خطاب هنية

  • الخميس 18 يناير 2018 11:49 م

خطاب هنية

منذ أسابيع عديدة تسود الأوساط الصحفية والإعلامية الفلسطينية استعدادات لتوجيه حركة حماس خطاب تاريخي من خلال قائدها خالد مشعل، في ظل التطورات السياسية الإقليمية بالذات، وما تشهده من الحركة من إعادة تموضع في تحالفاتها وعلاقاتها العربية.

لكن مصادر مطلعة في حماس أبلغت "المونيتور" أن الاعتبارات الداخلية بالذات، وتركيز الأنظار على قطاع غزة، في ضوء التوتر السائد مع مصر، وتعثر المصالحة مع فتح، جعل الحركة تغير قرارها بأن يكون إسماعيل هنية رئيس الحكومة ونائب مشعل، هو الذي سيلقي الخطاب، لاسيما وأنه سيكون وجهاً لوجه مع الشخصيات الفلسطينية، وليس عبر شاشة التلفزيون أو الفيديو كونفرنس، مما يفقده بعضاً من الحيوية والتفاعل.

وفعلاً جاء الخطاب كما خططت حماس يوم السبت 19/10 بقاعة مركز رشاد الشوا الثقافي، الأكبر في قطاع غزة، وحضره مندوب "المونيتور" ضمن أكثر من 500 شخصية من مختلف الأحزاب والقطاعات والمؤسسات الرسمية وغير الحكومية، والمثقفين والصحفيين، وحظي بتغطية إعلامية كبيرة، واستمر 90 دقيقة.

  • البعد التعبوي

ربما لم يكن توقيت الخطاب عفوياً بقدر ما كان لازماً ومطلوباً في ظل ما تعيشه حماس من تطورات داخلية وخارجية، لكن هنية أكد من جديد قدرته المعروفة عنه في مخاطبة المشاعر والعواطف، بعيداً عن إصدار مواقف سياسية بعينها، وإعلان قرارات مفصلية تاريخية كما تم الترويج له طوال الأسابيع الماضية من خلال وسائل الإعلام المقربة من حماس، وبدا أنه سيتضمن مفاجآت في عدة جوانب.

ولعلها المرة الأولى الأكثر وضوحاً التي يخاطب فيها هنية بوضعه السياسي المزدوج: رئيساً لحكومة غزة، ونائباً لرئيس المكتب السياسي لحماس، بعد أن كرر أكثر من مرة عبارة "أحدثكم باسم الحركة والحكومة"، وذكر اسم الحركة 18 مرة، فيما اكتفى بالإشارة للحكومة 4 مرات فقط!

وهو ما يعيد من جديد معضلة حماس في الجمع بين "الحكم والمقاومة"، وربما لم يحظ ذلك بكثير من الترحيب في بعض أوساط حماس الذين التقاهم مندوب "المونيتور" على هامش الخطاب، لأنهم يرون هنية بهذا الخطاب الموجه للشعب الفلسطيني رئيساً للحكومة، وليس قائداً لحماس، حتى لو كان كذلك من الناحية العملية.

ومع ذلك، فقد اختارت حماس عبر خطاب هنية التأكيد على جملة مواقف متعلقة بالجانب الداخلي على صعيد المصالحة، ولئن كان الرجل لم يأت بجديد يذكر في هذا الملف، لكنه أعلن في سابقة هي الأولى من نوعها موقفه من إثارة القلاقل الأمنية في غزة للإطاحة بحكومته من خلال دعوات "تمرد" التي لم يسمها صراحة، وهي قضية عالجها "المونيتور" في تقرير سابق.

وقد اكتفى هنية بالقول: "أي محاولة لاستنساخ سيناريو إقليمي في غزة، سيفشل، ولا يمكن ان ينفذ إلى الساحة الفلسطينية العصية على الكسر، ذات الصلابة في وجه الاحتلال والفوضى والفلتان الأمني"، وقد حظيت عبارته هذه بتصفيق حاد من الحضور، لاسيما قادة الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة الذي كان حضورهم لافتاً.

لكن ما لفت نظر مندوب "المونيتور" خلال الخطاب غياب كامل لقيادات حركة الجهاد الإسلامي، الحليفة الأقرب لحماس، مع غياب ممثلين عن حركة فتح، وحضور لافت لزعماء فصائل اليسار من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، رغم أن علاقاتهم مع حماس ليست في أحسن أوضاعها.

