الأجهزة الأمنية الفلسطينية تواصل تعاونها مع نظيرتها الأمريكية

  • الأربعاء 07 اغسطس 2019 10:03 ص

الأجهزة الأمنية الفلسطينية تواصل تعاونها مع نظيرتها الأمريكية

رغم القطيعة الأمريكية الفلسطينية منذ ديسمبر 2017، وصولا لفرض عقوبات أمريكية على السلطة الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنعهما من عقد لقاءات سرية وعلنية، مما يطرح علامات استفهامية حول مدى جدية القطيعة المعلنة.

 

ففي أوائل يوليو التقى صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير مع عضوين من الكونغرس الأمريكي ليندسي غراهام وكريس فان هولين برام الله، وبحث الثلاثة تجديد الدعم المالي الأمريكي لأجهزة الأمن الفلسطينية المتوقف منذ أوائل 2019.

 

كان لافتاً أن يعلن المسئولان الأمريكيان أن "السلطة الفلسطينية تحافظ على الأمن، ويحظر تقوية حماس بالضفة الغربية على حسابها، حماس هي العدو، وليس السلطة".

 

ورغم نفي الرئيس الفلسطيني محمود عباس أواخر يونيو، وجود اتصالات سياسية مع الإدارة الأمريكية، لكنه اعترف أن "السلطة الفلسطينية مستمرة بالتنسيق الأمني مع الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب.

 

وفي مايو، وافقت الإدارة الأمريكية على منح السلطة الفلسطينية آليات مصفحة كهدية منها، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية تلبية لرغبة الولايات المتحدة الأميركية، على السماح لأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، بإدخال عشر آليات مصفحة.

 

وأكد رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة اللواء ماجد فرج في يونيو على الالتزام التام بمحاربة الإرهاب والتطرف والعنف، والتعاون مع كافة الدول الإقليمية والدولية، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي العاشر لقضايا الأمن بمدينة أوفا الروسية.

 

وفي سبتمبر، زار وفد من جهاز المخابرات العامّة الفلسطينيّة واشنطن، لإجراء مباحثاتٍ مع وكالة الاستخبارات المركزية سي آي إيه، وأعلن الرئيس عبّاس أن الوفد الأمني الفلسطيني يسعى لصيانة التعاون الأمني والاستخباراتي بين السلطة الفلسطينيّة والولايات المتحدة، رغم قطع كافة العلاقات مع البيت الأبيض.

 

يجد المرء صعوبة في فهم استمرار اللقاءات الفلسطينية الأمريكية ذات الطابع الأمني الاستخباري رغم بقاء القطيعة السياسية والدبلوماسية بينهما، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمني الأمريكي الفلسطيني، وإمكانية أن تكون التصريحات الأمريكية مقدمة لاستئناف الدعم المالي الأمريكي للأمن الفلسطيني، مع محاولة التعرف على طبيعة الاستحقاقات التي ستدفعها السلطة مقابل عودته، بجانب الحديث عن أوجه التعاون الأمني بين رام الله وواشنطن.

 

إن تكرار الرئيس عباس حديثه حول مسألة التعاون مع الأمريكان بمحاربة الإرهاب، يسلط الضوء حول ما تقدمه الأجهزة الأمنية الفلسطينية من معلومات للإدارة الأمريكية عن مجموعات مسلحة داخل فلسطين وخارجها، وطبيعة الدور الذي تقوم به السلطة بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة خارج فلسطين.

 

لا تبدو الاجتماعات الحالية الفلسطينية الأمريكية منقطعة عن لقاءات سابقة جمعت الجانبين، لاسيما اللقاء الشهير في يونيو 2018 الذي جمع رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج بوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وقد حصل هذا اللقاء اللافت من نوعه فيما زال بومبيو رئيسا لجهاز المخابرات الأمريكية السي آي إيه، وعقد اللقاء بعلم ومعرفة عباس، وعدد قليل جدا من المسؤولين الفلسطينيين الكبار المحيطين به.

