نفط فلسطينيّ في رام الله

  • الجمعة 19 يناير 2018 11:08 م

نفط فلسطينيّ في رام الله

   ملخّص

وقّعت السلطة الفلسطينيّة في أوائل آب/أغسطس الجاري مع صندوق الاستثمار الفلسطينيّ، اتّفاقيّة للتنقيب عن النفط واستخراجه من أحد الحقول في غرب رام الله، وهو الاتّفاق الأوّل من نوعه في هذا المجال، ممّا يثير كثيراً من التساؤلات حول الاتّفاقيّة، ما لها وما عليها، وعوائدها الاقتصاديّة على الفلسطينيّين، وكيف ستتعامل إسرائيل معها، لأنّها تقتطع جزءاً ممّا تستفيد منه من الحقل، في ظلّ الاتّهامات الفلسطينيّة لإسرائيل باستغلال مواردها الطبيعيّة.

*****

وقّعت الحكومة الفلسطينيّة في 4 آب/أغسطس مع صندوق الاستثمار الفلسطينيّ، اتّفاقية شراكة لتطوير حقل نفط رنتيس في مدينة رام الله، حيث يمتدّ الحقل بين إسرائيل والضفّة الغربيّة، وتبلغ مساحة المنطقة التي سيتمّ فيها استخراج النفط 432 كم2 من شمال قلقيلية إلى غرب رام الله، ويقع 60% منه داخل الضفّة الغربيّة، ومنذ عام 2011 تستخرج إسرائيل ثمانية آلاف برميل نفط يوميّاً من أجزاء الحقل الواقعة داخل إسرائيل.

وقالت وزيرة الاقتصاد عبير عودة في يوم التوقيع، إنّ الاتّفاق سيمنح الحكومة فرصة استغلال المصادر الطبيعيّة الفلسطينيّة، لتنمية الاقتصاد وخلق فرص عمل. وأكّد رئيس سلطة الطاقة عمر كتانة المشارك في حفل توقيع الاتّفاق في نفس يوم توقيع الاتفاق 4 آب/أغسطس بمقر الحكومة الفلسطينية بمدينة رام الله، أنّ للاتّفاق أبعاداً سياسيّة واقتصاديّة، ويبقي المصادر الطبيعيّة تحت تصرّف السلطة الفلسطينيّة.

وأشار رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطينيّ محمّد مصطفى، في اليوم ذاته 4 أغسطس بمقر الحكومة الفلسطينية بمدينة رام الله، إلى أنّ مشروع النفط في الضفّة الغربيّة له عوائد اقتصاديّة كبيرة على إيرادات السلطة الفلسطينيّة تزيد عن 70% عبر حصّتها في الإنتاج ورسوم الامتياز والضرائب، بما يعادل مليار دولار، وفقا للرقم الدقيق الذي ذكره مصطفى بالدولار، علماً أنّ حجم إنتاج الآبار في حقل رنتيس يقدّر بـ500 برميل يوميّاً في أجزاء الحقل الموجودة داخل الضفة الغربية، وأكثر من 60% من مخزون الحقل، ويتراوح بين 30 و180 مليون برميل يقع داخل الضفّة الغربيّة، وفقا للمعطيات التي ذكرها مصطفى في حفل توقيع الاتفاق.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة رنتيس حدودية بين الضفة الغربية وإسرائيل، ولأنها كذلك، فإن إسرائيل تستغل قربها من الحدود في استخراج كميات النفط التي تريدها دون تنسيق مع الفلسطينيين في المنطقة التي تبلغ 40% من مساحة حقل رنتيس، لكن الاتفاق الجديد يسعى لاسترداد الفلسطينيين لما يقولون أنه حق لهم في الحقل داخل حدودهم في الضفة الغربية، مع العلم أن الفلسطينيين لم يبدأوا بعد التطبيق العملي لاستخراج النفط، بل أعلنوا الاتفاق إعلامياً بين الحكومة الفلسطينية وصندوق الاستثمار الفلسطيني، أما إجراءات التطبيق فتحتاج المزيد من الخطوات العملية على الأرض، وأهمها التنسيق مع إسرائيل، وكان يصعب على الفلسطينيين قبل هذا الاتفاق استخراج النفط من الحقل بسبب السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

