حماس ورسيا.. تنامي العلاقات والفوائد المتوقعة

  • الجمعة 29 نوفمبر 2019 08:54 ص

حماس ورسيا.. تنامي العلاقات والفوائد المتوقعة

بصورة لافتة، أجرت حماس وروسيا في الأشهر الأخيرة جملة زيارات رسمية واتصالات هاتفية، دفعت الى القول أن هناك توجها لدى الجانبين بتعزيز علاقاتهما، كل لأسبابه الخاصة، في ظل تزاحم الملفات المطروحة، ورغبة العديد من القوى الإقليمية والدولية بإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة عموما، والساحة الفلسطينية خصوصا.

 

ولعل زيادة مستوى التواصل بين حماس ورسيا يطرح جملة تساؤلات جدية وهامة، حول السبب في هذا التوجه المشترك لهما، وفي هذا التوقيت بالذات، وإلى أي حد تنجح هذه الاتصالات بمنح الحركة شرعية هي في أمس الحاجة لها، في ظل المحاولات الأمريكية والإسرائيلية التي لا تتوقف بالإبقاء عليها منبوذة ومعزولة.

 

إنّ تقارب روسيا مع حماس يظهر حاجة الأخيرة إلى موسكو، كونها عاصمة عظمى على مستوى العالم، لصدّ الهجمة الشرسة التي تواجهها من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، فيما ترى روسيا في حماس جهة مؤثّرة في القضيّة الفلسطينيّة.

 

كما أنّ الرئيس فلاديمير بوتين يرغب كما يبدو استعادة الإمبراطوريّة السوفييتيّة، ويعتقد أنّ القضيّة الفلسطينيّة وحماس هما إحدى بوّابات العودة من جديد إلى الشرق الأوسط، ولذلك لم توافق روسيا على تصنيف حماس بأنّها حركة "إرهابيّة"، كما عمدت إلى ذلك واشنطن والاتّحاد الأوروبيّ، ممّا يساعد حماس على إيجاد حالة من التوازن في الموقف الدوليّ تجاهها، فلا يتمّ الاستفراد بها من قبل القوى الإقليميّة والدوليّة.

 

مع العلم أن تقارب حماس وروسيا في الآونة الأخيرة مرتبط برغبة موسكو في العودة للمنطقة العربيّة، ووضع موطئ قدم لها في القضيّة الفلسطينيّة، وكسر الاحتكار الأميركيّ لإدارة عمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

 

هناك من يرى أنّ تقارب روسيا مع حماس ليس منفصلاً عن الحلف القائم مع إيران التي تقود محورها القائم في المنطقة، وحماس باتت جزءاً منه، ولذلك تسعى موسكو لتجميع عدد أكبر من النقاط الإقليميّة في المنطقة لمواجهة الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تعيش معها لحظات توتّر شديدة في الآونة الأخيرة.

 

وفي ظل الجهود الأمريكية والإسرائيلية، وبعض العربية، لإبقاء العزلة السياسيّة على حماس، فإن الحركة تعتبر أنّ تقاربها مع روسيا يعد اختراقاً جدّيّاً لها على الصعيد الدوليّ، وقد تعمد لتكثيف الاتّصالات معها، وكسبها لصفّها في مواجهة أيّ تصعيد سياسيّ أو عسكريّ ضدّها من إسرائيل.

 

تعتبر حماس أن روسيا قوة دولية عظمى صاعدة، وذات تأثير كبير على السياسة الدوليّة، والحركة معنيّة بالانفتاح عليها بما يحقّق المصالح الفلسطينيّة، ولا يتعارض مع ثوابتها، وسبق للجانبين أن أجريا اتّصالات خلال السنوات السابقة، مما يؤكد أن حماس تفتح ذراعيها لأيّ تواصل يأتيها من أيّ طرف باستثناء الاحتلال الإسرائيليّ لتحقيق الطموحات الفلسطينيّة بالاستقلال، مع العلم أن روسيا، هي الدولة العظمى الوحيدة ذات العلاقات الإيجابيّة مع حماس منذ فوزها في الانتخابات التشريعيّة عام 2006.

