الأيديولوجيا تزاحم السياسة في خطاب "حماس"

  • السبت 20 يناير 2018 11:12 ص

الأيديولوجيا تزاحم السياسة في خطاب "حماس"

  •  ملخّص

 تعيش "حماس" في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة في علاقاتها الإقليميّة والدوليّة، تضطرّها أحياناً إلى اتّخاذ مواقف سياسيّة قد لا يكون عليها إجماع داخل الحركة، ربّما لأسباب فكريّة أيديولوجيّة، ممّا يعمل على إظهار تباينات من حين إلى آخر بين مستوياتها السياسيّة والدينية، لكنّ "حماس"، كما يبدو، تمتلك الآليّات التنظيميّة القادرة بموجبها على ضبط صفّها الداخليّ، بما يتوافق مع توجّهات قيادتها السياسيّة.

******

عرفت الأشهر الأخيرة عدداً من الأحداث الإقليميّة والدوليّة، دفعت بـ"حماس" إلى إعلان مواقف إعلاميّة وسياسيّة منها، لم يحصل عليها إجماع داخل حماس، بين المستويات السياسية والدينية، فقد حاولت حماس من تبنّي بعض المواقف أن تعود عليها بعوائد سياسيّة من أطراف خارجية، لكنها في الوقت ذاته عادت عليها بانتقادات من داخل الحركة في بعض الأحيان.

ومن هذه الأحداث الكبيرة، التفجيرات الّتي استهدفت بيروت في 12 تشرين الثاني/نوفمبر وتبنّاها تنظيم الدولة الإسلاميّة وقتلت 43 لبنانيّاً وأصابت 200 آخرين، واستنكرتها "حماس" في بيان صحافيّ بـ13 تشرين الثاني/نوفمبر. وفي 14 تشرين الثاني/نوفمبر، نفّذ تنظيم الدولة في باريس عمليّات دامية أسفرت عن مقتل 130 فرنسيّاً.

        المصالح والمبادئ

وفي هذا الإطار، قال عضو المكتب السياسيّ لـ"حماس" عزّت الرشق لـ"المونيتور": "إنّ حماس تدين هجمات باريس لأنّ ترويع المدنيّين الأبرياء وقتل الآمنين مرفوض بكلّ الشرائع السماويّة والبشريّة، والشعب الفلسطينيّ يتجرّع الإرهاب ذاته من الإحتلال الإسرائيليّ".

هذا الموقف الإعلاميّ لـ"حماس" من تفجيرات بيروت وباريس، رغم أنّه متّفق عليه بين أوساطها السياسيّة والدينيّة، لكنّ نقاشات داخليّة تابعها "المونيتور" بين بعض أوساط علمائها الشرعيّين استحضرت الأسباب الّتي دفعت إلى تنفيذ هذه العمليّات المدانة لمعرفة دوافع تنفيذها، ومنها: لماذا شاركت فرنسا في التّحالف الدوليّ ضد تنظيم الدولة الإسلامية لضرب المسلمين في سوريا وقتلت منهم المئات؟ ولماذا أرسل "حزب الله" قوّاته إلى الأراضي السوريّة لمحاصرة السوريّين؟

أصحاب هذا الرأي من العلماء الشرعيين في أوساط حماس، لا يطرحون هذه الأسئلة لتبرير هذه العمليات الدامية، لكنهم يحملون الأطراف المستهدفة منها، فرنسا وحزب الله، مسئولية معينة من استهدافهم بهذه الهجمات، رغم إدانتهم الواضحة للمنفذ الرئيسي لها، وهو تنظيم الدولة.

إنّ التطوّر الأكثر إثارة في مواقف "حماس" الأخيرة جاء عقب اغتيال إسرائيل لسمير القنطار، وهو أحد قادة "حزب الله"، في 20 كانون الأوّل/ديسمبر بدمشق، حيث دانت "حماس" في بيان صحافيّ الاغتيال. وفي وقت لاحق من نفس اليوم، أصدرت كتائب عزّ الدين القسّام - الذراع العسكريّة لـ"حماس"، بياناً وصف القنطار بأنّه عميد الأسرى العرب في السجون الإسرائيليّة.