تحصل السلطة الفلسطينية على حاجتها من النفط والغاز من خلال إسرائيل، التي تستولي من أراضي الفلسطينيين على ثروة نفطية هائلة، قد تحقق لهم الاكتفاء الذاتي لسنوات طويلة، وهذه ثروة تعتبر مجدية من الناحية التجارية، مما قد يمكن الفلسطينيين من بناء مصفاة للبترول.

ورغم أن اتفاق أوسلو ينص على أن التنقيب عن الثروات الطبيعية في الضفة الغربية يجب أن يتم بوجود طواقم مشتركة من الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، وهذا ما لم يتم احترامه من قبل السلطات الإسرائيلية، لكن الاتفاق الأخير بين الحكومة الفلسطينية وصندوق الاستثمار الفلسطيني عن عطاءات التنقيب جاء بشكل أحادي من السلطة الفلسطينية هذه المرة، ربما رداً على الهيمنة الإسرائيلية على الموارد الطبيعية في الضفة الغربية.

مع العلم أن طرفي الاتفاق، الحكومة الفلسطينية وصندوق الاستثمار، لم يكشفا تفاصيل الاتفاق وبنوده الرئيسة، وقد حاول "المونيتور" التواصل مع مصادر مسئولة في الجانبين، رفضت كشف هويتها، للحصول على تفاصيل إضافية، لكنهما اكتفيا بما نشر في وسائل الإعلام، دون إبداء الأسباب.

تحدّث "المونيتور" إلى رئيس المجلس القرويّ لبلدة رنتيس مؤيد عودة، فقال إنّ "أيّ جهّة رسميّة فلسطينيّة لم تبلّغهم بطبيعة اتّفاق استخراج النفط من القرية التي يبلغ عدد سكّانها 2600 نسمة، ومساحتها 30 دونماً، وتقع في شمال غرب رام الله، لكنّها تعاني من تردّي أوضاعها الاقتصاديّة، بسبب التهميش المستمرّ للحكومة الفلسطينيّة لها، دون إبداء الأسباب". رغم أنها منطقة بحاجة لرعاية دائمة الحكومة، وبحاجة إلى البنى التحتيّة من شوارع وشبكتي الماء والكهرباء، لأنها تتعرّض إلى اعتداءات من المستوطنين، حيث تقع القرية قرب المستوطنات الإسرائيلية، وهي ملاصقة للجدار الفاصل الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية منذ عام 2002، ويحاول المستوطنون الاستيلاء على أراضيها لتوسيع مستوطناتهم، وسرقة إسرائيل نفطها وغازها وماءها".

على الرغم من إشادات الحكومة الفلسطينيّة وصندوق الاستثمار الفلسطينيّ بالاتّفاق، وآثاره الإيجابيّة المتوقّعة لاستخراج النفط على الاقتصاد الفلسطينيّ، لكنّ الجانبين ربّما أغفلا التأثير السلبي لتوقّف المفاوضات السياسيّة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين منذ نيسان/أبريل 2014، على تطبيقه على الأرض.

فإسرائيل قد لا تبدي موافقة على بدء الفلسطينيين بعمليات استخراج النفط في حقل رنتيس، بينما علاقاتها السياسية مع السلطة الفلسطينية تمر بحالة جمود حادة منذ 2014، ممّا قد يزيد من مستوى المخاطر المتعلّقة بتنفيذ الاتفاق، من حيث عدم قدرة الفلسطينيين على استخراج النفط بدون موافقة إسرائيل، أو عرقلة إسرائيل لدخول بعض المعدات اللازمة لاستخراج النفط، وكل ذلك سيؤدي في النهاية إلى إخفاق الفلسطينيين بتطبيقه على الأرض، مما يتطلب تنسيقا ميدانيا مباشرا مع الإسرائيليين.

