تركيا والقضية الفلسطينية في ظل تحولات الربيع العربي

  • الأحد 14 يناير 2018 03:13 ص

 

فرض الربيع العربي أجندته الخاصة على مجمل السياسات الإقليمية لكافة دول المنطقة، بما في ذلك تركيا وفلسطين بقواها المختلفة في الضفة وغزة، مما اضطر جميع الأطراف إلى إجراء عملية "إعادة تموضع" في محاولة للتأقلم مع التغييرات الجديدة على الصعيد الإقليمي.

وان خلقت هذه المتغيرات تحديات كبيرة لكل من تركيا والقضية الفلسطينية من جهة، وللعلاقة الثنائية بينهما من جهة أخرى، فإنها في المقابل فتحت آفاقا جديدة وفرصا حقيقية للجانبين، لكن السؤال يبقى مطروحا عن مدى قدرة هذه الأطراف في استغلال وتوظيف هذه الفرصة في مثل هذه الظروف الإقليمية والانتكاسات المستقبلية المحتملة على دور تركيا وحجمه في القضية الفلسطينية.

 

  1. القضية الفلسطينية في الأجندة التركية
  2. تأثير التطورات الإقليمية على القضية الفلسطينية
  3. المتغيرات الإقليمية وسياسة تركيا تجاه القضية الفلسطينية
  4. الموقف الفلسطيني من تركيا
  5. مستقبل الدور التركي في القضية الفلسطينية


                  القضية الفلسطينية في الأجندة التركية

خلافاً للمعطيات الدينية والوجدانية والتاريخية للقضية الفلسطينية لدى الأتراك عموماً، وحزب العدالة والتنمية خصوصاً، تقوم المقاربة التركية للقضية الفلسطينية على ثلاثة أسس، منها الثوابت المبدئية، وأخرى القانونية، وثالثة السياسية، ترى:

  • أنّ هناك شعباً مظلوماً، أراضيه محتلة، قضيته عادلة، يمتلك كل المقومات القانونية والشرعية التي تخوله الدفاع عن حقه، ومع هذا لا يوجد داعم حقيقي له. كما أنّ قضيته تتحول دوماً إلى عنصري الاستغلال والتوظيف من قبل أطراف عديدة لتبقى تدور في دائرة مفرغة، وتبقى بالتالي جزءً من حالة عدم الاستقرار الإقليمي، والحروب والنزاعات القائمة في الشرق الأوسط.
  • أنّ هناك قرارات صدرت وتصدر عن الشرعية الدولية لصالح القضية الفلسطينية، وحقوق لا يمكن تجاهلها نص عليها القانون الدولي، ومع ذلك يتم تناسيه وتجاهله، والقفز على هذه الحقوق عبر الموقع المميز والمحصن الذي تمنحه بعض الدول لإسرائيل، ولجوء الأخيرة إلى القوة العسكرية مع الفلسطينيين، وهو أمر غير مقبول.
  • أنّ تحقيق الأجندة التركية يتطلب استقراراً إقليمياً، والقضية الفلسطينية تعتبر في صلب معظم المشاكل والحروب التي جرت خلال العقود الماضية، بسبب السياسة الاسرائيلية وما تمثله من احتلال وعدوان، وبقاء هذه القضية معلّقاً على هذه الشاكلة من شأنه أن يبقي منطقة الشرق الأوسط مشتعلة، ولا يؤثر ذلك على المنطقة وشعوبها فحسب، بل إنّ ارتداداته ستؤثر سلباً على الوضع في تركيا، وعلى الأجندة التركية، وقدرة تركيا على تحقيق هدفها الاستراتيجي.

وَيفتَرِض التعاطي مع هذه الأسس المرتبطة بالقضية الفلسطينية في السياسة التركية تحقيق السلام العادل والشامل، الذي يعتبر بدوره جزءً لا يتجزأ من سياسة "العمق الاستراتيجي"، و"تصفير النزاعات".

