاقتصاد العالمي، وقد تحدث انهياراً كارثياً لاقتصادات دول عديدة.
  • نشرت تسريبات صحفية حول مفاوضات غير مباشرة بين مسئولين أمريكيين ونظرائهم الإيرانيين، ما يدفع للقول أن واشنطن لن تتخذ قراراً بتنفيذ عملية عسكرية ضد طهران، قبل أن يثبت بالدليل القاطع أن كل الجهود والمحاولات لم تؤد في النهاية إلى وقف مشروعها النووي، ووصلت إلى طريق فاشل.
  • إن مراقبة التحولات في موقف الولايات المتحدة يشير إلى حرصها على الحل السياسي والدبلوماسي مع إيران، لاعتبارات إستراتيجية تتعلق بحاجتها لها في العراق من جهة، وتخوفها من دورها في إثارة الأزمات في المنطقة من جهة ثانية، وجاءت تصريحات الأميرال "مايك مولن" رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة ليعزز هذا التوجه، حين قال أن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران قد "يزعزع الاستقرار" في المنطقة، مؤكداً على أهمية الحل الدبلوماسي، وتأكيد وزير الدفاع "روبرت غيتس" أن العمل العسكري سيؤخر فقط التقدم النووي الإيراني بصورة مؤقتة.

هذه "الكوابح" الأمريكية دفعت بالبروفيسور "شالوم زكاي" الخبير الإسرائيلي الأكثر تخصصاً في الشؤون العربية والشرق أوسطية لطرح أسئلة برسم الإجابة مثل: هل ستوجه ضربة عسكرية إسرائيلية انفرادية لإيران؟ وهل سيتم الإيعاز للجيش الإسرائيلي لتنفيذها، وإذا تبين أن الإدارة الأمريكية لن تتخذ هذا القرار؟ وحينها ستكون في مواجهة أصعب القرارات القاسية في تاريخها.

هنا، قد لا تجد إسرائيل نفسها ملزمة بالإجابة عن تلك الأسئلة، فضلاً عن طرحها أصلاً، في ضوء تصريحات نائب الرئيس "جو بايدن"، التي أكدت أنها لا تلغي بتاتاً إمكانية غض طرفها عن لجوء تل أبيب للخيار العسكري، إن لم تنجح الخيارات الأخرى، فيما أكد الجنرال "ديفيد بترايوس" قائد القيادة الأميركية الوسطى، أن واشنطن وضعت خطة لضرب المنشآت النووية الإيرانية، في أول تصريح محدد وواضح لمسئول أميركي عن استعمال القوة في هذا النزاع.

ولعل أبلغ عبارة قيلت في الموقف الأمريكي من الضربة العسكرية الإسرائيلية المتوقعة ضد إيران، ما ذكره "ستيفن سيمون" من "مركز الإجراءات الوقائية" التابع لـ"مجلس العلاقات الخارجية" في دراسة المعنونة بـ"ضربة إسرائيلية محتملة لإيران"، حين قال: "إذا ظلت واشنطن متمسكة بموقفها الرافض لتوجيه الضربة، فإن تل أبيب تعتقد أن البيت الأبيض لابد وأن يعطيها "الضوء الأصفر" على الأقل، سواء توصل لاتفاق مع إيران، أو استنفذ الوسائل الدبلوماسية ولم يتوصل إلى حل"!

وربما ما يجعل إسرائيل تنأى بنفسها عن عملية انفرادية ضد إيران، أن الأخيرة تمتلك عدداً من الردود المتوقعة إذا ما هوجمت، وتحديداً الإطلاق المكثف لصواريخ "شهاب"، التي تغطي مداها كامل الأراضي الإسرائيلية، واستخدامها ضد مناطق ومدن سكانية كبيرة، وإمكانية اللجوء لاستهداف مفاعل "ديمونا"، إلى جانب تفعيل حلفائها في المنطقة، حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وفقاً لتقديرات الباحث العسكري "داني شوهام" في مجلة "نتيف" الصادرة عن الجيش الإسرائيلي.

 

  • صراع الأدمغة

تساؤلات عديدة طرحتها عمليات الاغتيال والاختفاء الأخيرة التي استهدفت بعض العلماء والفنيين الإيرانيين ممن لهم صلة بالبرنامج النووي، تشير العديد من الشواهد والمعطيات إلى "الأصابع" الإسرائيلية والأمريكية، ما قد يفسر لجوء إسرائيل إلى إستراتيجية استنزاف البرنامج النووي الإيراني تدريجياً من الداخل، من خلال تفريغه من الكوادر البشرية المتخصصة في التكنولوجيا النووية من علماء وفنيين، عبر التصفية الجسدية، الاختطاف، والتهجير، وهو ما أسمته الـ"ديلي تلغراف" البريطانية بـ"الحرب الخفية"، و"صيد الرؤوس"، وتبدو تكاليفه أقل، وعوائده أضخم، وإن كانت أبطأ، ولا يبدو أن طهران وجدت طريقاً لصده حتى الآن.

أخيراً.. قد تكون الصعوبات التي ورد ذكرها آنفاً "ألجمت" رغبة تل أبيب في الإقدام على الخيار العسكري، وأجبرتها على البحث عن إستراتيجيات بديلة، بعد أن أضحى استبعاد الخيار العسكري من حسابات الأميركيين يحظى بتأييد متزايد داخل واشنطن، مع تفاقم المأزق العسكري العملياتي في العراق وأفغانستان.

مما يجعل أفضل ما يختم به التقدير أن هذه السنة 2010 ستكون الفترة التي تحاول فيها الإسرائيليون افتعال أزمة، يسعى الأمريكيون لتلافيها، فيما يبني الإيرانيون استعداداتهم لمواجهتها، وتتلاعب فيها باقي الأطراف المستفيدة لضمان عدم التوصل سريعاً إلى قرار ينهيها!

 

المصدر الجزيرة نت