هل خسرت إيران نفوذها على الساحة الفلسطينية؟

  • الخميس 18 يناير 2018 10:27 م

هل خسرت إيران نفوذها على الساحة الفلسطينية؟

تعيش الساحة السياسية الفلسطينية حالة من الشد والجذب في علاقاتها الإقليمية، متأثرة بما آلت إليه الأوضاع في الدول العربية، التي ما زالت تعيش حالة الثورات والحراك المتواصل، حيث يجري الفلسطينيون "إعادة تموضع" في تحالفاتهم السياسية.

وتظهر إيران الدولة الأكثر تأثراً بتقييم الفلسطينيين لعلاقاتهم السياسية، بعد موقفها السلبي من الثورة السورية، في حين وقف الفلسطينيون بكليتهم إلى جانبها، مما اعتبر فراقاً وانفصالاً غير مسبوق في مواقفهما.

  • التربة الخصبة

ربما يتطلب الحديث عن تراجع النفوذ الإيراني في الساحة الفلسطينية، إلقاء نظرة فاحصة على أبرز المداخل التي ساعدت طهران في الوصول للأراضي الفلسطينية في السنوات الأخيرة، وتتمثل أهمها بالتنافس على قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، مع تراجع قوى عربية داعمة، ورفع وتيرة تدخلها الخارجي في القضايا الإقليمية، واعتبارها المصدر الأساسي "للاستقرار والتوتر" في المنطقة.

فضلاً عن رغبة إيران بالتغطية على الاختلافات المذهبية بين الشيعة والسنة، بجانب قيادتها لمعركة برنامجها النووي، مستخدمة كل الأوراق لإدارتها، بما فيها الملف الفلسطيني، ما يعني أن حسابات مصالحها القومية تداخلت مع تأثيرات التدخل الخارجي، بحيث لم تعد تطمح لتوسيع مساحة أراضيها، بل مد نفوذها، بتمسكها بـ"ورقة" القضية الفلسطينية، ودعم المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ليمنحها "شيكاً على بياض"، و"بوليصة تأمين" أمام الرأي العام الفلسطيني.

وفي ذات الوقت، فإن الدعم الفلسطيني الشعبي لإيران لم يحسم إلى ما قبل اندلاع الثورة السورية، وهناك الكثير من الحالات التي قفز فيها من التأييد إلى النقد، مرتبطة بأخطائها الإستراتيجية، والخوف المنتشر من مطامع هيمنتها الإقليمية، وتزايد التوتر الطائفي في العراق، واستهداف الفلسطينيين هناك بزعم دعمهم للرئيس الراحل صدام حسين، والنمو السياسي الشيعي في المنطقة، وأخيراً جاءت "القشة التي قصمت ظهر البعير" بدعمها اللامحدود للنظام السوري، وآلة القتل ضد الثوار هناك.

  • أوجه الدعم

ترى إيران أن دعمها للحركات المسلحة الفلسطينية، ليس مفاجئاً، أو مرتبطاً بتحقيق أجندة إقليمية آنية، بل له جذور تاريخية، تعود لما قبل اندلاع ثورتها عام 1979، التي شهدت تزايد الدعم السياسي والإعلامي، وبادر مرشدها "الخميني" لتحويل السفارة الإسرائيلية إلى مقر للثورة الفلسطينية، وامتلك علاقات وثيقة مع الزعيم الراحل ياسر عرفات أوائل سنوات الثورة.

ومع ذلك، يمكن تفسير دعمها للفلسطينيين على أنها لا تنوي التخلي عما تعتبره "موقعها المتقدم في الشرق الأوسط"، وقد أخذ عدداً من الأشكال أهمها: الدعم المالي، لاسيما لحركة حماس، في ظل الحصار الدولي المفروض عليها، واتهامها بالإرهاب، ومحاصرة مصادر إمدادها، وحرمانها من الانفتاح السياسي والدعم اللوجستي، وإغلاق كثير من العواصم في وجه تحركها، واتباع عواصم أخرى سياسة "التجويع من أجل التركيع" حسب تعبيراتها، مما دفعها لطرق باب إيران، إبقاءً لجذوتها، ودعماً لوجودها.

وقد ظهرت بوادر ضائقة مالية على حكومة حماس، بسبب تذبذب دعم طهران المالي، لخلافهما حول الثورة السورية، ففي حين أرادت الثانية دعماً واضحاً من الأولى للنظام في دمشق، إلا أن الحركة وجدت في ذلك مخالفة لموقفها الدائم المتمثل بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، ورغبة منها في عدم خسارة المشاعر العربية والإسلامية المؤيدة لها، بما يجوز اعتبار هدف المال الإيراني "تشكيل أحلاف"، وهو ما لم تقبله حماس، رغم علمها الوثيق بأنه "لا يوجد مال بدون ثمن"!