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، عملت تركيا على توفير طريق جديد للقضية الفلسطينية بعيداً عن طريقي الابتزاز والارتهان العالقة بهما، وذلك بالتوازي مع مسارات اخرى، منها:

  • مسار مع سوريا يوفر لها بديلاً عن إيران، ويكسر حلقة الخناق الاقليمي والدولي عليها.
  • مسار آخر مع إيران يوفر لها قدرة الانخراط الإقليمي والدولي، ويضع حداً للخلاف حول ملفها النووي.
  • مسار مع اسرائيل يقوم على افهامها أن الحل الوحيد لها في المنطقة يكمن بضرورة تحقيق السلام الشامل والعادل، على أن يكون ذلك من مصلحة جميع الأطراف، وأنّ دور تركيا كوسيط سيسهل من هذا الأمر.

وقد رتّب ذلك على الأتراك موقفاً من الفلسطينيين كان يهدف إلى:

  • دعم الشرعية الفلسطينية، ومطلب تحقيق دولة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، والموافقة على عملية السلام، بما يعني عملياً دعم السلطة الوطنية الفلسطينية.
  • دعم حقوق الشعب الفلسطيني، ومنها حق الدفاع عن النفس ضد الاحتلال والحصار والعدوان، بما يعني دعم حركات المقاومة، وعلى رأسها حماس.

وفي المحصلة بدا أن هناك حرصاً تركياً على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وما يمكن أن يسمى "عقلنة حماس"، وتوفير الخيار المناسب لها عبر طرح البديل لتهيئة الأرضية لها، لتتخلى عن مسارات أخرى تم فيها استغلالها وتوظيفها بما لا يخدم القضية الفلسطينية ولا الفلسطينيين، ولا المنطقة برمتها.

 

تأثير التطورات الإقليمية على القضية الفلسطينية

مع اندلاع الثورات العربية، تغيرت الكثير من المعطيات المحلية والاقليمية والدولية التي كانت سائدة. ورغم أن الثورات العربية في عمومها، جاءت محلية وطنية قطرية، لكن الفلسطينيين، كسواهم من الشعوب العربية، كانوا يترقبونها يوماً بيوم، وكأن ما يحدث في شوارع القاهرة وتونس وطرابلس ودمشق ليس شأناً يخص تلك العواصم فحسب، بل شأناً فلسطينياً بامتياز.

وترافق ذلك مع قراءات تشير إلى أن أسهم القضية الفلسطينية تراجعت كثيراً في ظل هذه الثورات، لأن الأخيرة شغلت بؤرة الاهتمام الشعبي والتغطية الإعلامية عربياً ودولياً على مدى عامين تقريباً، بحيث شكل تناقص الاهتمام الإعلامي مؤشراً على ضعف الموقف الفلسطيني في ظل انشغال الشعوب العربية بترتيب أوضاعها من الداخل بعيدا عن شعارات نصرة فلسطين، أو العداء لإسرائيل.

ولئن كان لتلك القراءات "المتشائمة" ما يدعمها ويسندها، لكن التغيرات الإقليمية التي أسفرت عن الثورات شكلت تحولاً مفصلياً تاريخياً، بفضلها انتقلت القضية الفلسطينية نقلة نوعية للأمام بعد زوال الأنظمة التي حاصرتها سياسياً، ولاحقتها أمنياً، وباتت تتلقى الدعم والتنسيق، بدلاً من الحصار والتضييق. ولا أدل على ذلك من المقارنة بين مشهد تفتيش قادة حماس ومصادرة أموالهم على معبر رفح في عهد النظام المصري السابق، وبين مشاهد الاستقبالات الرسمية الدافئة لهم ذاتهم في القصر الجمهوري بالقاهرة!

كما أثرت موجة الثورات الشعبية عبر الشرق الأوسط على تغيير الكثير من التوازنات السياسية السائدة فيها لعقود طويلة من الزمن، ففقد قطبا القضية الفلسطينية، حركتي حماس وفتح، حليفهما الإقليمي الهام.

