لهذه الأسباب حزنت غزة على وفاة مرسي

  • الأربعاء 19 يونيو 2019 09:25 م

لهذه الأسباب حزنت غزة على وفاة مرسي

عاش الفلسطينيون في قطاع غزة صدمة وفاة الرئيس المصري محمد مرسي كأنهم فقدوا زعيما فلسطينيا لهم، حرص على رعاية شئونهم، لم يقصر فيهم، واعتبر أنه مسئول أخلاقيا عن هذه البقعة الجغرافية المجاورة لمصر، وترجم هذه المسئولية سلوكا سياسيا واقعا على الأرض.

للوهلة الأولى تابع الفلسطينيون بقلق في القطاع الانباء المتواترة القادمة من القاهرة، التي تفيد بإعلان وفاة مرسي، وهو الرئيس الذي يشعر أهل غزة أنه دفع ثمن مواقفه السياسية والأخلاقية تجاههم، في أكثر من محطة وحدث، خلال فترة رئاسية قصيرة لم تكمل عاما واحدا.

يشعر الفلسطينيون في غزة أنهم مدينون بالشكر والعرفان للرئيس المصري الراحل مرسي بسبب تأكيده في كل مناسبة على رفع الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم منذ فوز حماس في الانتخابات التشريعية، واعتباره أن هذا الحصار جائر وظالم ومدان، وانتقل من مرحلة الإدانة اللفظية إلى التطبيق العملي في الميدان بإصدار تعليماته للجهات الأمنية المصرية بفتح معبر رفح بصورة دائمة، باعتباره البوابة الوحيدة للفلسطينيين في غزة إلى العالم الخارجي.

يعتبر كثير من الفلسطينيين أن الحصار الإسرائيلي على غزة كاد يلفظ أنفاسه خلال حقبة مرسي الرئاسية، فقد تمكن معظمهم من السفر عبر معبر رفح، دون عراقيل ولا عقبات ولا إجراءات بيروقراطية مفتعلة، وتم شطب الكثير من الأسماء التي كانت مدرجة فيما يعرف بـ"القوائم السوداء" في معبر رفح، حتى أن كاتب السطور سافر خلال الأشهر القليلة عبر هذا المعبر ما يقارب عشر مرات، فيما بقي منذ الإطاحة عليه محاصرا في غزة، ممنوعا من مغادرتها، مع آلاف كثيرة من أهلها.

لم يتوقف سلوك مرسي الإنساني تجاه غزة بتسهيل السفر عبر معبر رفح فقط، بل أمر بتكثيف التبادل التجاري بين غزة ومصر، واستيراد وتصدير البضائع بين الجانبين، الأمر الذي أسفر عن إنعاش الحركة التجارية في القطاع بعد سنوات طويلة من المنع والرفض.

على صعيد الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة، يكثر الفلسطينيون من المقارنة القاسية للموقف الرسمي المصري من العدوانات الإسرائيلية الثلاثة: العدوان الأول 2008 إبان رئاسة مبارك، والعدوان الثاني 2012 إبان رئاسة مرسي، والعدوان الثالث 2014 إبان حكم السيسي، حينها تظهر النتائج صعبة ومريرة ومؤلمة.

فلا زال الفلسطينيون يذكرون كيف أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيفي ليفني أعلنت الحرب على غزة في ديسمبر 2008 من قلب القاهرة، وعلى يمينها أحمد أبو الغيط نظيرها المصري، الذي لم يعقب ولم يستنكر، وبعد ساعات قليلة أمطرت إسرائيل غزة بآلاف القذائف، وقتلت الآلاف منهم خلال 22 يوما، دون صدور موقف مصري يمنع هذه الجريمة.

أما في عدوان 2014، فقد صدرت المزيد من الاعترافات الإسرائيلية، والتأكيدات الفلسطينية، وبعض التسريبات المصرية، أن إسرائيل أطالت في عمر العدوان الذي زاد عن الخمسين يوما بسبب ضغوط السيسي الذي أراد أن يصفي حساباته مع حماس، الذراع الفلسطينية لجماعة الإخوان المسلمين، ولم يوافق على أي وقف لإطلاق النار بين غزة وإسرائيل إلا إن خضعت الفصائل الفلسطينية للمطالب الإسرائيلية.

