حكومة جديدة في رام الله، وعينها على غزة

  • الخميس 14 مارس 2019 08:50 ص

حكومة جديدة في رام الله، وعينها على غزة

منذ أن ترأس رامي الحمدلله حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية التي أنتجتها المصالحة بين فتح وحماس، بدا واضحا طيلة السنوات الخمس أنه لم يكن سوى موظفاً رفيع المستوى بدرجة رئيس وزراء في مكتب الرئيس محمود عباس، لأنه ينفذ سياساته، وتوجهات مستشاريه ومقربيه، والحقيقة أن الحمدلله لم يفرد له شخصية مستقلة، ولو نسبياً، عن عباس، كسلفه سلام فياض، الذي تعامل مع الرئيس، رأسا برأس، لكنه لم يعمر طويلا، واستقال.

هذه الطواعية والسلاسة في علاقة الاثنين جعلت من المفاجئ أن يوعز عباس للحمدلله أواخر يناير بالاستقالة، وتكليف سواه بتشكيل حكومة جديدة، لأنه قد لا يجد أحدا بموقع رئيس الحكومة في متناول اليد مثله.

بعد طول ترشيحات، ومشاورات، وتوصيات، كلف عباس في العاشر من مارس محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، بتشكيل الحكومة الفلسطينية الـ18، وتضمن مرسوم التكليف الرئاسي أن تتركز مهام الحكومة في "دعم جهود استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة غزة لحضن الشرعية، والتحضير للانتخابات القادمة".

لم تنتظر الفصائل طويلا في التعقيب على تكليف اشتية بتشكيل الحكومة، فاعتبرت أن قرار عباس تعبير عن سلوك تفرد وهروب من استحقاقات المصالحة وتحقيق الوحدة، وإن تشكيل حكومة جديدة دون توافق وطني وصفة عملية لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وترسيخ الانقسام، بما لا يلزم الفصائل للاعتراف بهذه الحكومة الانفصالية، مما يتطلب رفضها، لأنها خطوة انفرادية تجسد حالة الاستبداد التي يكرسها عباس.

لم يكن هناك داعيا موضوعيا ومبررا منطقيا لإقالة الحمدلله، والإتيان باشتية لرئاسة الحكومة، بالعكس فإن خطوة عباس هذه ستعمل على تأزيم المشهد الفلسطيني، ولا تتجاوز عملية استبدال وجوه وتغيير أشخاص فقط، فالاثنان معاً، السابق واللاحق، منصاعان له، لكن طريقة تعيين اشتية، وحصر الخيارات في أعضاء اللجنة المركزية لفتح يضع مزيدا من العقبات على أي توجه حقيقي للبدء بحوار فلسطيني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإنجاز مصالحة نهائية.

لا نتجنى على الرئيس حين نعتبر أن خطوة تشكيل حكومة جديدة استكمال لسياسته في الهيمنة والإقصاء، وتغليب المصالح الفئوية، وإدارة الظهر للمصالح الوطنية العليا، لأنها حكومة لا تمثل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه السياسية، بدليل أن عباس وفريقه خاضوا حوارات مع معظم الفصائل ما يزيد عن شهر كامل، وجميعها أجمعت على رفض المشاركة في الحكومة، لأنها أولا تعد أولوية في الحالة الفلسطينية المتأزمة، وثانياً أن يكون رئيسها عضوا في مركزية فتح، فهي تعني حكومتها في البداية والنهاية، ومن سيرضى من الفصائل أن يكون تحت عباءة فتح بصورة حصرية؟ فتح من جهتها، اعتبرت أن قرار تكليف اشتية لرئاسة للوزراء وثيقة وطنية حول أولويات العمل في المرحلة الراهنة، كونه يركز في البند الأول منه على "استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة غزة للشرعية"، والحقيقة أن هذه الصياغة بهذه الدقة تفتح الباب واسعاً حول ما قد ينجح فيه اشتية لتحقيق الوحدة واستعادة غزة، فيما فشل فيه الحمدلله.

