الفلسطينيون... الحاضر الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية

  • الإثنين 08 يوليو 2019 08:41 ص

الفلسطينيون... الحاضر الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية

هي المرة الأولى في تاريخ الدولة الإسرائيلية منذ سبعين عاما أن تجري فيها دورتين انتخابيتين في عام واحد، الأمر الذي يشير إلى تعقيد المشهد السياسي الإسرائيلي من جهة، وحضور الملف الفلسطيني فيه من جهة أخرى، لاسيما وأن أحد أسباب إخفاق رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف بنيامين نتنياهو بتشكيل حكومته الخامسة كان التعامل مع حماس في غزة، وخلافه بشأنها مع حليفه القديم وخصمه الجديد أفيغدور ليبرمان.

 

مع العلم أن أحد الأسباب الجوهرية لانفراط عقد الائتلاف الحكومي السابق كانت العلاقة مع الفلسطينيين في غزة، حيث استقال ليبرمان من وزارة الأمن في نوفمبر عقب عدوان عسكري شنه الجيش الإسرائيلي على غزة، بعد أن كشفت حماس قوة إسرائيلية خاصة تسللت الى القطاع.

 

هذان التطوران يعنيان أن الموضوع الفلسطيني حاضر بقوة في الحلبة الانتخابية الإسرائيلية، سواء في البرامج الحزبية التي ستقدم في الأيام والأسابيع القادمة، أو في توجهات الناخبين يوم صندوق الاقتراع في سبتمبر المقبل، الأمر الذي يجعل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية عنصرا أساسيا في استقراء نتائج الانتخابات الإسرائيلية الثانية والعشرين.

 

يبدي اليمين الإسرائيلي، لاسيما حزب الليكود، المتطلع إلى تحقيق نتائج انتخابية أفضل من الدورة الانتخابية السابقة التي وصلت إلى قرابة ستين مقعدا، لا تؤهله لتشكيل ائتلاف مستقر، يسمح له بإعلان حكومة ذات شبكة أمان برلمانية، بعيدا عن ابتزاز بعض الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية، كما حصل معه عقب الانتخابات الأخيرة.

 

بدا لافتاً أن تحرص الحكومة الإسرائيلية الحالية على تحقيق هدوء أمني مستقر في قطاع غزة، الجبهة الأكثر سخونة في المشهد الفلسطيني، لاسيما في الأسابيع المقبلة التي تسبق تصويت الإسرائيليين في صناديق الاقتراع، بحيث يذهبون إلى التصويت بعيدا عن سقوط القذائف الصاروخية المنطلقة من غزة، أو إطلاق صفارات الإنذار.

 

مع العلم أن حدوث أي تدهور أمني مع غزة قبيل الانتخابات كفيل بأن يفقد اليمين الإسرائيلي مزيدا من الأصوات التي يحتاجها، ويفسح المجال لمنافسي نتنياهو من أحزاب الوسط واليسار بالمزاودة عليه، والإثبات أنه أخفق في الوصف الذي أطلقه على نفسه بأنه "سيد الأمن".

 

هنا يمكن استعادة الهدوء الذي عاشته الجبهة الغزية مع إسرائيل قبيل انتخابات أبريل السابقة، حين عاش الفلسطينيون والإسرائيليون هدوء كبيرا، ومن خلاله حقق اليمين تلك النتائج المرضية بالنسبة له، من خلال الاستجابة لمطالب الفلسطينيين بتطبيق التفاهمات الإنسانية المتفق عليها في غزة، وفي الوقت نفسه امتناع الفلسطينيين عن تعكير صفو الهدوء في مستوطنات غلاف غزة، وعدم إطلاق الصواريخ باتجاهها.

 

اليوم يبدو الليكود أكثر حرصا من ذي قبل على ترسيخ الهدوء في غزة، على الأقل من أجل اجتياز يوم السابع عشر من سبتمبر وهو يوم الاقتراع، بأكثر قدر من الهدوء والانضباط الأمني، الأمر الذي يتطلب منه الاستمرار في دفع استحقاقات تلك التفاهمات، وعدم التنصل منها، أو التلكؤ في تحقيقها، عبر المماطلة، أو شراء مزيد من الوقت.

 

مع العلم أن توجهات الليكود وحلفائه في معسكر اليمين مختلفة كلياً قناعات الوسط واليسار الذي ترى قطاعات عريضة منه في السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه غزة تعطي نفساً جديدا لحماس، وتمنحها المزيد من فرص البقاء، واستقرار حكمها في القطاع، في حين أن الحل الحقيقي لمسألة غزة يكمن في إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، بديلا لحماس، والدخول معها في مفاوضات سياسية، وهو ما لا يريده اليمين جملة وتفصيلا.