 

وظفت حماس اتصالات مع الروس في نقل تصورات الحركة عن رؤيتها للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ورغبتها بتحشيد المواقف الدولية لنصرة القضية الفلسطينية، وتفنيد الاتهامات الإسرائيلية ضد المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، الأمر الذي يعني أن علاقة حماس بروسيا قد تفتح نافذة أمام الحركة، بما يمهّد الطريق لاستيعابها ضمن العمليّة السياسيّة في المنطقة، بدل إقصائها، فروسيا أحد أطراف الرباعيّة الدوليّة، وهو أمر ليس متاحا، على الأقل في المدى المنظور، في ظل وجود إدارة ترامب وحكم اليمين الإسرائيلي.

 

قد تكمن المصالح المتبادلة بين حماس وروسيا في ظلّ رغبة الأخيرة بصياغة التحالفات الإقليميّة بما يخدم مصالحها، وتحسين صورتها أمام العالم الإسلاميّ بعلاقتها مع حركة إسلاميّة كبيرة مثل حماس، فيما تطلب الحركة من روسيا اختراق الحصار المفروض عليها منذ عام 2006، بما ينسجم مع رؤيتها بالانفتاح على العالم ويخفّف عنها الضغوط الدوليّة.

 

هذا يعني أن حماس ذاهبة باتّجاه تقوية علاقاتها مع روسيا لمواجهة الضغوط التي تأتيها من قوى دوليّة وإقليميّة كالولايات المتّحدة وإسرائيل، مع أنّ إنشاء هذه العلاقات الجديدة مع روسيا يتطلّب من الحركة إبداء مرونة بمواقفها السياسيّة، بما لا يتعارض مع ثوابتها الوطنيّة، لكنّها مضطّرة للانحناء أمام ما ستواجهه في الفترة المقبلة من تحدّيات.

 

في الوقت ذاته، يبدو من اللازم على حماس ألاّ تتفاءل كثيراً بمستقبل علاقاتها مع موسكو، فالأخيرة جزء من المنظومة الدوليّة، وأيّ علاقة لها بالحركة منوط بمدى استجابتها لمتطلّبات عمليّة السلام، كاعترافها باتفاقيات منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإسرائيل، وطالما أنّ حماس تدير ظهرها لهذه الاستحقاقات، فلن تأخذ من روسيا أكثر من الصور التذكاريّة مع مسؤوليها، وفق بعض التقديرات المتشائمة.

 

تعتبر حماس في أدبياتها الداخلية أن علاقاتها بروسيا بمثابة انهيار للتوجّه الإسرائيليّ الرامي لفرض العزلة الدوليّة حولها، ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل حملته الديبلوماسيّة على حماس لقطع الطريق على انفتاحها على دول العالم، يأتي الموقف الروسيّ صادما لها.

 

وفي مقاييس السياسة الدوليّة، تؤذن المواقف الروسيّة بصعود حماس إلى المسرح الدوليّ عبر أحد أطراف الرباعيّة، لأن استمرار اتصالات الجانبين يعني أنّ الحركة تجاوزت مرحلة الطوق الذي يُراد فرضه حولها بتواطؤ أميركيّ.

 

مع العلم أنّ طريق حماس ليست معبّدة باتّجاه روسيا، فالأخيرة دولة عظمى لها حساباتها السياسيّة، ولن تفتح أبوابها للحركة مجّاناً، بل قد تكون حذرة إزاء تقاربها مع حماس، مع أنّ إيران ليست بعيدة عن التقارب الحاصل بين موسكو وحماس، بعد أن استعادت الحركة إلى محورها مجدّداً.

 

يتزامن تنامي علاقة حماس مع روسيا، مع زيادة تنسيق السلطة الفلسطينية مع موسكو، في ظلّ انسداد الأفق مع الإدارة الأميركيّة بسبب مواقفها المنحازة لإسرائيل، واهتمام الفلسطينيين عموما بالتقارب مع موسكو، ذات العضويّة الدائمة في مجلس الأمن الدوليّ، والجديرة بأن تكون راعية لهذه العمليّة بجانب واشنطن.

