اعترافات إسرائيلية تهز الإجماع "القومي" خلف الاحتلال

  • الثلاثاء 12 مارس 2019 09:20 ص

اعترافات إسرائيلية تهز الإجماع "القومي" خلف الاحتلال

شهدت الساحة السياسية والإعلامية الإسرائيلية مؤخرا صدور شهادات قوية تدين الاحتلال الإسرائيلي، وتتهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين..السطور التالية تسلط الضوء على أهم هذه الاعترافات، وأثرها على إحداث تصدع في الإجماع الإسرائيلي خلف الاحتلال، وكيف يتناولها الفلسطينيون، وما حجم تأثيرها في النقاش الإسرائيلي.

أوشرات كوتلار المذيعة التلفزيونية في القناة 13 آخر من أدلت بدلوها في مسلسل الاعترافات الإسرائيلية حول خطورة ما يقوم به الجنود الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية، حين خاطبت الإسرائيليين قائلة: "ترسلون أولادكم للخدمة العسكرية في الجيش في المناطق الفلسطينية، ثم يعودون إليكم حيوانات، وحوشا بشرية، هذه النتيجة الطبيعية للاحتلال"، مما تسبب بعاصفة سياسية وحملات إعلامية معادية لها.

وقد وفرت القناة التلفزيونية للمذيعة حماية أمنية خشية من تنفيذ التهديدات ضدها من قبل أنصار اليمين، وقررت عائلات الجنود القتلى القيام بحملة دعائية تطالب بوقفها عن العمل، وعدم رؤيتها على شاشتها، وطالبوا المشاهدين الإسرائيليين بتغير القناة فور أن تطل كوتلار على الشاشة، وطالبوا إدارة القناة بالتنصل من أقوالها، والاعتذار للمشاهدين عما تفوهت به.

سبق كوتلار في هذا الاعتراف، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، اللواء يائير غولان، بعد تشبيهه العمليات العسكرية الإسرائيلية بالنازية الألمانية، وقال إن "ما يقلقه في ذكرى المحرقة هو تشخيص أمور تبعث على الغثيان حصلت في ألمانيا قبل 70 أو 80 أو 90 عاما، وهناك أدلة على حصول ثل هذه الأمور في إسرائيل في هذه الأعوام، الأمر الذي يتطلب استئصال براعم عدم التسامح وجذور العنف والتدمير الذاتي التي تنشأ على الطريق المؤدي للانحلال الأخلاقي".

وقارن عوفر كسيف، محاضر العلوم السياسية بالجامعة العبرية بالقدس، قانون القومية الاسرائيلي الذي أقرته الكنيست قبل أشهر بقوانين هتلر النازية، ووصف وزيرة القضاء آيليت شاكيد بأنها مصابة بمرض النازيين الجدد، ومسؤولة عن نشر الفاشية بالمجتمع الإسرائيلي، واعتبر أن الحكومة الإسرائيلية تشبه ألمانيا النازية.

وأضاف أن "ما يحدث في غزة مجزرة بحق الفلسطينيين، يشير أن الحكومة الإسرائيلية أنتجت شرعية لقتل العرب، ما يعني تدحرج الوضع فيها لما شهدته ألمانيا قبل ثمانين عاما، ومهد الطريق لحصول المحرقة النازية، لأن ما تشهده حدود غزة مذبحة ضد الأبرياء، جزء كبير ممن قتلوا بنيران القناصة الإسرائيليين، لم يكونوا مسلحين، ولم يهددوا حياة الجنود بالخطر، لكنهم أطلقوا النار عليهم كما لو كانوا "كالبط في مرمى الصيد".

وأشار أن "الحكومة الإسرائيلية الحالية أوجدت أجواء تشبه الأجواء التي شهدتها ألمانيا قبل ثمانية عقود حين تم التمهيد لحدوث الهولوكوست، وإن ما تشهده غزة من أحداث باتت تشكل مصدرا لخجل الإسرائيليين".

