مشاريع تركيا في غزّة ترسّخ نفوذها بين الفلسطينيّين

  • السبت 20 يناير 2018 01:52 ص

مشاريع تركيا في غزّة ترسّخ نفوذها بين الفلسطينيّين

  • ملخّص

 شهدت غزّة في الأشهر الأخيرة تنفيذ مشاريع إقتصاديّة تركيّة، أهمّها المشروع الأضخم لبناء مئات الوحدات السكنيّة لأصحاب المنازل المدمّرة من الحرب الأخيرة، ممّا يدفع إلى التساؤل عن مساهمة المشروع في التّخفيف من معاناة الفلسطينيّين، مع تراجع وعود المانحين بدفع نصيبهم من الإعمار... المقال يتناول أهمّ المشاريع التركيّة في غزّة، للتعرّف على أسباب دعم الأتراك المتجدّد للفلسطينيّين، ودوره بترسيخ نفوذهم السياسيّ فيها.

*******

شهد قطاع غزّة منذ فرض الحصار الإسرائيليّ عليه عقب فوز "حماس" في الإنتخابات التشريعيّة عام 2006، حراكاً إقليميّاً ودوليّاً ملحوظاً لتقديم الدعم إلى السكّان المحاصرين، ومنها مشاريع صحية، وبنية تحتية، وإعمار المنازل المهدمة، وبناء مدارس، وبدا لافتاً حضور تركيا في هذا المجال، ربّما بسبب العلاقات الجيّدة الّتي تربطها بـ"حماس"، مع أنّ هناك مشاريع تركيّة تقدّم أيضاً في الضفة الغربيّة، لعل أهمها مشروع منطقة جنين الصناعية شمال الضفة الغربية، التي توفر 15 ألف فرصة عمل.

وإنّ آخر المشاريع التركيّة، ما أعلنته وزارة الأشغال الفلسطينيّة في غزّة بـ23 آذار/مارس عن إتّفاقها مع الحكومة التركيّة على بناء 320 وحدة سكنيّة لمتضرّري الحرب الإسرائيليّة على غزّة في صيف عام 2014، الّتي أسفرت عن هدم 12 ألف وحدة سكنيّة في شكل كليّ، و160 ألف وحدة سكنيّة مهدمة بشكل جزئيّ[N1] ، منها 6600 غير صالحة للسكن، وفقاً لما أعلنه وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني مفيد الحساينة يوم 24 حزيران/ يونيو 2015.

        مشاريع إغاثيّة

وفي هذا السياق، قال منسّق مكتب غزّة في وكالة التّعاون والتّنسيق التركيّة "تيكا" محمّد مرتجى لـ"للمونيتور": "إنّ تكلفة المشروع الأخير تبلغ 13.5 مليون دولار، وهو مقام على مساحة 22 دونماً، بما يعادل الـ22 ألف م2، ويتكوّن من 320 وحدة سكنيّة، والوحدة مساحتها 100 متر مربّع، موزّعة على 20 عمارة سكنيّة، والعمارة مكوّنة من 4 طوابق، وأقيم في منطقة وادي غزّة الّتي تبعد كيلو ونصف كيلو[N2]  عن الحدود الشرقيّة لغزّة مع إسرائيل. ونظراً لخطورة المنطقة من الناحية الأمنيّة، نبلغ إسرائيل بالإحداثيّات الهندسيّة لمشاريعنا حتّى لا تتضرّر من مواجهات عسكريّة قادمة. وهذا المشروع وغيره من المشاريع التركيّة، يدلّ على تعاطف تركيا شعبيّاً ورسميّاً مع فلسطينيّي غزّة، ومحاولة لفكّ الحصار المفروض عليهم منذ عشر سنوات".

لقد نفّذت تركيا منذ عام 2006 العشرات من المشاريع الإقتصاديّة والتنمويّة والإنسانيّة في غزّة، ومن أبرزها توفير ملاجئ موقّتة لمن دمّرت منازلهم في حروب إسرائيل الأخيرة على غزّة في أعوام 2008، 2012، و2014، التي أسفرت جميعها عن هدم إسرائيل 4312 منزل بشكل كامل، ودمرت 25 ألف منزل بشكل جزئي، وتضرر عشرات المساجد والمقابر والمدارس والجامعات والمباني والمؤسسات والمكاتب الصحفية.

