أوروبا... ساحة جديدة للمواجهة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين

  • السبت 20 يناير 2018 12:16 ص

 

أوروبا... ساحة جديدة للمواجهة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين

  •  ملخّص

 خلال الأيّام الماضية، تداول الإعلام الإسرائيليّ ما قال إنّها نجاحات سياسيّة وديبلوماسيّة في القارّة الأوروبيّة، تعلّقت بالاستجابة إلى ضغوط إسرائيليّة واستصدار قرارات أوروبيّة تقف بجانب إسرائيل على حساب الفلسطينيّين... يناقش المقال المواقف الفلسطينيّة ممّا تعتبره إسرائيل إنجازات في الساحة الأوروبيّة وردود فعل الفلسطينيّين عليها، وهل باتوا يخسرون هذه الساحة المهمّة بالنّسبة إليهم؟

*******

تشهد الساحة الأوروبيّة تنافساً بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين على كسب النّفوذ فيها، ففي حين يسجّل الفلسطينيّون نجاحات من خلال حركة المقاطعة العالميّة "بي.دي.إس"، تمكّن الإسرائيليّون من تحقيق ما اعتبروه إنجازات في الأيّام الأخيرة لصالحهم، سواء رفض اتحاد الطلاب الأوروبي يوم 16 مايو/أيار انضمام نظيره الفلسطيني بعد ضغوط إسرائيلية، أو إعلان النرويج وقف تمويلها لبرامج دعم الأسرى الفلسطينيين بسبب اتهام إسرائيل لهم بتنفيذ أعمال معادية. وأشار موقع "إن.آر.جي" الإسرائيليّ في 15 أيّار/مايو إلى أنّ ضغوطاً كبيرة مارسها إتّحاد الطلاّب الإسرائيليّ على نظيره إتّحاد الطلاّب الأوروبيّ، لمنع انضمام إتّحاد الطلاّب الفلسطينيّين إلى نظيره الأوروبيّ، وقد ساندت منظّمة "الوقوف بجانبنا" Stand with us، الإتّحاد الإسرائيليّ بمنع انضمام الإتّحاد الفلسطينيّ إلى نظيره الأوروبيّ.

"رام شيفاع" مساعد رئيس اتحاد الطلاب الإسرائيلي قال لموقع "إن.آر.جي" الإخباري الإسرائيلي يوم 15 مايو أيار أن الرفض الإسرائيلي لانضمام اتحاد الطلاب الفلسطيني بسبب سيطرة حركة "حماس" على بعض مجالس الطلاّب في الجامعات الفلسطينيّة، وآخرها في الجامعة الإسلاميّة بقطاع غزّة في 22 آذار/مارس وجامعة بيرزيت في الضفّة الغربيّة بـ27 نيسان/أبريل.

فيما تحدّث موقع القناة الإسرائيليّة السابعة في 15 أيّار/مايو عن أنّ النرويج استجابت إلى الضغوط الإسرائيليّة بوقف إرسال أموال مخصّصة للأسرى الفلسطينيّين في السجون الإسرائيليّة، خصوصاً من أدينوا بتنفيذ عمليّات معادية لإسرائيل، وجاء القرار نتيجة لقاء وزير الخارجيّة النرويجي بورغا براندا مع رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو في 3 أيّار/مايو، حذف الفقرة الحمراء فيما كثّفت المنظّمة الإسرائيليّة "نظرة إلى الإعلام الفلسطينيّ"، جهودها ضدّ تمويل النرويج للأسرى الفلسطينيّين، ومارست ضغوطاً عليها لوقفها، بين عامي 2014-2016، عبر مذكرات قدمتها المنظمة خلال هذه الفترة للمسئولين النرويجيين، وحضورها أعضائها لجلسات في البرلمان النرويجي يوم 24 نيسان/أبريل للمطالبة بوقف تمويل برامج الأسرى الفلسطينيين، وهو ما تنشره المنظمة على موقعها المذكور أعلاه بشكل دوري.

لكن "هانز جيكوب فريدلاند" السفير النرويجي لدى السلطة الفلسطينية نفى يوم 16 مايو/أيار، قطع مساعداتها بلاده المالية للفلسطينيين، مع العلم أن النرويج لا ترسل أموالا بشكل خاص للأسرى الفلسطينيين، ولكن ما تقدم من منح مالية عامة للسلطة الفلسطينية يذهب بعض منها كمخصصات ومستحقات مالية للأسرى وعائلاتهم.

تجدر الإشارة إلى أن النرويج وعدد من الدول الأوروبية المانحة تقدم دعما مالياً للسلطة الفلسطينية بشكل عام، يذهب بعضه لعائلات الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، كمستحقات شهرية، بجانب اهتمام النرويج بقضايا الأسرى الإنسانية، كتقديم دورات تدريبية تعليمية بعد الإفراج عنهم، أو دعوة أفراد أسرهم للمشاركة بمؤتمرات دولية تعقد حول قضية الأسرى، والآثار السلبية لاعتقال الآباء الفلسطينيين على أطفالهم وعائلاتهم.