أما البروفيسور في الكيمياء بالجامعة العبرية "عميرام غولديبلوم"، ففقد "اتهم المستوطنين الإسرائيليين بأنهم إرهابيون، وأن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي مشغل لصناعة الإرهاب، وأن العمليات الإرهابية الحقيقية بدأت قبل 52 عاما في العام 1967، حين بدأ مشروع الاستيطان، مما جعل كل بيت أقامته إسرائيل في المناطق الفلسطينية تهديدا على الوجود الفلسطيني".

وأضاف غولديبلوم: "الإرهاب لا يقتصر فقط على إطلاق النار، أو استخدام السلاح، بل يتمثل بوجود عائلة يهودية تسكن في هذا البيت المقام على أرض فلسطينية، إذن نحن أمام عائلة إرهابية، والجنود الذين يرسلون لحماية هذه المستوطنات يعدّون مدافعين عن الإرهاب الاستيطاني".

وقد سبق أن خاض غولديبلوم مواجهات عديدة مع عتاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، حين اتهمهم بالنازيين الجدد، واعتبر هدم منازل الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية جزءا من تطبيق نظام الأبارتهايد للفصل العنصري، وأن أيدي آيليت شاكيد وزيرة القضاء ملطخة بالدماء الفلسطينية.

نستذكر في هذه السطور الصحفيين الإسرائيليين غدعون ليفي وعميره هاس، مراسلا صحيفة هآرتس للشئون الفلسطينية، اللذان يكتبان كل مقالاتهما الميدانية بالتركيز على الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويصفهما كثير من الإسرائيليين بأنهما ينشران دعاية حماس، رغم أنهما شاهدا من خلال تغطياتهما الصحفية كيف يقطع المستوطنون أشجار الزيتون، والجنود يسيئون معاملة النساء الفلسطينيات على الحواجز.

في أكثر من مناسبة وجه ليفي وهاس انتقادا لما أسمياه "العمى الأخلاقي لدى الإسرائيليين، ونتائجه على مستوى الحرب والاحتلال، واعتبرا بناء المستوطنات على أراض فلسطينية بأنها المؤسسة الأكثر إجرامية في تاريخ إسرائيل، وإن محنة الفلسطينيين في غزة تحت الحصار، جعلتهما يخجلان بأنهما إسرائيليان".

عاموس عوز من كبار الأدباء الإسرائيليين المشهورين في العالم، الذين رحلوا قريباً، أعلن في آخر مقابلة صحفية له أن "وضع إسرائيل يتسبب له بقلق شديد، لأن حال الصهيونية ليس جيدا، نحن نقترب أكثر فأكثر من الهاوية، ولا تبدو إسرائيل دولة في وضع تحسد عليه".

وأضاف أنني "لا أعتذر عن وصف مجموعات فتيان التلال من المستوطنين الذين ينفذون عمليات تدفيع الثمن ضد الفلسطينيين بأنهم من النازيين الجدد، هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما، فهم يحرقون المساجد في المنطقتين، في إسرائيل وأوروبا".

البروفيسورة أفولين فوكس كيلر التي فازت بجائزة علمية رفيعة المستوى في إسرائيل، قالت أنني "أعبر عن شعوري بالخجل لأنني يهودية، واليوم ذات الشعور أعيشه، بسبب السياسة التي تطبقها الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين".

الكاتب الإسرائيلي نير أفيشاي كوهين قال إن "مجزرة كفر قاسم التي نفذها الجيش الإسرائيلي عام 1956 تتطلب إبداء الأسف عن ارتكابها، وإن المجتمع الإسرائيلي ينبغي أن يعتبر ذكراها يوما للذاكرة الوطنية، وعلى الدولة تنكيس رأسها، وإنزال علمها، وطلب المغفرة من ذوي الضحايا العرب".

في حين كشف آساف شاليف الصحفي الإسرائيلي إن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تواصل إخفاء المعلومات وآلاف الوثائق في أرشيف الدولة، تتعلق بأسرار خطيرة، ومنها مذبحتي دير ياسين عام 1948، وكفر قاسم 1956.

