حماس والأردن.. دفء تدريجي بعد برود طويل

  • الثلاثاء 14 مايو 2019 01:20 ص

حماس والأردن.. دفء تدريجي بعد برود طويل

شهدت الأسابيع الأخيرة تزايد الرسائل الإيجابية التي ترسلها حماس للأردن، سواء إشادتها بموقفه من صفقة القرن، ورفضها إقامة وطن بديل في المملكة، ودعمها مطالبه بإبقاء وصايته على القدس، فيما صدرت مواقف أردنية لإعادة العلاقات مع حماس..السطور التالية تناقش أسباب رغبة حماس بعودة علاقاتها مع الأردن، وماذا لدى الأردن يقدمه لها، وأين السبب في تنامي علاقاتهما، وما مصالحهما، وهل يقرر الأردن إعادة حماس إليه بعد طرد قيادتها قبل 20 عاما.

بصورة لافتة تشهد العلاقات غير الرسمية بين حماس والأردن تنامياً تدريجياً لا تخطئه العين، في ظل جملة خطوات ورسائل بعثت بها حماس للمملكة، التي لم ترد عليها بذات الرسائل، لكن من الواضح أن القصر قد يرغب بإذابة الجليد الذي ساد علاقات الجانبين منذ أن قرر إخراج قيادة حماس من المملكة عام 2000.

فقد أعلن أواخر أبريل رئيس المكتب السياسي السابق لحماس، خالد مشعل، أن حماس تجري اتصالات مع الجهات الرسمية في الأردن، لمواجهة صفقة القرن، وأن الأردن يتعرض لعقوبات وحصار ليوافق عليها، وأشاد بموقف الملك من قضية القدس.

لعلها المرة الأولى التي تكشف فيها حماس الاتصالات مع عمان، رغم وجود قطيعة بينهما، وما يتحدث به مشعل يعبر عن وصول علاقاتهما غير العلنية مستويات متقدمة.

فيما أشار إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس أوائل أبريل أن الحركة تقف بجانب الأردن، لمواجهة الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية، التي تسعى لتغيير الجغرافية السياسية للمنطقة، وأوضح خلال زيارته للمستشفى الأردني في غزة، أن حماس لن تقبل بحلول لقضية فلسطين على حساب الأردن وسيادتها.

وفي أواخر أبريل، ألقى هنية، في حالة نادرة، كلمة مسجلة خلال مهرجان نظمه الإخوان المسلمون في الأردن حول القدس، واعتبر أن الأردن سيظل العمق الاستراتيجي للقدس.

كاتب السطور حضر لقاء مغلقاً نظمه هنية مع عدد محدود من الكتاب في غزة أوائل أبريل، أكد خلاله أن حماس تدعم مطالب الأردن بإبقاء وصايته على الأوقاف الإسلامية في القدس.

مصادر صحفية تحدثت أن تصريحات هنية ومشعل تلقفتها المؤسسة الرسمية بالأردن بارتياح شديد، وتعاطت معها بإيجابية كاملة، وقابلها صدور مواقف أردنية تطالب بتصويب العلاقة مع الحركة، وفض الخلافات معها، باعتبارها قد تكون من الأوراق الرابحة للأردن لمواجهة السياستين الأمريكية والإسرائيلية، سواء صفقة القرن، أو حماية المقدسات الاسلامية في القدس، أو رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين.

فيما كشفت مصادر أردنية أن المملكة رفضت أواخر مارس طلباً من الأمانة العامة للجامعة العربية بحظر حماس، واعتبارها إرهابية، لكن عمان ردت بأنه لا مصلحة لها بهذا الإجراء، ربما لأنها رأت أنه يأتي في سياق التصعيد الداخلي لبعض الدول ضد الإخوان المسلمين وحلفائهم، والتأليب السعودي–الإماراتي على حماس.

لا تخفي حماس رغبتها الجادة بإعادة فتح مكتبها في الأردن، لأنها حريصة على التواجد فيه، والأراضي الأردنية تعدّ الأفضل لهذا الوجود، باعتبارها ساحة قريبة من فلسطين، وبحكم العلاقات الوثيقة التي تربط الشعبين الفلسطيني والأردني، فهو خيار تفضله الحركة، كما أنها لا تمانع بأن يأخذ الأردن دورا في جولات المصالحة مع فتح، دون أن يعني سحب الملف من مصر.

حماس معنيّة بعمق عربي وإسلامي يبدأ من دول الجوار، وأولها الأردن، ولذلك فإن المصالح المشتركة بينهما تتقاطع كثيراً عند مفاصل الأمن والاستقرار والديموغرافيا، ومواجهة تداعيات مطالبات إسرائيل الهادفة لجعل الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين.

ويعتقد الأردن أن علاقاته مع حماس من حيث الحاجة المتبادلة غير جديدة، لأسباب سياسية وجغرافية وديموغرافية، فالأردن معني بحقوق الشعب الفلسطيني، وباستقرار الداخل الفلسطيني، وتحييد نفسه عن الصراعات الفلسطينية الداخلية.

يمكن توصيف علاقات حماس والأردن في هذه الآونة أنها بدأت تعود تدريجيا لحالة من الاستقرار، لا توتر ولا تطبيع، ربما لأنها مرهونة في بعض سياقاتها بمدى تحسن أو تراجع علاقات المملكة مع السلطة الفلسطينية، الحريصة على عدم وجود اتصالات بين حماس وعمان لإبقاء الحركة معزولة.

مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها علاقات حماس والأردن بعض التقارب، لكنها تتزامن مع فتور في علاقة المملكة مع السلطة الفلسطينية، حين عبرت عمان في فترات سابقة عن مخاوفها من وجود قنوات سرية للتفاوض لا تعلمها بين تل أبيب ورام الله، قد تصل لترتيبات سرية بين السلطة وإسرائيل على حساب الأردن، قبل أن تحصل القطيعة بين رام الله وتل أبيب.

ولذلك كانت تصل في عمان في بعض الأحيان اعتراضات غير معلنة من رام الله تجاه تقارب محتمل مع حماس، رغم تلقيها تطمينات من القصر الملكي، بأنه لا نية لأي استبدالات في خريطة الحلفاء، وكل القصة لا تتجاوز التجاوب مع مستجدات المرحلة، ولغايات تكتيكية فقط.

لعل ما يدفئ العلاقة أكثر بين حماس والأردن، التعاطي الإيجابي الحالي بين الملك والإخوان المسلمين ، وإعلانه بأنه لن يكرر إجراءات حظر الإخوان أسوة بالسعودية ومصر، باعتبار أن المعادلة الداخلية لا تسمح بهذا السيناريو الخطير، الذي سيأزم الموقف مع الإخوان، ويدفع لمرحلة أكثر صعوبة بهذه المرحلة الحساسة.

تدرك حماس جيداً أن هدف الأردن من تحسين العلاقات معها، ليس سعياً لمنحها أفقاً جديداً بالمنطقة، بقدر ما هو هدف داخلي يساعد على استيعاب الإخوان المسلمين المؤثرين في الحراك السياسي والمجتمعي، سعياً وراء إصلاح حقيقي، وقد يكون التقارب مع حماس، لو تم فعلاً، يعتبر بادرة حسن نية للإخوان الذين بات نفوذهم في الشارع متزايدا.

يجري عدد من قادة حماس زيارات بين حين وآخر للمملكة، سواء غير معلنة، أو لأغراض عائلية، ولذلك تبقى زيارة قيادة حماس بصفة رسمية، التي لم تتم بعد، بغض النظر عن هوية الزوار مؤشرا على ارتقاء العلاقة لمستويات كبيرة، بعد أن تم تأجيلها عدة مرات في السنوات الماضية لاعتبارات مختلفة، وسط صمت من الجانبين، حماس والأردن، ولا أحد منهما يريد البوح بسر إرجائها حتى إشعار آخر، على أمل أن تحط طائرة قيادة حماس قريباً في مطار عمان.

بعيداً عن الغوص في تفاصيل التطورات التاريخية، وحالات التوتر وشبه القطيعة التي أحاطت بعلاقة حماس والأردن، فإن الحركة لم تكن الوحيدة المستفيدة من شكل العلاقة السابق مع المملكة، فالأخيرة استفادت أيضاً منها، وبالتالي ليس من مصلحتها أن تفرط بكل ما حققته من علاقتها معها.

ربما تنظر عمان لحماس باعتبارها "ورقة" في معركتها ضد الطرح الإسرائيلي عن الوطن البديل، وتطبيع العلاقة مع التيار الإسلامي في الداخل، مما قد يجعل الأردن حريص على فتح صفحة جديدة معها، ويتعامل معها بمنطق الحسابات والمصالح، لاسيما بعد فشل مسار التسوية، وازدياد التعنت الإسرائيلي، فضلا عن وجود حماس كقوة سياسية ذات حضور شعبي كبير في الأراضي الفلسطينية، وما كرّسته كقوة حاكمة في قطاع غزة لما يزيد عن 12 عاما، بجانب الأزمة المتعاظمة داخل السلطة الفلسطينية، وتراجع قوتها، وضعف تأثيرها الداخلي والخارجي.

فيما تخرج هذه السطور للنشر، أظهر استطلاع رأي نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن حماس نالت التأييد الأكبر في الأردن بنسبة 57%، مقارنة بباقي الدول العربية، وهذه الشعبية المتزايدة للحركة في أوساط الأردنيين، ربما تجعل الملك معني بمسايرة هذه التوجهات، لأنه لم يسبق للحركة أن تصارعت مع الأردن، أو فيه، أو تدخلت بشؤونه الداخلية.

ربما يكون الأردن بحاجة إلى استلام رسائل واضحة من حماس، بعدم استخدام أراضيه ساحة عمل أساسية لعملها التنظيمي، لاسيما انطلاق أي هجمات مسلحة ضد إسرائيل، خشية أن تمس بمعاهدة السلام معها، وعلاقاته المتميزة مع الولايات المتحدة.

يمكن للعلاقة المستقبلية بين الأردن وحماس أن تنحى نحو واحد من السيناريوهات التالية: أولها ترسيم علاقة إستراتيجية بما يحقق مصالحهما، وثانيها التوصل لتفاهمات مرحليّة بما يشكل سقفاً متدنياً لحجم وطبيعة علاقتهما، وثالثها تواصل حول المصالح بين حماس والأردن، لإقامة حوار مشترك، ورابعها البعد عن الخلافات، وتجنب الاحتكاك والصدام، وخامسها الفشل والعداء، رغم تزايد القناعات الأردنية بأنه ليس من مصلحتها، أن تذهب بعيداً بمقاطعتها لحماس، بما تلاقيه من احترام وتأييد وشعبية لدى الشعب الأردني.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190513-hamas-and-jordan-are-gradually-getting-closer-after-a-long-estrangement/?fbclid=IwAR0bCnespgIBdbh3IVVo2Ey7y9lO9ptp07h9f9K6zSXpOMlJUna02PG1_e8