الخسائر الإسرائيلية خلال الحروب على غزة عسكرياً-بشرياً-نفسياً-اقتصادياً

  • الأربعاء 23 يناير 2019 10:54 ص

الخسائر الإسرائيلية خلال الحروب على غزة

عسكرياً-بشرياً-نفسياً-اقتصادياً

 

  • مقدمة

في مثل هذه الأيام من عام 2014، شنت دولة الاحتلال الإسرائيلي عدوانها الواسع على قطاع غزة، الذي استمر أكثر من خمسين يوما، وخلف وراءه سقوط أكثر من ألفي شهيد وآلاف الجرحى، مقابل سقوط عشرات القتلى الإسرائيليين، من الجنود والمستوطنين..

ورغم ما حظيت به تلك الحرب، وما سبقها من حروب في أعوام: 2006، 2008، 2012، من قراءات ودراسات، لكن جانب الخسائر التي منيت بها دولة الاحتلال لم تحز على ذات التغطية والدراسة والتحليل..

هذه الدراسة سوف تسلط الضوء على أهم جوانب الخسائر الإسرائيلية من تلك الحروب، المادية والاقتصادية والنفسية وسواها من الجوانب المهمة، التي بقيت عن التداول والبحث، رغم أهميتها في قراءة حجم تأثر الجبهة الداخلية الإسرائيلية من أي عدوان قد يقع..

عاشت دولة الاحتلال منذ اندلاع الحروب على غزة بين عامي 2006-2014، تراجعات ملحوظة على مختلف الأصعدة، بدأت بالخسائر البشرية والقتلى والجرحى من الجنود والمستوطنين، مرورا بالخسائر الاقتصادية والاستثمارية، وانتهاء بتراجع واضح لمكانة إسرائيل على المستوى الدولي.

الفلسطينيون، كما هو معروف، يدفعون ثمنًا أكبر من ذلك بكثير، لكن هذه الحقيقة لا تقلّص الثمن الذي يدفعه الإسرائيليون، ولا تجعله أقل أهمية.

الثمن الذي يدفعه الإسرائيليون خلال الحرب هو ثمن الغطرسة، التي تنتشر في صفوف القيادات الإسرائيلية والجمهور الإسرائيلي إثر الإخفاق العسكري عام 2006، وجعلت إسرائيل "متلهفة" لتحقيق أي انتصار مهما كان شكليا.

وفيما يشتد أوار القتال في غزة، وتزيد المقاومة من ضراوتها ضد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، أصبح "ثمن الغطرسة" أكبر فأكبر، الأمر الذي وضع "كلفة" الحرب تحت منظار جديد ومغاير، ويمكن معاينة خسائر الحرب في أربع مجالات رئيسة: الاستقرار السياسي؛ الأثمان العسكرية؛ الخسائر الاقتصادية؛ التكلفات الاجتماعية.

أولا: التكاليف العسكرية

مع اندلاع الحروب على غزة، تتضاعف تكاليف الاحتلال العسكري بشكل ملحوظ، ومنذ ذلك الحين وضع الجيش الإسرائيلي عددا من الألوية والفرق العسكرية على حدود قطاع غزة وفي بعض مناطقه المتاخمة، شرقا وشمالا، وخدمت كل وحدة مقاتلة مرة واحدة على الأقل خلال فترة الحرب التي تمتد عدة أسابيع.

وتبقى مصروفات الميزانية العسكرية غير معروفة، بسبب عدم الإفصاح عن ميزانية الحرب الإسرائيلية، وعلى الرغم من ذلك تشتمل مشاريع الموازنة السنوية على أرقام حول زيادات خاصة على الميزانية العسكرية بسبب "الحرب في غزة".

وإضافة للتكليفات التي تقع على وزارة الحرب، هناك التكليفات التي تتحملها وزارة الأمن الداخلي التي أطلق عليها سابقًا وزارة الشرطة، ومنذ أن بدأت المقاومة استهداف الإسرائيليين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، شرعت الشرطة العادية وحرس الحدود بالعمل تحت سلطة وزارة الأمن الداخلي كمركبات عضوية للآلة الإسرائيلية الحربية في مواجهة المقاومين، وتضاعفت ميزانية هذه الوزارة خلال الشهور التي سبقت الحرب.

