تركيا تزيد نفوذها في القدس على حساب الأردن

  • السبت 20 يناير 2018 12:46 ص

تركيا تزيد نفوذها في القدس على حساب الأردن

  ملخّص

تشهد القدس في الأشهر الأخيرة نشاطاً ملموساً للمؤسّسات التركيّة، والجمعيّات الفلسطينيّة المدعومة من الأتراك، ممّا أدّى إلى انتشار العلم التركيّ والمأكولات التركيّة ونشر صور رجب طيّب أردوغان في أحياء المدينة، بالتزامن مع تراجع الأردن عن اتّفاقه مع إسرائيل بتركيب كاميرات المراقبة في المسجد الأقصى بسبب الضغوط الفلسطينيّة، ممّا دفع بعض المقدسيّين إلى الحديث عن وجود تقدّم حقيقيّ للأتراك في مدينتهم على حساب التراجع الأردنيّ، وهو ما اتّضح في استقبالهم المسؤولين من البلدين، ترحيباً بالأتراك وفتوراً بالأردنيّين.

***

شكّل تراجع الأردن عن اتّفاقه مع إسرائيل بتركيب كاميرات تصوير في ساحات المسجد الأقصى في 19 نيسان/أبريل الماضي، لضبط الوضع الأمنيّ في الحرم القدسيّ، علامة واضحة على تراجع الدور الأردنيّ في القدس، في ضوء الاحتجاجات الفلسطينيّة على هذا الاتّفاق بين عمّان وتلّ أبيب، من دون التشاور معهم، منذ بدأت مباحثات الأردنيين والإسرائيليين في أكتوبر 2015 برعاية أمريكية، ولم يكن الفلسطينيون في صورة هذه المباحثات.

في الوقت ذاته، يتزايد النشاط التركيّ الخاص بالقدس، وتمثل آخر مشاهده بتنظيم مهرجان كبير بمدينة اسطنبول التركية يوم 25 أبريل، بعنوان "شكرا تركيا" لدورها في حماية المقدسات الإسلامية بالقدس، بحضور قادة فلسطينيين بينهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، وعكرمة صبري مفتي القدس، لدورها في رفع مستوى المساعدات الماليّة والعينيّة للمقدسيّين، والقيام بسلسلة مشاريع خيريّة وتنمويّة في المدينة، تقترب قيمتها التقديرية من عشرات ملايين الدولارات، دون إعطاء مسئولي الجمعيات التركية للمونيتور أرقاما دقيقة حول قيمة مشاريعهم في القدس، وهو ما قد يشير إلى تناسب عكسيّ للدورين في القدس، تقدّم تركيّ وتراجع أردنيّ.

وقال مفتي القدس وخطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري لـ"المونيتور" إنّ "الدعم التركيّ للمدينة المقدّسة ساهم في إعمارها في شكل عامّ، وعمل على تخفيف معاناة المقدسيّين عبر تمويل مشاريع إنسانيّة واجتماعيّة"، مضيفاً: "ونحن كمقدسيّين نشكر تركيا رئيساً وحكومة وشعباً، على المساعدات المقدّمة إلى المدينة، في ذات الوقت الذي نرى فيه تقصيرا عربيّا واضحا في دعمها، بسبب مشاكلهم الداخليّة وصراعاتهم الدمويّة، ممّا أدّى إلى إهمالهم المدينة، من دون الحاجة إلى الحديث عن تنافس في النفوذ بين تركيا وغيرها من البلدان العربيّة".الكلام بين قوسين كله خاص بالشيخ عكرمة صبري كاملا بأسلوبه الخاص.

لعلّ إجراء مقارنة بين كيفيّة استقبال المقدسيّين للمسؤولين الأردنيّين والأتراك حين يزورون مدينتهم تعطي إشارة واضحة إلى زيادة الترحيب المقدسي بالأتراك، وتراجع ترحيبهم بالأردنيّين، وقد يحمل إشارة ضمنية للمكانة الكبيرة التي يكنها المقدسيون لتركيا، بسبب الخدمات التي تقدمها للمدينة المقدسة وأهلها، فقد استقبل المقدسيّون بحفاوة بالغة وزير الشؤون الدينيّة التركيّ محمّد غورماز الذي زار القدس في 15 أيّار/مايو 2015، وجعلوه يخطب في المسجد الأقصى، ويؤمّ المصلّين، فيما كان استقبالهم لقاضي القضاة الأردنيّ أحمد هليل في 22 أيّار/مايو 2015 مهيناً، فمنعوه من إلقاء خطبة الجمعة في المسجد الأقصى، وأداء الصلاة فيه، وحاولوا الاعتداء على الوفد الأردنيّ، الذي ضمّ وزير الأوقاف هايل داود، وأخرجوه من باحة الحرم القدسيّ.

