التضييق على إعلاميي الضفة.. لماذا تقمعهم السلطة الفلسطينية؟

  • السبت 27 ابريل 2019 01:32 م

التضييق على إعلاميي الضفة.. لماذا تقمعهم السلطة الفلسطينية؟

تراجع مطرد تعيشه الحريات الصحفية والإعلامية في الأراضي الفلسطينية عموما، والضفة الغربية خصوصا، في ظل جملة شواهد متلاحقة، بإغلاق المؤسسات الإعلامية، وتطبيق قانون الجرائم الإلكترونية، ومنع توزيع صحف ومجلات.

 

عنف جسدي، اعتقال، منع من ممارسة العمل، استدعاء تعسفي، تحريك دعاوى قضائية، كلها أمور تمارس بحق الصحفيين والمدونين وأصحاب الرأي الفلسطينيين مبرهنة على اتساع رقعة القمع في العمل الإعلامي من قبل الأجهزة الأمنية.

 

إغلاق الفضائيات

آخر مشاهد الضغط الذي تمارسه السلطة الفلسطينية على الواقع الإعلامي، ما أعلنته قناة "الفلسطينيّة" عن توقّف بثّها يوم 1 أبريل/نيسان 2019، بسبب أزمتها الماليّة، عقب إخلال الحكومة الفلسطينية بشرط الشراكة معها، وعدم دفع مستحقاتها المالية، وفي 30 مارس/آذار الماضي، كشفت فضائية "معاً" عن تلقّيها إخطاراً بقطع بثّها بعد تراكم الديون للقمر الصناعي.

 

ورغم أن هاتين الفضائيتين تبثان من الضفة الغربية، وتقدمان خطابا سياسيا وإعلاميا قريبا من السلطة، لكنهما لا تحظيان بدعمها الواضح، وهذا أحد أسباب أزمتهما الماليّة، ما من شأنه الإضرار بالإعلام الفلسطينيّ وتنوّعه.

 

الأزمة المالية التي تعصف بالإعلام الخاص والمستقل في الأراضي الفلسطينية، تتزامن مع إهدار الأموال في التلفزيون الرسمي التابع للسلطة، بالتحايل على إجراءات التعيين، وعدم الالتزام بمبدأ تكافؤ الفرص، فضلا عن كونه يتحدث بخطاب حزبي أكثر مما يتحدث باسم الشعب الفلسطيني.

 

تواصل السلطة استغلال التلفزيون الرسمي منبرا لتوجيه الاتهامات لباقي الفصائل المغيبة تماما عن شاشته، ولا يتاح لها فرصة الرد والتعبير، وبذلك تحول إلى تلفزيون الحزب الواحد، ومنصة بيده، حيث تتحكم مؤسسة الرئاسة بأدقّ التفاصيل، بما فيها الأخبار التي يبثها.

 

خليل عساف، عضو لجنة الحريات العامة بالضفة الغربية قال لـ"الاستقلال" إن "العنوان الأهم لأداء الحكومة الفلسطينية هو الاعتداء على الحريات العامة، واعتقال الصحفيين، وحجب مواقع إعلامية، وهذه مؤشرات خطيرة على تراجع الحريات الإعلامية، وغير مبررة وليست مقبولة".

 

مضيفا "السلطة دفعت بالصحفيين للكتابة بعيدا عن السياسة، وزادت لديهم جرعة الرقابة الذاتية، بجانب الرقابة الأمنية، وباتوا يعتقدون أن رجال الأمن يراقبون حواسيبهم، وينظرون ماذا يكتبون، وأصبحت النظرة إليهم على أنهم معارضون للسلطة، وليسوا صحفيين يمارسون مهنتهم، مما شكل لهم مصدر إزعاج وقلق".

 

اعتقالات واستدعاءات

تشهد الضفة الغربية بين حين وآخر قيام أمن السلطة باعتقال صحفيين، واستدعاء آخرين، ومصادرة ممتلكاتهم الصحفية، ويشارك في الحملات الأمنية: جهازا المخابرات العامة والأمن الوقائي، ويعاني الصحفيون من عدم وجود نظام قانوني يحول دون ملاحقتهم، ووقف التحريض الفلسطيني الرسمي ضدهم.

