السلطة الفلسطينية تهدد بتسريح عناصرها الأمنية بسبب أزمتها المالية

  • الثلاثاء 16 يوليو 2019 02:24 ص

السلطة الفلسطينية تهدد بتسريح عناصرها الأمنية بسبب أزمتها المالية

منذ فبراير الماضي حين بدأت الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، عقب اقتطاع الحكومة الإسرائيلية لجزء من أموال الضرائب العائدة إلى الخزينة الفلسطينية بقيمة 140 مليون دولار، بدأت تبعات هذه الأزمة تنتشر في مختلف مفاصل السلطة، من وزارات وبلديات ومحافظات.

لكن الأمر اللافت جاء على لسان عدد من المسئولين الفلسطينيين الكبار حول إمكانية تضرر الوضع الأمني في الضفة الغربية بسبب هذه الأزمة المالية، التي لم تستثن أياً من أجهزة ووزارات السلطة: المدنية والأمنية، مما حمل تهديدا أمنياً لإسرائيل، التي تنعم بهدوء أمني في الضفة الغربية لم تشهده منذ سنوات طويلة.

بصورة مفاجئة، أعلن محمد أشتية رئيس الحكومة الفلسطينية يوم 5 يونيو أن "السلطة الفلسطينية ستبدأ في تسريح عناصر من الأجهزة الأمنية، لو استمرت الأزمة المالية الراهنة، لأن الأزمة تشتد، وفي حال استمرارها سنبدأ بوقف عناصر من الأجهزة الأمنية لعدم القدرة على تغطية نفقاتهم".

من الأهمية بمكان الإشارة في البداية إلى أن المنظومة الأمنيّة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة تتكون من أربعة أجهزة أساسيّة، هي: الأمن الوطنيّ، المخابرات العامّة، الاستخبارات العسكريّة، والأمن الوقائي، وهي تعاني حالة تضخّم واضحة، إذ بلغ عدد عناصرها 66 ألفاً، أيّ أنّ عنصر أمن واحداً لكلّ 48 فلسطينيّاً.

في الوقت ذاته، توجد لدى السلطة الفلسطينية ما يمكن وصفها بـ"التخمة" في أعداد كبار الضبّاط، من الألوية والعمداء والعقداء، ممن يشكّلون مع رواتبهم أعباء اقتصاديّة على موازنة السلطة الفلسطينيّة التي تعاني أزمة ماليّة، وتشكّل فاتورة الأجهزة سنويّاً 31% من موازنة الحكومة، بقيمة متوسّطة مليار دولار.

اللافت أن هذه العناصر الكثيرة لم توفّر الأمن لفلسطينيّي الضفّة الغربية، وفق استطلاع المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة في ديسمبر 2018، الذي أكّد أنّ نسبة الإحساس بالأمن في الضفّة تبلغ فقط 47%، دون أن يذكر الاستطلاع ما الذي تقوم به العناصر الأمنية الفلسطينية، طالما أن نسبة الشعور بالأمن هناك متدنية لهذا الحد.

على الصعيد الأمني في الضفة الغربية، ورغم القطيعة السياسية السائدة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل منذ أبريل 2014، وعقوبات مالية إسرائيلية على السلطة منذ فبراير 2019، لكن هناك اطمئنانا إسرائيليا أن هذه الأوضاع لن تضر بالتنسيق الأمني بين أجهزة أمن الجانبين، بل إن هذا التنسيق واجه اختبارات صعبة في الآونة الأخيرة، واستطاع الصمود رغم العديد من الحوادث التي صبت المزيد من الزيت على نار التوتر بينهما.

لكن الخطورة في التحذيرات الفلسطينية من إمكانية تسريح عدد من أفراد أجهزة الأمن أنها تتزامن مع الوضع الميداني في الضفة الغربية الآخذ في الاشتعال، في ظل حالات التوتر الداخلية، والانتشار المتزايد لحمل السلاح بين الفلسطينيين، وسقوط عدد منهم بنيران محلية، مما يعني تراجع مستوى الانضباط الداخلي.

مع العلم أن التنسيق الأمني هو الأمر الوحيد القائم بين السلطة وإسرائيل، ففي كل توتر أو حادث ميداني بينهما سرعان ما تعود العلاقة لسابق عهدها، على اعتبار أن لديهما الكثير مما يخسرانه إن توقف التنسيق الأمني، خاصة في ضوء القطيعة السياسة الكاملة بين المستويات القيادية في رام الله وتل أبيب، فالتنسيق الأمني والاتصالات الاقتصادية ما تبقى من علاقاتهما فقط، وتمنع الوضع من الاشتعال في الميدان، لأن أيا منهما ليس معنيا به.

تعلم السلطة الفلسطينية وإسرائيل أن أي حادث أمني ميداني كفيل بذهابهما إلى موجة تصعيد غير مسيطر عليها، ومن ثم قد يكون صعبا جدا وقفها، وكبح جماحها، مع أننا لم نكن بعيدين كثيرا عن هذه المرحلة، فتنسيق الجانبين لعمليات الجيش الإسرائيلي في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية مسألة حساسة دائما.

لكن خطورة الأزمة المالية المحيطة بالسلطة الفلسطينية قد تتسرب لأجهزة الأمن من خلال الشكاوى المتزايدة لأفرادها من سوء أحوالهم المالية والمعيشية، فقد كشف ضباط إسرائيليون في الضفة الغربية لدى لقائهم نظراءهم من الضباط الفلسطينيين في جلسة تقدير موقف مشتركة، أن أحدهم أظهر "شيك" راتبه الشهري عن أبريل 2019، وقد تبقى منه 15 شيكلا فقط، ما يعادل 4 دولارات، بسبب الأزمة المالية للسلطة لفلسطينية، وهو متزوج ولديه ثلاثة أولاد.

