إسرائيل تواصل طرح مخططاتها لتهجير الفلسطينيين

  • الأربعاء 11 سبتمبر 2019 08:20 ص

إسرائيل تواصل طرح مخططاتها لتهجير الفلسطينيين

منذ جريمة النكبة الفلسطينية التي تسببت بها إسرائيل قبل أكثر من سبعين عاما، سنة 1948، التي أسفرت عن تهجير قرابة سبعمائة ألف فلسطيني من أراضيهم المحتلة، واصلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طرح مخططات سياسية وسكانية لتهجير المزيد من الفلسطينيين، سواء من الضفة الغربية وقطاع غزة، أو من داخل إسرائيل نفسها، للوصول إلى حالة من النقاء العرقي اليهودي لسكانها.

 

صحيح أن غالبية هذه الخطط والمشاريع كان مصيرها الفشل الذريع، لكن الحكومات الإسرائيلية بين حين وآخر دأبت على إصدار خطة شبيهة أو مشروع مماثل، كان آخرها ما كشفته قبل أيام قليلة عن استعدادها لتشجيع الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة، وفتح المطارات الإسرائيلية، وترتيب سفرهم للخارج في حالة وجود دول لاستيعابهم.

 

مسئول إسرائيلي رفيع المستوى أكد أن هذه المسألة طرحت عدة مرات في اجتماعات الحكومة، وبذلت محاولات مع بعض البلدان لإقناعهم باستيعاب الفلسطينيين، لكنها لم تنجح.

 

فور الكشف الإسرائيلي عن هذا المخطط، خرجت ردود فعل فلسطينية وإسرائيلية متلاحقة، كونه قد يكون مرتبطا بصفقة القرن الأمريكية، مما يدفع لطرح تساؤلات عن سبب هذا الكشف الإسرائيلي، وفي هذا التوقيت بالذات، ومن الدول التي بحثت معها إسرائيل استيعاب الفلسطينيين من غزة، وهل يأتي ضمن توطين اللاجئين الفلسطينيين، أم إفراغ غزة من مواطنيها، وما مواقف حماس والسلطة الفلسطينية، وكيف ينظر الفلسطينيون لهذه التوجهات الإسرائيلية.

 

على صعيد ردود الفعل الإسرائيلية، كشف وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان، أن الحكومة ناقشت خمس مرات تهجير سكان قطاع غزة من خلال تشجيعهم على المغادرة بواسطة رحلات جوية منظمة، لكن النقاشات لم تشر إلى عملية تهجير على نطاق واسع، ثم ألغيت الخطة لأنه لا يمكن تنفيذها.

 

فيما اعتبرت زعيمة حزب اليمين الجديد، إيليت شاكيد، أن هجرة سكان غزة مصلحة إسرائيلية في المقام الأول، ودعت لمنح الفرصة لمن يريد الهجرة من القطاع، وتسهيل حدوث ذلك، لأن غزة تعاني انفجارا سكانيا، وازدحاما شديدا، وحان الوقت لإسرائيل أن تستيقظ، وتسمح لأولئك الذين يريدون الهجرة بالرحيل.

 

لكن الفصائل الفلسطينية أدانت سياسة التهجير التي تمارسها إسرائيل بحق سكان غزة، ونظرت بخطورة بالغة لتشجيعها لها، واعتبرت أن هذه السياسة تأتي في إطار مخططات الاحتلال الداعمة والمكملة لفكرة تهجير الفلسطينيين الترانسفير.

 

وأوضحت الفصائل أن إسرائيل، وبدعم أمريكي، تأمل بتوطين الفلسطينيين في دول أخرى، وتحويلهم لجنسيات أجنبية تنسيهم الماضي، وتعينهم على نسيان حقوقهم الوطنية، وتخطي المطالبة بها، واعتبرت أن هذا المقترح يهدف لتفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها، ويعد تطهيرا عرقيا طالما استخدمته حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين.