الغريب في أشكال الدعم، الجانب العسكري، فرغم أن إيران اعتادت على التعتيم، أو إنكار الطابع العسكري- التنفيذي للمعونات التي تقدمها للمنظمات الفلسطينية، وعرض المساعدات على أنها سياسية وإعلامية وإنسانية، لكنها بعد الحرب الأخيرة على غزة أعلنت بصورة مخالفة لكل سياساتها السابقة، أنها تقوم بتدريب المئات من المسلحين الفلسطينيين، وتزويدهم بأعداد كبيرة من القذائف الصاروخية، التي تطلق على المستوطنات الإسرائيلية، وتوفير الأسلحة المتطورة المصنعة.

وأعلنت إيران أن ما حصل في غزة من حرب إنما هو "انتصار لها ضد إسرائيل"، رغبة منها في استدراك شعبيتها المتآكلة في صفوف الفلسطينيين، ومحاولة مستميتة لتبييض سمعتها المتردية في أوساط الرأي العام العربي، بل إنها تنتظر عبر دعمها للحركات المسلحة في غزة الحصول على مقابل، في حالة حصول هجوم إسرائيلي عليها، وتتوقع أن تسخر نفسها لخدمتها، بمشاغلة "العدو"، وفتح أكثر من جبهة عليه في آن واحد، مما يخفف الضغط العسكري على "الدولة الأم".

  • أشكال الاختلاف

لعل حالة البرود الأخيرة التي أحاطت بعلاقة حماس وإيران، تشير إلى أن البدايات التأسيسية لها لم تكن جذرية، بعكس العلاقة مع حزب الله، مع وجود اختلافات مفصلية بينهما، لا يجعلها ضمن صيغة "التابع والمتبوع"، لاسيما وقد أثبتت تطورات الأحداث أن تحالفهما الإستراتيجي ليس "حديدياً"، وما قيل أنها ورقة تأتمر بأوامر المرشد "خامنئي"، من باب الوهم والتضليل لغايات سياسية.

وما قد يعزز ذلك، العديد من أوجه الاختلافات العديدة بينهما، أبرزها: تباينات حماس وإيران في علاقاتهما الإقليمية، بحيث تربط الأولى علاقات وثيقة بمختلف الدول العربية، بصورة معاكسة للأخيرة، مما يدلّل على وجود افتراقات جوهرية تجعل من سياستهما كياناً منفصلاً عن الآخر.

وفيما يتبنى إعلام حماس سياسة مغايرة تماماً عن سياسات وتوصيفات وتحليلات الإعلام الإيراني فيما يخص الشأنين العراقي والأفغاني، وعمليات المقاومة فيهما، بصورة تعزز الاختلاف الكبير بينهما، فإذا كانت حماس ألعوبة بيد نظام "الملالي"، فلماذا يمجد إعلامها المقاومة العراقية، فيما تنظر إيران إليها على أنها "إرهاب" من صنع تنظيم القاعدة؟

وفي حين اعتبر الفلسطينيون الحراك السوري، ثورة شعبية طبيعية أسوة بنظيراتها من الثورات العربية، ضد نظام لا يختلف كثيراً في استبداده الداخلي عن سواه من الأنظمة العربية الساقطة، وإن اختلف في مواقفه الخاصة بالقضية الفلسطينية، حيث احتضنها ووفر لها أسباب الدعم والإسناد، لكن الإيرانيين، رأوا فيها "مؤامرة" دولية تريد النيل من "محور الممانعة"، الذي تقع سوريا في قلبه.

في حين جاء تعاطفها ورعايتها ودعمها للحراك الحاصل في البحرين غير متوازن البتة، حين اعتبرتها ثورة شعبية جماهيرية، وهو ما اشتم الفلسطينيون منه "رائحة طائفية مذهبية"، لا تخطئها العين!

خلاصة السطور السابقة تتمثل بأن تراجع الحلف الاستراتيجي بين كل من حماس وإيران، بفعل التطورات الإقليمية الأخيرة، كتقاربها الإقليمي مع الدول العربية، وموقفها من الثورة السورية، يؤكد تصميمها التقليدي، وعزمها الأكيد على إعلان عدم خضوعها لسيطرتها، حتى لو كانت حليفة لها، وتأكيدها على الالتزام ببرامجها الوطنية، وعدم توسيعها لدائرة جدول أعمالها، خاصة وأن خارطة التحالفات الإقليمية الجديدة أمامها نحو مصر والسعودية وقطر، يتطلبه إحداث مسافة فاصلة بينها وبين إيران.

ويشير ذلك إلى أن مستقبل التحالف بينهما في طريقه لأن يصبح عادياً، كعلاقة حركة حماس بسواها من الدول "الصديقة" وليس "الحليفة"، وربما تذهب الأمور أبعد من ذلك، وهو أمر مرتبط بتطورين اثنين: الأول مآلات الثورة السورية، وكشف المزيد من الدور الإيراني في قمعها، والثاني التقارب الحمساوي العربي، وتحديداً مع دول الخليج العربي، التي تربط أي "تقارب" معها بـ"تباعدها" مع إيران، التي لم تفقد الأمل بعد بوصول علاقاتها بحماس مرحلة القطيعة النهائية، فهي باقية عليها، لأنها تعتبر خسارتها لها، لا يعوضه أي مكسب آخر مهما بلغ شأنه!

 

المصدر المونيتور