فلم يكن سراً أن تقيم حماس "شهر عسل" إثر سقوط النظام المصري، لما كان بينهما من عداء لا تخطئه العين، وتربص من قبل الأخير بها، وتضييقاً عليها، في حين أنها أحيت "يوم عزاء" إثر تصدع النظام السوري، الذي كان آخر الحاضنين العرب لها، وفتح أراضيه تحت تصرفها، مما منحه دوراً إقليمياً ما كان له أن يحظى به دون حماس، والعكس صحيح بالنسبة لمنافستها فتح، مما اضطرهما لـ"إعادة تموضع جديد" لتحالفاتهما السياسية.

أما على صعيد العلاقة مع تركيا، فقد جاء التقييم الفلسطيني لمرحلة ما بعد إسقاط بعض الأنظمة العربية، وتلك المرشحة للسقوط، مرتبطاً بانعكاس هذه التغيرات الإقليمية على حركة السياسة الخارجية التركية تجاه القضية الفلسطينية، على اعتبار أنّها قد توفر لأنقرة زخماً كبيراً لإنعاش دورها في القضايا الإقليمية، ومنها القضية الفلسطينية.

ويتزايد ذلك على وجه الخصوص مع تراجع التحفظات المصرية، أو الحساسية التي كانت سائدة إبان النظام السابق تجاه الدور التركي، وانشغال مصر "الثورة" بأوضاعها الداخلية، وهو ما ينطبق على السعودية المنشغلة بما يجري حولها وداخلها.

إلى جانب أن الموقف التركي من الثورات العربية كان مبكراً في تبنيها، على اعتبار أنها امتداد لثورة الشعب الفلسطينيين ضد الظلم الذي يعانيه من الاحتلال الإسرائيلي، مما جعل قلوب الفلسطينيين الذين أيدوا في عمومهم تلك الثورات تهتف إلى الأتراك، باعتبارهم المناصرين لقضايا الشعوب، والمنتصرين للمبادئ على حساب المصالح.

 

المتغيرات الإقليمية وسياسة تركيا تجاه القضية الفلسطينية

في المقابل، يرى وزير الخارجية "أحمد داوود أوغلو" أن الثورات العربية، وحالة عدم الاستقرار التي تمر بها المنطقة العربية، لم تؤثر على جوهر السياسة الخارجية التركية وثوابتها.

وبغض النظر عن مدى صحّة هذا التشخيص والتقييم من قبل وزير الخارجية، ومدى حاجة تركيا لتعديلات عاجلة على السياسة الخارجية، بما يتوافق على الأقل مع التحوّلات الآنية الحاصلة، تبقى حقيقة انّ الثورة السورية غيّرت الكثير من المعطيات العملية، أقلّه ما يرتبط منها بالعلاقات التركية السورية، والعلاقات التركية الإيرانية، على خلفية هذه الثورة.

فقبيل اندلاع الثورات العربية، احتلت القضية الفلسطينية مركزاً متقدما في أجندة تركيا الوطنية والإقليمية. وساهمت الأحداث الإقليمية آنذاك، ومن بينها العدوان على لبنان عام 2006، والعدوان على غزة 2008-2009 في وضع القضية الفلسطينية في الواجهة محلياً وإقليمياً ودولياً.

ثم ما لبثت أن أصيبت القضية بنكسة رغم سطوع نجم غزّة آنذاك، مع تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية على خلفية الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، وذلك لانتهاء دور الوساطة من جهة، ولافتقاد تركيا للآليات التي تخوّلها الضغط الحقيقي على إسرائيل، أو على المجتمع الدولي، في ظل انحياز الولايات المتحدة المطلق لتل أبيب، دون أن يعني ذلك تخليها عن دعم القضية الفلسطينية، سواء في المحافل الدولية، أو عبر دعم الفرقاء الفلسطينيين أنفسهم.