وقد عبرت العديد من القوى السياسية الفلسطينية عن رضاها من خطاب هنية، لأنه قد يفتح باب الحوار حول آليات تنفيذ المصالحة، مشيرة لتطور إيجابي في حديثه عن العمل المقاوم والسياسي، بعد أن كشف هنية عن لقاءات وطنية يقودها عضو المكتب السياسي لحماس عماد العلمي تبحث في الوضع الفلسطيني الراهن، والحديث عن ضرورة إطلاق حوار وطني شامل.

لكن يبدو مهماً الإشارة إلى أن خطاب هنية أحدث خلافاً داخل حركة فتح، بين من رأى فيه كلاماً متكرراً لا جدوى منه، وآخرون اعتبروه دعوة جدية يمكن البناء عليها.

  • عدم الاعتذار

لم يعد سراً أن حماس أصيبت بانتكاسة إقليمية جراء التطورات المتلاحقة حولها نتيجة خسارة بعض حلفائها، بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، فحاولت العودة لتحالفات سابقة مع إيران، وتخفيف حدة التوتر مع مصر، وهو ما قام به د.موسى أبو مرزوق نائب رئيس مكتبها السياسي خلال حواره على قناة "الميادين" المقربة من سوريا، حين أكد أن خالد مشعل رفع علم الثورة السورية عن طريق الخطأ، وارتباط الحركة بعلاقة متينة مع إيران، لأنها كانت الدولة الأكثر دعماً لها، رغم أنه أصبح ضعيفاً بسبب الموقف مع سوريا.

وقد رغبت أوساط داخل حماس التقى بها "المونيتور" أن يؤكد هنية على نوايا العودة لتلك التحالفات في ظل ما تعانيه من أزمة خانقة، من خلال إعلان مواقف جديدة يعلن فيها التقارب مع إيران، ويفتح صفحة جديدة مع سوريا، لكنه اكتفى بالقول: "حماس لا تغازل ولا تستجدي أحداً، ولا تندم ولا تعتذر عن المواقف المشرفة حتى ترضي آخرين، ولا تشعر أنها في مأزق حتى تدفع ثمناً لأحد للخروج منه".

أحد المقربين من دوائر صنع القرار في غزة ممن حضر الخطاب، تساءل "للمونيتور" عن مدى مساعدة مثل هذه العبارات في التسريع بالمصالحة الكاملة مع إيران، بعد أن بدأت الخطوات بين الجانبين تأخذ أبعاداً جادة في الآونة الأخيرة.

أما مصر فقد كانت حاضرة بصورة ملحوظة في خطاب هنية، حيث أعاد التأكيد مجدداً على ذات المواقف المتعلقة بالتطورات الداخلية، وعدم علاقة حماس بالأحداث الأمنية في سيناء، وإدانته لها، وأضاف شيئاً جديداً في هذا الملف حين دعا الأجهزة القضائية في مصر لتزويد حماس بأي معلومات لمتابعتها، وإزالة أي هواجس وشكوك تجاهها.

ومع ذلك، فلم يتطرق خطابه للإطاحة بالحليف الاستراتيجي ممثلاً بالإخوان المسلمين، ولم يأت على مفردات "الانقلاب وعودة الشرعية"، وهو ما دأبت وسائل إعلام الحركة على تكرارها حتى كتابة هذه السطور، وهو ما اعتبره ذات المصدر المقرب من حماس استنتاجاً لديها بعدم عودة الأمور لما كانت عليه قبل إسقاط مرسي، ومحاولة تقليل الخسائر من العلاقة المتوترة مع النظام الحاكم في القاهرة اليوم.

الملاحظة الأكثر أهمية في خطاب هنية، عدم تلميحه من قريب أو بعيد لمواجهة مرتقبة مع إسرائيل، في إشارة لاستقرار التهدئة بينهما، رغم أن توقيت الخطاب جاء في الذكرى السنوية الثانية لصفقة تبادل الأسرى، واعتباره لها بأنها ألغت الخطوط الحمراء لإسرائيل، موجهاً التحية لكتائب القسام.

أخيراً..هنية الذي استعد جيداً للخطاب، وترقبه كثير من الفلسطينيين، أظهره أكثر تماسكاً رغم الضربات التي تعرضت لها حركته، لكنه لم يحدث قفزة نوعية في سلوك حماس كما توقع الكثيرون، وربما اكتفاؤه بتأكيد المؤكد، يشير من جديد إلى أن الوضع الفلسطيني سيبقى في حالة جمود حتى إشعار آخر!

 

المصدر المونيتور