لقد استمع كاتب السطور إلى شهادات عدد من قادة الفصائل الفلسطينية الذين كانوا يفاوضون على وقف إطلاق النار في القاهرة، وأكدوا له أنهم كانوا يفاوضون المسئولين الإسرائيليين، ونظرائهم المصريين أيضا، فقد وقف الجانبان صفاً واحداً مقابل الفلسطينيين في صف موازي.

عند الإتيان إلى العدوان الأوسط في 2012، زمن حقبة مرسي، علم الفلسطينيون حينها أنه كان بمثابة جس نبض إسرائيلي للقيادة المصرية الجديدة المقيمة في قصر الرئاسة، كيف سيكون رد فعلها على هذا العدوان، هل هو استمرار للتواطؤ الذي مارسه نظام مبارك أم مختلف عنه، فجاءت المفاجأة.

لم يستمر العدوان الإسرائيلي أكثر من سبعة أيام، شهد للمرة الأولى أن يقصف الفلسطينيون تل أبيب، وللمرة الأولى أن يصل وفد رسمي مصري برئاسة رئيس الوزراء هشام قنديل من معبر رفح في ذروة القصف الإسرائيلي، وللمرة الأولى أن يزور غزة وهي تتعرض لهذا العدوان عدد من كبار وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، وللمرة الأولى أن يعلن رئيس مصري أنه لن يسمح باستمرار هذا العدوان، حتى لو كلف ذلك إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد! وللمرة الأولى أعلنت الفصائل الفلسطينية من قلب القاهرة انتصارها على العدوان الإسرائيلي.

لكل هذه الأسباب وسواها يعتقد الفلسطينيون أن الحرب الإسرائيلية توقفت ضدهم على الأرض، لكنها حرباً إسرائيلية أخرى جرت في الخفاء للإطاحة بمرسي، وتقصير فترته الرئاسية أقل مدة زمنية ممكنة، لأن بقاءه في قصر الاتحادية وسط القاهرة بات خطرا على إسرائيل، ومصدر إلهام للفلسطينيين، فكان لابد من قتل هذا الأمل، وإطفاء هذا الإلهام.

أما على صعيد العلاقات الفلسطينية الداخلية، فقد شهدت القاهرة خلال حقبة مرسي الرئاسية القصيرة حدوث حوارات مصالحة جدية بين الفرقاء الفلسطينيين، واقترابهم من التوقيع على اتفاق مصالحة تاريخي يطوي صفحة الانقسام البغيضة، لاسيما بعد أن شعر الطرفان، فتح وحماس، أنهم أمام قيادة مصرية لا تلعب على المتناقضات الفلسطينية الداخلية.

أكثر من ذلك، فإن اقتراب حماس من مرسي جعلها تستمع إلى مطالبات جادة وحادة منه بضرورة طي صفحة هذا الخلاف، لاسيما خلال لقاءاتهم العديدة معه في القصر الرئاسي، وليس كما جرت العادة مع من سبقه ولحقه من الرؤساء المصريين، أن تبقى لقاءاتهم في الغرف المغلقة لدى أجهزة الأمن.

هذه المحطات وسواها من السلوك السياسي والأمني المصري تجاه الفلسطينيين عموما، وغزة خصوصا، جعلتهم في الساعات الأخيرة يعلنون الحداد، ويفتحون بيوت العزاء، ويضعون صور مرسي على بروفايلاتهم الشخصية في شبكات التواصل، ويصلون صلاة الغائب على روح الرئيس الفقيد.

لقد اعتبر الفلسطينيون في غزة أنهم فقدوا رئيسا مصرياً أحبهم وأحبوه، وشكل وجوده في قصر الرئاسة المصرية عقبة أمام نجاح المخططات الإسرائيلية ضدهم، ولا زالوا يذكرون نداءاته من داخل القفص الزجاجي في محكمته ينادي "لبيك يا غزة.. لبيك يا غزة"..

 

المصدر Middle East Eye

https://www.middleeasteye.net
/opinion/mourning-morsi-palestinians-gaza-remember-how-egyptian-leader-embraced-them?fbclid=IwAR0bJK4L19o4mGHNSu3DK2x9YTm0Q0clf2GQQsjBQYFECzd38Otf8Gtz7vc