حماس قلقة، وصامتة، إزاء السياسة السعودية تجاهها

  • الخميس 16 مايو 2019 03:50 ص

حماس قلقة، وصامتة، إزاء السياسة السعودية تجاهها

لا تمر علاقات حماس مع السعودية في أحسن أحوالها، بل تشهد حالة من برود لافت طال أمده خلال السنوات الماضية، لعل أهم أسبابه ليست فلسطينية، ولكن في ظل حالة الاستقطاب الإقليمي الدائر بين مختلف مكونات المنطقة، وتحديدا بين السعودية وإيران، ورغبة الأولى بتجميع ما تيسر لها من أصدقاء وحلفاء لمواجهة ما تعتبره التهديد الإيراني.

 

لا يبدو أن حماس بصدد الانخراط في محاور إقليمية مع السعودية أو ضدها، على اعتبار أن سياستها المعلنة تقضي بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وربما عانت الحركة سابقاً من أثمان دفعتها بسبب احتسابها على محور دون آخر، ولعل تجليات الثورات العربية في السنوات الأخيرة شكلت أكبر مثال على ذلك.

 

آخر تجليات الحالة غير المستقرة بين حماس والسعودية، تمثلت بجملة سلوكيات إعلامية وسياسية وأمنية، أكدت في مجملها أننا أمام تطورات متلاحقة في تراجع العلاقة، على الأقل فيما يتعلق بالسعودية وأدواتها المختلفة، فيما حافظت حماس على التزام الصمت، وضبط النفس، وهي عادتها مع العديد من دول المنطقة التي تستهدفها، رغبة منها بأن تعود المياه لمجاريها يوما ما.

 

فقد نشرت صحيفة "مكة المكرمة" السعودية يوم العاشر من مايو قائمة لـ40 شخصية إسلامية حول العالم، صنفتهم بأنهم إرهابيين تأثروا بأفكار جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم مؤسس حركة حماس الشيخ الشهيد أحمد ياسين وزعيمها السابق خالد مشعل، والحالي إسماعيل هنية، بجانب محمد ضيف ويحيى السنوار.

 

فور صدور التقرير المنسوب إلى مركز بحثي غير معروف، خرجت ردود فعل فلسطينية وعربية وإسلامية غاضبة، لاسيما على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى أن اسم الصحيفة السعودية تحول إلى وسم متفاعل على هذه المنصات، مما اضطر الصحيفة بعد يومين لحذف التقرير، وقد يصعب تصور أن تجرؤ صحيفة مقربة من دوائر صنع القرار في الرياض على نشر تقرير خطير كهذا دون أخذ إذن، أو غض طرف منها.

 

وخلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أوائل مايو، كتب نشطاء ومدونون سعوديون تغريدات متضامنة مع إسرائيل، ومهاجمة لحماس، واتهموها بالعمل لصالح إيران وتركيا، وطالبوا بضرورة التصدي لما وصفوه "إرهاب" حماس "القاتلة".

 

وفي حين اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية هذه التغريدات السعودية دعماً لإسرائيل في عدوانها على الفلسطينيين في غزة، ونقلت مواقع بحثية إسرائيلية تغريدات الناشطين السعوديين، وهي محتفية بها، لكن هؤلاء ذاتهم واجهوا انتقادات واسعة من ناشطين عرب اعتبروا تغريداتهم تطبيعا صارخا مع إسرائيل.

 

في ذات السياق، تحدثت الأنباء في أبريل أن الفلسطينيين المقيمين داخل المملكة يتعرضون منذ عدة أسابيع لحملات اعتقال وتهديد وملاحقة، هي الأكبر والأخطر التي تنفذها قوات الأمن السعودية بصورة سرية، وتجاوز عدد الفلسطينيين الذين اعتقلوا ووضعوا داخل السجون الـ30 معتقلاً، بينهم طلبة ومقيمون وأكاديميون ورجال أعمال، وتواصلت حملات التهديد بمنع العشرات منهم من مغادرة المملكة، وحملات فصل من العمل، وتهديد بسحب الإقامات والترحيل، وتجميد حساباتهم، ومصادرة مؤسساتهم.