وجرت العادة أن تقدم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، طلبات لوزارة المالية يتضمن تقديراتها لتكلفة العدوان على قطاع غزة، وأفادت التقارير أن التقديرات الأولية تشير إلى عدة مليارات من الدولارات، حيث ترددت أنباء حول إمكانية رفضها ومعارضتها لدفع هذا المبلغ، خاصة في ظل العجز المتوقع.

كما أن قدرة الحكومة الإسرائيلية على تمويل تكاليف الحروب، مثلما حصل بعد الحرب على لبنان، تراجعت بسبب الوضع الاقتصادي، مما يحول فترات الحروب من أعوام ازدهار اقتصادي، لتتحول إلى أعوام ركود اقتصادي.

وتشير التقديرات أنه من الواضح أن المدة الزمنية للحروب على غزة، إضافة لحجم تجنيد الاحتياط، علاوة على مصاريف لم يكن مخططا لها خلال الحرب، كل ذلك يضاف لتكاليف الحرب نفسها.

وتشير التقارير الاقتصادية الإسرائيلية أن الدخول البري لقوات الاحتلال الإسرائيلية إلى قطاع غزة زادت بنسبة كبيرة تكاليف الحرب، التي اقتصرت بداية على ساعات طيران الطائرات الحربية، وتكاليف القذائف.

ومع دخول القوات البرية إلى قطاع غزة يضاف إليها تكاليف تفعيل القوات المدرعة، وقوات المشاة والبحرية، وتكاليف الذخيرة والوقود والعتاد العسكري الذي يتضرر، إضافة لتكاليف تجنيد عشرات آلاف جنود الاحتياط.

علما بأن معدل تكلفة تجنيد جندي احتياط لليوم الواحد يصل إلى 450 شيكل، ما يزيد عن 100 دولار، دون الأخذ بالحسبان التكاليف العسكرية الخاصة به كالطعام مثلا، وتصل تكلفة استدعاء 10 آلاف جندي احتياط إلى 4.5 مليون شيكل في اليوم الواحد، بما يزيد عن مليون دولار أمريكي. 

النتيجة الإجمالية تشير إلى أن التكلفة تصل في عشرة أيام إلى 45 مليون شيكل، 10 ملايين دولار، وتجنيد 50 ألف جندي احتياط لمدة مماثلة يجعل التكاليف تصل إلى 225 مليون شيكل، 55 مليون دولار.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشتمل التكلفة الاقتصادية من جهة الإنتاج، بعد استدعاء 50 ألف جندي من أماكن عملهم.

وأشارت العديد من التوقعات أنه إذا استمرت الحرب على غزة أسابيع أخرى، فإن ذلك سيكلف خزينة الحكومة الإسرائيلية مليارات جديدة، وفي حال استمرت الحرب لشهر فإن الخسائر ستصل إلى 6 مليارات شيكل، منها 3.5 مليار فقط، مواد حربية ونشاط عسكري، والباقي سيكون خسائر نتيجة للحرب.

وأعربت مصادر حكومية مختلفة عن اعتقادها بأن أسبوعا من العمليات العسكرية سيكلف دافع الضرائب الإسرائيلي 2.2 مليار شيكل، 550 مليون دولار، ويتضمن هذا المبلغ عنصرين:

  1. التكلفة العسكرية المباشرة، بما فيها تحركات الطائرات، الدبابات، المدافع، تجنيد قوات الاحتياط، باقي التكاليف العسكرية،
  2. تعويض الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي تلحق بالمساكن والمؤسسات التجارية والصناعية، جراء استمرار سقوط قذائف "القسام وغراد" على منطقة غلاف غزة.

وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن كلفة العدوان على غزة بلغت 28 مليون دولار يوميًا، كما أن الحرب ستحمل الاقتصاد الإسرائيلي خسائر إضافية ترفع العجز في الموازنة إلى نحو 5.5%.

ونقلت الصحيفة عن خبراء في الاقتصاد الإسرائيلي، قولهم: في حال استمرت الحرب لأسابيع أخرى، فإن الكلفة ستصل إلى مليار دولار ككلفة عسكرية مباشرة.