وأشار الأمين العام لهيئة علماء فلسطين في الخارج الشيخ نوّاف التكروري، وهو أحد قادة "حماس" في سوريا قبل الخروج منها عام 2012 ويقيم اليوم في تركيا، في صفحته على "فيسبوك" بـ28 كانون الأوّل/ديسمبر إلى أنّ نعي "حماس" للقنطار جاء مخالفة وتجاوزاً لما هي عليه الحركة.

ومن جهته، وصف ياسر الزعاترة، وهو أحد أكبر المحلّلين السياسيّين قرباً لـ"حماس" ويقيم في الأردن، على "تويتر" في 20 كانون الأوّل/ديسمبر بيان نعي القسّام بأنّه بالغ في مدح القنطار، وأنّ هذا الموقف سخيف ويستحقّ الإدانة، داعيا "حماس" إلى عدم مجاملة إيران، مع العلم أن علاقة حماس مع إيران لا تمر بأحسن أحوالها منذ خلافهما حول الملف السوري أواخر 2012، وعدم تحقق زيارة خالد مشعل زعيم حماس إلى طهران حتى اللحظة.

ربّما إنّ تعزية "حماس" للقنطار لم يحصل عليها إجماع كبير داخل الحركة، بل على عكس ذلك، فقد أثارت الكثير من الجدل الّذي شهدته شبكات التّواصل حول مشاركة القنطار النّظام السوريّ في قمع الشعب السوريّ.

وفي هذا المجال، قال القياديّ في "حماس" والمتحدّث باسمها صلاح البردويل لـ"المونيتور": "إنّ حماس بنت موقفها من اغتيال القنطار لأنّه سجن ثلاثين عاماً في السجون الإسرائيليّة، فليست لدينا معلومات دقيقة عن بقيّة أنشطته في سوريا، وأيّ انتقاد لموقف حماس من التعزية يعود لكون لكلّ شخص آراء مختلفة، وحماس عندما تتّخذ قراراً تضع كلّ الحسابات أمامها".

وفي 25 كانون الأوّل/ديسمبر، أعلن الجيش السوريّ اغتيال قائد جيش الإسلام في سوريا زهران علّوش بدمشق، وفي حين التزمت "حماس" الصمت إزاء الحادث، صدر بيان نعي غير رسميّ في 26 كانون الأوّل/ديسمبر، موقّع باسم "أبناء حماس في سوريا"، لكنّ "المونيتور" لم يحصل على تعقيب رسميّ من "حماس"، حول نفي البيان أو تأكيده.

        توزيع الأدوار

ومن جهته، قال مدير الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة في غزّة وأحد علماء "حماس" الشرعيّين في غزّة أيضاً يوسف فرحات لـ"المونيتور": "هناك مساحة واسعة للمناورة داخل حماس بين الخطاب السياسيّ والدينيّ، لكنّ الحركة تستخدم خطاباً سياسيّاً من الدرجة الأولى، رغم اتّهامها من بعض خصومها العلمانيين أو اليساريين أحياناً بالتّلاعب في النصوص الدينيّة وتوظّفها لخدمة مصالحها السياسيّة، علماً بأنّ صنّاع القرار السياسيّ في حماس بمعظمهم لديهم خلفيّة دينيّة، وهم حاصلون على شهادات أكاديميّة شرعيّة، ولا يتجاوزون الشرع الإسلاميّ في قراراتهم السياسيّة. لذلك، لا يبدو الساسة في حماس مطالبين بالعودة في كلّ صغيرة وكبيرة إلى العلماء الدينيّين لإتّخاذ استشارتهم وموافقتهم".

تعيش "حماس" كحركة سياسيّة ذات مرجعيّات دينيّة تزاحماً بين المصالح والمبادئ، من يتقدّم على من؟ وقد تمثّل ذلك في الكثير من مطالباتها السياسيّة بالاعتراف بإسرائيل مثلاً، من قبل الرباعية الدولية والإدارة الأمريكية، الّذي كان يمكن لها أن تجني منه فوائد سياسيّة عدّة كرفع الحصار عن غزّة واستقبالها في عواصم العالم، لكنها رفضت الاعتراف بإسرائيل من الناحية الأيديولوجية، وها هي تدفع ثمن ذلك عبر محاصرة إسارئيل لغزة منذ 2006، وشن إسرائيل عليها ثلاثة حروب ضارية في أعوام 2008، 2012، 2014.

