تهديدات إسرائيل باغتيال قادة حماس لن تمنحها الأمن المفقود

  • الثلاثاء 03 سبتمبر 2019 09:40 م

تهديدات إسرائيل باغتيال قادة حماس لن تمنحها الأمن المفقود

خلال أيام معدودة، أطلق زعماء إسرائيليون تحذيرات وتهديدات موجهة إلى قادة حماس باغتيالهم، في ضوء استمرار إطلاق القذائف الصاروخية من قطاع غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية الجنوبية، وتزامنها مع موسم انتخابي حامي الوطيس، مما يجعل من هذه التهديدات مادة إعلامية دسمة في الحملات الانتخابية.

 

السطور التالية تناقش التهديدات الإسرائيلية المتلاحقة ضد قادة حماس، هل هي جادة أم انتخابية، وكيف تتعامل معها حماس، وهل تأخذ احتياطات أمنية أم تعتبرها ليست جدية، وهل نشهد قبيل الانتخابات الإسرائيلية اغتيالا إسرائيليا لأحد قادة حماس الكبار مما يحسن فرص اليمين الإسرائيلي بالفوز في الانتخابات، وفي هذه الحالة كيف سيكون رد فعل حماس، وهل تكون الاغتيالات المتوقعة لقادة حماس في غزة أم خارجها..

 

تناوب الزعماء الإسرائيليون في الأيام والأسابيع الأخيرة على إطلاق تهديدات وتحذيرات متلاحقة ضد قادة حماس، بإمكانية القيام بتصفيتهم جسدياً واغتيالهم، إن لم يوقفوا عمليات إطلاق الصواريخ على التجمعات الاستيطانية المحاذية لقطاع غزة، أو استمرار تنفيذ الهجمات المسلحة في الضفة الغربية.

 

فقد هدّد وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس باستهداف قادة حماس خلال الحرب المقبلة على غزّة، قائلا أنه "قد تأتي اللحظة التي تقرر فيها إسرائيل أن تعمل بشكل شامل، بحيث لن تكون هناك حصانة لقادة حماس، ولن نحتمل حالة "اللا هدوء" في قطاع غزة والضفة الغربية".

 

أما الجنرال بيني غانتس زعيم حزب أرزق-أبيض المعارض، والقائد السابق للجيش الإسرائيلي، فقد وجه "تهديدا مباشرا إلى زعيم حماس في غزة يحيى السنوار، وذكره بمصير أحمد الجعبري القائد العسكري السابق للحركة الذي اغتالته إسرائيل في 2012، وحذره من مصير مشابه".

 

فيما اعتبر أورين حزان عضو الكنيست من حزب الليكود أن "الرد على الهجمات الفلسطينية المسلحة يجب أن يكون باستهداف قادة حماس في غزة، وإلا فإننا سنواصل دفن أبنائنا في هجمات الضفة الغربية".

 

وزعمت وزيرة الثقافة ميري ريغيف أنه "آن الأوان للتقدم خطوة للأمام في مواجهة التنظيمات الفلسطينية، يجب علينا استهداف رأس الأفعى، والمس بقادة حماس، وعليهم أن يعلموا أن قواعد اللعبة قد تغيرت، لأنه حين تكون رؤوسهم في مرمى الاستهداف، والاغتيالات تصل بيوتهم، فإننا سننجح في إعادة قوة الردع الإسرائيلية".

 

تسلط عمليات الاغتيال التي طالت قادة حماس وباقي الفصائل، داخل فلسطين وخارجها، الأضواء على التاريخ الدموي للجيش الإسرائيلي الحافل بالاغتيالات، كونها ليست سياسة جديدة، لأن سجله مزدحم بقائمة طويلة منها منذ ما قبل قيام الدولة عام 1948 وحتى الآن، ولا زالت الذاكرة الفلسطينية والعربية تتذكر وتخلد أسماء سياسيين وعلماء ومفكرين ومقاومين، راحوا ضحية هذه السياسة الدموية بأساليب وطرق مختلفة.

 

يزعم جيش الاحتلال أن سياسة الاغتيالات التي اتبعها من أفضل السياسات التي تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية، باعتبارها الوسيلة الأنجع لوقف ما تسميه بـ (القنابل الموقوتة).