وقالت صحيفة "معاريف" أنه في الوقت الذي تستمر فيه صواريخ "القسام" بالسقوط على بلدات الجنوب، وتستمر طائرات سلاح الجو بقصف قطاع غزة، بدأت الحكومة الإسرائيلية بالتفكير بحجم الحسابات التي ستقدمها في نهاية العملية.

ووفقاً لتقديرات اقتصادية وعسكرية مختلفة، فإن تكلفة الحرب في غزة تبلغ حوالي 100 مليون شيكل، 25 مليون دولار يومياً.

علما بأن القراءة الاستعراضية لموازنات الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية بين عامي 2000-2008، قبل اندلاع الحروب على غزة تشير للأرقام التالية،دون توفر أرقام دقيقة عن موازناتها في تلك الحروب:

  • في عام 2002، بلغت النفقات ثلاثة مليارات شيكل، 750 مليون دولار،
  • في عام 2003 بلغت النفقات 1.3 مليار شيكل، 300 مليون دولار،
  • في عام 2004 بلغت النفقات 800 مليون شيكل، 200 مليون دولار،
  • في عام 2005 بلغت النفقات 650 مليون شيكل، 150 مليون دولار،
  • في عام 2006 بلغت النفقات 350 مليون شيكل، 85 مليون دولار،
  • في عام 2007 بلغت النفقات 330 مليون شيكل، 80 مليون دولار.

 

ثانيا: القتلى والجرحى

الثمن الأكثر فداحة على الصعيد الإسرائيلي نتيجة الحروب على غزة تمثل في أرواح البشر والجرحى، سواء كان ذلك في صفوف المستوطنين ورجال الجيش.

وتقوم وسائل الإعلام الإسرائيلية في الأشهر التي تسبق الحرب على غزة بعملية "تهيئة" للرأي العام الإسرائيلي، حول إمكانية سقوط قتلى كثر قد تصل أعدادهم للمئات إذا ما اندلعت حرب شاملة على غزة، بسبب ما قالت أنها أسلحة فتاكة تمتلكها حركة حماس في غزة.

وتشير تقديرات جيش الاحتلال أن المقاومة، استمرت طوال فترة الحرب في محاولة توجيه ضربات شديدة لقوات الاحتلال، ومع مرور الوقت رفعت من مستوى نشاطها المتزايد، من خلال استخدام الأنفاق المحفورة تحت الأرض لمفاجأة الجنود.

ولتبيان حجم الخسائر البشرية التي ألمت بالجيش الإسرائيلي والمستوطنين خلال الحرب على غزة، ينبغي التطرق إلى ما يمكن أن يسمى "حصاد المقاومة"، خلال أسابيع الحرب، وجاء على النحو التالي:

    • أطلقت المقاومة مئات الصواريخ والقذائف المختلفة: قسام، غراد، هاون.
    • التصدي للدبابات بعشرات القذائف المضادة للآليات، واستخدام صواريخ مضادة للدروع.
    • تفجير مئات العبوات الناسفة، وتنفيذ عمليات قنص، والكمائن المحكمة بمناطق التوغل حيث تم مهاجمة جنود الاحتلال وقواتهم الخاصة، وخوض الاشتباكات المسلحة مع الاحتلال وجهاً لوجه، وتنفيذ عمليات استشهادية.
    • تدمير كلي وجزئي لعشرات الدبابات والجرافات، وإصابة الطائرات المروحية، وإسقاط طائرات استطلاع.
    • مقتل عشرات الجنود الإسرائيليين، وإصابة مئات آخرين، بجراح جراء سقوط الصواريخ.
    •  نجاح قوى المقاومة بتنفيذ عمليات أسر لجنود إسرائيليين أثناء الحروب؛ في مختلف مناطق قطاع غزة،  حيث يتدخل الطيران الحربي الإسرائيلي، ويقدم على قصف المكان بطائرات "أف 16"، وقتل الجنود الأسرى، واستشهاد الآسرين، ونجحت المقاومة في بعض الحالات من تجاوز هذه العمليات المسماة "إجراء هانيبعال".

