قراءات سياسية وعسكرية في العدوان الإسرائيلي على غزة

  • الأربعاء 08 مايو 2019 10:50 م

قراءات سياسية وعسكرية في العدوان الإسرائيلي على غزة

وقع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة بين يومي 3-5 مايو، في ظل استمرار آلة القتل الإسرائيلية في استهداف المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة ضمن مسيرات العودة من جهة، ومن جهة أخرى بسبب مواصلة سياسة المماطلة والتسويف التي تتبعها إسرائيل في تطبيق التفاهمات الإنسانية المتفق عليها مع حماس بوساطة مصر وقطر والأمم المتحدة.

 

لم يعد سراً بعد مرور أكثر من ستة أشهر على بدء سريان هذه التفاهمات أن الحكومة الإسرائيلية تسعى لإدارة الأزمة المعيشية الحاصلة في غزة، دون السعي إلى حلها، رغبة بإبقاء قطاع غزة تحت قاعدة "لا يحيا ولا يموت".

 

شكلت هذه السياسة الإسرائيلية المستمرة عود ثقاب يشتعل بين حين وآخر، في ظل عدم ارتياح الفلسطينيين من نتائج التفاهمات، وجاء التصعيد الأخير في غزة نموذجا معبرا جدا عن ذلك، لأن حماس تتهم إسرائيل بتنفيذ جزء بسيط مما تم الاتفاق عليه.

 

ومن الواضح أن الأمور لا تبدو دائما تحت السيطرة، بسبب حالة الإحباط الفلسطينية؛ فسكان القطاع يزداد وضعهم خطورة وسوءا، وهناك حالة من عدم الرضا من تواضع التسهيلات الإنسانية التي حصلوا على وعود بشأنها، أو أنها تنفذ بصورة بطيئة.

 

وكلما كان تنفيذ التفاهمات بطيئا، كلما ارتفع منسوب الإحباط في غزة، والنتيجة زيادة معدلات البلالين الحارقة والطائرات الورقية المشتعلة والإرباك الليلي والرد الإسرائيلي، كما رأيناه في الأيام الأخيرة، متمثلا بالتصعيد العسكري الأعنف منذ انتهاء حرب غزة صيف 2014.

 

لن تنشغل هذه السطور بيوميات العدوان الثلاثة، فهذا ليس مهمتها، لكن القراءة السياسية والعسكرية لتطوراته تشير أنه شكل إضافة نوعية لحالة الاستنزاف الأمني والعسكري التي تعيشها إسرائيل مع المقاومة الفلسطينية في غزة منذ انطلاق مسيرات العودة في مارس 2018.

 

شهدت أيام العدوان الثلاثة، وقوع خسائر فلسطينية كبيرة: بشرية ومادية، لكن إسرائيل لم تكن بعيدة عنها، فقد زادت شكاوى مستوطنيها من استمرار حرب الاستنزاف مع غزة التي طالت أضعاف حرب الاستنزاف مع مصر قبيل حرب 1973، في ضوء الأضرار الاقتصادية والنفسية نتيجة الخوف من الصواريخ ودوي الانفجارات، وتوقف ربع مليون طالب عن الذهاب لمدارسهم.

 

وتواصلت ردود الفعل الإسرائيلية على التصعيد الأخير في غزة، وسط ظهور مطالبات متباينة بين عملية عسكرية واسعة ضد حماس، أو الذهاب لعملية سياسية مع السلطة الفلسطينية، مع التأكيد على ضرورة استعادة الردع الذي تبدد في السنة الأخيرة، دون الخضوع لحماس، بل مواصلة العدوان ضدها، وتصعيد الاغتيالات بحق قادتها.