 

ومن خلال رصد العديد من عمليات الاغتيال خلال السنوات الأخيرة، يمكن رسم سيناريو لعملية الإعداد والتخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال، التي تبدأ بإدراج أسماء عشرات القادة والكوادر على قائمة الاغتيالات بعد دراسة ملفاتهم الأمنية، ثم تشرع أجهزة الأمن الإسرائيلية بجمع المعلومات التي تركز على مكان سكن المستهدف وتحركاته.

 

تشارك في التخطيط لعملية الاغتيال عدة أجهزة أمنية وعسكرية وعلى رأسها جهاز الأمن العام "الشاباك"، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على شبكة عملاء في الأراضي الفلسطينية، ثم الاستخبارات العسكرية التي تعتمد على أعلى وسائل التكنولوجيا، حيث يتم تشكيل غرفة عمليات تحت قيادة هيئة الأركان التي يترأسها رئيسها، وبمتابعة وزير الحرب الذي يرفع التقارير تباعا لرئيس الوزراء، وعلى ضوء المعلومات الاستخبارية يحدد أسلوب عملية الاغتيال، لذلك يتم إشراك سلاح الجو الذي أصبح يساهم بعمليات الاغتيال بشكل كبير.

 

اعتمدت أجهزة المخابرات الإسرائيلية في اغتيال قادة وكوادر حماس وباقي الفصائل بدرجة كبيرة على مصادر المعلومات التي يوفرها العملاء، بحيث يكلف العميل بجمع المعلومات المتعلقة بالمقاوم المستهدف كافة؛ منزله والغرف التي يتكون منها، سيارته التي يتحرك فيها، الطريق التي يمر منها، ساعات دوامه ومكان عمله، وحين تتكون غرفة العمليات تكون مرتبطة بالعميل الذي يوجد على الأرض، وهو الذي يحدد أن الشخص المستهدف خرج من المكان المحدد، واستقل السيارة ويحدد لونها ومن معه في السيارة.

 

ثم يترك إكمال مهمة المراقبة للوسائل التقنية الحديثة، مثل الطائرات دون طيار، استغلال تقنيات وسائل الاتصالات بالتنصت على أجهزة الاتصال، خصوصا الخلوي، المعلومات الميدانية التي تصل من العملاء.

 

تزعم إسرائيل أن اغتيال قادة حماس يحقق لها خمسة أهداف رئيسية، هي: التشويش على منظومة قيادة الحركة العسكرية، وعرقلة العمليات المخطط لها، على الأقل جزء منها، وإلزام رجال حماس بالنزول للعمل السري والاختباء، وتصعب عليهم التخطيط للعمليات وتنفيذها، وتعزيز هدف الانتقام، على الأقل بالنسبة لمعنويات الجمهور الإسرائيلي.

 

في المقابل، أثبتت حماس وفصائل المقاومة أن أسلوب الاغتيالات الإسرائيلية لم يكسر شوكتها، وانفضاض الناس عنها، والالتفاف حولها، لأن تمسك إسرائيل بسياستها القديمة الجديدة التي تؤمن بنظرية "كي وعي" الفلسطينيين حتى يضغطوا على منفذي العمليات للتوقف عن أعمالهم، جاءت بنتيجة معاكسة تماما؛ ففي العادة وسيلة الاغتيالات القاسية جدا، تشجع المقاومة أكثر من قيامها بمنعها.

 

وعقب الخبير العسكري الإسرائيلي "أمير بار شالوم" قائلا: "لقد خاب أمل جنرالاتنا، اعتقدوا أن عمليات التصفية ومحاولات الاغتيال التي تعرض لها قادة حماس ستؤدي بهم لأن يهتموا بأنفسهم، وأن يسعوا للحفاظ على حياتهم، وأن يتركوا التخطيط للعمليات وتنفيذها ضدنا، لقد ثبت أنهم كانوا حالمين، فلم تؤد هذه العمليات إلا إلى تعاظم عملياتها المدمرة ضدنا".

 

هذا يعني أن عمليات التصفية لقادة حماس لم تؤد إلا لتعاظم الخسائر الإسرائيلية، وتوفر المسوغات للحركة لمضاعفة عملياتها، وجعلها أكثر ضراوة، ولذلك فإن عمليات التصفية لا توفر دماء الإسرائيليين، بل تزيد منها، وذريعتها الحقيقية سياسية وسيكولوجية، وليست أمنية، كما أن الاغتيالات الإسرائيلية تشكل الوقود الذي يؤجج نار المقاومة، وجعل عملياتها أكثر خطورة وأشد تصميما.