لقد نفذ الحمدلله كل قرارات وعقوبات عباس ضد غزة، حتى وصل الفلسطينيون فيها إلى مستوى غير مسبوق من المعاناة والتعب، ومع ذلك، لم تتحقق الوحدة الوطنية، ولم تعد غزة إلى الشرعية، وكأنها مختطفة الآن من قبل عصابة مسلحة، كما تحدث بذلك عزام الأحمد أحد مقربي عباس مؤخرا، وهو توصيف توتيري لا يتناسب مع مفردات الخطاب السياسي الفلسطيني.

وقد حمل الخطاب الوداعي للحمدلله بعد تكليف اشتية بخلافته لرئاسة الحكومة دلالات لا تخطئها العين، بتبرئة نفسه من أي تقصير رافق مسيرته الحكومية في السنوات الخمس الماضية، حين تحدث عن عمله "في ظل أعتى الصعاب، وحصارٍ مالي وسياسي، ومواجهة ظروف فارقة شديدة التعقيد"، لكن ذلك لم يمنع حماس من تحميله المسئولية عما لحق بغزة من أضرار وعقوبات، وأن رحيله لن يعفيه من الحساب الشعبي، وسيبقى نقطة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني.

أمامنا اليوم أسبوعان لتقديم اشتية حكومته، حيث أعلن أنه سيبدأ مشاوراته مع فصائل منظمة التحرير، والكفاءات الوطنية، لتشكيل الحكومة، مما يحمل في طياته بشائر سيئة بزيادة الانقسام الفلسطيني القائم منذ 2007، في ظل رفض معظم الفصائل المشاركة فيها.

لكن اللافت في كتاب التكليف الذي قدمه عباس لرئيس حكومته الجديدة، أنه تحدث بنص صريح واضح لا يقبل التأويل عن "استعادة غزة"، مما يجعله يحمل كثيرا من التحليلات والتفاسير، وقد يحتمل خيارين لا ثالث لهما لتحقيق استعادة غزة:

إما عبر مصالحة حقيقية جادة تعيد اللحمة الوطنية بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتطوي صفحة الانقسام البغيض.

أو من خلال جهود ميدانية تهدف لإنهاء سيطرة حماس على غزة، سواء بإحداث فلتان أمني داخلي في القطاع، بفعل زيادة العقوبات عليه، وإجبار الناس على الخروج للتظاهر ضد حماس، أو ربما وجود مخطط إقليمي دولي، بمشاركة إسرائيلية لتحقيق ذلك الهدف.

مهما كانت المسوغات السياسية والدستورية لتحقيق هدف استعادة غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، بأي وسيلة كانت، فإن الإعلان عن ذلك بقرار خطي، يعني أننا قد نكون أمام جملة من الآثار والتبعات التي تطال كل مجالات الحياة في غزة:

سياسيا: لو أخذت هذه الخطوة طريقها للتنفيذ، فإن ذلك سيجعل كل دعوات الحوار الوطني، جزءا من الماضي، لأن اللجوء لوسيلة غير المصالحة كهذه لحل خلاف فلسطيني داخلي، لن تكون نتيجته بحال من الأحوال جلوس الجميع على طاولة واحدة، فضلا عن عودة تلك المشاهد المحزنة من تقاتل الإخوة، وما أفرزه من شقاء الأشقاء!

أمنيا: القرار لن يقتصر على ورقة من عدة أسطر ممهورة بتوقيع الرئيس عباس، بل سيستدعي أدوات ميدانية لتأخذ طريقها لـ"وقف اختطاف غزة" على ذمة السلطة الفلسطينية، مما قد يزين لأصحاب هذا الخيار إمكانية الاستعانة بقوات عربية ودولية لتطبيقه، لاسيما إن أخذ غطاء شرعيا عربيا ودوليا، أراه مستبعدا حاليا.