 

السبب غير المعلن للاعتقالات يتعلق بدعم حماس، وجمع التبرعات لها داخل المملكة، والسؤال عن أحوال غزة، وتركزت الاتهامات الموجهة للمعتقلين حول التعاطف مع المقاومة في فلسطين، واهتمامهم بالقدس وغزة، وتأييد حماس.

 

في غمرة هذا السلوك السعودي السلبي تجاه حماس، أظهر استطلاع رأي نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى يوم 11 مايو، نتائج لافتة عن صورة إيجابية عن حماس في المجتمعات العربية، خاصة في دول لديها سياسة سلبية تجاه الحركة، ومنها السعودية والإمارات، مما يضع تحديات جسيمة على تلك الدول، ويعطي حماس نقاطا مهمة على صعيد الرأي العام العربي.

 

لم تبدأ السياسة السعودية المجافية لحماس في الأسابيع الأخيرة مع بداية 2019 فقط، بل يعود الأمر إلى 2014، حين أصدرت المملكة قرارا غير مسبوق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين بالإرهابية، ورغم أن القرار لم يشمل حماس بالاسم مباشرة، لكن حماس تعتبر الجماعة "الحركة الأم"، لاسيما وأن مصدرا مقربا من صناع القرار السعودي ذكر في حينه أن المرسوم الملكي يشمل أفرع الجماعة بدول أخرى، بما فيها حماس في فلسطين.

 

حماس أمام كل هذه السياسات السعودية لم تصدر موقفاً رسمياً يرد عليها، لكن الحركة عموماً قلقة من الجو العام في المنطقة المعادي للإسلاميين بصورة إجمالية، صحيح أن حماس لا تعتبر نفسها جزءً من القرار السعودي بتصنيف الإخوان المسلمين، لأن انتماءها الفكري لهم لا يعني انخراطها التنظيمي معهم، فحماس حركة تحرر وطني فلسطيني، ولئن كانت ترتبط فكرياً بالإخوان المسلمين، لكنها تعمل وفق سياستها الخاصة، ولا ترتبط إدارياً بالجماعة، كما أن حماس ليس لها وجود تنظيمي في السعودية، ولا تمتلك فيها مكاتب أو مقرات.
 

بجانب هذا الموقف "الصامت" من حماس تجاه النهج السعودي المتبع ضدها، لكن لا توجد اتصالات بينهما، ولم يحظ مسئول فيها بأي استقبال رسمي من قبل رسميين سعوديين، باستثناء مرات قليلة شهدتها الرياض، حين استضافت مسئولين من حماس وفتح للمصالحة بينها في فبراير 2007، ثم زيارة خالد مشعل زعيم حماس السابق في 2015، ومن حينها لم يزرها مسئول من حماس رسمياً، باستثناء مواسم الحج العمرة في مكة والمدينة فقط، دون إجراء اتصالات سياسية.

 

هناك تقديرات سائدة في حماس، صحيح لم تعلنها، لكن يمكن قراءتها من خلال المعاينة اليومية للأحداث، ترى أن السياسة السعودية تجاه الحركة تشهد انقلابا في المواقف والتحالفات، مما يربك المشهد السياسي الفلسطيني، وسيكون الوضع الفلسطيني أكثر تعقيدا، وستترتب عليه تبعات ثقيلة وخطيرة، فكل تضييق على حماس يدفع ثمنه أمنياً واقتصادياً الشعب الفلسطيني.

 

تعود أجواء الفتور التي تسود علاقة حماس بالسعودية منذ سنوات، لأسباب عديدة، منها الدعم السعودي لصفقة القرن الأمريكية التي تعلن حماس رفضها، والعلاقات المميزة التي تربط حماس بقطر وإيران، اللتان تناصبهما المملكة العداء، وعدم اصطفاف حماس بصورة كاملة بجانب السياسة السعودية في الإقليم، كما هو الحال مع السلطة الفلسطينية.

