الاتّصالات الفلسطينيّة بين قيود إسرائيليّة واحتكار داخليّ

  • الجمعة 19 يناير 2018 11:40 م

الاتّصالات الفلسطينيّة بين قيود إسرائيليّة واحتكار داخليّ

●  ملخّص

تعتبر الاتّصالات الفلسطينيّة من القطاعات الحيويّة في الاقتصاد الفلسطينيّ، لكنّها تعاني من قيود إسرائيليّة تمنع امتلاكها العديد من المعدّات التقنيّة بحجج أمنيّة، ممّا يتسبّب في خسائر فادحة. كما يواجه هذا القطاع احتكارات فلسطينيّة، بإبقاء شركة جوّال مسيطرة على الاتّصالات الخليويّة في غزّة، وعدم وصول شركة الوطنيّة إليها، وإبقائها فقط في الضفّة الغربيّة. المقال يناقش هذه العقبات، وأثرها على تراجع هذا القطاع الاقتصاديّ المهمّ.

*******

يعتبر قطاع الاتّصالات من أهمّ القطاعات الاقتصاديّة الحيويّة للفلسطينيّين، في ضوء ارتباطه بالعديد من المجالات الأساسيّة لحياتهم.

وأعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يوم 1 شباط/فبراير2016، أن هناك زيادة في عدد المشتركين في خطوط الهاتف الثابت والمحمول في الأراضي الفلسطينية في الربع الأخير من 2015، بلغت نسبتها 30%، دون تحديد أرقام دقيقة، وهناك نمو ملحوظ في خدمات الانترنت، ليصبح 86265 مشتركاً في نهاية الربع الرابع من 2015 مقارنة مع 66153 مشتركاً في نهاية الربع الرابع من عام 2014.

لكن الوزارة سبق أن أعلنت في أيّار/مايو 2015، أنّ عدد خطوط الهاتف الثابت في فلسطين تجاوز الـ1.4 ملايين خطّ، وعدد مشتركي الهاتف النقّال الـ3.1 مليوناً، مقارنة مع العام 2014.

وتعترض قطاع الاتّصالات الفلسطينيّ معيقات إسرائيليّة، بعدم تمكين الفلسطينيّين من استخدام طيفهم التردّدي، وتأخير دخول الأجهزة الخاصّة بهذا القطاع، والمنافسة غير القانونيّة للشركات الإسرائيليّة العاملة في الأراضي الفلسطينيّة، ممّا يتسبّب في خسائر فلسطينيّة تتجاوز الـ100 مليون دولار سنويّاً، وفقاً لتصريح المدير التنفيذيّ لمجموعة الاتّصالات الفلسطينيّة عمّار العكر في 28 أيّار/مايو 2016، وهو التصريح الأحدث في هذه القضية.

وقال وكيل وزارة الاتّصالات الفلسطينيّة سهيل مدوخ كتابة اسمه بالانجليزية صحيحة لـ"المونيتور" إنّ "قيود إسرائيل على الاتّصالات الفلسطينيّة تتركّز في منع وصول تردّدات الجيلين الثالث والرابع إلى لأراضي الفلسطينيّة، وحرمان الاتّصالات من النموّ والتوسّع، وتتلخّص قيود إسرائيل في منع إدخال المعدّات اللازمة، لا سيّما إلى غزّة، خاصة أسلاك الشبكات وأجهزة المراقبة والمحولات والسيرفرات، إمّا بإطالة فترة منح الموافقات على دخولها، أو عدم السماح كليّاً بإدخالها، وفي الضفّة الغربيّة تستولي الشركات الإسرائيليّة على 15 إلى 20% من سوق الاتّصالات الفلسطينيّ، بسبب التداخل الجغرافيّ بين المدن الفلسطينيّة والإسرائيليّة".

وقدّر أحدث تقرير للبنك الدوليّ في آذار/مارس خسائر قطاع الهواتف المحمولة في الأراضي الفلسطينيّة للأعوام الثلاثة الماضية بأكثر من مليار دولار أميركيّ، بسبب القيود الإسرائيليّة، وتعطّل قطاع الاتّصالات الفلسطينيّ بسبب سنوات من التأخير الإسرائيليّ في مدّ شبكات الجيل الثالث 3G، لأن تركيب بعض هذه الشبكات يتم في مناطق فلسطينية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية مصنفة مناطق "سي"، حيث لا يستطيع الفلسطينيون تركيبها دون التنسيق المسبق مع السلطات الإسرائيلية.