تجدر الإشارة إلى أن المنطقة التي يقع فيها حقل رنتيس يتخلّلها 60% من مناطق مصنّفة "ج" بحسب اتّفاق أوسلو، حيث السيطرة الأمنيّة والمدنيّة الكاملة للسلطات الإسرائيليّة، وإسرائيل تستخرج النفط من هذه المساحة، ممّا يضع عوائق أمام تطوير المشروع، وصعوبة الحصول على الموافقات الإسرائيليّة اللازمة، وعدم ضمان تعاون إسرائيل مع السلطة الفلسطينيّة لتسيير المشروع.

أشاد رئيس قسم الجغرافيا في جامعة بيرزيت، والخبير الفلسطينيّ بالموارد الطبيعيّة المهندس عبدالله حرزالله باتّفاق استخراج النفط من حقل رنتيس، لكنّه قال إنّ "تجاوز معارضة إسرائيل المتوقّعة له يتطلّب إجراء مباحثات بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، حول تسهيل السلطات الإسرائيلية لعمل الطواقم الفنية العاملة في استخراج النفط من حقل رنتيس، ويمكن للسلطة الفلسطينيّة التواصل مع أطراف دوليّة لإقناع إسرائيل بعدم عرقلة تنفيذ الاتّفاق، لأن بعض الطواقم العاملة في استخراج النفط من حقل رنتيس قد تكون دولية وأجنبية، أو منح إسرائيل نسبة مئويّة من عوائد النفط، كي لا تعيق عمل الطواقم الفنيّة، وهنا تعلو لغة المصالح الماديّة على رفضها السياسيّ، خصوصاً مع وجود 2.5 مليارات برميل نفط، و182 مليار قدم مكعّب من الغاز الطبيعيّ في حقل رنتيس، تقدّر قيمتهما الإجماليّة بأكثر من 155 مليار دولار".

 

أمّا مراسل فضائيّة القدس في الضفّة الغربيّة، وأحد سكّان قرية رنتيس الصحافيّ ابراهيم الرنتيسي، فقال لـ"المونيتور" إنّ "المفارقة التي تعيشها رنتيس التي بات يسمّيها أهلها القرية النفطيّة، أنّها تعاني من عدم إنارة شوارعها، ولم يصلها وزير فلسطينيّ واحد لزيارتها، فيما سارعت العشرات من وسائل الإعلام أخيراً إلى إعداد تقارير متلفزة ومكتوبة عن كميّات النفط في القرية، فهل يعقل أنّ قرية نفطيّة ستزوّد محطّات توليد الكهرباء بالوقود لغيرها من المدن الفلسطينية، غير قادرة على إنارة شوارعها".

          من المؤشّرات الملفتة لهذا الاتّفاق أنّ الحكومة الفلسطينيّة اختارت بصفة حصريّة صندوق الاستثمار الفلسطينيّ لإدارة النفط الموجود في حقل رنتيس والتنقيب عنه، وهو ما قد يثير بعض التساؤلات في العلاقة القائمة بين الجانبين، الحكومة والصندوق، كون رئيسه محمّد مصطفى عمل سابقاً نائباً لرئيس الحكومة الفلسطينيّة ووزيراً للاقتصاد، قبل استقالته في آذار/مارس 2015، مما قد يشير إلى النفوذ السياسي والاقتصادي الذي يملكه مصطفى، بحيث جعل اتفاق الحكومة الفلسطينية حول استخراج النفط مع صندوق الاستثمار الذي يترأسه دون غيره من الشركات الفلسطينية.

أنشئ صندوق الاستثمار الفلسطيني عام 2002 بمرسوم رئاسي فلسطيني، ورغم أنه مسجل كشركة عامة مملوكة للسلطة الفلسطينية في وزارة الاقتصاد الوطني، لكن لديه ذمة مالية مستقلة عن الموازنة العامة للحكومة الفلسطينية.