 

رغم هذه الدعوات السياسية والحزبية الإسرائيلية المتلاحقة بضرورة اغتيال قادة حماس، لكن القناعة السائدة في أوساط المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تشير إلى أن تجديد سياسة الاغتيالات ضد قادة حماس كفيل بتعقيد الأمور الأمنية، أكثر من تعقيدها الحالي؛ فما كان ينفع في الانتفاضة الثانية، باعتماد سياسة الاغتيالات، قد لا يكون مجديا اليوم بعد مرور كل هذه السنوات.

 

إن زيادة الحديث الإسرائيلي عن سياسة الاغتيالات بقوة لافتة في الآونة الأخيرة مرتبط بالضرورة بالحملات الانتخابية الجارية، رغم أن الاغتيالات، لم تعد بيد إسرائيل وحدها، فغزة تغيرت، والأمور اختلفت عما كانت عليه في سنوات وعقود سابقة، وهناك شكوك كبيرة أن تكون الاغتيالات الإسرائيلية مجدية لحفظ أمنها، على العكس فإنها قد تضر أكثر مما تنفع.

 

لا يتردد إسرائيليون "عقلانيون" في الحديث عن فرضية نجاح إسرائيل باغتيال اثنين أو ثلاثة من زعماء حماس، ومن قادة جناحها العسكري، صحيح أن الحركة ستبدي خسارتها من موتهم، لكنها بعد أيام قليلة سيأتي ردها المتوقع، لأن الرد الأولي يتمثل بإمطار بن غوريون بزخات من قذائفها الصاروخية، وهذا الاحتمال الأخف، وهناك إمكانية الدخول في حرب جديدة، وهو الاحتمال السيئ.

 

مع العلم أن سياسة الاغتيالات التي تتزايد الدعوات الإسرائيلية لاستئنافها، لن تنجح بالقضاء المبرم على المنظمات الفلسطينية المسلحة، بل تسعى لتهدئة اليهود المذعورين، والإثبات أن الأمن ما زال فعالا، لكن النتيجة أن الاغتيالات تزيد من تصاعد الكراهية والخوف، وتقضي على أي فرص لنجاح العملية السياسية.

 

الغريب أن هذه الاغتيالات لم، ولن، تنجح بالقضاء على تطلعات الشعب الفلسطيني بالاستقلال، الاغتيالات فقط هي المهدئ القومي لليهود الخائفين، ورغم ما تسوقه الأوساط الإسرائيلية المتشجعة لها من تبريرات ومسوغات، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تخفي معاناتها من سلسلة الإخفاقات والفشل المتلاحق من نتائج هذه الاغتيالات، حتى أن الكاتب الإسرائيلي ران أدليست تساءل: "ماذا سنجني إن حفرنا آلاف القبور لمن سنغتالهم في هذه العمليات السرية؟".

 

إن الاغتيالات الإسرائيلية تزيد من دوافع الانتقام والثأر لدى الفلسطينيين، وأي انتقام فلسطيني سيولد انتقاما إسرائيليا في المقابل؛ فالعين بالعين، مما يظهر إسرائيل في اغتيالاتها كمن تقوم بأعمال المافيا والعصابات، وتنسى أنها دولة.

 

رغم أن هناك من الإسرائيليين من يدافع عن اغتيال قادة حماس بأنها تهدف لإعاقة العمليات المسلحة، أو القضاء عليها، فإن الفحص الميداني يشير إلى أن الهجمات الفلسطينية عقب الاغتيالات لا تواصل التنفس فقط، بل تضرب وتطلق النار، وتنجح بإقامة ميزان من الردع والتهديد مع الجيش الإسرائيلي الأكبر والأخطر في المنطقة، وعلى الإسرائيليين أن يعلموا أن اغتيال قادة حماس لا تعني فقط مشاهد تلفزيونية، بل عمليات دامية، سيكونون أمام دماء، وليس كاتش آب!

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190903-israels-threats-to-assassinate-hamas-leaders-will-not-make-it-more-secure/?fbclid=IwAR1_XxHJT7zKVX3pxlJbwOqLqY70lu-6g79ffcwtyioPBPX4nuiKFGCtaZk