قال أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم، لـ"المونيتور" إنّ "إسرائيل تتذرّع بالأمن لتحقيق مكاسب سياسيّة واقتصاديّة بتقييد الاتّصالات الفلسطينيّة، بمنعها من امتلاك تقنيّات حديثة تتيح لها منافسة الشركات الإسرائيليّة، ليقارن الفلسطينيّون بين الشركات الإسرائيليّة مثل أورانج وسيليكوم وموتورولّا، وبين شركتي جوّال والوطنيّة الفلسطينيّتين، ممّا دفع العديد منهم إلى استخدام شريحتين في الوقت نفسه، فلسطينيّة وإسرائيليّة، فالإسرائيليّة يتجوّلون بها في أنحاء الضفّة الغربيّة كافّة، وفيها خدمة إنترنيت من دون "واي فاي"، ورخيصة التكاليف أي 50 شيكلاً شهريّاً فقط، بما يعادل 13 دولاراً، ويستخدمون الشريحة الفلسطينية كي يستقبلوا عليها مكالمات أشقائهم الفلسطينيين الذين لا يمتلكون شرائح إسرائيلية، لاسيما في قطاع غزة".

وفي حين تسيطر الشركات الإسرائيليّة غير المرخّصة من قبل السلطة الفلسطينية على أكثر من 20% من سوق الضفّة الغربيّة، وتجني أرباحاً من الفلسطينيّين بقيمة 150 مليون دولار سنويّاً، لاسيما في مناطق "أ" حيث تسيطر السلطة الفلسطينية بصورة كاملة، مدنياً وأمنياً، في حين تسيطر الشركات الفلسطينية على النسبة الباقية المقدرة بـ80%، لكن شركات الاتّصالات الفلسطينيّة تعجز عن العمل في 60٪ من أراضي الضفّة الغربيّة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيليّة، المصنّفة مناطق "سي".

وقال الخبير الاقتصاديّ في غزّة سمير أبو مدلّلة لـ"المونيتور" إنّ "إسرائيل منذ احتلالها الأراضي الفلسطينيّة في عام 1967، سعت إلى ربط الاقتصاد الفلسطينيّ بالإسرائيليّ، وجعله تابعاً إليه، خصوصاً في قطاعات المياه والكهرباء والاتّصالات، وإلى جانب الأرباح الماليّة الهائلة التي تجنيها إسرائيل من الاتّصالات الفلسطينيّة، فهي تقوم بمراقبة أمنيّة على الفلسطينيّين عبر اتّصالاتهم المحلّيّة، ولديها قاعدة بيانات كاملة للأرقام الفلسطينيّة، حتّى أنّ الرمز الدوليّ الفلسطينيّ هو 00970، لكنّ العمل ما زال قائماً بالرمز الدوليّ الإسرائيليّ وهو 00972، وهو ما يعني استمرار السيطرة الإسرائيلية على الفضاء الفلسطيني، وإبقاء الاتصالات الفلسطينية تحت هيمنة السلطات الإسرائيلية".

إلى جانب القيود الإسرائيليّة، هناك مشكلة تواجه الاتّصالات الفلسطينيّة، تتمثّل في ما يصفه الفلسطينيّون احتكار شركة جوّال الهاتف الخليويّ في غزّة، في حين أنّ الضفّة الغربيّة لديها شركة الوطنيّة إلى جانب جوّال، ممّا يثير تساؤلات حول الأسباب التي تحول دون وجود منافسة نزيهة خدمة للمواطن الفلسطينيّ.

وأوضح مدوخ لـ"المونيتور" أنّ "شركة جوّال تهيمن على سوق الاتّصالات المحمولة في قطاع غزّة، بعد رفض إسرائيل منذ 2011 إدخال المعدات اللازمة لعمل شركة الوطنية في غزة، دون إبداء أسباب الرفض، مثل الأجهزة الإنشائية للشبكة، والاسمنت اللازم لبناء أبراج الاتصالات، ومولدات الكهرباء الخاصة بمحطات تقوية الإرسال، وبطاقات وشرائح الاتصالات، وترددات الجيل الثالث، لكن إسرائيل منذ أواسط 2015 وأوائل 2016 تراجعت عن قرار المنع الكلي، واتفقت مع شركة الوطنية على جدول زمني لدخول هذه المعدات إلى غزة، لكنها تتأخر بإدخالها لأنها تتحكم في جدول ما تدخل وتمنع منها، دون إبداء الأسباب، ولذلك فإن مكتب الشركة الموجود في غزة لم يعمل رسمياً بعد أمام الجمهور بسبب عدم اكتمال التجهيزات اللازمة للانطلاق، مع وجود مؤشّرات جديّة على اقتراب عملها في غزّة عقب إدخال النسبة الأكبر من معدّاتها أوائل 2016 اللازمة، خاصة أجهزة المراقبة والكوابل والمحولات، وحسب مخطط شركة الوطنية فإن هناك 200 محطّة تقوية للهاتف المحمول منتشرة في قطاع غزة، كي تصل لكل مكان ، وبعدها قد يكون أمامنا ستّة أشهر لعمل الشركة في غزّة بعد استكمال إدخال الأجهزة".