الكاتب الفلسطيني فضل سليمان، نشر يوم 21 آب/أغسطس مقالا ذكر فيه أن صندوق الاستثمار الفلسطيني يفتقر لوجود قانون ينظمه، مما يشكل مخالفة على صعيد تطبيق نظام النزاهة، ورغم ما ينشره موقعه الالكتروني من معلومات تعريفية ومالية وإدارية متعلقة به، لكنه يخلو من بيانات كافية عن مشاريع الصندوق، والحقوق المالية الخاصة بمجلس الإدارة، وغياب معلومات حول امتيازات الرئيس التنفيذي للصندوق، والجهة المسئولة عنه، وآلية مساءلته.

          قال الخبير الاقتصادي الفلسطينيّ، ورئيس مؤسّسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجيّة عمر شعبان لـ"المونيتور" إنّ "اتّفاق السلطة الفلسطينيّة مع صندوق الاستثمار الفلسطينيّ لم يمرّ بالقنوات التشريعيّة والمجتمعيّة الفلسطينيّة، والغريب أنّ السلطة منحت الصندوق الحقّ الحصريّ لإدارة الموارد الطبيعيّة، ولم تعلن عطاء علنياً لإتاحة المجال للمنافسة أمام جميع الشركات الفلسطينية، مّا يجعله كالصندوق الأسود، لا أحد يعلم ما في داخله، ممّا يعني أنّه اتّفاق غير قانونيّ لأنّه لم يخضع إلى نقاش عامّ في المجتمع الفلسطينيّ، سواء عبر اجتماعات المجلس التشريعي، أو حلقات النقاش لدى الخبراء الاقتصاديين، أو برامج تلفزيونية وتقارير صحفية، وعلى الرغم من أن أحداً لا يمتلك أرقاماً دقيقة بكميّات حقل رنتيس من النفط والغاز، لكنّ الفلسطينيّين يستوردون سنويّاً من إسرائيل ما قيمته من 1.5 إلى 2 مليار دولار من الاحتياجات النفطيّة، وربّما تسمح إسرائيل للفلسطينيّين باستخراج النفط من حقل رنتيس إن كان لها مصلحة ماديّة فيه، وتعود عليها نسبة من الأرباح والكميّات المستخرجة".

أبلغ مسؤول فلسطينيّ في وزارة الاقتصاد الفلسطينيّة، رفض كشف هويّته، "المونيتور" أنّ "السلطة الفلسطينيّة تتوقّع أن يصطدم الاتّفاق بمعارضة إسرائيل، لأنّ 60% من المناطق المحدّدة للتنقيب مصنّفة "ج" حسب اتّفاق أوسلو، وفي حال لم تعط إسرائيل الموافقة على التنقيب في هذه المناطق، فسيكون من الصعب البدء في مشاريع من هذا النوع، على الرغم من أنّ اتّفاق أوسلو يعطي الفلسطينيّين الحقّ باستغلال مواردهم، وأنّ سيطرة إسرائيل قانونيّاً على مناطق "ج" انتهت في عام 1998 وفق اتفاق أوسلو، علماً أنّ عدم سماح إسرائيل للفلسطينيّين باستغلال مواردهم الفلسطينية في المناطق الفلسطينية يكلّف الفلسطينيين خسائر بقيمة خمسة مليارات دولار سنويّاً".

أخيراً... ربّما يرى الفلسطينيّون في اتّفاق التنقيب عن النفط الجديد واستخراجه في الضفّة الغربيّة، إنجازاً اقتصاديّاً لهم، يزيد من إيراداتهم الماليّة من جهّة، ويحدّ من اعتمادهم على الموارد الإسرائيليّة من جهّة أخرى، لكنّ تحقيق هذا الإنجاز منوط بالدرجة الأولى بالموافقة الإسرائيليّة على بدء الفلسطينيّين بالعمل في الحقل، حيث لم تعلن إسرائيل موقفها من هذا الاتفاق بعد حتى كتابة هذه السطور.

 

المصدر المونيتور