 

تتوافق الأوساط الفلسطينية الذين التقى بهم كاتب السطور أن هذه الاجتماعات تعقد في مستواها الأمني ذات الجانب المهني، دون توضيحات أكثر، وأن الاجتماعات الأمنية بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية مستمرة دون انقطاع، رغم إعلان السلطة الفلسطينية مقاطعتها لإدارة الرئيس ترامب في المجال السياسي منذ الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر 2017، ونقل سفارة بلاده إليها في مايو 2018.

 

تنشغل مباحثات هذه الاجتماعات الفلسطينية الأمريكية بقضايا أمنية ذات بعد إقليمي، وتأثيرات لها علاقة بالمنطقة بشكل عام، بما يتجاوز المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، فضلا عن رغبة أمريكية واضحة في تأمين الاستقرار السياسي والأمني في الأراضي الفلسطينية عقب انتهاء حقبة عباس، لأي سبب كان.

 

يمكن القول بكثير من الثقة أن ماجد فرج يعدّ أحد القيادات الفلسطينية الأكثر قربا من عباس، وتعدّ لقاءاته مع نظرائه الأمريكيين استمرارا للقاءات سابقة جمعتهما، حيث تربط المسئولون الأمنيون الفلسطينيون بالأمريكيين علاقات قوية، كما تنظر واشنطن وتل أبيب لتطورات الساحة الفلسطينية من زاوية الأمن القومي.

 

لكن الغريب أن هذه الاجتماعات الأمنية الرفيعة تعقد فيما تبدي السلطة الفلسطينية غضبا وإحباطا واضحين إزاء الأداء السياسي لطاقم البيت الأبيض في تسويق خطته السياسية، برئاسة جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، وجيسون غرينبلاث مبعوثه الخاص للشرق الأوسط، ومع ذلك فإن العلاقات الأمنية الفلسطينية الأمريكية، والاتصالات الثنائية مع أوساط أمنية أمريكية متخصصة، مستمرة، ولم تتوقف.

 

في الوقت ذاته، ربما تناقش الاجتماعات الأمنية الفلسطينية الأمريكية رغبة ماجد فرج بترشيح نفسه وريثاً لعبّاس، مع أنّ الخيارات الأميركيّة تقوم على مبدأ تحقيق مصالحها الأمنيّة، وربّما تأتي تصريحات فرج القريبة من واشنطن، وزياراتها إليها، لمحاولة إقناعهم بترجيح كفّته على باقي المرشّحين، بعد انخفاض أسهمه، حين لم يتمّ اختياره عضواً في اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير، ولا عضواً في اللجنة المركزيّة لفتح، وهما موقعان مهمّان لأيّ مرشّح لخلافة عبّاس.

 

ورغم تواضع فرص فرج في الرئاسة، لأنّ الفلسطينيّين ينظرون إليه كمتعاون مع إسرائيل، عقب إعلانه في 2016 أن قواته الأمنية أحبطت 200 هجوما مسلحا ضدها، وهي تعمل جنبا إلى جنب مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكن ذلك يجعل فرج، يحظى بدعم أميركيّ وإسرائيليّ وبدعم من بعض الدول العربية، وقد يعيّنه عبّاس خليفة له.

 

يتحدث الفلسطينيون أن اللقاءات الأمنية الفلسطينية الأمريكية تعني أنّ المخابرات الأميركيّة لديها شبكة علاقات وثيقة مع نظيرتها الفلسطينيّة، وحين سيطرت حركة حماس على قطاع غزّة في أواسط عام 2007، ووضعت يدها على الأرشيف الأمنيّ لجهاز المخابرات الفلسطينية، كشفت وثائق للتعاون الأمنيّ الفلسطينيّ مع الــ"سي آي إيه"، مما يشير إلى عمق العلاقة بينهما.

 

كما أن العناصر الأمنيّة الفلسطينيّة تتدرّب في الولايات المتّحدة الأميركيّة، والضبّاط الأميركيّون يشرفون على الأمن الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة، وجهاز المخابرات الفلسطينيّة له ملحقون أمنيّون في معظم السفارات الفلسطينيّة البالغة 90 سفارة حول العالم، وهؤلاء لديهم ارتباطات أمنيّة مع أجهزة عالميّة، ويساعدون الأمن الأميركيّ في ملاحقة المجموعات المسلّحة في العالم، بتوفير بنك معلومات أمنيّة.