هذه المساعدات التي تقدمها النرويج لعائلات الأسرى الفلسطينيين، تعتبرها إسرائيل تشجيعا لباقي الفلسطينيين على تنفيذ أعمال معادية ضدها، مما دفعها لممارسة ضغوط على النرويج وباقي الدول الأوروبية لإعلان موقفها بوقف التمويل الخاص بالأسرى، وبدأت حملتها منذ أواسط 2014 وحتى اليوم، حيث تجد الدول الأوروبية، ومنها النرويج، حرجا أمام إسرائيل حين تتهمها بتمويل أشخاص ينفذون عمليات مسلحة، ويجعل إسرائيل تأمل أن تستجيب تلك الدول لضغوطها، وهو ما لم يتم حتى الآن.

وفي هذا المجال، قال رئيس مجلس العلاقات الأوروبيّة - الفلسطينيّة المقيم في فرنسا مازن كحيل لـ"المونيتور": "إنّ اللّوبي الصهيونيّ يعمل لصالح دعم دولة إسرائيل، وتحصيل مواقف سياسية أوروبية مساندة لها، منذ عشرات السنين في الغرب، وبإمكانات كبيرة، لكنّ المراقب للساحة الأوروبيّة يرى صعود الرواية الفلسطينيّة مقابل الإسرائيليّة. لقد خسر اللّوبي الإسرائيليّ مواقع عدّة، لم يذكرها، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تأييد الفلسطينيّين في المظاهرات الأوروبيّة الحاشدة خلال الحروب الإسرائيليّة الثلاث على غزّة 2008، 2012، و2014، واستطلاعات الرأي الّتي اعتبرت أنّ إسرائيل من أهمّ أسباب عدم استقرار المنطقة، بما فيها الاستطلاع الذي أجرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية في فبراير/شباط 2016، في أوساط عينة من الأوروبيين لم تذكر عددهم، وأكد أن لديهم نظرة سيئة عن إسرائيل، وما تراه إسرائيل نجاحات دبلوماسيّة في أوروبا لا يلغي جهود مجلس العلاقات الفلسطينيّة - الأوروبيّة بتشكيل لجان داعمة له في البرلمان الأوروبيّ، كلجنة أصدقاء فلسطين في البرلمان الأوروبي برئاسة النائب البريطاني كيث تيلار، وزيارة الوفود البرلمانيّة لفلسطين".

لعلّ الموقف الأكثر إظهاراً لنفوذ إسرائيل في أوروبا، تمثّل بانتقاد وحيد من رئيس الحكومة الفرنسيّة مانويل فال في 11 أيّار/مايو قرار منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة الـ"يونيسكو" في 16 نيسان/إبريل، الّذي قرر استخدام عبارة المسجد الأقصى، بدل المسمّى اليهوديّ "جبل الهيكل"، ممّا دفع بمسؤولين إسرائيليّين كبار، على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى توجيه إنتقادات شديدة للـ"اليونيسكو" عقب صدوره، لأنهم اعتبروا القرار ينكر أي صلة لليهود بهذا المكان المقدس بالنسبة لهم.

وقد جاء اعتراض فرنسا على قرار اليونسكو بعد شهر من صدوره، تمهيدا لزيارة رئيس حكومتها فال إلى تل أبيب يوم 22 مايو/أيار، لتسويق المبادرة الفرنسية للسلام في الشرق الأوسط.

ومن جهته، قال رئيس المرصد الأورو- متوسطيّ لحقوق الإنسان في غزّة رامي عبده لـ"المونيتور": "إنّ تركيز إسرائيل على ما تراه إنجازات سياسيّة يعكس عمق الأزمة الّتي تعاني منها بأوروبا، في ظلّ زيادة تعاطف المستويات الأوروبيّة المختلفة مع القضيّة الفلسطينيّة والزخم المتصاعد بأنشطة مقاطعة إسرائيل، ولا أظنّ أنّ ما تعتبره إسرائيل إنجازات داخل أوروبا سيوقف الحراك المناصر للقضيّة الفلسطينيّة هناك، رغم أنّها قد تتسبّب ببعض الإعاقات، لكنّ رقعة التضامن الأوروبيّ مع الفلسطينيّين اليوم أوسع بكثير ممّا تعتقد إسرائيل". مع أنّ السفارات الفلسطينيّة في العواصم الأوروبيّة، على قلّتها، تجتهد في ما تسمح به السلطة الفلسطينيّة، التي ترفض في كثير من الأحيان المشاركة في الأنشطة المناهضة لإسرائيل في القارة الأوروبية، لأن السلطة الفلسطينية لا تريد الوصول لمرحلة صدام كامل مع إسرائيل، وهناك سفارات غائبة لا تشارك أصلاً في هذه الأنشطة بالمرة، وهذه السفارات الفلسطينية ليست مكوّناً أصيلاً من المعركة الحاليّة في الساحة الأوروبيّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين".حذف هذه الفقرة باللون الأحمر

