احتجاجات اليهود الأثيوبيين تقرب إسرائيل من التشظي الداخلي

  • الثلاثاء 09 يوليو 2019 01:06 ص

احتجاجات اليهود الأثيوبيين تقرب إسرائيل من التشظي الداخلي

لا زالت إسرائيل تعيش حالة من الفوضى العارمة منذ أواخر يونيو الماضي حين قتل أحد أفراد الشرطة الإسرائيلية شابا يهوديا من أصل أثيوبي بمدينة حيفا، لمجرّد الاشتباه أن الشاب ورفاقه قذفوا حجارةً عليه.

 

وقد أثارت الحادثة غضبا في صفوف الطائفة الأثيوبية، التي اعتبرت أن يد الشرطة خفيفة على الزناد ضد أفرادها من منطلقات عنصرية، لأنها ليست الحادثة الأولى من نوعها، فقد وقعت أحداث أخرى مشابهة تدل على تعامل عنصري مع المهاجرين الأثيوبيين أدت إلى مظاهرات، كانت بعضها عنيفة.

 

في الأيام التالية لمقتل الشاب الأثيوبي، بدأ مئات اليهود الأثيوبيين بالتظاهر في مناطق مختلفة من إسرائيل، لاسيما تل أبيب، وأغلقوا بعض مفترقات الطرق الرئيسية، واتسعت دائرة المشاركين في التظاهرات لتصل إلى الآلاف، وأغلقوا شوارع أخرى، فيما عمد متظاهرون ملثمون لإضرام النيران في حاويات القمامة والإطارات، مما أدى إلى اعتقال العشرات منهم وإصابة آخرين.

 

ورغم أن الشرطة الإسرائيلية بذلت جهودها للتحدث مع زعماء اليهود الأثيوبيين لتهدئتهم، إلا أنهم ردوا بالقول أن لديهم أزمة ثقة كبيرة مع الشرطة، ولا يوجد لديهم سيطرة على الشبان الصغار، في حين صدرت دعوات سياسية إسرائيلية لتهدئة الموقف الميداني، في وقت امتدت فيه المظاهرات وتوسّعت، لتشمل العديد من مفارق الطرق الحيوية والرئيسية، في عدد من الأماكن بشمال إسرائيل وجنوبها.

 

وتسبّبت المظاهرات، وإغلاق الشوارع المصاحب لها، بأزمات مرورية خانقة، أجبرت أكثر من 60 ألف سائق يهودي على الانتظار في الشوارع لساعات متواصلة، حيث ألقى مئات المحتجين الحجارة على بعض مراكز الشرطة الإسرائيلية مما عطل حركة المرور في التقاطعات الرئيسية.

 

لن تنشغل السطور التالية في سرد الأحداث الميدانية، فهي ما زالت متفاعلة، وإن بوتيرة غير منتظمة، لكنها ستركز في الأسباب الحقيقية لاستمرار المظاهرات الخاصة باليهود الأثيوبيين ضد اعتداءات الشرطة الإسرائيليّة عليهم، واتهامها بانتهاج سلوك وحشي ضدهم، ومعاملة مجحفة بحقهم، ولماذا يشعر هؤلاء بالتمييز العنصري من قبل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، واعتبارهم مواطنين من الدرجة العاشرة، وعدم وضع حد لحالة الاضطهاد التي تمارس بحقهم على مدار الساعة، وتأثير كل ذلك على مستقبل تماسك الدولة أو تفككها.

 

يعتقد اليهود ذوو الأصول الأثيوبية أن العنف ضد أبناء طائفتهم يتصاعد، وبعد أن وعدتهم إسرائيل بأنهم قادمون إلى بلاد السمن والعسل، لكنها باتت بالنسبة لهم بلاد الموت والجنازات والاضطهاد، لأن ما يتكرر في السنوات الأخيرة هو قتل متعمد، نتيجة لما يشهده المجتمع الإسرائيلي من عملية ممأسسة تنزع الشرعية عن هؤلاء اليهود، وتصورهم مجرمين وعنيفين.

