توافق فلسطيني أردني تركي على رفض النفوذ السعودي في القدس

  • الأحد 12 مايو 2019 03:16 ص

توافق فلسطيني أردني تركي على رفض النفوذ السعودي في القدس

فيما يقترب العد التنازلي من إعلان صفقة القرن، وبعد أن حسمت الولايات المتحدة مصير القدس بإعلانها عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، يزداد الحديث لدى جميع الأطراف حول مسئولية الإشراف والوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية في الحرم القدسي الشريف.

 

وفيما يعلن الأردن أنه صاحب الوصاية على هذه الأوقاف، فقد شهدت الآونة الأخيرة دخول دول في المنطقة على الموضوع، سواء بدافع مشاركة الأردن بهذه الوصاية كالسلطة الفلسطينية، أو نفي وصايته عليها، والمطالبة باستبدالها، كالسعودية، أو الاقتصار على زيادة النفوذ والتأثير فيها مثل تركيا.

 

آخر تجليات هذا التنافس تمثل بإعلان الملك المغربي محمد السادس، أواسط أبريل عن تخصيص منحة مالية للقدس، لم تحدد قيمتها، وإرسال معماريين وصناع مغاربة لصيانة المسجد الأقصى وفي محيطه، بالتنسيق مع الأردن.

 

جاء توقيت الخطوة المغربية مفاجئاً ولافتاً، لأنها الأولى من نوعها تجاه القدس منذ سنوات طويلة، ولعلها مرتبطة بالتحركات الإقليمية، ورغبة دول المنطقة بزيادة نفوذها بالمدينة، مثل: تركيا والسعودية، واليوم تأتي المغرب لتسجيل حضورها.

 

يعود حرص المغرب على دوره في القدس إلى جذور تاريخية قديمة تقدر بمئات السنين بالاستناد لشرعية السلالة العلوية في المغرب، ووجود حارة المغاربة في القدس، كما تجسدت علاقة المغرب بالقدس بقرار قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة عام 1975 بتأسيس لجنة القدس، وإسناد رئاستها الدائمة لملك المغرب.

 

ظهر التنسيق المغربي الأردني حول القدس في لقاء جمع ملكيهما بالدار البيضاء في مارس 2019، وإصدارهما بيانا يرفض أي تفريط بها، وهو موقف يرفض الانسياق لإملاءات بعض الدول العربية تمهيدا لصفقة القرن، وحمل توجّسا مشتركا بين "العلويين" المغاربة و"الهاشميين" الأردنيين من نوايا "الوهابيين" السعوديين، الساعين لسحب بساط الوصاية التاريخية على القدس.

 

يرى الأردن أنه صاحب الحق التاريخي في القدس منذ عام 1924 عقب انهيار الامبراطورية العثمانية، وفي ثمانينات القرن الماضي أرسل الملك حسين ملايين الدولارات لترميم القبة الذهبية في الصخرة المشرفة، وفي 1988 فك الأردن ارتباطه بالضفة الغربية باستثناء شرقي القدس، وتم تجديد وصايته على القدس في اتفاق السلام مع إسرائيل عام 1994، وجرى تجديدها عام 2013 باتفاق أردني فلسطيني، لكن السعودية فاجأت الأردن برفضها الاعتراف بوصايته خلال قمة البرلمانيين العرب بالمغرب في ديسمبر 2017.

 

تتزايد مخاوف الأردن من دخول السعودية على خط الوصاية على الأوقاف المقدسية كمنازع له، بعد أن أطاحت بالهاشميين من إشرافهم على مكة والمدينة، وتواصل اليوم جهودها لإبعادهم من الإشراف على المسجد الأقصى، مما تعتبره عمان خطاً أحمر، ولن تسمح للرياض بالاقتراب منه.

 

أما السعودية فتسعى للحصول على موطئ قدم في الحرم القدسي، بالتزامن مع قرب إعلان صفقة القرن، مع توفر رغبة إسرائيلية لإدخال العنصر "الوهابي" إلى القدس، وتتزايد المخاوف الفلسطينية والأردنية من إعلان أمريكي مرتقب لإقامة إدارة إسلامية بإشراف السعودية حول الأماكن المقدسة الإسلامية، وإبعاد الأردن والسلطة الفلسطينية جانباً.

