خيارات حماس في غزة: الإدارة المحلية واللجنة الإدارية والانتخابات البلدية

  • الإثنين 04 فبراير 2019 09:58 م

خيارات حماس في غزة: الإدارة المحلية واللجنة الإدارية والانتخابات البلدية

فور أن استقال رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمدلله أواخر يناير، وتزايد الحديث في أوساط السلطة الفلسطينية أن الحكومة المنوي تشكيلها تهدف إلى عزل حماس في غزة، واستعادة القطاع من سيطرة الحركة، وفرض مزيد من الإجراءات للتضييق عليها، بدأت تسمع في غزة دعوات متنامية تلتشكيل إدارة محلية للقطاع لتسيير الأمور الحياتية للفلسطينيين.

ليست المرة الأولى التي يطرح فيها أهل غزة هذا الخيار، في ظل حالة الإهمال التي يواجهها القطاع من قبل السلطة الفلسطينية، وتنامي حالة الكارثة الإنسانية المتحققة في القطاع في ظل جملة من المعطيات والإحصائيات التي تنذر بانفجار شعبي وشيك، لا أحد يعلم أين ستكون وجهته.

وقد حضر كاتب السطور عددا من اللقاءات التشاورية في الأسابيع والأشهر الاخيرة شهدتها غزة، وضمت العديد من الفصائل السياسية والخبراء والأكاديميين الذين تحدثوا عن حاجة غزة لإنشاء إدارة محلية، ربما تشمل مستقبلا إجراء انتخابات محلية لمجالسها البلدية، ومنحها صلاحيات الإدارة الحكومية، عدا السياسات الخارجية والأمن؛ وهناك من دعا لتشكيل جسم إداري يجتمع عليه الكل الفلسطيني، يضم مفكرين ومختصين للشروع فورًا بإدارة الأمور الحياتية للمواطنين في غزة.

الحقيقة أن تطور الأوضاع الفلسطينية بصورة متلاحقة، والدعوة التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر، وتلاها باستقالة حكومة الحمدلله، تجعل غزة في مهب الريح، وفي حال استبعدنا خيار المواجهة العسكرية بين حماس وإسرائيل، كجزء من تصدير الأزمة الداخلية، في ظل تضاؤل نجاحها لتحقيق ما تصبو إليه، فإن هذه السطور ستنشغل بهذه القضية، وما فرص تشكيل إدارة ذاتية في غزة، أو أشكال أخرى مثل فدرالية، أو انتخابات محلية مقتصرة على غزة، ومن من الفصائل قد يشارك أو يعتذر، ومن أين تحصل الإدارة المحلية على التمويل والمساعدات المالية اللازمة.

 

  • الإدارة المحلية

تظهر مسألة تعيين إدارة محلية تقوم بشئون المواطنين، تساعدهم على تحمل شظف العيش، تقف إلى جانبهم في تحمل أعباء الحياة التي لم تعد تطاق، أولوية متقدمة في هذه الآونة أكثر من سواها من الخيارات الضيقة، في ضوء جملة من الاعتبارات لعل أهمها أنها لا تحتاج إلى إجراءات قانونية وتعقيدات بيروقراطية طويلة الأمد، بل تتلخص في تداعي عدد من كبار أهل غزة: الساسة والخبراء والتكنوقراط والمجتمع المدني، وسواهم، يجمعهم إنقاذ غزة مما هي فيه من كارثة متحققة، ولا شيء سواه.

لم تكن السياسة يوما ما بريئة، ولن تكون، وطالما أن الشيطان يكمن في التفاصيل، فإن كل واحد من أولئك المشاركين من حقه أن يطرح جملة تساؤلات أساسية، لابد لها من إجابة: من سيقود هذه الإدارة المحلية، وما هي مرجعياتها السياسية والقانونية، وطالما أن حماس تسيطر على غزة، فهل سيكون لها فيتو على قرار هنا وإجراء هناك، بمعنى أكثر وضوحا: هل تشكل الإدارة المحلية خروجا آمنا لحماس من المشهد الإداري والحكومي في غزة، كما تأمل هي للتخلص من هذه الأعباء، وفي حال تحقق ذلك، ما هي التبعات المترتبة على الحركة لإتمام هذا الأمر؟