في تلك اللحظة، سادت قناعات في أوساط الفلسطينيين مفادها أن الموقف التركي من قضيتهم اقترن بدفع ثمن باهظ من قبل الأتراك، سواء بالدم أو بالسياسة عبر خسارة تركيا لتحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، وما رافق ذلك من خسائر اقتصادية وعسكرية واستثمارية، الأمر الذي منح الأتراك مصداقية أكبر في موقفهم من القضية الفلسطينية.

في تلك الفترة بالذات، استفادت تركيا من القناة السورية في التواصل مع الفلسطييين، وكذلك من القناة المصرية رغم الحساسيات الظاهرة بين الحين والآخر. وبدا واضحا أنّ اللاعب الإيراني كان منزعجاً جداً، وغير راض عن دخول تركيا بقوة إلى القضية الفلسطينية، ولا عن الأسلوب المختلف الذي اتبعته، ولا عن الهدف النهائي الذي تسعى إليه، وهو تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.

ومع واقع الثورات العربية، وتدهور علاقات تركيا مع كل من إسرائيل وسوريا وإيران، أصبحت قدرتها في الدخول الفعّال على القضية الفلسطينية أصعب، إلا أنّ وصول نظام جديد إلى الحكم في مصر أعاد التوازن إلى المعادلة من جديد، دون أن يحدث ذلك أي تعديل على جوهر مقاربة القضية الفلسطينية في الأجندة التركية، أو على ثوابت القضية الفلسطينية في سياستها الخارجية.

لكن وفي مقابل ذلك، لوحظ أنّ القضية الفلسطينية لم تعد تحتل الموقع المتقدم ذاته في الأجندة التركية، فقد تراجعت إلى الخلف نظراً لتقدّم الأحداث الملتهبة، وتفاقم التحديات الخطيرة على صعيد السياسة الخارجية التركية، والتطورات الإقليمية، لاسيما العلاقة مع سوريا وإيران، وانعكاسات الأزمة السورية على الداخل التركي والسياسة التركية، خاصة موضوع حزب العمال الكردستاني.

 

الموقف الفلسطيني من تركيا

على الجانب الآخر من المعادلة، يرى الفلسطينيون أن التمسك بالدور التركي يظل ضرورة نظراً لـ:

  • موقع ودور تركيا الإقليمي، ولأنه يمثل جزءً حاسماً من المجال الاقليمي.
  • ما تحمله تركيا تجاه الحالة الفلسطينية من صلات دينية وخلفيات تاريخية ثقافية.
  • كون القضية الفلسطينية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية التركية.
  • بقاء الدور التركي تجاه الفلسطينيين أكثر زخماً عن غيره من دول المنطقة، المنشغلة بملفاتها الداخلية، وهو الأمر الذي تؤكده العديد من الأنشطة العملية في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة ما يتعلق بالمساعدات المالية الاقتصادية.
  • أعطاء السياسة التركية للفلسطينيين دفعة معنوية ومادية لدعم صمودهم، وإشعار العالم أن هناك من يقف بجانبهم، ما يدفع اسرائيل دوما للتفكير الجدي بعدم الاستفراد بهم، نظراً لخشيتها من التأثيرات السلبية الإضافية التي قد تطرأ على علاقاتها مع تركيا.

 

ولهذا مثلاً، رأينا كيف حافظ الفلسطينيون بشقيهم المقاوم والمفاوض، على علاقات متوازنة مع أنقرة. فالسلطة الفلسطينية تعتقد أن علاقات وثيقة مع الأتراك تحفظ لهم عمقاً إقليمياً بات يتراجع بعد سقوط حليفهم الأول في مصر، لاسيما وأن تركيا ملتزمة رسميا بخط عملية السلام، والدعوة الدائمة للمفاوضات الثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يعتبر تبنياً واضحاً لموقف السلطة الفلسطينية.

