حماس ووفاة مرسي..محددات الساسة الضيقة وفضاءات القواعد الواسعة

  • الأربعاء 19 يونيو 2019 09:32 م

حماس ووفاة مرسي..محددات الساسة الضيقة وفضاءات القواعد الواسعة

تشاء الأقدار أن تعاني حماس بين كل حين وآخر من دكتاتورية الجغرافيا التي تربطها بالجارة الجنوبية مصر، مما كان يجبرها على دفع أثمان باهظة عند كل حدث تعيشه "الشقيقة الكبرى"، سعيدا كان أم سيئا، إيجابيا كان أم سلبياً.

 

فقد عبرت حماس عن ابتهاجها بفوز الرئيس المنتخب محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية في يونيو 2012، حين خرج قادتها في غزة يرفعون صوره، وكوادرها يوزعون الحلوى، وكتابها يخطون المقالات إشادة وترحيبا بما وصفوه النصر الكبير لجماعة الإخوان المسلمين.

 

لم يتوقف ترحيب حماس بفوز مرسي عند البيانات والتهنئات فحسب، بل تبع ذلك توالي الزيارات لقادة حماس إلى القصر الرئاسي في القاهرة، واستمرار التعامل مع الرئيس كما لو كان قائدا في جماعة الإخوان فحسب، وليس رئيسا لكل المصريين، مما وضع أعباء ثقيلة على الرئيس وطاقمه الحكومي والوزاري.

 

خلال أقل من عام، تلقت حماس ضربة موجعة بالانقلاب على مرسي، والإطاحة به في يونيو 2013، وصعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، فجاء رد فعل الحركة منفعلا مندفعا بعاطفة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، فهاجمت العسكر المصريين، ورفعت صور مرسي، وأدانت الانقلاب، واعتبرته طعنة نجلاء في ظهر المسيرة الديمقراطية التي بدأت مع ثورة يناير 2011.

 

دفعت حماس ثمن هذا الموقف غالياً، وجاءت ضريبته مكلفة، فأغلق الحكم الجديد في القاهرة معبر رفح، ومنع مغادرة الفلسطينيين للقطاع، وأعلن عن حماس حركة إرهابية، وأصدر اتهامات شتى ومزاعم بدون أدلة ضد قادتها في كل محكمة.

 

اليوم في يونيو 2019، وبعد ست سنوات من علاقة حماس المتوترة مع مصر، جاءت وفاة الرئيس محمد مرسي داخل السجن، مما وضع على الحركة عبئاً ثقيلاً في كيفية التعامل مع حدث جلل كهذا، لاسيما وأنها ما زالت تدفع أثمان مواقف سابقة تخص مصر، ولا ترى أن لديها اليوم ترفاً في العلاقات الإقليمية، وهو ما جعل بيانها في نعي الرئيس يصدر بعد عدة ساعات من خبر الوفاة، لأسباب تحمل وجاهة منطقية.

 

يمكن النظر إلى موقف حماس من وفاة الرئيس مرسي، على صعيدين: رسمي وشعبي، رغم أنهما في المحصلة يمثلان موقف الحركة، لكنها تستطيع أن تعفي نفسها أمام القاهرة من تبعات أي مواقف غير رسمية تصدر عنها، وهو ما قد يعبر عن نضوج في قراءة الحركة للأحداث السياسية، وقدرة على استخلاص الدروس والعبر من مواقف سابقة أثقلت كاهلها في تبعاتها ونتائجها.

 

الموقف الرسمي لحماس جاء عبر بيان تمت صياغته بدقة متناهية، ومشاورات بين مختلف قياداتها في الداخل والخارج، راعت فيه الحركة وفاءها للرئيس الراحل، واستذكارا لمواقفه الإنسانية والسياسية تجاه القضية الفلسطينية عموما، وقطاع غزة المحاصر خصوصا، دون التطرق إلى إدانة النظام الحاكم اليوم، رغبة منها بعدم دفع أثمان سياسية وأمنية هي في غنى عنها.

 

من الفقرات الهامة التي تضمنها بيان النعي الذي أصدرته حماس بخصوص وفاة مرسي، أن وفاته جاءت "بعد مسيرة نضالية طويلة قضاها في خدمة مصر وشعبها وقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، على جميع الأصعدة الإقليمية والدولية في سياق المشوار الطويل في الصراع مع العدو الصهيوني، وقدم الكثير دفاعا عن القدس والأقصى منذ كان عضوا في البرلمان المصري، وإن غزة ستسطر مواقفه الخالدة والشجاعة تجاهها، والعمل على فك حصارها، والتصدي للعدوان الصهيوني عليها عام 2012".

 

استمرارا للموقف الرسمي لحماس، فقد أجرى رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية اتصالا مع حرم الرئيس مرسي، و"قدم لها وللأسرة التعازي الحارة بوفاته، مستعرضا مواقفه تجاه القضية الفلسطينية والقدس وغزة في مختلف محطات جهوده في العمل العام، وأشار إلى الاتصالات اليومية التي أجراها معه إبان العدوان الإسرائيلي على غزة في 2012، ومتابعته اللحظية لوقف العدوان".

 

قادة آخرون في حماس، أدلوا بدلوهم في هذه المناسبة الحزينة بالنسبة لهم، فقال رئيس الحركة في الخارج ماهر صلاح إن "مرسي قدم نموذجا فريدا في الثبات والشجاعة، لنصرة فلسطين وشعبها، حيث سكنت  القدس وفلسطين وغزة في قلبه ووجدانه".

 

أما موسى أبو مرزوق رئيس مكتب العلاقات الدولية في حماس، فقال إن "الأجيال القادمة ستذكر مرسي بدفاعه عن فلسطين، وأنه صادق حماس وعادى إسرائيل، ولن تنسى مواقفه في حرب غزة ٢٠١٢، ولا وقوفه مع القدس والمقاومة".