 

وكشفت لجنة دعم الصحفيين الفلسطينيين في مارس/آذار 2019 استمرار اعتقال السلطة للصحفيين حازم ناصر مصور فضائية "النجاح"، وعامر أبو عرفة مراسل وكالة شهاب، حيث داهمت العناصر الأمنية منزليهما، وتفتيشهما بشكل دقيق، ومصادرة مقتنياتهما، كأجهزة الحواسيب والهواتف الذكية والكاميرات ومعدات الصحافة.

 

لم تكتف أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقالهما، بل تعرضا خلال التحقيق معهما للتعذيب والشبح، دون تهمة واضحة، واندرج اعتقالهما تحت سياسة تكميم الأفواه، والاعتداء على حرية التعبير والصحافة.

 

في فترات سابقة، أقدمت السلطة على اعتقال العديد من الصحفيين، ومحاكمتهم: نور بنات، أكرم ديريه، ممدوح حمامرة، قتيبة قاسم، طارق أبو زيد، محمد حلايقة، محمود أبو هريش، أيمن عرام، معتصم سقف الحيط، زيد أبو عرة، محمود أبو الريش، مصعب وأمجد شاور، يوسف الفقيه، عمير إستيتية، حازم نصر، محمد ادكيك، عيسى عمرو.

 

ممدوح حمامرة مراسل قناة القدس قال لـ "الاستقلال": تعرضت للضرب والإهانة، وضعت في زنزانة ضيقة، عوملت كأنني مجرم. نحيا في وضع مزدحم من الرقابة والملاحقة والمضايقات، اعتقلت مرتين، واستدعائي 25 مرة من المخابرات العامة والأمن الوقائي، وأصبحت أعيش حالة من الأسر الداخلي، وأغلقت صفحتي على فيسبوك، وفي النهاية تركت الصحافة، لأن البيئة السياسية غير مشجعة، بل منفرة".

 

المنع من التغطية

يواجه العديد من الصحفيين في الأراضي الفلسطينية تضييقات مختلفة، وفي أحيان كثيرة يتعرضون للاعتداء الجسدي، أو حجز معداتهم، أو منعهم من القيام بعملهم الصحفي.

 

الصحفية فاتن علوان في رام الله، مراسلة فضائية الحرة، تقول: "منعت من تغطية تظاهرة نسائية، حيث تقدم إلي ضابطا أمن فلسطينيين، يرتديان زياً مدنياً، وعرقلا عمل المصور الذي يعمل معي، وحينما اعترضت رد عليّ أحدهما بصوت مرتفع: أنتم الصحفيين قليلي الأدب، وبحاجة لتربية".

 

أحمد ملحم مراسل تلفزيون "وطن" قال "كنت أغطي مسيرة احتجاجية نظمتها حماس، واضعاً بطاقة الصحافة على صدري، لكني تعرضت لاعتداء عناصر أمنية ترتدي أزياء مدنية، وصادرت ذاكرة الكاميرا، وحذفت الصور التي التقطتها، لأنهم لم يريدوا تصوير المسيرة، وطلبوا من الصحفيين مغادرة المكان".

 

لا زال الصحفيون الفلسطينيون يذكرون ما حصل مع زميلهم جهاد بركات، الذي اعتقله الأمن الفلسطيني أثناء تصويره موكب رئيس الحكومة السابق رامي الحمد الله لدى تفتيشه على حاجز إسرائيلي.

 

الرقابة الذاتية

تصنف انتهاكات أجهزة الأمن الفلسطينية ضد الصحفيين إلى: الاحتجاز القسري، الاستدعاء، ممارسة التعذيب، سوء المعاملة، الاتهام بالتحريض، أو المساس بشخصيات رسمية أو مقامات عليا، المنع من السفر.

 

ما زال بجعبة السلطة المزيد من الانتهاكات لمهنة المتاعب، حيث تواصل منع توزيع الصحف اليومية والأسبوعية التابعة للقوى الأخرى، وهي صحف: فلسطين، الرسالة، الاستقلال، وتلاحق المكاتب التي توزعها.

 

هذه الانتهاكات رفعت مؤشر الرقابة الذاتية لدى الصحفيين الفلسطينيين، مما أثر سلباً على حرية الصحافة، وشمل فرض رقابة تحريرية على القضايا المنشورة، بجانب الرقابة الحكومية الفلسطينية، التي تتركز بعدم القدرة على الحصول على المعلومات نتيجة غياب قانون للحصول عليها.