يمكن الإشارة إلى عدد من الحالات التي فوجئت بها قوات الاحتلال بهجوم عناصر المقاومة عليهم، وهم يحملون الأحزمة الناسفة.

وكشفت مصادر استخبارية النقاب عن طلبات ترفع لرئاسة أركان الجيش يقضي بتعويض مئات العائلات الإسرائيلية مالياً عن مقتل أولادهم الجنود خلال الحروب.

وعليه فقد أوعزت رئاسة الأركان للمنظمات اليهودية الداعمة للجيش بفتح باب التبرعات العينية لتمويل الجيش بآلاف المستلزمات الطبية عاجلاً، والتي تشير وفقاً لأعداد المستلزمات إلى وجود جرحى بالمئات.

ونجحت صواريخ المقاومة بوضع ما يقارب 750 ألف مستوطن تحت مرماها، وما تضمنه من شل الحركة في الجنوب الإسرائيلي المحاذي لقطاع غزة،متسبباً بخسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة جراء سقوطها.

وأفادت مصادر إعلامية مطلعة إن عدد جنود الاحتلال الذين قتلوا خلال العمليات العسكرية البرية على قطاع غزة، ارتفع إلى عشرات القتلى، فيما زاد عدد الجرحى عن المئات، جراح بعضهم خطيرة.

وأكد المكلف في مسائل الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية "نيكولاس بيلام"، أنه ولمواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق تعتمد حركة حماس على عامل الوقت لإظهار قدرتها على المقاومة في مواجهة إسرائيل، ومنعها من تحقيق نصر أكيد في قطاع غزة.

فيما يعتبر "ديفيد هارتويل" المختص بشؤون الشرق الأوسط في مجلة "جينز" الدفاعية الإستراتيجية أن حماس تأمل بجرّ الإسرائيليين لمعارك شوارع ضيقة في مدينة غزة ومخيمات اللاجئين، وإن إستراتيجيتها الفعلية تتمثل بزيادة الخسائر الإسرائيلية، بشكل يجعل منها مسألة حساسة أكثر" بالنسبة للرأي العام في إسرائيل".

علما بأن جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك)، دأب على إصدار تقرير سنوي يجمل فيه إحصائيات تفصيلية حول أعداد القتلى والجرحى الإسرائيليين، ونورد هنا ملاحظتين يخصان الموضوع هما:

  1. أثر الضربات العسكرية التي وجهتها المقاومة سواء داخل قطاع غزة، أو داخل العمق الإسرائيلي، لا يقاس بعدد القتلى والجرحى، ولكن بالأداء النوعي والاستثنائي في كل منها، كونها حملت رسائل قوية أصابت الجيش والمستوطنين في مقتل.
  2. الرقابة العسكرية المفروضة على وسائل الإعلام، وحجبها للكثير من الإحصائيات المتعلقة بأعداد القتلى والجرحى، لأن النتيجة الطبيعية لنشر كافة الأرقام بكل تجرد وحيادية سيؤدي لنتيجة واضحة هي: انهيار شامل في الجيش والمجتمع على حد سواء.
  3. التباين الكبير في الأرقام المنشورة إسرائيليا حول الخسائر البشرية يعكس حالة من التخبط والإرباك التي عاشتها إسرائيل جراء ضربات المقاومة المتعاقبة، وفي التعامل مع هذا الواقع الذي تعيشه، وقد تبين ذلك بصورة لا تقبل الشك في إعلانات وزارات الأمن الداخلي، الجيش، والخارجية.

ولا يتوفر بين يدي الباحث أرقام دقيقة وإحصائيات موثقة حول أعداد القتلى والمصابين في صفوف الإسرائيليين، جنودا ومستوطنين، مما قد يفسر اختلاف العديد من التقارير حول هذه القضية.

وأكدت المصادر العسكريّة الإسرائيلية أنه رغم الجهد العسكريّ الأمني ميدانياً في قطاع غزة، إلا أن المقاومة بحسب البيان الإجمالي تمكنت من تنفيذ العشرات من العمليات الفدائية، وفي مقابل هذا الجهد المبذول من قبل قوى المقاومة، أحبطت قوات الجيش عددا من العمليات.