 

كما تزايدت القناعات الإسرائيلية في أيام التصعيد الأخيرة أن حماس تبتز إسرائيل، وتنجح بعد كل جولة تصعيد بتحقيق مطالبها، لأنها تعرف أن إسرائيل مضغوطة بسبب الأحداث القادمة: يوم الاستقلال، وإحياء ذكرى قتلاها، ومهرجان اليورو فيجن، ولذلك تحاول ابتزازها، وتفضل دائما الوصول معها إلى سياسة شفا الهاوية.

 

وكشفت نتيجة التصعيد الأخير في غزة، وفق التقدير الإسرائيلي، أن حماس من تحدد جدول الأعمال الإسرائيلي، وسط اعترافات متزايدة بأن إسرائيل لن تجد حلا لمشكلة غزة، لأنه ليس هناك حلول سحرية للوضع القائم فيها.

 

صحيح أن الجيش الإسرائيلي مس كثيرا بالقدرات العسكرية لحماس، لكنه لم يقض عليها كليا؛ لأن مسألة الردع معقدة، وغزة لن تذهب لأي مكان، ولن تغرق في البحر، كما تمنى إسحاق رابين رئيس الوزراء الأسبق خلال انتفاضة الحجارة الأولى.
 

انتهت الجولة الحالية ضد حماس دون أن تحقق إسرائيل إنجازات جدية، لأن الفترات الزمنية بين كل جولة تصعيد وأخرى باتت أقصر من السابق، في حين أن الفصائل الفلسطينية آخذة بالتقوي مع مرور الوقت، مما يعني أن نهاية الجولة بهذه الطريقة يعني أن المعركة لم يتم منعها، بل تم تأجيلها.

 

كما مثل سقوط 700 قذيفة صاروخية باتجاه المناطق الإسرائيلية، وسقوط قتلى ومصابين، صورة حقيقية عن فقدان إسرائيل لقوة الردع، وكل ما فعلته حكومتها مرة أخرى هو التحضير للمواجهة القادمة، ولذلك يجب توقع اندلاع معركة أخرى قريبة، أخطر من الحالية.

 

وكشف التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد غزة أن نتنياهو مثل جميع الساسة في إسرائيل، وقع في مصيدة إستراتيجية، بعدم الرغبة باحتلال غزة، أو تحمل المسؤوليات فيه، مما جعله يرتكب أخطاء تكتيكية، والنتيجة أن الردع الذي تملكه حماس بغزة ترمم خلال الجولة الأخيرة، وبات مسلحوها بغزة يحددون جدول أعمال مواطني إسرائيل، يعملون كما يرتأون.

 

وصل الهجوم الإسرائيلي على نتنياهو بقول أحدهم أن "نتنياهو خضع مجددا لابتزاز حماس، واشترى منها هدوء مؤقتا من أجل أن يبقى على رأس السلطة، نتنياهو يدافع فقط عن نتنياهو، ويترك الأمن الإسرائيلي بيد مقاتلي حماس، بعد أن أظهرت الجولة الأخيرة أن حماس هي رب البيت، تقرر متى ستكون الجولة القادمة، وكيف ستنتهي".

 

وقد أظهر العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة جملة من المؤشرات الجديدة، لاسيما ذات البعد الميداني، ساهمت بصورة أو بأخرى بوقف العدوان، بعد أن أدركت المستويات السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل ما تمتلكه المقاومة في غزة، وخطورة الاستمرار في جولة التصعيد الحالية، وخشية تطورها إلى حرب واسعة.

 

شكل ظهور بعض المؤشرات العسكرية الجديدة التي تحوزها المقاومة حافزا جديدا لإسرائيل كي تتجاوب مع جهود التهدئة، خشية من ظهور المزيد من الأدوات والوسائل القتالية التي قد تفتح الباب على مصراعيه أمام حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، فجاء خيار وقف إطلاق النار، الذي قد لا يطول كثيراً.

 

وأكد العدوان الأخير أن إسرائيل ليست الوحيدة في ميدان المعركة، وأن لدى فصائل المقاومة قدرات من حيث "الكم والنوع"، ما يؤهلها إلى إيلام إسرائيل، وتوجيه ضربات موجعة لها، وقد رأينا بعضا منها.