اقتصاديا: حصار غزة الذي يدخل عامه الثالث عشر ألقى بظلاله السيئة والكارثية على كل مرافق القطاع: ماليا، تجاريا، معيشيا، زراعيا، صناعيا، والخطوة الموعودة ستضيف عبئا على أعباء الغزيين، لا يتوقع أحد كم سيكون حجمها، وما هي قدرتهم على تحملها، لاسيما أن بعض التسريبات المتعلقة بالخطوة تناولت مختلف مجالات الحياة الغزية.

لكن من المتوقع أن يتم وقف كافة الخدمات المقدمة للقطاع من تنسيق لإدخال الغذاء، ودفع مصاريف الكهرباء والمياه ورواتب الموظفين، ووقف الخدمات التعليمية والطبية، وربما وقف إصدار أي جوازات أو أوراق رسمية صادرة عن السلطة الفلسطينية، وهناك مخاوف فلسطينية في غزة أن يتم الطلب رسمياً من كل البنوك وقف كافة خدماتها وإغلاق أبوابها إلى إشعار آخر في القطاع، وربما توقف السلطة الفلسطينية وقف تصدير السيولة النقدية إليه.

كل هذه العقوبات وسواها مما تزدحم به أدراج السلطة الفلسطينية من مخططات كارثية، قد يتم اللجوء إليها تحت عنوان نبيل وغاية جميلة اسمها" استعادة غزة إلى حضن الشرعية الوطنية".

حماس من جهتها، فضلا عن رفض قرار تشكيل حكومة اشتية، قد لا تكتفي بهذا الموقف الإعلامي والبيان السياسي، لأنها إن رأت أن العقوبات السالفة الذكر قد تأخذ طريقها إلى التطبيق، سعياً لتحقيق بيان تكليف تشكيل الحكومة الجديدة، فقد تذهب الحركة باتجاه قطع شعرة معاوية مع السلطة الفلسطينية، أو التراجع عما تصفها بالتنازلات التي قدمتها لإنجاز المصالحة منذ أكتوبر 2017.

عسكريا: حماس مهددة صباح مساء بضربة إسرائيلية موجعة، تأمل إسرائيل وبعض حلفائها من الفلسطينيين والعرب أن تكون قاضية، مما يجعل الحركة في أهبة دائمة على مدار الساعة، حتى في ذروة التهدئة، وأظن الحركة تضع في حسبانها حين تحلل هدف "استعادة غزة" أن يكون من أدواتها تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية تطيح بها، رغم أن إسرائيل لا تضحي بجنودها مقابل تحقيق أهداف غير إسرائيلية.

لعل تخوف حماس يعود في بعض جوانبه إلى تشجع السلطة الفلسطينية لفوز الجنرالات الإسرائيليين في الانتخابات القادمة، وهم يعلنون رغبتهم بعودة غزة الى سيطرة السلطة الفلسطينية، دون الحديث عن الوسيلة والأسلوب المستخدمين لتحقيق ذلك.

في الوقت ذاته، يتزامن الهدف من تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، وما تضمنه كتاب التكليف باستعادة غزة، مع ما أعلنه المبعوث الأمريكي جيراد كوشنير أواخر فبراير عن توجه الإدارة الأمريكية لرؤية قطاع غزة والضفة الغربية تحت قيادة واحدة، وهي دعوة غير مسبوقة من قبل إدارة الرئيس دونالد ترمب.

أخيراً...إن إقدام السلطة الفلسطينية على تشكيل حكومة جديدة بعيدة عن التوافق الوطني من جهة، ومن جهة أخرى إعلانها عن نيتها استعادة غزة تحت سيطرتها، بعيدا عن جهود الحوار والمصالحة، إنما يرسخ أكثر فأكثر حالة الانقسام الفلسطيني الحاصل، وسينقل الفلسطينيين من أزمة إلى أخرى، بفعل السياسة الانتقامية والثأرية التي ينفذها الرئيس عباس، بعيدا عن إعمال العقل والمنطق في التعامل مع شركائه في الوطن.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190313-a-new-government-in-ramallah-with-its-eye-on-gaza/?fbclid=IwAR2rKOxYW0AyGFS-rjGxc1QmhsEG0GiLfSPDGJI0KSj0NwpqsJLNJgvCPT0