 

مهنة المتاعب في قطاع غزة تمر بإشكاليات متفاوتة بين حين وآخر، تطفو على السطح عند الأحداث الأمنية، لكن الصحفيين هناك لديهم القدرة على الانتقاد والكتابة، وهامش الحرية المتاح أمامهم، قد لا يكون النموذج الذي يسعون إليه، لكنه أفضل كثيرا مما هو عليه الحال في الضفة الغربية.

 

سلامة معروف، رئيس مكتب الإعلام الحكومي الفلسطيني قال لـ"الاستقلال": "نبذل جهودا كبيرة لتطويق أي إشكالية ميدانية مع الصحفيين، من خلال إيجاد فهم مشترك بين رجل الأمن والصحفي، عبر ورش عمل ولقاءات تدريبية، واتفاق مع النيابة بمخاطبتنا إن وصلت إليها أي شكوى ضد الصحفيين".

 

قانون الجرائم الإلكترونية

في يونيو/حزيران 2017 تفاجأ الفلسطينيون بإصدار الرئيس محمود عباس قانون رقم 16 بشأن الجرائم الإلكترونية، وتضمن عددا كبيرا من الانتهاكات، مما أثار مخاوف استخدامه في ملاحقة المعارضين.

 

غلبت على القانون لغة فضفاضة ونصوص غامضة مثل: سلامة الدولة، النعرات العنصرية، الأمن القومي، السلم الأهلي، النظام العام، سلامة المجتمع، الإضرار بالوحدة الوطنية، دون توضيح لما تعنيه، مع أن القانون يحتم أن تكون النصوص واضحة، ولا يمنح الأجهزة القضائية والتنفيذية فرصة تأويلها وتفسيرها، خشية التعامل بانتقائية معها بناء على المصالح السياسية والشخصية، ويفتح مجال النزوات الشخصية والأهواء والظلم.

 

انتهك قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني مستويات الخصوصية، فأجبر مزودي خدمة الإنترنت على الاحتفاظ بمعلومات عن المشتركين، وتركيب أجهزة حفظ معلومات، ووصول لجميع مواد المشتركين، ومنح الأجهزة الأمنية صلاحية إغلاق مواقع إلكترونية داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.

 

الضغوط التي مارستها منظمات المجتمع المدني على السلطة الفلسطينية أدت لإجراء تعديل للقانون في يونيو/حزيران 2018، وتعهدها بمواءمته بالقوانين والمعاهدات الدولية.

 

عمار الدويك، رئيس الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان، قال لـ"الاستقلال": "الانتهاكات ضد الصحفيين خلقت بيئة من الخوف، وخفضت سقف الحريات العامة، وأوجدت حالة من ممارسة الرقابة الذاتية، ودورنا يكمن بالتخفيف من هذه الانتهاكات، وتشكيل لوبي ضاغط يمنع المزيد منها، وكبح جماحها".

 

في الغالب لا يتقدم الصحفيون الفلسطينيون بشكاوى عن الانتهاكات التي يتعرضون لها من أجهزة الأمن الفلسطينية، وإن تقدمت قلة منهم بشكاوى، وتم التحقيق فيها، فلا يعرفون نتائج التحقيق، ولا يتم تعويض الضحايا منهم عن الأضرار التي لحقت بهم، ولا تتخذ إجراءات عقابية بحق من نفذوا هذه الاعتداءات من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية.

 

 المصادر:

  1. الأزمات الماليّة تعصف بالفضائيّات الفلسطينيّة
  2. شبهات فساد وتحايل في تعيينات "تلفزيون فلسطين" ومطالبات بإغلاقه
  3. تلفزيون فلسطين منصة فتح لمهاجمة الفصائل
  4. مؤشر حرية الصحافة في فلسطين
  5. تنديد باستمرار اعتقال واستدعاء الصحفيين على خلفية سياسية
  6. أجهزة الأمن الفلسطينية تعتقل عدة صحفيين
  7. مأزق الحريات الإعلامية في الأراضي الفلسطينية
  8. أرقام حول الرقابة على الصحافة الفلسطينية
  9. الحريات الصحفية في فلسطين تتراجع بشكل كبير
  10. قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني.. قمع مركب

 

المصدر صحيفة الإستقلال

https://www.alestiklal.net
/ar/view/926/dep-news-1556283007