 

كاتب السطور رصد بعض ردود الفعل على الأحداث الأخيرة، فقالت متظاهرة أثيوبية إن "المشكلة أن باقي اليهود في إسرائيل لا ينظرون إلينا على أننا بشر، وهذا يبدأ من الأهالي البيض الذين لا يريدون أن يلعب ابنهم مع ولد أسود في الحديقة العامة، ويستمر مع الشرطة التي تتعامل معنا وفق اللون أولا، وليس بإمكاننا أن نخفي لوننا".

 

وقال متظاهر آخر أنه "من الصعب أن تكون أسود البشرة، وتشعر بالأمان في إسرائيل".

وقال ثالث: "حياتنا لا تساوي شيئا في إسرائيل، يخشى الشباب من التقاء الشرطة في الشارع، نواجه العنصرية يوميا، لا يوظفوننا، ولا يؤجروننا المنازل، ولا يُسمح لنا بدخول الحانات خلال عطلات نهاية الأسبوع".

 

في المقابل كتب أحد أفراد الشرطة الإسرائيلية في مجموعة داخلية على الواتس أب أن "اليهود الأثيوبيين ما زالوا يظنون أنفسهم في أفريقيا، ومن الأفضل أن يعودوا إليها".

 

فيما قام سائق يهودي آخر بدعس أحد المتظاهرين، وامتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بعبارات: "ادعسوهم، فقط يفهمون بهذه الطريقة".

لكن اللافت أن خبراء وضباطا إسرائيليين زعموا أن جهات أجنبية من خارج إسرائيل ضالعة في التحريض، وتغذية احتجاجات اليهود الأثيوبيين عبر منشورات "مختلقة" في شبكات التواصل الاجتماعي، وبعض الصفحات تنشر معلومات حول ممارسات عنصرية ضد الأثيوبيين من السلطات الإسرائيلية من أجل توسيع الشرخ داخل إسرائيل.

تسلط أحداث الأيام الأخيرة في إسرائيل الضوء ع

لى اليهود الأثيوبيين الملقبين بـ"الفلاشا"، الذين يصل عددهم إلى 140 ألفاً وصلوا فلسطين عامي 1984 و1991، ويشكلون نسبة 2% من السكان، وتشير أوضاعهم إلى الانغلاق والانعزال النسبي، لأن 88% من حالات الزواج تعقد بينهم، و43% من الإسرائيليين يرفضون الزواج من أثيوبية، ويحصل 55% فقط من طلابهم على الشهادة الثانوية، وينال 39% منهم الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات.

 

كما يقل متوسط الدخل الشهري لليهود الأثيوبيين بنسبة 35% بالمقارنة مع المجموعات الأخرى من اليهود في إسرائيل، وغالبيتهم يزاولون أعمالا منخفضة الأجور لا تحتاج تأهيلا علميا، كالنظافة وقطاع الأغذية، كما أن نسبة لا بأس بها منهم لا يتقنون اللغة العبرية، ولم يتمكنوا من التأقلم مع المجتمع الإسرائيلي، رغم برامج الاندماج التي أطلقتها الحكومة، بل إنهم واجهوا ممارسات عنصرية أدت لمقتل أحد عشر منهم على يد اليهود البيض خلال العقدين الماضيين.

 

يواجه اليهود الأثيوبيين جملة سلوكيات عنصرية إسرائيلية، من بينها أنه لا يتم الاعتراف من قبل الدولة لرجال دينهم بصفة حاخام، 90% منهم أميون، و65% من شبابهم عاطلون عن العمل، ونسبة الانحراف بين أطفالهم تعادل ثلاثة أضعاف النسبة العامة لأطفال اليهود البيض.

 

مع العلم أن الحزب السياسي الوحيد للفلاشا لم يتمكن من بلوغ نسبة الحسم للدخول للكنيست في الانتخابات الأخيرة 2019، وفيما ترفض بعض المدارس الإسرائيلية قبول الطلاب اليهود الأثيوبيين، فإن القانون الإسرائيلي يمنع قبول تبرعات الدم من اليهود السود، ولا زلنا نذكر ما شهده عام 2006 حين امتنعت وزارة الصحة الإسرائيلية عن استخدام الدم الذي تبرع به الأثيوبيون؛ بدعوى تجنب خطر مرض نقص المناعة "الإيدز".