 

في الوقت ذاته، تنجح المخابرات الفلسطينية في تعقب الجماعات المسلحة حول العالم، بسبب حيازتها لأفراد ومخبرين يتواجدون في المناطق التي تنتشر فيها هذه الجماعات المسلحة مثل سوريا وليبيا.

 

كما يتداول الفلسطينيّون في قطاع غزة والضفة الغربية معلومات متفرّقة أنّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية تؤدّي الكثير من الأدوار الأمنيّة بتنسيق مع المخابرات المركزيّة الأميركيّة "سي آي إيه"، أو توجيه منها، في البلدان التي تشهد تواجداً فلسطينيّاً، ويتحرّك فيها الفلسطينيّون بسهولة، لاسيّما التي تشهد بؤر توتّر أمنيّ، وتشكّل إزعاجاً للولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل، مثل سوريا.

 

وقد أكّدت مصادر أميركيّة وليبيّة متطابقة أنّ جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، ورئيسه فرج، حظي بتكريم من واشنطن لمساهمته في توفير معلومات قيّمة للـ"سي آي إيه"، ساعدت في تحديد تحرّكات أحد قادة تنظيم القاعدة أبو أنس الليبيّ، واختطافه في عام 2013، وفي سوريا، شاركت المخابرات الفلسطينيّة بالإفراج عن رهينتين سويديّتين في عام 2015 كانتا مختطفتين لدى المجموعات المسلّحة منذ عام 2013.

 

يعتبر ضباط الأجهزة الأمنية الفلسطينيون شخصيّات محبوبة في الأوساط الأمنيّة الأميركيّة، ولديهم شبكة علاقات قويّة مع ضبّاط كبار في الـ"سي آي إيه"، بعد سنوات طويلة من العمل المشترك معاً، وتركّز اجتماعاتهما على التنسيق الثنائيّ لملاحقة الجماعات المسلّحة في الشرق الأوسط، ولم يحظ الموضوع الفلسطينيّ بكثير من الاهتمام، فالأميركيّون مدينون لنظرائهم الفلسطينيين بالشكر لجهده الأمنيّ، والأجهزة الأمنية الفلسطينية مدينة لهم بالتدريب والمال.

 

حماس أدانت الأدوار الأمنيّة التي يؤدّيها جهاز المخابرات العامة، لاسيما تعاونه مع الـ"سي آي إيه" لملاحقة بعض المطلوبين، بما يسيء للقضيّة الفلسطينيّة، فلدى حماس مئات الوثائق التي تؤكّد أنّ المخابرات الفلسطينيّة تتجسّس على الدول العربيّة والإسلاميّة والصديقة لصالح إسرائيل والولايات المتّحدة الأميركيّة.

 

إن استمرار اللقاءات الأمنية الأمريكية الفلسطينية رغم القطيعة السياسية، يمنح مصداقية للقول أن السلطة الفلسطينيّة قد تشكل أحد أذرع السياسة الأميركيّة في المنطقة، وهناك تنسيق أمنيّ رفيع المستوى بينهما، والحديث عن قطيعة سياسيّة بين واشنطن ورام الله، كلام غير صحيح، فاتّصالاتهما مستمرّة، والسلطة لا تستطيع قطع علاقاتها مع الولايات المتّحدة، وإلّا فإنّها كمن تقطع شرايينها.

 

يقدم انعقاد مثل هذه اللقاءات الأمنية الفلسطينية الأمريكية جملة دلالات مهمة، من أبرزها الحرص الأمريكي على إبقاء شعرة معاوية مع السلطة الفلسطينية، رغم ضجيج الاتهامات والمزاعم الأمريكية ضدها، وعدم مغادرة السلطة لمربع التنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة.

 

وربما تعطي هذه اللقاءات الأمنية الفلسطينية الأمريكية انطباعا أن السلطة الفلسطينية، وهي في ذروة قطيعتها مع الإدارة  الأمريكية، ما زالت تبقي على أمل، ولو كان منخفضا، على إمكانية أن تعود المياه لمجاريها مع واشنطن.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190806-palestinian-security-services-continue-to-cooperate-with-their-american-counterparts/?fbclid=IwAR1MZwGvWl2sf5Sk4aZFzS2glv64Pub8pJoZJxlUjj5nyFno3kC-GWjvUck