وتحدثت مصادر إعلامية مقربة من المخابرات الإسرائيلية عن إصابة العشرات من جنود الاحتلال بالشلل التام جراء المعارك الضارية التي خاضها الجيش في قطاع غزة مع رجال المقاومة، ونتيجة إصابتهم بقذائف المقاومة بغزة.

وذكرت القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، أن أعدادا كبيرة من الجنود الذين شاركوا في حروب غزة أصيبوا بحالات هلع، وتم نقلهم للمستشفى، وذكرت القناة أن "سيلاً لا يتوقف من الجنود كانوا يصلون مستشفى سوروكا في بئر السبع، قسم قليل منهم مصاب بجروح طفيفة، والقسم الأكبر مصابون بحالات هلع".

وأكدت المقاومة الفلسطينية في بيانات لها إن عددا من مجاهديها أوقعوا قوات إسرائيلية خاصة في كمائن محكمة، وخاضوا معهم اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل عشرات الجنود.

ويقول مسئولون عسكريون إسرائيليون أن حماس حصلت على صواريخ ذات المدى الطويل، والخوف أن تسقط تلك الصواريخ على مفاعل ديمونة، المفاعل النووي الوحيد في إسرائيل، الذي يقع على بعد عشرين كيلومترا فقط من بئر السبع.

كما تصدت فصائل المقاومة للاجتياح البري لقوات الاحتلال الذي شنته على غزة، متزامنا مع قصف جوي وبحري، وقتلت وجرحت العشرات من جنود الاحتلال، بعد أن تميزت مواجهة قوات الاحتلال بالمباغتة والمفاجأة بالنسبة لهم.

وقالت المقاومة أن الاحتلال دفع بجنوده إلى "فخ" نصبه له مقاتلوها، وأمامهم أربع خيارات لدخول غزة: فقد يقتلون، أو يقعون بالأسر، أو يتعرضون لإعاقة دائمة، أو يعودون لبيوتهم مصابين بأمراض نفسية.

وقد أعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تجنيد جزء من جنود الاحتياط مهمتهم الاتصال بالسلطات المحلية في المنطقة الجنوبية، وتوجيه السكان.

كما رفعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية درجة التأهب، تحسبا لعمليات انتقامية لجرائمها في قطاع غزة، وأعلنت الشرطة عن رفع حالة التأهب لدرجة "ج" الموازية لحالة الحرب وألغيت الإجازات لأفرادها، وانتشرت قوات مكثفة في المدن التي يتوقع فيها توترا كالمدن المختلطة وفي محيط البلدات العربية.

ونقلت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي عن مصادر في قيادة الجبهة الداخلية تأكيدها إصابة مئات المستوطنين جراء سقوط صواريخ المقاومة على المستوطنات منذ بدء العمليات العسكرية على غزة.

كما نجا وزير المالية الإسرائيلي "روني بار أون" من موت محقق بعد قصف صاروخي للمقاومة استهدف مدينة عسقلان المحتلة، وتناقلت وسائل الإعلام المتلفزة والإلكترونية صوراً يظهر فيها "بار أون" وهو يهرب مع مرافقيه الأمنيين لأحد الملاجئ، كي يحتمي من أحد الصواريخ التي استهدفت المدينة خلال تجوله فيها تضامناً مع سكانها.

فيما أكد الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، مقتل عشرات الجنود منذ بدء العمليات العسكرية المتواصلة على قطاع غزة بين عامي 2008-2014.

وتلقت الطبيبة "نوعاه ليآل" من مركز سوروكا الطبي في بئر السبع أمراً بأخذ إجازة مفتوحة حتى انتهاء الحرب في غزة، بعد أن كشفت عن عدد قتلى الهجوم على غزة في صفوف جيش الاحتلال خلال الحرب الأولى 2008، وقالت الطبيبة إن الجيش حوّل أكبر مركز طبي في إسرائيل لمركز لإخفاء ممارساته بحق جنوده، حيث اتهمت الطبيبة "إيهود باراك" وزير الحرب بإصدار أوامره للطائرات بقصف موكب سيارات لحماس كان يقل جريحين من الجيش الإسرائيلي سقطا أسرى، أخبرها بذلك جريح من لواء غولاني.