هذه الشكوى نموذج خطير عما يمكن أن تستغله إسرائيل بتجنيدها لضباط وأفراد أجهزة الأمن الفلسطينية مقابل مبالغ مالية، لم يعودوا يحصلون عليها منذ أشهر بعد اشتداد الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية.

في الوقت ذاته، زعمت إسرائيل في مايو أن جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للسلطة الفلسطينية، كشف عن وجود شبكة أفراد جندتهم حركة حماس في صفوف أجهزة أمن السلطة، بهدف اختراقها، في عملية واسعة النطاق.

وكشفت إسرائيل أن حماس جندت ضباطًا للعمل في صفوف السلطة، من أجل نقل معلومات أمنية حساسة حول الخطط المختلفة لقوات الأمن التابعة للسلطة، حيث نجحت الحركة بإغواء بعض القيادات الأمنية الفلسطينية من خلال تقديم الأموال لهم على شكل منح شهريًا.

بغض النظر عن مدى دقة هذه المعلومات الإسرائيلية أو عدمها، فإن الأزمة المالية الخانقة التي تحيط بالسلطة الفلسطينية في الشهور الأخيرة تشعل المزيد من الأضواء الحمراء في السلطة وأجهزتها الأمنية، التي ما زالت تحافظ على مستوى متقدم من التنسيق الأمني والميداني الفعال مع نظيرتها الإسرائيلية، في ظل ما تواجهانه من تهديد مشترك يشغل إسرائيل والسلطة الفلسطينية في آن واحد معاً، وهي حركة حماس.

هذه المخاوف لا يبدو أنها ستجعل إسرائيل تمضي في عقوباتها المالية على السلطة الفلسطينية، أو على الأقل استثناء أجهزة الأمن منها، فالأمن لديها خط أحمر، ويصعب عليها التفريط به.

مع العلم أن السنة الأخيرة شهدت إحباط هذه الأجهزة للعديد من العمليات والهجمات المسلحة الموجهة ضد أهداف إسرائيلية في الضفة الغربية، سواء ضد دوريات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين، بما في ذلك كشف عبوات ناسفة منصوبة على الطرق العامة التي يسلكها الجيش والمستوطنون في الضفة الغربية، واعتقال متورطين في التخطيط لهذه العمليات.

أكثر من ذلك، فقد وافقت إسرائيل في مايو على نقل مركبات مصفحة للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، مما يعني أن الأخيرة تنازلت عن تهديدها بوقف التنسيق الأمني في ضوء القطيعة السياسية القائمة بين تل أبيب ورام الله، والعقوبات الاقتصادية الأخيرة التي تفرضها الأولى على الثانية.

وقد سمحت الحكومة الإسرائيلية بمنح أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، عشر آليات مصفحة، دخلت عبر الأردن، وقدمتها الإدارة الأميركية، بعد تخريج مجموعة من عناصر الأمن التابعة للسلطة من دورة تأهيلية للتدريب على قيادة واستخدام الآليات.

هذا يجعلنا نقدر أن تهديدات السلطة الفلسطينية وزعمائها بانفلات الوضع الأمني من خلال تسريح عناصر الأجهزة الأمنية بسبب الأزمة المالية، يشبه إلى حد بعيد تهديداتهم السابقة بتسليم مفاتيح الضفة الغربية لإسرائيل، وتفكيك السلطة، وفي كل مرة كان يتوقف هذا السيناريو في اللحظة الأخيرة، ولم يكن أحد في إسرائيل يتأثر بصورة فعلية من تهديد الزعيم "العجوز القابع في المقاطعة"، وفي كل مرة، لم يبدو الأمر حقيقيا.

إسرائيل التي تعلم تماما، لاسيما على صعيد مستواها الأمني، أن بقاء السلطة الفلسطينية، واستمرار عمل أجهزتها الأمنية حاجة إسرائيلية ومصلحة استراتيجية واضحة، لكن خطورة القرار الإسرائيلي اليوم باقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية قد يجعل إسرائيل تجد نفسها بين أنقاض السلطة الفلسطينية وركامها، وقد تشتاق إلى الوضع الذي سبق انهيار أجهزتها الأمنية.

ليس سراً القول إن المنظومة الأمنية الإسرائيلية تنظر بكثير من القلق إلى هذه التطورات، ورؤساء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية يعرفون عن قرب حجم التنسيق والتعاون الأمني الذي يديرونه مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي ساهمت بصورة كبيرة في تحقيق الاستقرار الأمني في إسرائيل والضفة الغربية، ولذلك قد لا يسمحون بخطوة تسريح عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت ضائقة الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية.

أخيراً.. يمكن الإشارة بكثير من الثقة أن كلام رئيس الحكومة الفلسطينية اشتيه يحمل رسالة تخويفية لإسرائيل والولايات المتحدة بانفراط عقد الوضع الأمني في الضفة الغربية، أكثر من كونه تهديدا جدياً، لأنه يعلم ومعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن أي تزعزع في الوضع الأمني بالضفة الغربية سيدفعون ثمنه قبل أي طرف آخر.

مع العلم أن الوضع الميداني في الضفة الغربية يغلي، والخلافات داخل أركان السلطة الفلسطينية لم تعد تخفى على أحد، وزيادة التدخلات الخارجية في الساحة الفلسطينية باتت ترى بالعين المجردة، وكل ذلك يتطلب من السلطة الإبقاء على أجهزتها الأمنية، وربما تعزيزها، وليس تقليصها.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190715-the-pa-threat-to-disband-security-personnel-is-just-hot-air/?fbclid=IwAR1ojvX7YoNreq2oV0cC1BhYBJAVfpPfP2DthhcDrczJlxPzKn2uAvb4w90