 

تستغل الرياض أموالها ودعمها المادي لسحب البساط من تحت أقدام الأردن في القدس، وأعلنت في القمة العربية لعام 2018، تخصيص 150 مليون دولار لدعم القدس، تمهيدا لتقوية نفوذها فيها، وطلبت من شخصيات مقدسية مؤثرة زيارتها، رجال دين، صحفيين، سياسيين، مسلمين ومسيحيين، للقاء ولي العهد محمد بن سلمان، لكن المقدسيين رفضوا الطلب.

 

بجانب الأردن والسعودية والسلطة الفلسطينية الراغبين بزيادة نفوذهم وتأثيرهم في القدس، ظهر ضيف رابع يتمثل بتركيا، الدولة التي تزيد من نفوذها في المدينة منذ سنوات، وتنفق الكثير من الأموال في سبيل ذلك.

 

وفيما يتمتع الأردن بنفوذ رسمي في القدس، والوقف الإسلامي فيها تابع لإشرافه، بموافقة فلسطينية وإسرائيلية، لكن الرأي العام المقدسي يرى تراجع تأثيره رويدا رويدا مع مرور الوقت، فيما تظهر زيادة متراكمة في التواجد التركي بالقدس، التي تنظم فعالياتها وفق منطلقات إسلامية معادية لإسرائيل.

 

تشجع تركيا منظمات مدنية وخيرية، بعضها حكومية، على إرسال عشرات ملايين الدولارات للبلدة القديمة في القدس ضمن جهودها لزيادة تأثيرها فيها، وتدعم "السياحة إلى الأقصى"، بوصول عشرات آلاف الأتراك إليه.

 

كما أرسلت تركيا للفلسطينيين وثائق مصورة من الأرشيف العثماني، الذي يوثق ملكية الأراضي المقدسة خلال السنوات الأربعمئة من الحكم العثماني، وهذه جهود قانونية تساعد الفلسطينيين في صراعهم السياسي ضد إسرائيل، للمطالبة بملكية الأراضي.

 

يزعم الإسرائيليون أن الأحياء الفلسطينية العربية في القدس باتت متأثرة تدريجية بالنفوذ والتأثير التركيين، وتجلى ذلك في الموازنات المالية للجمعيات الإسلامية التركية، التي تمول مؤسسات مقدسية بعشرات ملايين الدولارات، وتنظم رحلات مشتركة بين القدس وأنقرة بمشاركة الآلاف، وبحضور بارز للشخصيات التركية، وتنظيم مظاهرات واعتصامات في الحرم القدسي وحوله، والسعي مؤخرا لشراء بعض العقارات.

 

تتسم المشاريع التي تقدّمها تركيا للقدس بأنها إنسانيّة وإغاثيّة، كإنجاز سكن الطالبات بجامعة القدس بعشرة ملايين دولار، وتجهيز أرشيف المحكمة الشرعيّة، وترميم دار العجزة للمسنّين، وتقديم آلاف وجبات السحور والإفطار في شهر رمضان، وتزويد مدارس مقدسيّة بالتجهيزات الإلكترونيّة، وترميم البيوت والمحلّات التجاريّة، وزيادة عدد صفوف بعض المدارس، وتزويدها بآلات رياضيّة وحواسيب.

 

وباتت المحلات والمتاجر المقدسية ترفع العلم التركي، ويتناول المقدسيون المأكولات التركيّة، وينشرون صور الرئيس أردوغان بأحياء المدينة، وتنظيم مهرجان كبير في اسطنبول بعنوان "شكرا تركيا" لدورها في حماية المقدسات الإسلامية بالقدس.

 

هناك سببان لزيادة النفوذ التركيّ في القدس، أوّلهما وجود مشاعر تركيّة إسلاميّة جارفة تجاه إخوانهم المسلمين تدفع الأتراك لنصرة المسجد الأقصى، وثانيهما وجود طموحات للقادة الأتراك للعب دور إقليميّ على الطراز العثمانيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ.