ولتفادي نشر وتعميم أنباء الخسائر الإسرائيلية، قررت الحكومة منذ بدء الحروب، فرض رقابة عسكرية صارمة على الصحافة الإسرائيلية، ومنع نشر أي كلمة عن الحرب من دون تمريرها على الرقابة، وهذا نظام لم تشهد إسرائيل مثيلا له منذ حرب أكتوبر تشرين الأول 1973.

كما صادقت على قطع أية صلة بين الجنود المشاركين في الهجوم وبين ذويهم، وقبل أن ترسلهم إلى الجبهة، صادرت منهم جميع الهواتف الجوالة، وعللت الحكومة هذا التصرف بأنه جاء استفادة من تجربة حرب لبنان الثانية سنة 2006، حيث أن الجنود أكثروا من مهاتفة ذويهم، وبذلك تم كشف أسرار عسكرية للعدو.

وقد حظرت الرقابة العسكرية أكثر المواقع الالكترونية وصولا للمعلومات الحساسة، حيث باءت جميع المحاولات بالفشل لدخول موقع "تيك ديبكا"، وهو موقع استخباري إسرائيلي يقوم عليه عدد من متقاعدي الاستخبارات العسكرية الذين يعملون لمصلحتهم الخاصة، وينفرد بنشر معلومات حصرية لا تطرح في الصحافة.

ونشر موقع "تيك ديبكا" أول مصدر إسرائيلي أن رئيس الوزراء المكلف بإدارة أعمال الحكومة "ايهود اولمرت" حصل على الضوء الأخضر من الرئيس الأميركي "جورج بوش" للبدء بالاجتياح البري لقطاع غزة.

في ذات السياق، قالت مصادر مطلعة إن ما أتاح لإسرائيل تقليل الخسائر البشرية إلى هذا الحد، هو التركيز على تزويد جيشها بالعتاد التقني المتطور، خصوصاً أجهزة الروبوت أو الإنسان الآلي.

أضافت أنه في هذه الأثناء، يستمر العمل في صنع منظومة "انظر واضرب"، التي تتضمن جملة من المدافع الرشاشة الأوتوماتيكية من عيار 12.7 ملم، يتم التحكم فيها عن بعد.

علما بأنه على صعيد قطاع غزة، أشارت معطيات إسرائيلية أن أكثر من 250 إسرائيليا قتلوا منذ بداية احتلاله في حزيران يونيو 1967، وجاء توزيع القتلى في عمليات المقاومة على النحو التالي:

  • بين الأعوام 19671987 قتل 38 إسرائيليا،
  • مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 قتل 29 آخرون،
  • منذ التوقيع على اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993 وحتى انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000، وصل عدد القتلى 39 إسرائيليا،
  • منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 وحتى الانسحاب من غزة في سبتمبر 2005، وصل عدد القتلى 144 إسرائيليا.

 

ثالثا: الآثار النفسية على المجتمع

أدى استخدام المقاومة لمختلف الأساليب القتالية خلال الحروب الأخيرة بين عامي 2008-2014 إلى خشية الجنود الإسرائيليين أن يكونوا هدفا دائما لرجالها، مما عمل على شيوع ظاهرة خطيرة في أوساط الجيش الإسرائيلي وهي التهرب من الخدمة العسكرية، وعدم تنفيذ المهام القتالية التي يكلفون بها، خشية من قتلهم بين لحظة وأخرى برصاص المقاومين.

فضلا عن ذلك، انتشرت في أوساط الجنود الذين خدموا في قطاع غزة خلال الحروب الأخيرة، ظاهرة جديدة تتمثل في "طقوس الموت"، حيث يقومون بقراءة نصوص من التوراة على الجندي المرشح للموت، واستكمال باقي الإجراءات التي تتم مع الموت الحقيقي.

وتم تكليف رئيس قسم القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي بالعمل للحد من هذه الظاهرة، حيث اقترح خطة تهدف لتقليص حيازة الأسلحة بين الجنود العاملين في الوحدات الداخلية، أو الذين يمرون بدورات تأهيل غير هجومية.

