أثر إجراءات عزل ترامب على إعلان صفقة القرن

  • الأربعاء 09 أكتوبر 2019 06:10 ص

أثر إجراءات عزل ترامب على إعلان صفقة القرن

يتابع الفلسطينيون، كما الإسرائيليين، الإجراءات الدستورية الجارية لعزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمعرفة تبعاتها على صفقة القرن، وإمكانية أن يضطر لإرجاء إعلانها بسبب انشغالاته الخاصة، والخشية من نجاح هذه الإجراءات وتبعاتها السلبية على انخراط الإدارة الأمريكية بعملية السلام.

 

الفلسطينيون من جهتهم، لا يخفون ترحيبهم بالإجراءات القانونية والدستورية الأمريكية، لأن ترامب مارس عليهم ضغوطا كبيرة للقبول بالصفقة، خاصة وأن المبعوثين الأمريكيين لعملية السلام انقطعوا مؤخرا عن زيارة المنطقة، وأعلن جيسون غرينبلاث مبعوث ترامب عن استقالته الوشيكة، تزامنا مع إجراء الانتخابات الإسرائيلية، والأزمة السياسية التي أسفرت عنها، مع عجز أي من الأحزاب الفائزة عن تشكيل الحكومة القادمة.

 

تتزايد التقديرات الإسرائيلية والفلسطينية بأن بدء أي إجراءات لعزل ترامب الجارية حاليا في مجلس النواب الأمريكي ستضع نهاية لصفقة القرن، لأنه سيكون منشغلا عنها بإجراءات الإطاحة به، على اعتبار أنه فقد جزءا من خطته السياسية، مما قد يدفعه لإرجاء إعلان الصفقة إلى مرحلة ولايته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض، في حال تم انتخابه من الأساس.

 

يعتقد الإسرائيليون أن الضربة التي تلقاها ترامب على رأسه، في ظل الجهود التي يبذلها الديمقراطيون في مجلس النواب، وتتمثل بإمكانية المضي قدما في إجراءات عزله تحمل أخبارا سيئة، ليس فقط لترامب، وإنما لإسرائيل أيضا، لأن الأمر سيتسبب بانشغال الولايات المتحدة عنها شهورا طويلة.

 

الأمر الأهم من وجهة النظر الإسرائيلية أنه في حال لم تنجح الجهود الديمقراطية لعزل ترامب، فهذا يعني على الأقل أنه سيكون في وضع مهين، ومخيب للآمال، وغير مريح كليا، صحيح أنه أعرب عن عدم اهتمامه بهذه التطورات المتسارعة، لكن انشغال وسائل الإعلام الأمريكية بهذه القضية سيحشره في زاوية ضيقة، وينشغل عن ملفات عالمية، وعن اهتمامه بإسرائيل، والتسبب بإهمال مبادرات سياسية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

وإذا ما أخنا بعين الاعتبار تزامن أزمة ترامب الدستورية مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وفشل صديقه بنيامين نتنياهو في تحقيق أغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة القادمة، فإن هذا يعني أن ترامب فقد دورا مهما في الدفع قدما بصفقة القرن، والتقديرات الإسرائيلية المتزايدة أنه سوف يضطر لإرجاء إعلانها فترة من الزمن إلى حين انتخابه في الدورة الرئاسية الثانية، إن قدر له ذلك.

 

تتزامن إجراءات عزل ترامب، في حال بدأت عملياً، مع استقالة المبعوث الأمريكي لعملية السلام جيسون غرينبلات، التي تركت انقساما في الآراء بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول تأثيرها المتوقع على صفقة القرن، باعتبار أنه كان مبعوثا أمريكيا يتحدث بلسان إسرائيلي دائم، ويكرر رسائل إسرائيل للمجتمع الدولي.