كما نفذت تركيا مشاريع إصلاح شبكات الكهرباء والآبار والمياه والصرف الصحيّ وإعادة إعمار دور العبادة والمراكز الثقافيّة والمواقع التراثيّة وإعادة تأهيل الطرق والجسور المدمّرة، وتعويض المزارعين عن خسائرهم. وأوصلت تركيا أطناناً من المساعدات الطبيّة، وعالجت الفلسطينيّين المصابين فيها، ومنحت طلاّب غزّة فرصاً دراسيّة للتّعليم العالي والدراسات العليا في جامعاتها، بجانب تنظيم الأعراس الجماعيّة لآلاف الشباب المحدودي الدخل، عبر مؤسّسات إغاثيّة تركيّة، ومنها: جمعيّة "ياردم إلي"، الهلال الأحمر التركيّ، وهيئة الإغاثة التركيّة.

وفي هذا الإطار، قال أستاذ الإقتصاد في جامعة الأزهر بغزّة الدكتور معين رجب لـ"المونيتور": "إنّ المشاريع التركيّة في غزّة لها مكانة كبيرة لخدمة الإقتصاد الفلسطينيّ مع ما يعانيه الفلسطينيّون من حصار وإغلاق، وخدمت مجالاتها قطاعات واسعة من الفلسطينيّين، لا سيّما المقاولات، ووفّرت كثيراً من فرص العمل، مما يرفع[N3]  مستوى الناتج المحليّ، ويقلّل معدّلات البطالة الّتي وصلت في أيّار/مايو من عام 2015 إلى 43 في المئة، وهي النّسبة[N4]  الأعلى في العالم. وبجانب الفوائد الإقتصاديّة لمشاريع تركيا في غزّة، فإنّها تبحث عن دور ملموس وتأثير سياسيّ في مجريات السياسة الفلسطينيّة".

"المونيتور" حاول معرفة العدد التقريبي لفرص عمل المشاريع التركية في غزة، فأبلغه أحد المسئولين الفلسطينيين المتابعين لها في غزة، رافضاً كشف هويته، أن "من الصعب وضع رقم دقيق لفرص العمل التي وفرتها المشاريع التركية في غزة، لكن هذه المشاريع تعمل في غزة منذ قرابة العشر سنوات، وبحساب تقديري فإنها وفرت ما لا يقل عن 15 ألف فرصة عمل".

ولقد قام "المونيتور" خلال إعداد هذا التقرير بجولة ميدانيّة على بعض المشاريع التركيّة في غزّة، لعلّ أهمّها مستشفى "الصداقة التركيّ – الفلسطينيّ" في وسط قطاع غزّة، الّذي بدأ العمل به عام 2011، على مساحة 33 دونماً، بكلفة 35 مليون دولار، وبإدارة الجامعة الإسلاميّة، لتقديم الخدمات الصحيّة إلى الفلسطينيّين، وهو يشمل كلّ التخصّصات الطبيّة المجهّزة بأحدث غرف العمليّات والتّصوير الشعاعيّ.

وفي هذا الإطار، قال مدير البحوث في المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجيّة- مسارات في رام الله، خليل شاهين لـ"المونيتور": "إنّ تركيا تدرك أنّ غزّة رغم صغر مساحتها الجغرافيّة المقدّرة بـ360 كم2، لكنّها ذات وزن في سياسات المنطقة، وتسعى تركيا بمشاريعها في غزّة إلى زيادة نفوذها السياسيّ بالساحة الفلسطينيّة، مع أنّها لا تقدّم أموالاً نقديّة إلى حماس، بل تنفّذ مشاريع إقتصاديّة للوصول إلى مرحلة عقلنة حماس واحتوائها، لتكون أكثر مرونة بمواقفها السياسيّة. كما أنّ تزايد مشاريعها الإقتصاديّة في غزّة يزيد حسابات الربح والخسارة عند حماس قبيل الذهاب إلى مواجهة عسكريّة مع إسرائيل خشية التسبّب بتدمير المشاريع، ويصبح لحماس ما قد تخسره".