وقد تحدثت تقارير أمنية عن حالات الضعف المسيطرة على الجيش الإسرائيلي، وكانت بداية الصدمة في التقرير السنوي لمراقب الدولة الذي بات ينشر بعد كل حرب، وشكل فضيحة للمؤسسة العسكرية، إذ أظهر انعدام الجاهزية لدى الجيش، سواء على صعيد التخطيط وإدارة الموارد، أو الاستعداد للحرب المعلوماتية، أو مواجهة صواريخ القسام القادمة من الفلسطينيين.

من جهة أخرى، فقد كان للمقاومة خلال الحرب الإسرائيلية على غزة آثار بعيدة المدى على الداخل الإسرائيلي، وجدت ترجمتها على أرض الواقع من خلال بحث الكثيرين من الإسرائيليين عن أماكن ودول وأراض أكثر أمنا، بعد أن تحول العيش في إسرائيل إلى كابوس مرعب لا يطاق، وبعد انكماش اقتصادي متفاقم، رغم أن هؤلاء المهاجرين خارج البلاد وصفهم "إسحق رابين" ذات مرة بأنهم "نفاية الضعفاء"، في ضوء أن الهجرة للخارج كانت تعد إلى أمد قريب من المحرمات الكبرى في المجتمع الإسرائيلي.

وبناء على استطلاع خاص أجراه معهد "موتغيم" شمل 14% من الجمهور اليهودي الراشد ممن تتراوح أعمارهم بين 45-54 عاما، راغبون بالهجرة من إسرائيل.

علما بأن ما يميز جميع من يطلبون الاستشارة للهجرة هو: الفزع، الخوف، الهستيريا، الإحساس بالعجز، القلق، الخوف من الغد، يقولون: معظم آبائنا ناجون من الكارثة النازية، نحن نحب البلاد، لكننا لم نعد قادرين على التحمل، لقد أصابنا الانهيار، فقدنا الأمل، بتنا نخاف من نشوب حرب كبرى، ونخاف على مصير أولادنا! نحن خجولون من طلب الهجرة .. ولكن ماذا نفعل؟

من جهته يقول "شلومو منور" المسئول عن شعبة أميركا الشمالية في شبكة "ريمكس" لتجارة العقارات، أن الوضع الأمني بعد تزايد مديات صواريخ المقاومة أدى إلى موجة اهتمام بشراء العقارات في الخارج، وتقترب الزيادة من 30% حيث يعطيهم المنزل في الخارج اطمئنانا نفسيا، وهم أساسا من سكان مدن تل أبيب، رامات هشارون، كفار سابا، وهي المناطق التي تركزت فيها العمليات.

ويذكر هؤلاء أسباب مغادرتهم وشراء منزل في الخارج أن أهمها فقدان الأمن الشخصي، حيث يقول أحدهم: لقد وصلنا إلى وضع صرنا فيه غير قادرين على الجلوس في مقهى!

ويقول آخر: نحن الذين نغادر العاقلون، والذين يبقون في إسرائيل هم المجانين! إننا نؤمن بالفكرة الصهيونية، لكننا تنازلنا عن وظائف ممتازة في فلوريدا حين هاجرنا إلى إسرائيل، لكن عندما يقع انفجار تحت أسماعنا وأبصارنا فإننا نصاب بالانهيار، ولذلك فور سقوط أي صاروخ تبدأ الاتصالات الهاتفية من أهالينا وذوينا الذين بقوا هناك يسألوننا: ماذا تفعلون هناك في إسرائيل ؟ متى سترجعون إلى البيت؟!

من جهته، اختار أستاذ علم النفس في جامعة تل أبيب عنوانا بليغا لدراسته نشرها في إحدى المجلات العلمية الإسرائيلية، وهو: كئيبون..عاجزون..لماذا؟ قال فيه: لقد أصبح المزاج الإسرائيلي خلال الحرب على غزة مجموعة من التوقعات أبرزها: التعرض لحوادث مقيتة، الفشل في إيجاد حل، نشوء توقعات سلبية! كلها باتت تكون لدى الإسرائيليين شعورا جديدا اسمه: العجز المكتسب.

