إسرائيل والخليج.. من العلاقات تحت الطاولة إلى التطبيع العلني

  • الثلاثاء 05 نوفمبر 2019 08:02 ص

إسرائيل والخليج.. من العلاقات تحت الطاولة إلى التطبيع العلني

شاركت إسرائيل مؤخرا في مؤتمر البحرين لحماية الملاحة البحرية في الخليج العربي، بعد توجيه دعوات خليجية لها بالمشاركة في حماية المنشآت البحرية خشية التعرض لهجمات إيرانية وحوثية، ومخاوف سعودية من خذلان واشنطن لها بعد الهجمات الأخيرة على منشآت أرامكو النفطية.

 

السطور التالية تناقش التدخل الإسرائيلي المتزايد في منطقة الخليج وباب المندب، وما مصالح إسرائيل في المنطقة، وإمكانية أن تصبح جهة معترفا بها في التواجد داخل الخليج بجانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

 

كشف وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن من أهداف زيارته الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، المشاركة في التحالف الدولي لتوفير الحماية الأمنية لممرات الملاحة البحرية في الخليج العربي.

 

وأكد خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أن إسرائيل تشارك في الجهود الأمريكية لتوفير الأمن والحماية في منطقة الخليج العربي من خلال المعلومات الأمنية والمساعدة الاستخبارية، ومجالات أخرى تتفوق فيها إسرائيل بصورة ملحوظة.

 

وقد أصدر تعليماته لوزارة الخارجية للعمل مع كل الجهات ذات العلاقة في إسرائيل للاشتراك في جهود الحماية لحركة الملاحة البحرية في الخليج العربي، لأن هذا الأمر مصلحة اسرائيلية واضحة وأساسية، من خلال استراتيجيتها لاحتواء التهديد الإيراني في تلك المنطقة، وتقوية العلاقة بين إسرائيل ودول الخليج العربي، وهي سياسة يقودها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

 

وقد التقى كاتس خلال زيارته إلى أبو ظبي مسئولا سياسيا إماراتيا كبيرا، ناقش معه مشروع مد سكة حديد من الخليج العربي حتى ميناء حيفا؛ لنقل البضائع من أوروبا إلى دول الخليج برا.

 

بات واضحاً أن الزيارات الإسرائيلية الأخيرة إلى دول الخليج العربي تكشف النقاب عما أخفته الكواليس حول الدفء المتزايد في علاقات الجانبين، بحيث إن تعاظم التهديد الإيراني، بجانب تراجع القضية الفلسطينية، عملا على تحويل إسرائيل من مشكلة إقليمية، إلى جزء مهم في حل مشاكل المنطقة، بنظر عواصم الخليج.

 

شهدت الأسابيع الأخيرة زيارات لبعض المسؤولين الإسرائيليين الكبار لعدد من دول الخليج العربي: رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وعدد من وزرائه: الرياضة ميري ريغيف والاستخبارات والخارجية يسرائيل كاتس والعمل إيلي كوهين، وبجانبهم رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين، وتم رفع العلم الإسرائيلي والنشيد الوطني الإسرائيلي فيها.

 

تطرح الزيارات الإسرائيلية المتلاحقة لدول الخليج تساؤلات مهمة: فهل تعبر عن تغير جوهري أم صدمة استراتيجية، أو أن شيئا ما حدث فأخرج هذه الاتصالات السرية الجارية من خلف الكواليس إلى العلن دفعة واحدة، ورغم تزايد الزيارات الإسرائيلية لدول الخليج، لكن إسرائيل لم تحظ بأي زيارة "علنية" من مسؤول خليجي إليها.

 

يمكن النظر إلى فترتي ازدهار في علاقات إسرائيل بالخليج، أولها سنوات التسعينيات بعد اتفاق أوسلو، وثانيها الفترة الحالية في السنوات الجارية، ومع عدم وجود حدود مشتركة أو تواصل جغرافي إسرائيلي مع دول الخليج، فقد امتنعت الأخيرة عن إعلان أي تواصل مع إسرائيل بسبب القضية الفلسطينية.

 

وفي حين أن هذه العلاقات قامت في التسعينيات على أساس المصالح المتبادلة، مع انطلاق عملية السلام التي توقفت مع انتفاضة الأقصى أواخر العام 2000، فإن العلاقات الحالية قائمة على الخوف من النفوذ الإيراني "المفتعل"، وقد وفرت إسرائيل لدول الخليج المعلومات الأمنية عن إيران، تمهيدا للمشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمواجهة المحور الإيراني.

 

لم يعد سراً أن هناك علاقات إسرائيلية خليجية ليست رسمية من تحت الرادار، ومستمرة منذ سنوات طويلة بين الجانبين، لكن الجديد فيها في الآونة الأخيرة إخراج هذه العلاقات من الخزانة المغلقة، بحيث يتم تناولها بصورة علنية، وبدا أن الزيارات الأخيرة جزء من برنامج مكثف إسرائيلي في دول الخليج، على اعتبار أن التقارب الإسرائيلي الخليجي يتقوى مباشرة مع تراجع الملف الفلسطيني في الساحتين العربية والدولية.

 

ورغم صعوبة الوصول لتحديد رقم دقيق للعلاقات التجارية الخليجية الإسرائيلية، لأن العديد منها يمر عبر طرق التفافية ووسطاء تجاريين، لكن معاهد الأبحاث الدولية قدرت قيمتها بمليار دولار سنويا، وفي حال تم رفع العلاقات بينهما للمستوى الرسمي العلني، فإن القيمة ستصل 25 مليار دولار سنويا.