أكثر من ذلك، فإن تداعي من يمكن وصفهم بـ"أهل الحل والعقد" في غزة لتشكيل هذه الإدارة المحلية، يثير لديهم مخاوف شخصية من عدم نجاح هذا الخيار في ضوء الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها غزة، وشح الموارد الاقتصادية، وتراجع تمويل الدول المانحة، الأمر الذي قد يجعل فرص تحقق طموحاتهم بإنقاذ غزة تحيط بها شكوك كبيرة، على اعتبار أن أهم بند وأكبر دافع لبحث حماس في هذا الخيار أنها تعاني أزمة مالية خانقة، وأنها لم تذهب لهذا البديل وهي في حالة من الأريحية المالية والإدارية، بل سعت إليه وهي تعاني، وهو أمر لم يعد يخفى على أحد، وبالتالي فهي تريد مع الآخرين إنقاذ غزة، ووقف شبح الكارثة القادمة.

محظور ثالث، قد يجعل أولئك المساهمين في تشكيل هذه الإدارة المحلية يعدون إلى العشرة قبل الانخراط فيها، وهي الخشية على مصالحهم الشخصية وعلاقاتهم المحلية والإقليمية والدولية، فالكل يعلم أن هذه الإدارة لا يمكن لها أن ترى النور إلا بموافقة حماس، ومصادقتها، ضمنياً أو مباشرة، وهذا يعني بالضرورة وجود حسابات شخصية لدى المشاركين بمثل هذه الإدارة، سواء من رجال الأعمال الذين يحتاجون تصاريح من إسرائيل للخروج من غزة، أو نشطاء المجتمع المدني الذين يحصلون على تمويل من دول غربية ما زالت ترى في حماس منظمة إرهابية، مما يعني اقترابهم من الحركة تهديدا لمصادر تمويلهم هذه.

 

  • "إعادة" اللجنة الإدارية

يعد أن تنازلت حماس عن حكومتها التي كانت تديرها في غزة عقب توقيع اتفاق الشاطئ للمصالحة أواسط 2014، تمهيدا لاستلام حكومة التوافق الوطني مهامها في القطاع؛ فإن الأخيرة تنصلت من ذلك تحت ذرائع شتى، وبقيت تتعامل مع أهل غزة كمواطنين من الدرجة العاشرة، وواصلت تهميش هذه البقعة الجغرافية، مما نشأ عنه فراغ إداري دفع الطاقم الحكومي في الوزارات القائمة بغزة، والتابع لحماس، لمواصلة إدارته لشؤون القطاع من خلال وكلاء الوزارات والمدراء العامين فيها، واستمر الوضع حتى مارس/آذار 2017 حين أعلنت حماس تشكيل اللجنة الإدارية لتسيير أمور القطاع.

استمر العمل باللجنة الإدارية ستة أشهر، حتى أعلنت حماس في سبتمبر من ذات العام حل اللجنة الإدارية بعد مطالبات فلسطينية متلاحقة، مع العلم أن حماس لم تكن بحاجة ماسّة لهذه اللجنة، فهي المسيطرة والمسيرة لشؤون القطاع قبل اللجنة وبعدها، والسلطة الفلسطينية ذاتها تدرك هذا جيدا، وكذلك إسرائيل والمجتمع الدولي، بدليل أن شؤون غزة لم تكن تسير هكذا خبط عشواء، وإنما وفق خطة حكومية منفصلة عن رام الله التي لم تعامل القطاع أسوة بالضفة الغربية.

لكن حل اللجنة الإدارية آنذاك لم يمثل لحماس وغزة بوابة الفرج للتخفيف من حصارها وضغوطها الإنسانية، بل إن قرار حلها تبعه فرض السلطة الفلسطينية لعقوبات قاسية على غزة تمثلت بقطع الرواتب وتقليص المساعدات الإنسانية والحد من العلاج الطبي، وغيرها من العقوبات المستمرة حتى كتابة هذه السطور.