 

رغم كل هذه التباينات، فإن حماس كما يبدو حريصة على عدم توتر العلاقة مع دولة كبيرة بحجم السعودية، بل تسعى لتحسينها، رغم صعوبة الوضع القائم حالياً، في ظل ما تمتلكه الحركة مما يمكن تسميتها "حاضنة شعبية" واسعة من نخب ثقافية وإعلامية وجماهيرية داخل المملكة، باعتبارها حركة مقاومة وطنية فلسطينية، بغض النظر عن الاستقطابات العربية الداخلية، والحركة تسعى إلى تجاوز الأزمة التي تعصف بالمنطقة العربية حالياً بأقل قدر من الخسائر.

 

تدرك حماس أن العلاقة مع السعودية تحيط بها كثير من القضايا الإشكالية، لا تخلو من التعقيد، لأن الأخيرة ترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة، وهناك تنسيق مصري سعودي شبه دائم يتعلق بمختلف الشئون العربية، وهي مصدر دعم رئيسي للسلطة الفلسطينية، والسعودية، وإن لم تعترف بإسرائيل، ولا تربطها بها علاقات رسمية، لكن التطبيع بين الرياض وتل أبيب يجري على قدم وساق، وهو ما تدركه حماس.

 

تكتفي حماس بالتعقيب غير الرسمي على تراجع العلاقات مع السعودية بأنها "تسعى لتوحيد الجهود العربيّة والإسلاميّة للدفاع عن الحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة، وأنها معنيّة بتعزيز علاقاتها مع كلّ هذه الدول والفاعلين في الساحتين الإقليميّة والدوليّة، ممّن يدعمون قضيّتها العادلة، وحقّها المشروع في مقاومة الاحتلال".

 

لكن الهجوم السعودي على حماس قد يمهّد لدمج إسرائيل بالمنطقة، بتأسيس تحالف بين واشنطن والسعودية وإسرائيل لمواجهة الخطر المشترك المتمثّل بإيران والمنظّمات المسلّحة، ومنها حماس، والسعوديّة تحاول تقديم نفسها شريكاً في حرب الإرهاب، عبر تطويع حماس، بل إن بعض القراءات ذهبت بعيدا بالقول أنه يمكن فهم الإصرار السعوديّ على مهاجمة حماس ضمن تصفية القضيّة الفلسطينيّة.

 

كما تدفع حماس ثمن الاستقطابات الإقليمية الحادة بين السعودية من جانب، وإيران وقطر من جانب آخر، حيث تحتفظ الحركة بعلاقات وثيقة معهما، وقد كانت إلى عهد قريب حريصة على الإمساك بعلاقاتها مع الجانبين المتناقضين في آن واحد، صحيح أنّ ذلك بدا صعباً، لكنّها لا تمتلك الكثير من العلاقات الإقليميّة، ولذلك، قد لا تقدم قريباً على إجراء مفاضلة صعبة للانحياز لأيّ منهما.

 

أخيراً.. تدرك حماس أنّها بعلاقاتها الخارجيّة، لاسيما مع دولة كبيرة كالسعودية، تسير في حقل ألغام، وتتحسّب من أيّ أزمة قد تنشب معها، ممّا يدفعها لإدارة مواقفها تجاهها بميزان دقيق، خشية أن يأتيها عتب منها، وغضب من غيرها، لأنها تبني سياستها الخارجيّة على تجنيد مواقف الدول لصالح الفلسطينيّين، وتعزيز صمودهم، ولذلك تبتعد عن الاصطفافات الحاصلة في المنطقة، لتكون على مسافة واحدة من الجميع، على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة لأيّ دولة كانت.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190515-hamas-is-worried-and-silent-about-saudi-arabias-policy-towards-it/?fbclid=IwAR11bkeK06gILhaYF-Us1YNEUuu79ET00VvEaAq65cY92UtiNqfqVbiYhXg