 

الفلسطينيون في غزة، وتحديدا حماس، ربما لا تكرر الخديعة التي وقعت بها في الانتخابات الإسرائيلية السابقة، حين أبلغت إسرائيل الوسطاء المصريين بأنهم سيلتزمون بالتفاهمات الإنسانية شرط تمرير الانتخابات بهدوء، لكنهم أنجزوا الانتخابات دون إيفائهم بوعودهم.

 

هذا يعني أن الأسابيع المقبلة قد تشهد جولات من التوتر الأمني والتصعيد العسكري الإسرائيلي مع غزة، في ظل خشية اليمين الإسرائيلي من الظهور كمن يقدم هدايا لحماس تحت ضغط الابتزاز والتهديد بالتصعيد العسكري، في ظل حاجته للهدوء على جبهة غزة.

 

مع العلم أن جولات التصعيد المقبلة في غزة إلى حين يوم التصويت الانتخابي الإسرائيلي قد لا تصل حالة المواجهة الشاملة، التي لا يرغبها الطرفان، كل طرف لأسبابه الخاصة، وإن كانت حماس باتت تتبع سياسة شفا الهاوية مع إسرائيل، لأنها تعلم أنها ليست متفرغة للجبهة الجنوبية مع غزة، وأن لديها حسابات واعتبارات تخص التهيؤ والتجهز للجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، والتطورات الميدانية المتلاحقة في منطقة الخليج العربي.

 

على الضفة الأخرى من الساحة الفلسطينية تبرز العلاقة الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية، التي تشهد توترا سياسيا متناميا في الشهور الأخيرة، لاسيما بعد القرار الإسرائيلي بتقليص أموال المقاصة بحجة دفع رواتب ومكافآت أهالي الشهداء والأسرى الفلسطينيين، الأمر الذي جعل السلطة تقترب من وضعية الانهيار بفعل تواصل أزمتها المالية، بسبب عجزها عن دفع رواتب موظفيها، وعدم قدرتها على القيام بأعباء إدارتها لملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

 

من الواضح أن الحكومة الإسرائيلية بقرارها هذا صعدت إلى شجرة عالية، ورغم قلقها من خيار انهيار السلطة الفلسطينية، لما له من تبعات أمنية واقتصادية لا تريدها، فقد تقدمت بجملة بدائل وحلول مؤقتة للسلطة لإيجاد تسوية لموضوع أموال المقاصة، لكن الأخيرة رفضتها كلها، وما زالت تصر على استعادة كل أموالها دون نقصان، وهو ما يعني أن الأسابيع القادمة لن تشهد على الأرجح أي تراجع إسرائيلي في هذا القرار، نظرا لأنه يحظى بموافقة معسكر اليمين بأسره.

 

بجانب الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، تظهر أزمات قادمة في الطريق مع إسرائيل عشية الذهاب الى انتخاباتها المبكرة، لعل أخطرها إمكانية أن تعلن عن ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية مستغلة وجود إدارة أمريكية تقف على يمين اليمين الإسرائيلي، ولا تجد مشكلة في مثل هذا الإجراء كما جاء على لسان السفير الأمريكي في تل أبيب مؤخرا، باعتبار أن ذلك من حق إسرائيل.

 

أكثر من ذلك، فإن القطيعة السياسية القائمة بين رام الله وتل أبيب تتزامن مع اقتراب إعلان صفقة القرن الأمريكية، رغم تزايد الحديث عن إمكانية تأجيلها، لكن استمرار الرفض الفلسطيني للصفقة قد يشجع تل أبيب وواشنطن على تجاوز السلطة الفلسطينية ورئيسها، من خلال البحث عن قيادات سياسية واقتصادية بديلة، مما ينذر بوصول عملية التسوية كلها إلى مفترق طرق خطير.

 

هذه المواقف اليمينية تمنح خصوم الليكود في الحلبة الإسرائيلية أوراقا انتخابية قوية، تحذر من خلالها جمهور الناخبين الإسرائيليين من تبعات هذه السياسة العدمية التي تريد العودة بالتاريخ عقودا طويلة إلى الوراء، لمرحلة ما قبل اتفاق أوسلو، وتوريط الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وهو كابوس يخشاه الإسرائيليون.

 

أخيراً...تكشف هذه القراءة أهمية ومركزية الملف الفلسطيني على طاولة المرشحين والناخبين الإسرائيليين، مما يفسر صدور مواقف إسرائيلية متباينة من الوضع في قطاع غزة والضفة الغربية، وتجاه حماس والسلطة الفلسطينية، ويجعل من الانتخابات الإسرائيلية شأنا فلسطينيا بامتياز، وليس شأنا إسرائيليا داخليا! 

 

المصدر Middle East Eye

https://www.middleeasteye.net
/opinion/palestinian-affairs-will-dominate-upcoming-israeli-election?fbclid=IwAR0w9V8QQ2VbL-aSQMOHMLqrvGbxTgtfl4QkhbvGan0zopTtPXjjr02eRaI