        المال السياسيّ

لقد شهدت غزّة في 3 شباط/فبراير زيارة وفد إقتصاديّ تركيّ كبير، ضمّ عدداً من كبار الشخصيّات الإقتصاديّة التركيّة، التقى نائب رئيس المكتب السياسيّ في "حماس" إسماعيل هنيّة، وأكّد سعيه إلى إنشاء منطقة صناعيّة في بيت حانون - شمال غزّة، الّتي سوف تستوعب 10 آلاف فرصة عمل فلسطينيّة.

وطالب وزير شؤون المنظّمات الأهليّة الفلسطينيّة الأسبق حسن عصفور الرئاسة الفلسطينيّة في 29 شباط/فبراير بالقيام بما وصفها إنتفاضة عارمة لما تقوم به تركيا في غزّة من دور سياسيّ يرمي إلى تدمير الشرعيّة الفلسطينيّة، وخلق حال فصل وطنيّ جغرافيّ بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وتمرير مشروع دولة غزّة.

كلام عصفور تزامن مع مباحثات المصالحة الجارية بين إسرائيل وتركيا، عقب قطيعة امتدت 6 سنوات، بعد حادثة السفينة مرمرة على شواطئ غزة أواسط 2010، حيث قتل سلاح البحرية الإسرائيلية 9 أتراك، جاؤوا على متنها للتضامن مع غزة المحاصرة، حيث تسربت أنباء في كانون أول/ديسمبر الماضي مفادها أن تركيا تشترط أن يكون لها موطئ قدم في غزة مقابل إتمام المصالحة مع إسرائيل.

ومن جهته، قال وكيل وزارة الخارجيّة الفلسطينيّة في غزّة وأحد قيادات "حماس" غازي حمد لـ"المونيتور": "إنّ المشاريع التركيّة في غزّة منذ ما يقرب عشر سنوات، متنوّعة في المجالات الصحيّة والبنية التحتيّة والتعليميّة والإسكانيّة، والأتراك كرماء مع الفلسطينيّين في غزّة، وافتتحوا مكاتب دائمة لمؤسّساتهم الخيريّة في القطاع. وتعتبر المواقف السياسيّة لتركيا متزامنة مع دعمها الإقتصاديّ متقدّمة كثيراً على بعض المواقف العربيّة. ومع ذلك، فإنّ الأتراك بمشاريعهم الإقتصاديّة في غزّة لم يطلبوا من حماس مواقف سياسيّة بعينها، وإنّما كانت مساعداتهم إنسانيّة بحتة".

ويمكن القول بكثير من الثقة، إنّ الدول المانحة، ومنها تركيا، ليست جمعيّات خيريّة، بل قد تكون لها مصالح سياسيّة من مساعداتها الماليّة والإنسانيّة. ولذلك، فقد تكون لأموالها وظيفة سياسيّة تسبق وظيفتها الإقتصاديّة، رغم ما قد ينفيه الجانبان: التركيّ والفلسطينيّ.

وهو ما يعني أن تزايد المشاريع التركيّة في غزّة، قد يمنح تركيا فرصة لأن تكون لاعباً رئيساً في الملف الفلسطينيّ بشكل جليّ، ويتّضح في تحرّكاتها تجاه حصار إسرائيل لغزّة، رغم أنّ مصر، الجارة الأقرب لغزّة، ترفض منح تركيا موطئ قدم لها في القطاع، لأن مصر تعتبر غزة ملفاً مصريا داخلياً، وفي ظل توتر علاقاتها مع تركيا على خلفية إيواء الأخيرة قيادات من الإخوان المسلمين المصريين، فإن القاهرة تخشى أن يكون زيادة نفوذ أنقرة في غزة تهديداً لحدودها الشرقية مع القطاع.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/04/
turkey-projects-influence-gaza-interests-jobs.html