 

وقرر رئيس الشئون الدينية التركي في 2015 بأن يبدأ برنامج العمرة للأتراك بزيارة المسجد الأقصى، لتبدأ الرحلة بزيارة القدس 3 أيّام، تليها 4 أيّام في المدينة المنوّرة في السعوديّة، ثمّ 7 أيّام في مكّة المكرّمة، وهذا تعبير عن سياسة تركية واضحة بزيادة نفوذها في القدس، وإفساح المجال أمام مواطنيها للقيام بزيارات مكثّفة للمسجد الأقصى، وتقديم منح دراسيّة لأعداد غفيرة من المقدسيّين لاستكمال دراساتهم في تركيا.

 

يعود الاستقطاب بين السعودية "الوهابية" والأردن "الهاشمي" وتركيا "العثمانية" حول القدس، إلى أواخر حكم الإمبراطورية العثمانية، حين اعتمد عبد العزيز آل سعود، مؤسس السعودية، على حماية بريطانيا له، لأنها مولت كل تحركاته، واستخدمته ضد العثمانيين والهاشميين، كي يضمنوا ضياع فلسطين والقدس، بعكس مطالب الأمير فيصل بن طلال في الأردن، والذي رفض أي حلول وسط حول القدس.

 

كما تتحدث دراسات أكاديمية محكمة أن رشاوي البريطانيين للهاشميين فشلت بتصفية قضية القدس؛ مما حدا بهم للاستعانة بابن سعود، الذي كان بانتظار إشارة منهم للانقضاض على الهاشميين والعثمانيين؛ وترتب على ذلك ضياع فلسطين والقدس.

 

يعود قلق السعودية من زيادة التواجد والنفوذ التركيين بالقدس، أنه يعني بالضرورة زيادة نفوذ أردوغان في أنحاء العالمين العربي والإسلامي بسبب ظهوره مدافعاً عن القدس، وتواجد الجمعيات الخيرية التابعة له فيها، وإمساكه بزمام المبادرة ضد إسرائيل، وضد جهود الإدارة الأمريكية لتصفية موضوع القدس، فيما يوجه الفلسطينيون إلى الرياض اتهامات بالتواطؤ مع تل أبيب وواشنطن في هذه القضية، والضغط على الفلسطينيين لإقامة عاصمة لهم بأطراف القدس، مما تسبب بتوتر فلسطيني سعودي، تراجعت حدته في الآونة الأخيرة فقط.

 

فيما تمثل التباعد بين الرياض وعمان على خلفية الموقف من الوصاية على القدس، بتراجع الدعم السعودي للأردن، لأن الأخير يرفض تقديم أي تنازلات في هذا الملف الذي يراه حصرياً له، دون سواه.

 

كما زاد من حدة هذا التنافس بين هذه الأطراف حول القدس ما أقدمت عليه تركيا من عقد مؤتمرين لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسطنبول في 2017 و2018 للرد على قرار الولايات المتحدة بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، وشهد المؤتمران حضورا أردنيا رفيع المستوى ممثلا بالملك، وتمثيلا منخفضا للسعودية، في إشارة أظهرت أن الأتراك والأردنيين أكثر حرصا على القدس من السعوديين.

 

أخيراً.. من المبكر الحديث عن حسم التنافس القائم في المنطقة حول زيادة النفوذ والتأثير في القدس، وصولا إلى إبقاء الوصاية على الأوقاف الإسلامية فيها حصرية بيد الأردن، أم تقاسمها مع أطراف أخرى، الأمر الذي من شأنه زيادة الشرخ القائم بين دول الإقليم، وتحول القدس إلى ميدان لرسم تحالفات جديدة في المنطقة.

 

المصدر الجزيرة

https://www.aljazeera.com/
indepth/opinion/scramble-jerusalem-190510200333480.html?fbclid=IwAR2OViZh3wnwk0zcaQ9KarsDJITePYFUhdV-fmXcWQazlsZUo8X63TpycCQ