 

تبدى التطور النوعي الملحوظ لدى المقاومة في غزة، من خلال نقاط محددة، من أهمها: القذائف الصاروخية التي استخدمتها خلال أيام التصعيد، وثبت أنها أكثر قوة تدميرية، وأطول من حيث المدى والمسافة التي تصلها، بخلاف جولات التصعيد الماضية، ومن خلال النتائج المترتبة عليها، حيث لم تستطع إسرائيل إخفاءها من حيث الأثر التدميري، وسقوط القتلى في مدن مهمة كالمجدل وأسدود.

 

كما أظهرت المقاومة في غزة امتلاكها قوة ردع مؤثرة باستخدامها صواريخ "الكورنيت"، وتحديد أهدافها بدقة، وإيقاع القتلى بتلك الأهداف دون غيرها، بجانب التسجيل المصور الذي بثته غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة، وهو يستهدف سيارة عسكرية إسرائيلية، فيما كان قادرا على استهداف قطار وسيارات نقل مدنية كانت تمر في المكان لحظة الاستهداف.

 

ولعلها المرة الثانية التي تبث فيها غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية مقطعا لصاروخ كورنيت، مع أن هذه العمليات التي تستخدم فيها المقاومة صواريخ موجهة بدقة عالية تبث الرعب في الأوساط الإسرائيلية حول ما أصبحت تمتلكه من إمكانات قادرة على استهداف الآليات العسكرية على الحدود مع غزة في كل وقت.

 

تبدو الإشارة مهمة إلى المسار الإلكتروني للمقاومة في غزة، وهو ما أظهره الإعلان الإسرائيلي عن إحباط هجمات إلكترونية كانت تعد لها المقاومة، وهذه شهادة بأن إسرائيل بكل ما تملكه من قدرات استخباراتية وعسكرية لم تنجح تماماً في ملاحقة المقاومة، وتحجيم قدراتها، وسعيها لتطوير إمكاناتها.

 

لقد جاء انطلاق جولة العدوان الإسرائيلي الأخير ضد غزة في توقيت سيء للغاية، حيث بدأ توافد السياح الأجانب لمطار بن غوريون تحضيرا لمهرجان اليورو فيجن، مما جعل المستوى السياسي الإسرائيلي في حالة إرباك جدي بكيفية التعامل مع التطورات الحاصلة في غزة، بين الاستمرار في التصعيد، والخشية من إمكانية تدهور الوضع كله إلى معركة شاملة.

 

وأكدت جولة العدوان الأخيرة ضد غزة أن حماس نجحت بالضغط على إسرائيل من جديد، كما في كل مرة، ومست بمصداقية الدولة أمام الرأي العام، كما تمثل بكمية الرشقات الصاروخية التي استهدفت المستوطنات الإسرائيلية، في حين فضلت النخبة السياسية الحاكمة في إسرائيل الانشغال منذ فترة في مواسم "بعد الانتخابات، وبعد الأعياد، وبعد اليورو فيجن".

 

أخيراً.. لقد كان التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد غزة مكتوبا على الجدار، وبدت إرهاصاته في الأيام الماضية، لكن الضباب غطى على رؤية الإسرائيليين للأمور في القطاع.

 

وبغض النظر عما يمكن تسمية ما شهدته غزة ومستوطنات غلاف غزة، سواء تصعيدا أو عدوانا أو جولة جديدة، لكننا أمام إثبات جديد لتبدد الردع الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية، وسط انشغال الساسة الإسرائيليين بتبادل الاتهامات عن الإخفاقات التي تحققت عقب العدوان الأخير.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190508-political-and-military-readings-of-the-israel-attack-on-gaza/?fbclid=IwAR3TdSOnSDNrZGJVMQ6n2GuWUEV3CNzY1P4CBlaUck8WpUXd0wVegpGK9mg