وفي ذروة النشاط الإسرائيليّ في الساحة الأوروبيّة، أصدر منتدى التواصل الأوروبيّ الفلسطينيّ في لندن، يوم 10 أيّار/مايو الجاري، التقرير الأوّل من نوعه حول اللّوبي الإسرائيليّ في أوروبا بعنوان "اللوبي الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي"، موضحاً النفوذ الإسرائيليّ في الدول الأوروبيّة والطريقة الّتي يتّبعها اللّوبي للضغط على الإتّحاد الأوروبيّ، ودفعه إلى عدم فرض عقوبات على إسرائيل، رغم انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيّين.

وبدوره، قال سفير فلسطينيّ سابق في رام الله لـ"المونيتور"، مخفياً هويّته: "إنّ النفوذ الإسرائيليّ آخذ بالتزايد في أوروبا على المستوى الرسميّ، رغم تراجعه شعبيّاً، وهو مصدر خيبة أمل فلسطينيّة، ولكن بإجراء مقارنة بين قدرات الفلسطينيّين والإسرائيليّين، سنكتشف فوراً أنّ إسرائيل تسبقنا إلى دوائر صنع القرار الأوروبيّ لكثير من الإعتبارات السياسيّة والأمنيّة والإستراتيجيّة، فما بين السلطة الفلسطينيّة والدول الأوروبيّة من تواصل لا يتجاوز المجاملات والعلاقات العامّة، ولا يترجم إلى سلوك سياسيّ يكبح جماح إسرائيل".

لقد تجلّى الجهد الإسرائيليّ في أوروبا بقرار الحكومة البريطانيّة يوم 6 نيسان/إبريل، وقف تمويل منظّمة "الحرب على العوز" الخيريّة، بسبب أنّها تحرّض على الكراهيّة والعنف ضدّ اليهود، وتروّج لمقاطعة إسرائيل أكاديميّاً في الجامعات البريطانيّة وتوجّه الثناء إلى حركة "حماس"، لكنّ بريطانيا ذاتها، شهدت في 21 نيسان/إبريل إنتخاب ماليا بو عطيّة ذات الأصول الجزائريّة المسلمة رئيسة للإتّحاد العام للطلاّب البريطانيّين، ذات المواقف المنتقدة لسياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، والمؤيّدة لمقاطعتها، ممّا دفع بوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيفي ليفني إلى التحذير لموقع ويللا الإخباري في 21 نيسان/إبريل، من تحول العديد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الغربيّة إلى معاقل معادية لإسرائيل.

وفي هذا السياق، قال الخبير الفلسطينيّ في الشؤون الأوروبيّة المقيم في بلجيكا حسام شاكر لـ"المونيتور": "ما يجري من مساعٍ إسرائيليّة في أوروبا يأتي لاحتواء الجهود المناهضة للإحتلال الإسرائيليّ فيها، واعتراض طريق المبادرات المتزايدة المؤيّدة لحقوق الشعب الفلسطينيّ، ولا يمكن اعتبارها مكاسب جوهريّة لإسرائيل، لأنّ الإتّجاه نحو نبذ الإحتلال الإسرائيليّ يتّسع ويتعاظم في أوروبا. وربّما كسبت إسرائيل مواقف تكتيكيّة أخيراً، لكنّ إخفاقاتها الجوهريّة تتواصل، ممّا يتطلّب منها ألاّ تبالغ بتقدير مكتسبات موقّتة. ورغم جهود فلسطينييّ أوروبا لمواجهة الإحتلال الإسرائيليّ، لكنّ الجهاز الديبلوماسيّ الفلسطينيّ يشكو من معضلات مزمنة كالترهّل وشحّ الموارد والتقيّد بسلوك السلطة الفلسطينيّة، التي تتحفظ على المشاركة في أنشطة فلسطينيي أوروبا ضد إسرائيل، لرغبة السلطة، كما يبدو، في عدم مواجهة إسرائيل سياسياً داخل القارة الأوروبية، كما أن معظم السفارات الفلسطينيّة في أوروبا محدودة الفعاليّة وفاقدة للمبادرة".

وأخيراً، ربّما يقرأ الفلسطينيّون ما تراه إسرائيل إنجازات سياسيّة لها في أوروبا، على أنّه نتيجة طبيعيّة، في ضوء العلاقة التاريخيّة بين أوروبا وإسرائيل، فهذه القارّة عملت على إيجاد إسرائيل في المنطقة العربيّة قبل مائة عام عبر وعد بلفور 1917. ومع ذلك، فإنّ الإسرائيليّين باتوا يواجهون صعوبات جادّة داخل هذه القارّة، ويخشون أن تدير ظهرها لهم، في ظلّ ما يبذله الفلسطينيون هناك من جهود متنامية في السنوات الأخيرة ضدّ إسرائيل.

 

المصدر المونيتور