حماس ترفع مستوى علاقاتها مع روسيا

  • الخميس 28 نوفمبر 2019 10:57 ص

حماس ترفع مستوى علاقاتها مع روسيا

شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة اتصالات وزيارات متلاحقة بين حماس وروسيا، وعلى أعلى المستويات القيادية والوزارية بين الجانبين، لبحث إجراء الانتخابات في فلسطين، وأوضاع الأراضي الفلسطينية، والتعرف على آخر المستجدات السياسية الفلسطينية، واستمرار الدعم الروسي للشعب الفلسطيني.

 

السطور التالية تناقش زيادة الاتصالات المتلاحقة الهاتفية أو الشخصية بين حماس وروسيا، ماذا تهدف، وهل يعني أنهما رفعا مستوى علاقاتهما درجة إضافية، وأن حماس باتت ترى في روسيا طرفا دوليا يمكن الاعتماد عليه لمواجهة العزلة الإقليمية والدولية التي تفرضها عليها إسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤهما في المنطقة، وكيف تنظر السلطة الفلسطينية لزيادة علاقات حماس مع موسكو.

 

آخر قنوات التواصل بين حماس وروسيا جاءت أواخر أكتوبر، بإجراء اتصال هاتفي من المبعوث الشخصي للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول أفريقيا ونائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية.

 

وفي منتصف أكتوبر، أجرى بوغدانوف في العاصمة القطرية، بحضور السفير الروسي لدى الدوحة، نور محمد خولوف، لقاء مع وفد من قيادة حماس برئاسة نائب رئيس مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق وعزت الرشق رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، وفي يوليو، التقى أبو مرزوق مع بوغدانوف في قصر الضيافة الروسية بموسكو.

 

في جميع هذه اللقاءات الشخصية والاتصالات الهاتفية، وضعت حماس الروس في صورة المستجدات السياسية للقضية الفلسطينية، وصفقة القرن الأمريكية، ورفضها التام لها، بما فيها مؤتمر البحرين الاقتصادي الذي انعقد في يونيو، مقابل تأكيد الروس حرصهم على تطوير العلاقة مع حماس، والاستماع لرأيها، فيما يتعلق بتطورات القضية الفلسطينية، والتطورات الإقليمية.

 

يطرح التواصل المكثف بين حماس وروسيا أسئلة جادة حول أسبابه، ودوافعه، والمصالح العائدة على الطرفين منه، في ظل أن موسكو تستضيف لديها مكتبا للحركة بصورة غير رسمية، مما يزيد من عوامل التقارب بينهما، وأهمها تنامي علاقات حماس مع تركيا وقطر وإيران؛ وهي دول تشهد تحالفا وثيقا مع موسكو، مما يرفع من رغبة حماس بأن تكون جزءا من محور إقليمي ودولي.

 

تنسجم هذه الاتصالات المكثفة بين حماس وروسيا مع مواقف الأخيرة منها، فمنذ فوز الحركة في الانتخابات التشريعيّة عام 2006، أخذت علاقاتهما مستويات تدريجية من الانفتاح والتطور، وطالما أنّ روسيا دولة عظمى فإنّ أيّ علاقات لها مع حماس، ستخدم الأخيرة، وتدعم موقفها في المنظومة الدوليّة، كما أنّ لروسيا علاقات مع إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة ومصر، ممّا يدعم جهود المصالحة الفلسطينية.

 

كما تستغل حماس وجود قاسم مشترك لها مع الروس في رفضهم لصفقة القرن الأمريكية؛ فضلا عن حالة الارتياح التي تبديها حماس وحلفاؤها في المنطقة من الانسحاب الأمريكي التدريجي من الشرق الأوسط، مقابل زيادة الانخراط الروسي في قضايا المنطقة.

 

لا تخفي حماس رغبتها بأن تتوسط روسيا لدى سوريا لعودة علاقاتها بالنظام السوري؛ حيث تملك موسكو تأثيرا كبيرا على دمشق قد يجعلها تطوي صفحة خلافها مع حماس التي بدأت مع انطلاق الأزمة السورية في 2011.