 

كما تصادف زيادة اتصالات حماس مع الروس، مع ما تشهده موسكو في السنوات الأخيرة من سلسلة فعاليّات فلسطينيّة متلاحقة، وكأنّها أصبحت العاصمة الدوليّة المفضّلة للفلسطينيّين لاستضافة هذه الأنشطة، في إشارة للتعاون الواضح بين الفلسطينيّين والروس، ورغبة موسكو في أن تسدّ الفراغ الذي تركته واشنطن بالمنطقة، وعدم انخراطها المباشر في الصراع الفلسطينيّ - الإسرائيليّ.

 

مع العلم أن من أسباب زيادة الجهد الذي تبذله روسيا في الملف الفلسطينيّ، رغبتها بالتغطية على صورتها السيّئة في العالم العربيّ عقب تدخّلها في سوريا، واتهامها بسفك دماء آلاف السوريين، مما يجعل موسكو ترى في تقاربها من حماس محاولة لتبييض صفحتها، نظراً لمكانة القضيّة الفلسطينيّة.

 

هذا لا ينفي القول أنّ السلطة الفلسطينيّة غير سعيدة بدعوة موسكو حماس لزيارتها، لأنها لا تريد للحركة مدّ علاقاتها الدوليّة، في ظلّ الحصار الذي تفرضه عليها، وأيّ تواصل إقليميّ ودوليّ لحماس يؤذي السلطة وقيادتها، على اعتبار أن السلطة تريد احتكار المشهد السياسي الفلسطيني، وتكون هي الطرف الوحيد الذي يزور روسيا، ويتصل بها.

 

إن مراجعة سريعة للقادة الفلسطينيّين الذين زاروا موسكو في الأشهر الأخيرة، تؤكّد رغبة فلسطينيّة جادّة بأن يكون للروس دور وتأثير بصراعهم مع إسرائيل، دون تأكّدهم من تحقّق ذلك، فيما تواظب روسيا على دعوة القادة الفلسطينيّين لزيارتها لممارسة تأثيرها عليهم، دون امتلاكها بطاقة تأمين بنجاحها المأمول.

 

هناك قراءة فلسطينية لافتة، تتفق حماس في بعض محاورها، تفيد بأن موسكو ترى أن واشنطن تدير بصورة حصرية الملف الفلسطينيّ الإسرائيليّ، مقابل أن يبقى الملف السوريّ خاصاً بالروس، وروسيا لا تستثمر سياستها في الموضوع الفلسطينيّ: داخليّاً بين فتح وحماس، وخارجيّاً مع إسرائيل، لأن اهتماماتها محصورة في سوريا والقرم.

 

وهذا قد يفسر في بعض أبعاده أن سياسة روسيا تجاه الفلسطينيّين عموما، وحماس خصوصا، تقتصر على ديبلوماسيّة الزيارات المتبادلة والتصريحات المجاملة، وهو ما يرضيهم، لأنّهم يحتاجون إلى أيّ موقف مساند لهم، في ظلّ العزلة التي يعيشونها، لكن دون ترجمة موسكو لهذه الديبلوماسيّة إلى سياسة جديّة على الأرض تجبر إسرائيل على الاستجابة لمطالب الفلسطينيّين، وتوقف الضغوط الأميركيّة عليهم.

 

أخيراً.. يشكل تطوّر علاقة حماس بدولة عظمى كروسيا طموحا كبيرا لها للاحتماء بها من أيّ ضغوط دوليّة، لكنّها تعلم أنّ موسكو ليست جمعيّة خيريّة، ولا تقدّم مواقف مجانيّة، مما يتطلّب من حماس تقديم مواقف سياسيّة مرنة إزاء الصراع مع إسرائيل، ورغم أنّ ذلك ظهر بوثيقتها السياسية الصادرة في 2017 التي لاقت ترحيب روسيا، لكنّ الامتحان الحقيقيّ يكمن بأفعالها على الأرض، وليس وثائقها النظريّة.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20191128-hamas-and-russia-the-benefits-of-growing-relations/?fbclid=IwAR1A6z4bX0UbsiLIu61FXKYo6cemcAkWST0rdGzgxxsxrduWJj6IV7HjqRU