 

يعتبر المخطط الإسرائيلي لتشجيع هجرة الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الخارج توجها يائسا، ودليل عجز وفشل في التعامل مع القطاع، لأن الشعب الفلسطيني قادر على إفشاله، وكل محاولات ومقترحات تهجير شعبنا الفلسطيني لن تمر، وسيواجهها بوحدة الموقف الوطني الرافض لذلك، بتعزيز صموده فوق أرضه رغم الحصار الظالم، وسياسة القتل والتشريد وهدم البيوت، وسيظل متشبتاً بها حتى تحقيق التحرير والعودة.

 

يرى الإسرائيليون في قطاع غزة مرضا مستعصيا على العلاج الإسرائيلي؛ ولم يبق أمام الإسرائيليين إلا إحياء المشاريع القديمة الجديدة في ترحيل سكانه، كأنجع حل يفتح للإسرائيليين آفاق الحياة الآمنة بعيداً عن وجع غزة المتراكم.

 

الخطر الحقيقي على سكان قطاع غزة في هذه المرحلة يتمثل في تكرار تجربة الترحيل الجماعي كما حدث سنة 1948، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال حرب شاملة على غزة، برعاية أمريكية، وتحت غطاء من الدول العربية، ليصير فتح الحدود على سيناء ملاذاً إنسانياً آمناً، وهذا هو منطلق التفكير العملي الإسرائيلي للخلاص من غزة، دون السماح لها بدولة مهما كانت، أو حتى شبه دولة؛ فتشكل خطراً استراتيجياً على إسرائيل.

 

تعود المخططات الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين إلى فترة انتهاء الحرب الإسرائيلية العربية الأولى في 1949، حين خرجت أفكار عديدة لبحث مستقبل العرب المقيمين في إسرائيل، حيث أعلن ديفيد بن غوريون أول رئيس حكومة إسرائيلية إن "العرب يجب ألّا يبقوا هنا، كما أن يهود أمريكا يجب ألّا يبقوا هناك، وسأبذل كل جهدي كي يكون العرب في دولة عربية".

 

وكشف النقاب عن "عملية "يوحنان" لمنح مزارع واسعة لعرب إسرائيل في الأرجنتين، خاصة للمسيحيين المقيمين في الجليل، ثم خرجت خطة "العمل" لتوفير أماكن عمل للفلسطينيين في أوروبا المحتاجة لأيدي عاملة بعد الحرب العالمية الثانية، وتلقت دعما من خطة مارشال الأمريكية، لكن هذه الخطط لم تجد طريقها للتنفيذ على الأرض، وتوقفت عند منتصف سنوات الخمسينات.

 

بدأت هذه الخطط تخرج من جديد عقب حرب 1967، باتجاه فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، فأعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية في 1968 خطة بموجبها يتم تعزيز حركة الفلسطينيين من غزة إلى الضفة، وجزء منهم إلى الأردن والضفة الشرقية، ومن هناك إلى مناطق أخرى في العالم العربي، دون أن يظهر الأمر موجهاً من إسرائيل، بل بصورة عفوية تلقائية، وتضمنت خطة العريش إقامة مشاريع تطويرية مثل محطات تحلية المياه، وإنتاج الطاقة، ومصانع توفر أماكن عمل للفلسطينيين الذين سينتقلون هناك، لكنهم لم يغادروا هناك.

 

وفي عام 1968 بحثت لجنة في الكونغرس خطة للتهجير الطوعي لنقل 200 ألف فلسطيني من غزة إلى عدد من دول العالم، بينها: ألمانيا الغربية، والأرجنتين، وباراغواي، ونيوزيلندا، والبرازيل، وأستراليا، وكندا، والولايات المتحدة، لكن الخطة لم تخرج إلى حيز التنفيذ، سواء لأن الفلسطينيين لم يوافقوا على الهجرة، أو لأن الدول لم توافق على استيعابهم.

 

وفي ذلك العام، جمع الجيش الإسرائيلي آلاف الشباب الفلسطينيين، وأخذهم في مئات الحافلات، وألقى بهم خلف قناة السويس، على الجانب المصري، ثم قدم مبالغ مالية لكل من يترك غزة، وفي 1970 سعى الجنرال الإسرائيلي أريئيل شارون لتفريغ قطاع غزة من سكانه، ونقل عائلات بكاملها إلى العريش، بهدف تصفية المقاومة، وتفريغ ازدحام السكان في القطاع، حيث بلغ عددهم 400 ألفاً.