 

لم يكن غرينبلاث يتردد في إعادة نسخ ما يردده نتنياهو دون أدنى تحفظ، سواء باتجاه إيران وحزب الله أو الفلسطينيين، بل كان دائم الانتقاد لخصوم إسرائيل وأعدائها، مما يجعل من استقالته القريبة، خسارة إسرائيلية لأحد أصدقائها الحميمين، وأحد العناصر الفاعلة باتجاه إرجاء إعلان صفقة القرن، ولذلك ساد إسرائيل أجواء من القلق من مغادرته لمنصبه، كونه عمل ضابط اتصال بين تل أبيب والبيت الأبيض، ورأى فيه ترامب أحد الموثوقين جدا، ويستطيع الاعتماد عليه، وعيونه مغمضة، كونه محاميه السابق.

 

في المقابل، اعتبر غرينبلات شخصية غير مرحب فيها لدى السلطة الفلسطينية، لأنه رفض الاجتماع بقادتها، بل خاض معهم سجالات حادة، واتهموه مرارا بأنه يمثل موقف المستوطنين الإسرائيليين، ويقف في الجانب الأكثر يمينية في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.

 

لقد أظهر غرينبلات للفلسطينيين درجة اهتمام إدارة ترامب بالمصالح الإسرائيلية قبل أي اعتبار آخر، مما دفعهم أكثر للتمسك بمواقفهم، والرد سلبا على كل مبادرة يعلنها، مما سيجعل من استقالته تترك تأثيرها الكبير على إعلان صفقة القرن، سواء بالمسارعة أو التأجيل، وفي الوقت ذاته فإن ابتعاد غرينبلاث عن صورة المشهد، قد يشكل فرصة كي يبدي الفلسطينيون مرونة أكثر، باتجاه الإدارة الامريكية وخططها للسلام في المنطقة.

 

إن استقالة غرنيبلاث قد تعطي مؤشرا على ضعف فرص إعلان الصفقة، بسبب وجود خلافات بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، سواء حول بعض تفاصيلها السياسية، أو موعد إعلانها بوجود نتنياهو في السلطة حاليا، أو الانتظار لنتائج المشاورات الائتلافية لتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، وإمكانية أن تتم الإطاحة بنتنياهو من المشهد السياسي الإسرائيلي، سواء بسبب ملفات الفساد الغارق فيها، أو عجزه عن تشكيل حكومة جديدة.

 

بين أزمة ترامب الدستورية، واستقالة غرينبلاث المعلنة، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية المتأزمة، يتابع الفلسطينيون والإسرائيليون مواقف متباينة حول مواعيد الإعلان عن صفقة القرن، ففيما أكد ترامب سابقا أن هناك احتمالا كبيرا بأن يتم نشرها قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية، فقد أشار غرينبلاث أن الخطة لن تعلن قبل إجراء هذه الانتخابات، رغم أن هناك من المسؤولين الإسرائيليين من يعلم بتفاصيل الصفقة، خاصة نتنياهو.

 

وبالتزامن مع هذه التطورات الأمريكية والإسرائيلية، فقد التقى جيراد كوشنير صهر الرئيس ومستشاره الخاص مع العديد من المسؤولين والزعماء في العالم العربي وإسرائيل، وحاول التعلم من أخطاء وإخفاقات الماضي التي منعت تحقيق خطط ومشاريع سياسية أخرى.

 

صحيح أن الحكومة الإسرائيلية القادمة أمامها مهمة أساسية تقضي بالتعامل مع خطة ليست سهلة، لكن هناك العديد من الأصوات الفلسطينية والإسرائيلية، وحتى الغربية، التي بدأت تعلن في مرحلة ما قبل الإعلان عن الصفقة، أنها ولدت ميتة، وبدأ البعض بإصدار بيانات نعيها، في حين أن أطرافها المضطلعين فيها لا يخفون تحفظاتهم من بعض بنودها، بل إن بعضهم يعلنون على الملأ أنهم يرفضونها.

 

فصفقة القرن لا تشمل الإعلان عن دولة فلسطينية، ولا انسحابا إسرائيليا من الضفة الغربية وفق حدود العام 1967، وفي أعقاب الرفض الفلسطيني المعلن لها، وهو الحد الأدنى من الموقف الفلسطيني، فمن المتوقع أن تحذو الدول العربية حذوهم، لأنها لا تستطيع الوقوف في وجه الرأي العام العربي، وتظهر كمن باعت القضية الفلسطينية مقابل مساعدات اقتصادية أمريكية.