وينخرط بعض المؤسّسات التركيّة بدعم القدس، وتقديم المشاريع الخيريّة للمقدسيّين، كوكالة تيكا، وجمعيّة مشعلة، ومؤسّسة قناديل، وقد تواصل "المونيتور" مع مسئولي هذه الجمعيات التركية، لكنهم رفضوا إعطاء أرقام تفصيلية أو تقديرية للمساعدات التي يقدمونها للمقدسيين، دون إبداء الأسباب.

قال منسّق برنامج فلسطين في وكالة التعاون والتنسيق التركيّة تيكا، بولانت كوكماز لـ"المونيتور" إنّ "المشاريع التي تقدّمها تركيا إلى القدس إنسانيّة وإغاثيّة خلال السنوات السابقة حتى يومنا هذا في 2016، ومنها إنجاز سكن الطالبات في جامعة القدس بتكلفة ١٠ ملايين دولار، وتجهيز أرشيف المحكمة الشرعيّة، وترميم دار العجزة للمسنّين، وتقديم آلاف وجبات السحور والإفطار في شهر رمضان للصائمين، وتزويد مدارس مقدسيّة بالتجهيزات الإلكترونيّة، وترميم البيوت والمحلّات التجاريّة، وزيادة عدد صفوف بعض المدارس، وتزويدها بآلات رياضيّة وحواسيب".

يمكن الحديث عن سببين لزيادة النفوذ التركيّ في القدس، أوّلهما وجود مشاعر تركيّة إسلاميّة جارفة تجاه إخوانهم من المسلمين، السنة على وجه الخصوص، تدفع الأتراك إلى نصرة المسجد الأقصى، وثانيهما وجود طموحات للقادة الأتراك للعب دور إقليميّ على الطراز العثمانيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ، وهو ما قد يفسّر زيادة الدعم التركيّ عموماً في الأراضي الفلسطينيّة بصفة عامّة.

قال خليل تفكجي، وهو من أبرز الخبراء الفلسطينيّين في القدس، ومدير دائرة الخرائط في بيت الشرق، مقرّ منظّمة التحرير الفلسطينيّة في القدس، لـ"المونيتور" إنّ "تنافس الأتراك والأردنيّين في القدس واضح جدّاً، رغم أنهما لا يتحدثان به بصورة علنية، لكن المساعدات التركيّة، ودعم السياحة الدينيّة، يشير إلى زيادة نفوذ تركيا في القدس لكونها دولة قويّة، مقابل تراجع أردنيّ ملموس فيها، كما أنّ تنافسهما في القدس له بعد اقتصاديّ يتمثّل في رغبة عمّان في أن يأتي السيّاح الأتراك إليها رأساً، ثمّ يذهبوا إلى القدس برّاً، ممّا سيأتي على خزينتها بأموال السيّاح، بدل ذهابهم من مطار أنقرة إلى مطار بن غوريون الإسرائيليّ، من دون المرور بالأردن".

تتواصل زيارة الوفود التركية إلى القدس، وكان آخرها لقاء وزير شؤون القدس الفلسطيني عدنان الحسيني يوم 21 أبريل 2016 وفدا من الهلال الأخضر التركي الذي يزور القدس، للاطلاع على مجمل القضايا المقدسية، وهو ما يشير لتزايد نفوذ تركيا في القدس، وهو ما دفع موقع هلا نيوز الأردنيّ إلى القول في 24 حزيران/يونيو 2015، إنّه لا بدّ من التنبّه إلى اتّساع دور تركيا في المدينة، ومحاسبة من يسعى إلى تقويض رعاية الأردن للمسجد الأقصى، متّهماً تركيا باستمالة بعض القوى الاجتماعيّة والسياسيّة والعشائريّة في القدس، تمهيداً إلى إعادة مجدها العثمانيّ عبر بوّابة القدس.

ولزيادة التقارب التركي مع القدس، أصدر رئيس الشئون الدينية التركي في نيسان أبريل 2015 قرارا بأن يبدأ برنامج العمرة للأتراك بزيارة المسجد الأقصى، لتبدأ الرحلة بزيارة القدس 3 أيّام، تليها 4 أيّام في المدينة المنوّرة في السعوديّة، ثمّ 7 أيّام في مكّة المكرّمة.