حاغاي إلعاد رئيس منظمة بتسيلم لحقوق الإنسان الإسرائيلية، قدم إفادة أمام مجلس الأمن الدولي، جاء فيها أنه "من المؤلم، بل قد يكون مستحيلا، أن أجلس أمامكم، كي أنقل معاناة وغضب أناس منعوا من ممارسة حقوقهم الإنسانية لأكثر من خمسين عاما، يصعب علي تصوير حجم المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون تحت الاحتلال الإسرائيلي، لكن الأصعب أنهم يواجهون عقبات جادة في إنشاء أسرة عادية تحت هذه الظروف".

وأضاف أن "إسرائيل تواصل هدم منازل الفلسطينيين، وتعتقل أطفالهم بصورة يومية، أما المستوطنون فقد خربوا مزارعهم، ودمروا أشجار الزيتون، فيما يقتحم الجنود بيوتهم في ساعات الليل المتأخرة، يفزعون الأطفال، وينتظر الفلسطينيون ساعات طويلة أمام الحواجز الإسرائيلية دون تفسير".

وختم بالقول إن "هذه يوميات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، نحن نعارض الاحتلال الذي تجسد في الأشهر الأخيرة في نموذجين سافرين من التعامل الإسرائيلي: قمع مسيرات العودة في قطاع غزة، وهدم حي الخان الأحمر شرق القدس، حيث تواصل إسرائيل اقتلاع كل تواجد فلسطيني، وتوسيع المستوطنات على حسابهم".

ما تقدم ذكره هي عينات منتقاة فقط لما يزخر به الأرشيف الصحفي الإسرائيلي من اعترافات خطيرة وشهادات صريحة حول ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد أخذت أبعادا متزايدة في الآونة الأخيرة، ولم يعد كثير من الإسرائيليين يحتملون أن تبقى هذه الاعترافات حبيسة الصدور، فأعلنوها، وكشفوا عنها.

يصعب القول ان هذه الاعترافات لاقت ردود فعل إيجابية واسعة النطاق في المجتمع الإسرائيلي، المنغلق على نفسه، والمنزاح نحو اليمين بصورة متسارعة، على العكس من ذلك، فقد وجدت أصداء سلبية، واتهامات لمن يطلقها بالعمل كالطابور الخامس والخونة والجواسيس للعرب والفلسطينيين، وهي أوصاف جاهزة ومعلبة لكل من يخرج عن النص الصهيوني، الموغل في حقده على سكان الأرض الأصليين من الفلسطينيين.

في الوقت ذاته، تشكل هذه الاعترافات شرخاً قاسيا، ولو كان تدريجيا بطيئا، في جدار التعتيم الإسرائيلي حول ما ترتكبه قواتها من اعتداءات على الفلسطينيين، صحيح أن هذه الشهادات تخرج بصوت خفي خجول، لكنها وفق منطق التراكم كفيلة بإحداث هزة وارتدادات داخل الإجماع الصهيوني حول مشروعية ومسوغات العدوانات الإسرائيلية على الفلسطينيين.

الفلسطينيون من جهتهم، سعداء بخروج هذه الاعترافات عن نخب إسرائيلية تتسع يوما بعد يوم، سواء في الأوساط الأكاديمية، الحقوقية، وأحيانا العسكرية، لأنها تنزع الإجماع الذي تحياه إسرائيل ضدهم، وتطوي صفحته، وهو الذي شكل المبرر السياسي والتاريخي، وربما "الأخلاقي" لاستمرار الجرائم الإسرائيلية ضدهم.

لكن ذلك قد يتطلب من الفلسطينيين تعزيز مثل هذه الاعترافات الإسرائيلية، وتعميمها، بطريقة ذكية، لا تمنح اليمين الإسرائيلي الأدوات التي تساعدهم في تثبيت مزاعمهم بأن بعض الضمائر المستيقظة متأخرا في صفوف الإسرائيليين يعملون لصالح الفلسطينيين، وهي مسألة بحاجة لدراية دقيقة بتفاصيل المجتمع الإسرائيلي، ومعرفة التباينات التي يحياها، ودوافع كل صاحب اعتراف في شهادته عن جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190312-israeli-declarations-shake-the-national-consensus-behind-the-occupation/?fbclid=IwAR0Xbo5zB2qByUlyCNHDz7v8twk4xDqnwNgzl4rGIlruGyqQ-imbuhNnfU4