وعلم "المونيتور" خلال جولة ميدانيّة قام بها في مدينة غزّة في 18 حزيران/يونيو أنّ شركة الوطنيّة تحضر معدّاتها وتجهيزاتها، وبدأت تستأجر أسطح بعض المباني لتشغيل معدّاتها، إلى جانب تجهيز المحطّات والشبكات الأرضيّة، بما قد يعني بدء منافسة شديدة مع جوّال التي قد تضطرّ إلى تقديم خدمات جديدة إلى الفلسطينيّين.

وقال مهندس مسؤول في شركة جوّال، رفض الكشف عن هويّته لـ"المونيتور": "ليس هناك شيء اسمه احتكار من جوّال لسوق الاتّصالات الخليويّة في غزّة، نحن نقدّم خدماتنا بصورة قد تكون الأفضل لصالح المواطن، وأيّ شكوى تصل إلينا نقوم بمتابعتها على الفور، والعمل على حلّها، من دون أيّ تأخير، من دون وجود علاقة بدخول شركة منافسة أو لا".

تجدر الإشارة إلى أنّ صافي أرباح عام 2015 لمجموعة الاتّصالات الفلسطينيّة، وجوّال جزء منها،  120 مليون دولار، في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما بلغت أرباح شركة الوطنيّة 21.5 ملايين دولار للعام ذاته.

أمّا رئيس اللجنة الاقتصاديّة في المجلس التشريعيّ عاطف عدوان فأوضح لـ"المونيتور" أنّ "إسرائيل لا تريد التيسير على سكّان غزّة، بمنعها دخول معدّات شركات الوطنيّة إلى القطاع، ولذلك فإنّ بقاء جوّال الجهّة الوحيدة التي تقدّم الخدمات الخليويّة إلى الفلسطينيّين، يعتبر ممارسة احتكاريّة على المواطنين، ممّا جعل الخدمات أقلّ جودة وكفاءة وبسعر أعلى، لعدم وجود منافس". وأضاف: "حاولنا مراراً التواصل مع جوّال لتحسين خدماتها، لكن عدم وجود بديل لها جعل ضغوطنا عليها من دون فائدة".

لا يبدو أنّ الاحتكار مسألة مقبولة في قطاع الاتّصالات الفلسطينيّة، بل إنّ المطلوب وجود أكثر من منافس، وإلّا فإنّ المواطن الفلسطينيّ قد يشعر بالظلم لارتفاع كلفة تسعيرة الخدمة، مقابل انخفاض حجمها ونوعيّتها من شركة واحدة. وحين دخلت شركة الوطنيّة في عام 2009 على خطّ منافسة جوّال، شعر مواطنو الضفّة الغربيّة بالتأثير الإيجابيّ على صعيد تخفيضات التكاليف، وزيادة العروض، وتحسّن الخدمات.

وأشار أبو مدلّلة لـ"المونيتور" أنّ "هناك أسباباً إسرائيليّة لمنع إدخال معدّات شركة الوطنيّة إلى غزّة، مثل عدم تمتع الفلسطينيين بخيارات إضافية في الاتصالات إذا عملت في غزة شركة فلسطينية جديدة، وتذكير الفلسطينيين بأنهم مرهونون بالقرار الإسرائيلي في كل شئون حياتهم، رغم أنه لا وجود لشركات اتصالات إسرائيلية في غزة، وربّما يضغط رجال أعمال فلسطينيّون ذوو مصلحة مع جوّال على إسرائيل لمنع إدخالها لمنع منافستها، مع أنّ الوطنيّة تسيطر اليوم على 30% من اتّصالات الضفّة الغربيّة، ووصولها إلى غزّة يعني منع جوّال من استمرار احتكارها".

 

المصدر المونيتور