أمّا حماس، فتعتبر أن تركيا "أردوغان" تمثل الحاضن الأكثر دفئاً لها في الإقليم الذي يعاني "خضات" غير محسوبة العواقب، وليس أدل على ذلك من استيعاب المدن التركية للعشرات من كوادرها وعناصرها ممن لجأوا إليها بعد أن ضاقت عليهم الأراضي السورية بما رحبت، فضلاً عن الاستقبالات الدائمة لقيادات حماس لدى شخصيات سياسية نافذة في دوائر صنع القرار التركي، بدءً بالرئيس "غول"، مروراً برئيس الوزراء "أردوغان"، وانتهاءً بوزير الخارجية "أوغلو"، رغم ما سببته هذه الزيارات من ضغوط خفية وعلنية على تركيا من قبل واشنطن وتل أبيب تحديداً.

كما أن الموقف التركي الذي يمكن وصفه بـ"الوسطي" بين كفتي الساحة السياسية الفلسطينية، فتح وحماس، يجعلهما معاً في حاجة إليه، ولئن كانت أنقرة "فتحت شهية" حماس في كونها "عرابة" لها على الساحتين الإقليمية والدولية، بفعل صلاتها الواسعة، والجهود التي تبذلها لقبول الغرب بها، فإن ذلك يعتبر تحقيقاً لرغبة فتح التي تأمل بـ"ترويض" حماس سياسياً، وإدخالها في العملية السياسية، ولو بخطى متأنية، وليس أقدر على القيام بهذا الدور في المدى المنظور سوى الأتراك.

في ذات الوقت، يتزامن "التقارب" التركي الفلسطيني مع "تباعد" إيراني سوري، بعد أن اعتبرتا إلى وقت قريب "الحاضنة" الأكثر دفئاً للقضية الفلسطينية، وذلك بفعل التضامن الفلسطيني مع الثورة السورية ازاء قمع النظام، الأمر الذي خلق مخاوفا لدى طهران ودمشق بسحب "الورقة الفلسطينية" من حساباتهما الإقليمية، رغم الحرص الشديد على ابقائها حصريا بين أيديهم، لكن نتيجة الأمر كانت في النهاية عودة القضية الفلسطينية إلى حضنها العربي ممثلاً بمصر الثورة، والإقليمي من خلال تركيا.

وعند مفاضلة الفلسطينيين بين أنقرة وطهران، ترى قطاعات عريضة منهم، المقاومين والمفاوضين على حد سواء، أنهم "منزاحون" باتجاه تبني الأولى لقضيتهم أكثر من دعم سوريا وإيران لهم، رغم ترحيبهم بالجميع، لكن الأولى تختلف عن سواها في عدة نواحي أهمها:

  • أنها دولة مسلمة "سنية" ليست لها خلفيات أيديولوجية تهدف لفرضها على الآخر،
  • كما أن توتر العلاقات الإيرانية مع الإقليم والمجتمع الدولي سيظهر القضية الفلسطينية، كما لو كانت ورقة لـ"ابتزاز" خصومها، وتوظيف هذه القضية لتصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، وهو الأمر الغائب في الجانب التركي، ويعفي الفلسطينيين من دفع "فواتير" ليسوا قادرين على تحمل أعبائها.

 

مستقبل الدور التركي في القضية الفلسطينية

انطلاقا من ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية، والهدف الذي يربط هذه القضية بها، بالاضافة الى حاجة الفلسطينيين الى انقرة، يمكننا القول أن لا متغيرات ستطرأ على الموقف التركي فيما يتعلق بعدد من الأمور من بينها:

  • دعم إقامة الدولة الفلسطينية وعملية السلام في المنطقة، على أساس إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة كاملة دون انتقاص.
  • دعم مختلف الأطراف الفلسطينية، بما في ذلك الأطراف التي تمثل المسار السياسي الدبلوماسي، وتلك التي تمثل المسار المقاوم، لتشكل لهم جميعاً ركناً قوياً يمكن اللجوء إليه فعلاً، نظراً لامتلاكه العديد من الخيوط اللازمة مع صناع القرار إقليمياً ودولياً.