قال وزير القدس الفلسطينيّ السابق خالد عرفة لـ"المونيتور" إنّ "تنافس الأردن وتركيا في القدس ليس خافياً، لكنّهما يبقياه مكتوماً حتّى لا تتوتّر علاقاتهما، ومن الواضح أنّ لأنقرة سياسة بزيادة نفوذها في القدس، وإفساح المجال أمام مواطنيها للقيام بزيارات مكثّفة إلى المسجد الأقصى، وتقديم منح دراسيّة لأعداد غفيرة من المقدسيّين لاستكمال دراساتهم في تركيا، التي ترسل مسؤوليها إلى القدس من دون التنسيق الدائم مع عمّان، ممّا يغضب الأخيرة، لأن الأردن ترى نفسها وصية على القدس، رغم أنه لا يوجد اتفاق بينهما يلزم تركيا بإبلاغ الأردن مسبقاً بزيارة مسئوليها للقدس، ويبدو أنّ إسرائيل تتعاطى مع زيادة نفوذ تركيا في القدس على أنّها دولة قويّة، فيما لا يبدو الأردن بالقوّة ذاتها".

مظاهر القوة التركية تتمثل في اقتصادها المتنامي على حساب الوضع المعيشي الصعب للأردن، كما أن إسرائيل معنية بأن تحسن علاقتها مع أنقرة، مما يجعلها تتساهل في زيادة نفوذها في المدينة المقدسة، رغم أن إسرائيل لا تشعر بالارتياح الكثير تجاه انتشار الأعلام التركية وصور أردوغان في شوارع القدس، كما أشار الباحث الإسرائيلي "بنحاس عنبري" في دراسته المنشورة في أبريل 2016.

وصل التنافس التركيّ-الأردنيّ حول نفوذهما في القدس، إلى حدّ الخطابات السياسيّة، فقد أكد رئيس وزراء تركيا السابق أحمد داوود أوغلو في تشرين ثاني/نوفمبر 2014، أنّ تراب القدس مقدّس لدى الأتراك، لأنّها قضيّتهم، ثم أكده في كانون الأوّل/ديسمبر 2014، ثم حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أيلول/سبتمبر 2015، من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بحق مدينة القدس والمسجد الأقصى، ولن يقبل باستمرارها، رافضا ما وصفه لعب اليهود بالنار.

فيما أكّد العاهل الأردنيّ عبد الله الثاني في شباط/فبراير 2016 أنّ حماية الأقصى ضمن الوصاية الهاشميّة على القدس.

لكنّ الأمين العام للهيئة الإسلاميّة المسيحيّة لنصرة القدس والمقدّسات حنّا عيسى قال لـ"المونيتور" إنّ "الأردن هو الوصي على الأماكن المقدّسة في القدس، في حين تقوم تركيا بتقديم الدعم الماليّ والإغاثيّ للمقدسيّين، على اعتبار أنّها دولة غنيّة وقويّة اقتصاديّاً، في حين أنّ الأردن دولة فقيرة من هذه النواحي، لكنّ التنسيق قائم بين البلدين لخدمة القدس والمقدسيّين".

أخيراً... فيما ترتبط تركيا بعلاقات وثيقة مع حماس، التي تعيش شبه قطيعة مع الأردن منذ عام 2000، بسبب طرد قيادتها من عمان عام 1999، ولم تنجح العديد من الوساطات القطرية في طي صفحة الشكوك الدائمة بين الحركة والأردن، فإنّ علاقة السلطة الفلسطينيّة بالأردن مرّت بفتور عقب اتّفاق الأخير مع إسرائيل في أكتوبر 2015 لتركيب الكاميرات في المسجد الأقصى من دون استشارتها، فضلا عن مخاوف الرئيس الفلسطيني محمود عباس من دعم الأردن لخصمه اللدود محمد دحلان، الذي زار عمان في الأول من أبريل الماضي، وهذه تفاصيل قد تخدم تركيا لبسط نفوذها في القدس على حساب الأردن. ولذلك فإنّ زيادة الأعلام التركيّة، ومطاعم الشاورما التركيّة وصور أردوغان على الجدران المقدسيّة، مؤشّرات على أنّ الأتراك جادّون في زيادة نفوذهم في المدينة.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/05
/turkey-jordan-palestine-jerusalem-competition-influence.html