 

مع العلم أن روسيا دأبت بين حين وآخر في إطار دفاعها وتبريرها للتواصل الدائم مع حماس، على الإعلان أنها لا تعتبر الحركة منظّمة "إرهابيّة"، لأنّها جزء من المجتمع الفلسطينيّ، وممثّلة في المجلس التشريعي الفلسطينيّ، وتشارك في الحكومات الفلسطينيّة.

 

ولذلك تشكل الزيارات المتلاحقة بين حماس وروسيا محطّات مهمّة في علاقات الحركة الخارجيّة، وتكتسب أهميّتها انطلاقاً من كون روسيا قوّة عظمى، فيما تريد الولايات المتّحدة الأميركيّة أن تصف حماس بأنها "إرهابية"، وتظهرها معزولة عن العالم، لكنّ هذه الاتصالات المكثفة بين موسكو وحماس، تريد منها الأخيرة أن تقول لكلّ الأطراف إنّها ليست معزولة، بدليل وجود علاقات علنية لها مع حاكم الكرملين.

 

في الوقت ذاته، هناك من يرى أن زيارات حماس إلى روسيا، واتصالات مسئولي الجانبين الدائمة، يجب ألّا تأخذ أكبر من حجمها الطبيعيّ، صحيح أنّ موسكو في حاجة لمزيد من النفوذ في الشرق الأوسط، بجانب تدخّلها في الملفّ السوريّ، وتريد الاضطلاع بدور أكبر في القضيّة الفلسطينيّة، لكنّ المشكلة أنّ مواقفها لا تتطابق مع حماس، فموسكو تدعو لحلّ الدولتين، وتعارض العمليّات المسلّحة، وهو ما ترفضه الحركة، مما يتطلب من حماس ألّا ترفع سقف تطلعاتها كثيراً من مواقف روسيا السياسية المستقبلية.

 

تأتي العديد من زيارات وفود حماس لموسكو استجابة لدعوة وجّهت للحركة من الروس، في ظل أنّ علاقتهما قديمة، وتعود إلى عقد من الزمن، فروسيا بذلت جهوداً لدفع المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، وتأمل حماس أن تشكل اتصالاتها الدائمة مع روسيا دعماً إضافيّاً لجهود إنهاء الحصار عن غزّة.

 

ربّما ترى حماس في زيارتها إلى موسكو نقطة تحوّل مفصليّة في مسارها السياسيّ والدبلوماسي، فهي تعلم قوّة العلاقات الروسيّة-الإسرائيليّة، لاسيما منذ التدخل الروسي في سوريا عام 2015، وإنشاء مكتب تنسيق عملياتي للجيشين الروسي والإسرائيلي لمنع الاحتكاك بينهما، لكنّها لا تراها مانعاً لإقامة علاقات مع موسكو، للعثور على أيّ دعم أو إسناد سياسيّ، وربّما لمنع أيّ تهديد أو عدوان قد تشنّه إسرائيل عليها.

 

كما ترى حماس بتقاربها من روسيا مقدّمة لأن تكون الحركة لاعباً أساسيّاً في القيادة الفلسطينيّة، وأن يتمّ الاعتراف الإقليميّ والدوليّ بدورها المقبل، ضمن أيّ تسوية للقضيّة الفلسطينيّة.

 

صحيح أن السلطة الفلسطينيّة تعلن أنها لا تعارض زيارات حماس إلى روسيا، والاتصالات الدائمة بينهما، لكنّها تستدرك في الوقت ذاته في رسالة موجهة لحماس بأن أيّ علاقات سياسيّة ليست مجّانيّة، فروسيا جزء من الرباعيّة الدوليّة، وتدعو للاعتراف بإسرائيل، مما يطرح أمام حماس أسئلة حرجة حول مدى استعدادها للقبول بهذا البرنامج السياسيّ، وبالتالي قد يجعل من الصعب أن تستمرّ علاقتهما، إن بقيت مواقفهما متباعدة، وهو موقف لا يخفي قلق السلطة الفلسطينية من تنامي علاقات حماس مع روسيا، التي تعتبرها حليفا حصريا لها.