 

هذا يعني أن إسرائيل لديها علاقات سرية مع العديد من الدول الخليجية، ومنذ سنوات تنتظر أن تخرج هذه العلاقات من الأدراج المغلقة، ومن المتوقع أن تكون العلاقات قائمة منذ زمن طويل، لكن بقاء القضية الفلسطينية دون حل منعت من التصريح بها.

 

اليوم حين يزداد الحديث عن تطبيع العلاقات الإسرائيلية الخليجية دون مبرر جغرافي أو سياسي، تظهر جملة من الأسئلة الباحثة عن إجابة، حول مسوغات انطلاق الأمراء والملوك العرب في الإسراع بهذه العلاقات، حيث لا حدود مشتركة بينهما، ولا صراعات جغرافية، الأمر الذي قد تتذرع به دول الجوار لفلسطين في محاولة لشرعنة علاقاتها غير المشروعة مع إسرائيل.

 

اللافت أنه ليس من قاسم مشترك بين دول الخليج وإسرائيل، يجعل من إقامة العلاقات بينهما أمرا ملزما ومنطقياً، إلا إذا صدقنا أكذوبة العدو المفتعل الممثل في إيران، كونها عدوا مشتركا للخليجيين وإسرائيل، مما يعد نجاحا للأخيرة بتسويق نفسها شريكا متوهماً لمواجهة إيران، الدولة الجارة الطبيعية في المنطقة، التي قد نختلف معها في الكثير من الملفات، لكنّ وجودها في هذه المنطقة أمر طبيعي: تاريخياً وجغرافياً، وهو ما تفتقده إسرائيل.

 

لكنها المرة الأولى التي تشرع فيها إسرائيل ممثلة بوزارة الخارجية والولايات المتحدة ممثلة بهيئة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، بتنفيذ مشاريع مشتركة مع دول الخليج العربي، في سابقة هي الأولى من نوعها، وهذه المرة مع دول الخليج العربي.

 

تبدي الأوساط الإسرائيلية ترحيباً متزايدا من حالة التطبيع التي تجريها معظم دول الخليج العربي، باستثناء الكويت، والتقارب التدريجي معها، سواء ما تشمله من إحياء بعض الفعاليات الإسرائيلية غير المسبوقة في هذه الدول، أو ما يكتبه بعض الصحفيين وموجهي الرأي العام من كتابات: متضامنة مع الاحتلال ومهاجمة للفلسطينيين، مما يدفع للتساؤل عمن يقف وراء هذه الموجة من التفاعل الخليجي مع مواقف إسرائيلية عدوانية.

 

ورغم أن التقارب الحاصل بين العواصم الخليجية وتل أبيب، يقابل بشكوك وانتقادات واسعة في الدول العربية، لكن هذه الإمارات الخليجية تبدي انفتاحا غير مسبوق تجاه إسرائيل، بحيث بات الحديث والنقاش فيما يتعلق بها أمرا مقبولا.

 

إضافة لهذه المؤشرات الميدانية، تعقد العديد من اللقاءات المتكررة بين أوساط خليجية وإسرائيلية، كما تزداد النقاشات عبر شبكات التواصل بين النشطاء الخليجيين والإسرائيليين، ولعل هذه الدول في تقاربها مع إسرائيل واليهود ترغب بالتخلص من الصورة النمطية المأخوذة عنها كدول محافظة متطرفة، من خلال عرض صورة ديمقراطية منفتحة لدى الرأي العام الغربي، وهو ما تستفيد منه إسرائيل.

 

من الصعب الحديث عن التطبيع الخليجي الإسرائيلي دون الحديث عن اللقاءات التي جمعت رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع عدد من الزعماء العرب في العاصمة البولندية وارسو في فبراير، التي شكلت ذروة عملية إقليمية مركبة تتركز بإقامة تحالف إقليمي لمواجهة التهديد الإيراني، ووضع الموضوع الفلسطيني في الزاوية، وإبعاده عن جدول الأعمال السياسي اليومي للمنطقة والعالم.

 

لم تكشف قمة وارسو في حينه عن أسرار العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج العربي التي قامت بينهما منذ زمن بعيد، لكنها وصلت ذروتها في السنة الأخيرة، في ظل ما حصل من وراء الكواليس بينهما، مما يسلط الضوء على أهم محطات العلاقات الإسرائيلية الخليجية.

 

يأمل الإسرائيليون أن زعماء الخليج الذين توصلوا اليوم إلى قناعة بعدم انتظار إيجاد حل للموضوع الفلسطيني كشرط لتطبيع علاقاتهم الثنائية، يندفعون باتجاه الشروع الثنائي في مجالات التعاون المشتركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة التهديد الإيراني، وتشمل: الساحة العالمية والمؤسسات الدولية، والتعاون الأمني، والضغوط الاقتصادية، ومجالات سرية أخرى.

 

ومع ذلك فإن الرأي العام الخليجي لا يشارك حكامه في النظرة لتحسين العلاقة مع إسرائيل، وما زالوا يعتبرونها دولة معادية، وليسوا معنيين بتغيير الأوضاع معها، لذلك فإن الوصول لعلاقات رسمية خليجية إسرائيلية ما زالت بعيدة، وستكون مرهونة بالدرجة الأولى بحصول تطورات جوهرية داخل الدول الخليجية ذاتها.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20191104-israel-and-the-gulf-from-secret-relations-to-public-normalisation/?fbclid=IwAR10kWkT6K8ODnaMpfMAUVJU2KcyApmYQ-v-8qaxlaQb66dEsbJsyH3pgBs