 

يعتبر اليهود الأثيوبيون أن الإسرائيليين الآخرين ينظرون إليهم نظرة فوقية لدواعي شتى، أحدها لون البشرة، ويتهم الفلاشا البيض بممارسة التمييز العنصري النظامي الممنهج بحقهم، وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، كما يتهمون الشرطة الإسرائيلية بالتعامل معهم بالعنف التعسفي، وتستخدم القوة المفرطة ضدهم.

يعيش اليهود الأثيوبيون داخل إسرائيل في أحياء فقيرة ومهملة، ومدن صفيح على أطراف المدن القائمة، كما هو الحال في مدينتي الخضيرة والعفولة، ويواجهون واقعًا صعبًا في مجالات: السكن، التعليم، العمل، الدين، الهوية؛ ونمطًا جديدًا من العيش في مجتمع يعاملهم بعنصرية، ويشك بيهوديتهم، مما اعتبر أهم مشاكل اندماجهم في المجتمع الإسرائيلي.

 

كما تجلت صعوبة اندماج اليهود الأثيوبيين، والنظرة العنصرية السافرة إليهم، بشكل قوي داخل المؤسسة العسكرية؛ حيث لم يشهد الجيش الإسرائيلي حتى الآن منح أي يهودي منهم مرتبة قيادية، أو رتبة سامية، مكتفيًا بتصنيفهم كجنود من الدرجة الثانية. 

 

لقد شكل اندلاع المظاهرات العارمة الأخيرة لليهود من ذوي الأصول الأثيوبية في إسرائيل، وقبلها الاحتجاجات التي يقوم بها اليهود الحريديم، وقبلهما الاعتداءات التي يتعرض لها العرب من الشرطة الإسرائيلية، ما يمكن أن نسميه مؤشرات على حالة من التفكك الاجتماعي والتفسخ الداخلي في إسرائيل.

 

هذه الأحداث الثلاثة في فترة زمنية قصيرة حصلت في إسرائيل يجمع بينها قاسم مشترك واحد، وهو أن هذه الدولة التي قامت على أساس التضامن الداخلي بين مختلف مكونات اليهود الاجتماعية تشهد حالة من التفكك والانقسام والتباين، وتتشظى إلى مجموعات متناقضة.

 

إن المظاهرات اليهودية الأثيوبية الأخيرة كشفت بما لا يدع مجالا للشك أن الواقع القائم في إسرائيل بفعل انتشار هذه المجموعات المتباينة تجعل أفراد هذه المجموعة يتجاهلون تماما أي معاناة لأفراد المجموعة الأخرى، ولا يتدخلون بهم إطلاقا، بل يسعون في كل مناسبة للتنغيص عليهم، وإيجاد كل ما من شأنه وضع المزيد من المعاناة عليهم، مما يجعل غالبية اليهود أمام حالة من فقدان للثقة بهذه الدولة.

 

لم يعد أفراد المجتمع الإسرائيلي يفكر أحدهم بالآخر، وكما أن الشرطي ليس مستعدا لتفهم معاناة اليهودي الأثيوبي، بل يخاف منه، وحين يخاف يمتشق سلاحه، ويطلق النار عليه، ينطبق الأمر أيضا على السائق اليهودي الذي لا يفهم أسباب إغلاق المتظاهرين الأثيوبيين للطرق العامة مما يجعله يمضي مسرعا، ويدعسهم على مرأى ومسمع الجميع.

 

وهكذا يدخل المجتمع الإسرائيلي مرحلة التفكك، ويسارع الخطى نحو هذه المرحلة، لأن الأغلبية المحتجة المتظاهرة تفتقر للأمن والثقة بهذه الدولة، ومن هنا تقترب المسافة إلى حالة "حرب الكل في الكل"، انطلاقا من وضعية الضعف التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي غير المتجانس.

 

ولأن المجتمعات التي تفقد التضامن الداخلي سرعان ما تتفكك إلى صراعات إثنية وقومية واجتماعية، حتى تتحطم من داخلها، فهذا ما قد تشهده إسرائيل في السنوات القادمة، ويحذر منه ساستها ومنظروها الإستراتيجيون، باعتبار ذلك خطرا داخليا لا يقل عما تواجهه الدولة من أخطار وتهديدات خارجية.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190708-protests-by-ethiopian-jews-bring-israel-closer-to-fragmentation/?fbclid=IwAR1EKN_DpC18PeCiHCFwtDKnZujpA-0kajJYYPrEm587EHDJ_rDgXB-J2h4