 

قد يكون لدى حماس قائمة بمطالب وتطلّعات من توثيق علاقاتها بروسيا، وزياراتها المتكرّرة إليها، دون أن تمنحها الأخيرة كلّ ما تسعى إليه، وإن كانت أهداف حماس الآنيّة تتمثّل بالإعلان عن مكتب تمثيليّ علني لها في موسكو، ومنحها دعماً سياسيّاً، وربّما تقريب وجهات نظرها مع المجتمع الدولي، كما أنّ روسيا قد تطوّر علاقتها بحماس بدءاً بإبداء المشورة، مروراً بتقديم النصائح، وصولاً لتوسيع تحالفاتها في الشرق الأوسط، وضمّ حماس إليها، بجانب إيران وسوريا وحزب الله.

 

تعتمد علاقات حماس مع روسيا الجانب التراكمي، وهي أكبر من تصريح هنا وزيارة هناك، فالحركة تعتبر هذه العلاقات مع القوة العظمى الثانية في العالم اختراقاً سياسيّاً في جدار علاقاتها الدوليّة، باعتبار روسيا أحد أطراف الرباعيّة الدوليّة، مما يظهر حاجة حماس إليها، لصدّ الهجمة الشرسة التي تواجهها من الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل.

 

فيما ترى روسيا في حماس جهة مؤثّرة في القضيّة الفلسطينيّة، والرئيس فلاديمير بوتين يرغب باستعادة النفوذ السوفييتيّ في المنطقة، ويعتقد أنّ القضيّة الفلسطينيّة وحماس إحدى بوّابات العودة من جديد للشرق الأوسط، ممّا يساعد حماس على إيجاد حالة من التوازن في الموقف الدوليّ تجاهها، فلا يتمّ الاستفراد بها من قبل القوى الإقليميّة والدوليّة.

 

ولذلك فإنّ تقارب حماس وروسيا في الآونة الأخيرة مرتبط برغبة موسكو في العودة للمنطقة العربيّة، ووضع موطئ قدم لها في القضيّة الفلسطينيّة، وكسر الاحتكار الأميركيّ لإدارة عمليّة السلام بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، وقد مثل الموقف الأخير لبوتين في رفض صفقة القرن خبرا سارا لحماس.

 

في المقابل، تدرك روسيا أنّ تطوير علاقتها مع حماس سيعني فتح أبواب الحركات الإسلاميّة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين المنتشرة في الشرق الأوسط، لما لحماس من تأثير ونفوذ على تلك التيّارات الإسلاميّة السياسيّة، ممّا قد يشير لتوافق روسيّ-إيرانيّ على عودة حماس للمحور الذي تقوده طهران.

 

إن تقارب روسيا الأخير مع حماس ليس منفصلاً عن الحلف القائم مع إيران في المنطقة، وحماس باتت جزءاً منه، ولذلك تسعى موسكو لتجميع عدد أكبر من النقاط الإقليميّة في المنطقة لمواجهة الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تعيش معها لحظات توتّر بين حين وآخر، في أكثر من ملف ومنطقة جغرافية، وحماس من جهتها مستفيدة من هذا التقارب، ولأنّ روسيا دولة عظمى، فإنّ الفوائد العائدة على حماس من تقاربها معها تتركّز في المجالات السياسيّة والإعلاميّة، وتوفير مظلّة دبلوماسيّة للحركة.

 

أخيرا.. فإنه في ظل العزلة السياسيّة التي تفرضها بعض القوى الإقليمية والدولية على حماس، فإنّ تقاربها مع روسيا يشكل لها اختراقاً جدّيّاً على الصعيد الدوليّ، وقد تعمد لتكثيف الاتّصالات معها، وكسبها لصفّها في مواجهة أيّ تصعيد سياسيّ أو عسكريّ ضدّها من إسرائيل، لكن ذلك يتطلّب من حماس حديثاً براغماتيّاً في السياسة الدوليّة، للقبول بدولة فلسطينيّة على حدود الـ1967، كي تستطيع روسيا تسويق الحركة إقليميّاً ودوليّاً.

 

المصدر الجزيرة

https://www.aljazeera.com
/indepth/opinion/russia-hamas-rapprochement-191114142215962.html?fbclid=IwAR2-Ks3NW0yS5iw-5rGQUHjte1lH1VrffsSdTwRfU40E7XbPo-033aYYrz4