 

اللافت أنه رغم ما تقدمه صفقة القرن من مغريات وامتيازات للجانبين: الفلسطيني والإسرائيلي، فإن الحديث عن مواقف الساحة السياسية الإسرائيلية منها يبدو لافتا، فالجانب اليميني من الخارطة الحزبية لديه مخاوف أخرى من الصفقة، لأنها تتضمن ما يزعمه الإسرائيليون تنازلا عن مناطق جوهرية من الضفة الغربية، صحيح أن هذه المناطق لن تقام فيها دولة فلسطينية، وإنما تواجدا للسلطة الفلسطينية، يمكن النظر إليها من قبل المجتمع الدولي على أنها حقيقة واقعة، تكتسب صفة الشرعية.

 

إن التطورات الأمريكية الداخلية الخاصة بإمكانية البدء بخطوات عزل ترامب، دفعت لصدور المزيد من المواقف الإسرائيلية والفلسطينية من صفقة القرن مع اقتراب الإعلان عنها، وإمكانية تسببها بظهور ردود فعل إسرائيلية مؤيدة ومعارضة، فالفلسطينيون يترقبون ما قد يحصلون عليه من الصفقة، دولة أو حكما ذاتيا فقط، في ظل استمرار خروج التسريبات بين حين وآخر، رغم أن التطوير الاقتصادي والانفتاح التجاري يبدو الأمر المتوافق عليه بين كل التسريبات.

 

مع العلم أن الصفقة ستطلب من الفلسطينيين الموافقة على السيطرة الإسرائيلية على حدودهم، بما في ذلك غور الأردن، كما ستعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على التجمعات الاستيطانية التي تصل مساحتها عشرة بالمئة من الضفة الغربية، وإعلان ضمها، ومقابل أن يتنازل الفلسطينيون في الخارج عن حق العودة، فإنهم يحصلون على تعويض اقتصادي مالي.

 

هذا يعني أن كل تفاصيل صفقة القرن المسربة تعني أن الولايات المتحدة تعود لأخطاء الماضي ذاتها؛ لأن الاعتراف الإقليمي بإسرائيل لن يكون جوهريا، والفلسطينيون لن يغادروا طريق المقاومة المسلحة، وإسرائيل سيكون من الصعب عليها رفض الصفقة الأمريكية.

 

إن القراءة الموضوعية لمآلات صفقة القرن في ظل تعقد المشهد الأمريكي، وما قد تشهده الساحة الأمريكية الداخلية من تطورات متلاحقة، ترى أن الأمريكان قد يعلنون عن صفقتهم، رغم تحفظات الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، مما يعني أن الصفقة سوف تدخل كتب التاريخ، كوثيقة أرشيفية وخطة إضافية وواحدة من مئات الخطط والمشاريع التي تم عرضها على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لإنهاء صراعهم، دون نجاح.

 

لكن هذه الصفقة، ورغم أنها قد لا تنفذ لاعتبارات شتى: فلسطينية وإسرائيلية، لكنها، وفق التقييم الإسرائيلي، قد تترك تأثيراتها الخطيرة على مستقبل الصراع على الجانبين، فمن ناحية الحكومة الإسرائيلية ستمنح الصفقة مستقبلا أوراق تفاوض قوية أمام أي إدارة أمريكية مستقبلية، بحيث تبني مواقفها القادمة بناء على ما قدمته إدارة ترمب الحالية، وعلى الجانب الفلسطيني قد تلغي الصفقة بنودا أساسية من على طاولة المفاوضات، وأهمها قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهنا مكمن خطورتها!

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20191008-the-impact-on-the-deal-of-the-century-of-the-measures-to-impeach-trump/?fbclid=IwAR3jb1FAH5VVQihIMlUTp7IFBX36lX9g6lOKgjVSe7XnS3zxhB_cEj8v-cA