 

لكن هذه الثوابت دونها عقبات حالية تحول دون تثميرها نتائج على أرض الواقع، من بينها:

  • الانقسام الفلسطيني، وهو ما يعني أنّ تركيا ستحاول خلال المرحلة القادمة العمل من خلال شراكة مع المصريين على الأرجح للتأكد من جمع مختلف الأطراف الفلسطينية في مسار واحد، وإنهاء حالة الانقسام العبثية التي تعطّل بدورها تفعيل السياسة التركية في القضية الفلسطينية.
  • بقاء العلاقات الدبلوماسية التركية-الإسرائيلية المتدهورة على وضعها الحالي يعيق بطبيعة الحال تثمير الثوابت أعلاه، لكن عددا من المؤشرات المتزايدة التي برزت خلال الأشهر الأخيرة، لاسيما بعد اندلاع الثورة السورية يشير إلى نيّة إسرائيل استئناف هذه العلاقة التي لا تزال مرهونة بالنسبة للجانب التركي بتحقيق الشروط الثلاثة، وهي الاعتذار العلني، والتعويض المالي، ورفع الحصار عن غزة.
  • الموقف الإيراني الذي أعلن عن مساراته الإقليمية المخالفة تماما للمسار التركي، لاسيما مع اندلاع الثورة السورية، ولا شك أنّه لن يقف متفرجا أمام أي محاولات تركية لدعم القضية الفلسطينية، بما يتعارض مع الرؤية الإيرانية.
  • التخوف الأمريكي والأوروبي من تجاوز تركيا للخطوط "المقبولة"، ولعب أدوار تتعارض مع المصالح الغربية في المنطقة، فضلاً عن إثارة بعض الحساسيات العربية، قبل وبعد الثورات الأخيرة.

وفي مقابل هذه التحديات، فقد خلقت المتغيرات الإقليمية فرصا أخرى لتركيا، إذ أصبحت إمكانية تحركها في مجال احتضان القضية الفلسطينية والفصائل الفلسطينية أكب. فبعد أن كانت مجرد خيار للفلسطينيين لموازنة الدور الإيراني والسوري إزاء الخارج، أصبحت أنقرة بديلا. حيث من المتوقع أن يستبدل المسار التركي-المصري المسار السوري-الإيراني حتماً خلال المرحلة القادمة، إن بقيت المعادلة على ما هي عليه.

ومع أنّ الفرصة سانحة الآن لدور تركي أكثر فعالية في القضية الفلسطينية، مع ما يحمله من انعكاسات مستقبلية، لا يبدو انّ الحكومة التركية تركّز في هذه اللحظة على استغلال هذه الفرصة والعمل على القضية الفلسطينية إلا بما يمليه الواجب. فالاهتمام التركي بالقضية الفلسطينية الآن في حدّه الأدنى الآن، للأسباب التالية:

  • الإشكاليات الداخلية التي تواجهها.
  • العلاقات المتدهورة مع إسرائيل.
  • عدم تصدر القضية الفلسطينية للأجندة الدولية.
  • فرضية أن تطرأ مستجدات إقليمية ودولية ضاغطة على صانع القرار التركي تدفع به لأن يؤجل التعامل مع الموضوع الفلسطيني حتى إشعار آخر.

وعليه، فان مستقبل الدور التركي في القضية الفلسطينية ومدى حجمه وتأثيره سيكون مرهوناً بانتهاء التطورات الإقليمية السلبية، لاسيما المتعلقة بالملف السوري، وما يرتبط منها بالتحديات المفروضة على الداخل التركي الذي يحظى بأولوية.

وفي المقابل، يحرص الفلسطينيون على إبقاء الدعم التركي الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية مستمراً، والاستفادة من فهم تركيا لأصول اللعبة الدولية في دعم القضية الفلسطينية، واستثمار سياستها الخارجية لما فيه مصلحة الفلسطينيين.

 

المصدر مركز الجزيرة للدراسات

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2012/11/201211682923673950.html