 

محمود الزهار، رئيس الدائرة السياسية لحماس قال إن "مرسي أحب مصر وفلسطين، ورأى الأمة العربية والإسلامية موحدة، وتمنى الصلاة في المسجد الأقصى، واعتبر مسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية كبيرة".

 

بالانتقال إلى الموقف الشعبي لحماس، المتمثل بقواعدها التنظيمية، وكتابها، واتحاداتها، يمكن الحديث عن فضاء أوسع، سواء بالمنشورات التي غصت بها شبكات التواصل نعياً لمرسي وهجوما على السيسي، وإشادة بالإخوان المسلمين، وهجوما على العسكر المصريين، ومدحاً في تركيا وقطر الدولتان الوحيدتان اللتان نعتا مرسي بصورة رسمية، وقدحاً في السعودية والإمارات، اللتان تعتبران المحرض الرئيس على الإطاحة بمرسي، والانقلاب عليه.

 

ومن المواقف الفلسطينية الشعبية اللافتة تجاه وفاة مرسي أن أدى العشرات منهم صلاة الغائب في المسجد الأقصى بمدينة القدس، على روحه، فيما أصدرت رابطة علماء فلسطين في غزة، الهيئة الدينية القريبة من حماس، نعياً لمرسي، باعتباره أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في مصر.

 

لقد تناقل الفلسطينيون، لاسيما كوادر حماس وعناصرها ومؤيدوها خبر وفاة مرسي، على شبكات التواصل الاجتماعي، بشكل واسع للغاية، إضافة لمقاطع فيديو لمواقفه تجاه القدس وغزة.

 

وظهر واضحا أن نشطاء شبكات التواصل والمدونين والكتاب القريبين من حماس، والتابعين لها، لم يتقيدوا بالاعتبارات السياسية الحادة الموضوعة على قيادتهم، وهي اعتبارات مقدرة ومفهومة، مما أطلق العنان لأولئك النشطاء، فغصت صفحات الانترنيت بكلمات المديح والإشادة والنعي، وذكر مناقب الرئيس مرسي، حتى أن منصات الفيسبوك وتويتر وانستغرام شهدت صدور هاشتاغات مثل: #قتلوه، #محمد_مرسي، #مرسي_شهيد.

 

اللافت أن ردود فعل حماس: الرسمية منها والشعبية، بقيت في إطار البيانات والمنشورات التفاعلية وأداء صلوات الغائب في بعض مساجد قطاع غزة على روح الرئيس مرسي، دون أن تنتقل هذه المواقف إلى سلوك ميداني على الأرض يتمثل بفتح بيت عزاء بصفة رسمية، أو مسيرات تضامنية، كما لم تفتح وسائل الإعلام التابعة لحماس موجة مفتوحة، تتحدث عن الرئيس الفقيد، واكتفت بأخبار تناقلتها وكالات الأنباء.

 

لكن الغريب أن تمنع أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية إقامة بيت عزاء مرسي بالضفة الغربية، بزعم أن الأوضاع التي تمر بها القضية الفلسطينية في هذه الأيام حساسة، ولن نسمح بتحويل البوصلة ضد الأهداف الوطنية، والانجرار وراء خلافات جانبية.

 

مع العلم أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ارتبط بعلاقات جيدة مع الرئيس مرسي حين كان في القصر الرئاسي، لكنه فور أن غادر القصر إلى السجن وجه له اتهامات قاسية دون إثباتات، جلبت عليه هجوما كاسحا من كوادر حماس والإخوان المسلمين، واتهموه بافتقاده لشرف الخصومة مع مرسي!

 

أخيراً.. إن قراءة هذه المواقف الرسمية لحماس وقادتها من وفاة الرئيس مرسي تشير أنهم ساروا في حقل ألغام، مما جعل الحركة في منتهى الحذر، وهي تصيغ مواقفها، وتصدر بياناتها، رغبة منها في أن يكون سلوكها متزناً، بين ظهورها وفية لمن وقف بجانبها، وعادى إسرائيل من أجلها، وفي الوقت ذاته عدم استعداء النظام الحاكم في مصر اليوم، وهو الذي يتربص بها، في ظل العلاقة المتذبذبة القائمة بينهما منذ سنوات.

 

من الصعب الحديث عن استنتاجات مبكرة حول اعتبار موقف حماس من نعي مرسي مرضياً لها، ولقواعدها، في ظل الحسابات الدقيقة التي تحيط بها، وهي ذات الحسابات التي تجعلها تراقب أحداث المنطقة عن كثب، صامتة لا تتكلم، لأنها تعلم أن أي موقف سيصدر يعني أن تضطر لتقديم اعتذارات لاحقة، وهي في غنى عن ذلك.

 

هنا يمكن الحديث عما يمكن وصفه توزيع أدوار إرتأته حماس في التعامل مع هذا الحدث الجلل المتمثل بوفاة مرسي، فالساسة لديهم محدداتهم الضيقة، المسئولون عن كل كلمة وموقف وتصريح، فيما القواعد لديهم هوامشهم الواسعة، دون رقابة أو قيود، ولا تبدو قيادة حماس مسئولة أمام النظام المصري الحالي أمام أي منشور أو صورة، لأنها محاسبة فقط عند أي مراجعة عما يصدر باسمها وتوقيعها، فقط لا غير!

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190619-hamas-and-morsis-death/?fbclid=IwAR3ov9-Ci5Z6SxgFF5htMQTyLeOjQBnxE-6-qlrmIGI8PGIavsSZiNkTF8E