كما كان يمكن لحماس من الناحية السياسية البحتة أن تظل تحت كنف النّظام السوريّ، بعد مغادرة سوريا في فبراير 2012، فيما يواصل النظام قمع المدنيّين بالقتل والبراميل المتفجّرة، لكنّها كما يبدو، لم تستطع تأييد النّظام في هذا السلوك الدامي تجاه شعبه، لكن حماس انحازت للموقف الأيديولوجي المبدئي، فخرجت من سوريا، رغم تهديد إيران أواخر 2011 بوقف دعمها مالياً إن فعلت ذلك، ولذلك فقد شهدت حماس تعدداً في الآراء حول الموقف من الثورة السورية، بين السياسي المصلحي أو الأيديولوجي المبدئي، ومدى دقة هذا الموقف أو خطئه.

الشيخ نواف التكروري أمين هيئة علماء فلسطين في الخارج، المقيم في تركيا، قال "للمونيتور" أن "حماس تقدم المبدأ على المصلحة، وخروجها من سوريا شكل التزاماً بمبادئها بألا تكون شاهدة على قتل الشعب السوري، رغم وجود أفراد وعلى مستوى عالٍ في الحركة ينظرون إلى حساب المصالح المجردة من المبادئ، ويقدمونها ويتصرفون بناء عليها، ويظهر ذلك في كثير من تصريحات وكتابات وتغريدات بعض الكوادر والقيادات في حماس".

وبدوره، قال مدير المركز المعاصر للدراسات وتحليل السياسات وأستاذ العلوم السياسيّة في جامعة "النجاح" الوطنيّة بنابلس رائد نعيرات "للمونيتور" : "حماس تغلّب الخطاب السياسيّ على الأيديولوجيّ في كثير من المواقف السياسيّة، لأنّها تربح جيّداً إقليميّاً ودوليّاً، وتمارس البراغماتيّة السياسيّة بصورة واضحة، لكنّها عند الأزمات الصعبة الّتي تمرّ بها داخليّاً وخارجيّاً تقوم باستدعاء الطبقة الدينيّة العلمائيّة للمزيد من التحشيد والتّجنيد خلف سلوكها وخطابها. وفي أوقات الراحة السياسيّة وعدم الضغط، يتمّ استحضار النخب السياسيّة البراغماتيّة".

وأخيراً، لعلّ مراجعة متأنّية للخطاب الصادر عن "حماس" من حين إلى آخر، يشير إلى أنّها تستخدم المفردات السياسيّة تارة، والأيديولوجيّة طوراً، وتجمع بينهما تارة أخرى، وكلّ حال حسب الموقف الّذي يصدر في شأنه خطاب "حماس"، بحيث لا يستطيع أحدنا أن يحدّد مسبقاً كيف ستصدر "حماس" موقفاً محدّداً حول حدث في عينه. ومع ذلك، يبقى السؤال القديم الجديد في "حماس": من يخضع لمن في الخطابات والمواقف؟ هل السياسيّ للدينيّ أم العكس؟

غازي حمد، وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية في غزة، وأحد القيادات البراغماتية في حماس، حاول الإجابة على هذا السؤال في حديث "للمونيتور" بالقول أن "التجربة السياسية لدى حماس تثبت أنها قامت بعملية مزاوجة بين الاتجاهين السياسي والأيديولوجي، واجتهدت في السير بخطوط متوازية، ففي بعض الأحيان غلبت جانباً على آخر، وفي أحيان أخرى ظهر أن لدى حماس قصور في فهم بعض التطورات السياسية، ففهم منها البعض على أنها نظرة أيديولوجية، وهي ليست كذلك".

ولذلك يمكن القول أن حماس كحركة سياسية ذات مرجعية دينية، تعمل على تدعيم مواقفها السياسية، سواء في خلافاتها على الساحة الفلسطينية الداخلية مع فتح، أو في صراعاتها الخارجية مع إسرائيل، من خلال استحضار نصوص دينية من القرآن الكريم، لإبراز صوابية مواقفها على الآخرين، وهو ما قد يتسبّب لها بانتقادات من خصومها بين حين والآخر.

 

المصدر المونيتور