 

زعمت إسرائيل في إطار تسويقها لفكرة تهجير فلسطينيي غزة أن نسبة من سافروا منها في 2018، بلغ 35 ألفا، مع أن هؤلاء لا يشكلون تفريغاً يذكر للخزان البشري، لأن الرقم لا يتعادل مع نسبة زيادة السكان، والتي بلغت أكثر من 57 ألف مولود في العام نفسه.

 

بالتزامن مع الخطة الإسرائيلية الرسمية، صدرت دعوات لضرورة قيام إسرائيل بفتح الطريق لسكان غزة من أجل الهجرة لأوروبا، بحيث يكون فتح باب الهجرة للفلسطينيين خارج القطاع، دون فتح المعابر الإسرائيلية، والمطالبة بالتوجه للدول الأوروبية من أجل فتح أبوابها لإيواء اللاجئين الفلسطينيين من غزة، وتوزيعهم على العواصم الأوروبية في أوسلو وبرلين وباريس وأنقرة.

 

تفصح الفكرة الإسرائيلية لتهجير سكان غزة عن مخطط التهجير المتساوق مع صفقة القرن، عبر المؤامرة الدولية التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني لتهجيره، لأن مخطط الترانسفير ينسجم تماما مع قانون القومية العنصري الإسرائيلي، وفي الوقت الذي تتحدث به إسرائيل عن هذا المخطط في قطاع غزة، فإن عينها على تهجير وطرد الفلسطينيين من أراضيهم في الضفة الغربية والقدس لصالح التوسع الاستيطاني.

 

إن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة حول تهجير الفلسطينيين من سكان قطاع غزة ليست جديدة، ومن دعا إليها من الساسة الإسرائيليين لا يبدو أنه قرأ التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر، فالأفكار الداعية لتهجير الفلسطينيين لم تنجح في الماضي، ولن تنجح في المستقبل.

 

صحيح أن تهجير سكان قطاع غزة تعتبر فكرة جيدة من وجهة النظر الإسرائيلية، لكن تنفيذها فاشل؛ لأنه لا يمكن أخذ الفلسطينيين من غزة، ونقلهم عبر طائرات لأوروبا ودول في الشرق الأوسط، ولذلك لا يبدو هذا السيناريو جديا، وهناك شكوك كثيرة بأن الكابينت الإسرائيلي ناقش هذه الخطة بهذه الكيفية التافهة خلال خمس جلسات طويلة، فالأمر لا يتم بهذه السهولة، بل يحب التنسيق الوثيق له مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، وصولا إلى مصر.

 

إن ما سربته الصحافة الإسرائيلية عن نوايا إسرائيلية لتهجير سكان غزة يعيد للأذهان خطط الوزير الإسرائيلي السابق رحبعام زئيفي، الذي تحدث في السبعينات عن الترانسفير الطوعي بالاتفاق، فيما نادى الحاخام مائير كهانا بتهجير الفلسطينيين، وجاء لافتا أن إسرائيل اليوم في 2019 تعيد طرح هذه الخطط بعد سنوات وعقود طويلة على نسيانها.

 

تدرك إسرائيل أن الدول الغربية لديها ما يكفيها من مشاكل المهاجرين القادمين من سوريا وأفريقيا هربا من الموت، ولتحسين ظروف حياتهم، ولذلك فهي لا تريد زيادة معاناتها، ووفق وجهة النظر الإسرائيلية فإن هؤلاء المهاجرين باتوا يتحولون عبئا اقتصاديا واجتماعيا ودينيا وثقافيا على الدول التي تستوعبهم، وعلى حساب سكانها الأصليين، إذن ما الذي يدفعها للقبول باللاجئين الفلسطينيين ضمن الخطة الإسرائيلية الجديدة؟

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190910-israel-is-still-planning-to-displace-even-more-palestinians/?fbclid=IwAR1Ca79XBhZH5AqMO072o2m_w2IB04vR9_6-nZ_7WeUxue1VxoGvYQMy-UQ