اليوم تخرج أصوات في حماس تدعو لإعادة هذه اللجنة الإدارية لتعبئة الفراغ الشاغر في الوضع الحكومي، وللرد على قرارات السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس الأخيرة المتعلقة بحل المجلس التشريعي والبدء بخطوات تشكيل حكومة جديدة ورفع حدة العقوبات المفروضة، والتهديد بإعلان غزة إقليما متمردا، وما يشمله ذلك من إجراءات حادة وقاسية على الأرض.

يمكن القول أن إعادة حماس لتفعيل اللجنة الإدارية، إعلامياً على الأقل، سوف يشكل هدية من السماء لمن يعادي غزة، وسوف يعتبرونها "مسمار جحا" الذي يتسبب في ويلاتها، بزعم أن حماس شكلت حكومة موازية فيها، ولن أبالغ في القول أن هذه الخطوة من حماس، لو تمت فعلا، فسوف تكون هدفاً ذاتياً في مرماها، في وقت تقوم فيه بصد الهجمات المرتدة على ملعبها، ومن عدة لاعبين مجتمعين.

 

  • الانتخابات البلدية

إن جوهر الأزمة القائمة في غزة اليوم هي معيشية إنسانية اقتصادية، بعيدا عن أسبابها السياسية الوجيهة، ويعتقد الفلسطينيون أن وصول الجمود السياسي بين فتح وحماس ليس له أفق قريب، بعد فشل كل محاولات الوساطة والمصالحة، الأمر الذي وجد ترجمته في معاناة متراكمة يوما بعد يوم، لا يدفع ثمنها إلا أهل غزة في شظف العيش وقسوة الحال وسوء الظروف، وربما يبقى الوضع على حاله حتى إشعار آخر.

وطالما أن معظم مؤشرات الكارثة المتحققة في غزة ذات أبعاد ميدانية، نراها يوميا رأي العين، وتتمثل في طوابير البطالة، ومشاهد التسول، والقضايا الخدماتية، فإن الأقدر على حلها هي المجالس البلدية بالتعاون مع المؤسسات الدولية الإنسانية، لاسيما الأونروا.

اليوم تقوم البلديات التي فازت في انتخابات عام 2005 بدور كبير في التخفيف من معاناة الفلسطينيين في غزة، لكن إشكاليات كثيرة أصابتها، فجميعها انتهت صلاحياتها الانتخابية بعد أن مر عليها أكثر من أربعة عشر عاما، ومعظمها تشرف عليه حماس، ضمنا او مباشرة، الأمر الذي لا يجعلها تمثل الفلسطينيين جميعاً من جهة، ومن جهة أخرى لا يشجع المؤسسات الدولية على تقديم المساعدات والمنح المالية لهذه المجلس والبلديات.

الانتخابات المحلية تبدو أقل الخيارات كلفة أمام حماس، صحيح أنها لا تعني لها انفراجة فورية للوضع السيء في غزة، لكنه يعمل على تخففها من أعباء هذه المرحلة القاسية من جهة، وتمنح الفلسطينيين في القطاع فرصة تمثيل أنفسهم في مؤسسات ومجالس تدير شئونهم هم بصورة مباشرة من جهة ثانية، وتلقي حجرا في هذه المياه الراكدة من جهة ثالثة.

أعلم تماما أن الوضع في غزة هو سياسي بامتياز، وإن كان له غطاء اقتصادي معيشي، لكن استمرار الجمود السياسي إلا ما لا نهاية يعني انفجارا شعبيا داخليا وشيكا، سواء داخل غزة أو باتجاه إسرائيل، وفي الحالتين ستكون النتائج كارثية، ونخرج من الموت البطيء بالحصار والمعاناة إلى الموت السريع بالقصف والنار، مما يتطلب من حماس دراسة هذه الخيارات بعقل بارد، ومشاركة جماعية، والابتعاد كلياً عن تقديس الأمر الواقع، والركون إليه تحت ذرائع شتى!

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190204-hamas-considers-gaza-options-local-administration-administrative-committee-and-municipal-elections/?fbclid=IwAR1IQW0I6gvR7NhRnh2uBEpt9Vg1ZYkD3vNEFoNBavaWMlT-GCTbHpApJhE