وأكد تقرير أصدرته دائرة الإحصاء المركزية أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تشهد انخفاضا حادا، لكنه سجل انخفاضا غير مسبوق العام الحالي لم تشهده إسرائيل والحركة الصهيونية منذ أكثر من 22 عاما.

وقالت الدائرة، إن عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل بلغ 13500 مهاجر، بعد أن بلغ عام 2007 حوالي 18300 مهاجر، وفي العام 2006 حوالي 19 ألف مهاجر، وفي العام 2005، 21 ألف مهاجر، مما يعني ان الهجرة في هذا العام انخفضت بنسبة 25% عن العام 2007، و36% عن العام 2005.

فيما دعا مستوطنو "نتيفوت" جيش الاحتلال للمزيد من الغارات على قطاع غزة لوقف إطلاق الصواريخ، وقال أحد سكان المدينة الواقعة على مشارف صحراء النقب: ينبغي ان يتوقف سقوط الصواريخ نهائيا، طالما لم ننعم نحن بالطمأنينة، لن يذوقها سكان غزة.

وتناولت صحيفة التايمز موضوع الهجرات الإسرائيلية من بعض المدن الحدودية التي شكلت الهدف المفضل لصواريخ المقاومة، وجاء في التقرير الذي أعده مراسلها "جيمس هايدر" الذي حرر موضوعه من بئر السبع، أن حجم ومدى الصواريخ التي تطلق من غزة أجبرت الكثير من الإسرائيليين على الفرار من المدينة، حيث غادرها ما بين 30-40% من السكان إلى مدن تل أبيب أو إيلات.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن السلطات قررت إنشاء مركز جديد للدعم النفسي، وعلاج الأمراض النفسية في مدينة بئر السبع، بعد وصول مدى الصواريخ إلى قلب تلك المدينة المزدحمة بالسكان.

وقالت إن السلطات الإسرائيلية سارعت بإنشاء هذا المركز، بعد تزايد إصابة الإسرائيليين بحالات الهلع والخوف المتباينة، جراء سقوط صواريخ المقاومة على المدينة، كاشفة عن استقبال المركز لأكثر من 300 حالة إصابة بأمراض نفسية مختلفة لمواطنين.

وأشارت مصادر مطلعة أن عددا كبيرا من الفارين الإسرائيليين من بلدة سديروت وجّهوا رسالة للسفارة الكندية بتل أبيب مطالبينها بمنحهم بطاقات هجرة إليها، وموجهين نداء للسفير الكندي في رسالتهم أشاروا إلى استحالة العيش مرة أخرى في جوار غزة، وفي دولة لم تعد آمنة، وتهزم أمام منظمة مسلحة صغيرة.

كما ذكرت صحيفة "جيروسالم بوست" أن قيادة الجبهة الداخلية لجيش الاحتلال دعت بلديات "ريشون ليسيون ورحوفوت" لتجهيز الملاجئ، والاستعداد لجميع الطوارئ خوفاً من صواريخ المقاومة.

ونقلت عن مصدر في قيادة الجبهة الداخلية قوله: علينا أن نكون مستعدين لجميع السيناريوهات، بما في ذلك إمكانية أن تصل صواريخ حماس طويلة المدى إلى شمال مدينة أسدود".

وكشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن التجمعات السكنية التي تقع على الحدود مع غزة أصبحت "مدن أشباح"؛ حيث يعم الهدوء الرهيب بها، وخاصة "سيديروت"، التي أغلقت 99% من مصانعها بطلبٍ من قيادة المنطقة الجنوبية، لأن الشوارع كلها خالية من المارة؛ حيث يقبع كل السكان في ملاجئهم المحصنة، وبعض السكان فضَّل أن يترك المدينة وتوجه لقرى الشمال لعله يجد بعض الهدوء النسبي والأمن.

وذكرت صحيفة "التايمز" أن هناك مخاوف متزايدة من احتمال أن تبلغ الصواريخ التي تطلقها حركة حماس، المفاعل النووي في ديمونة، لاسيما وأن الهجمات الصاروخية من غزة أدهشت قادة الجيش جراء حجم وقدرات الترسانة العسكرية لدى حماس، ما دفع بمسئولي مدينة تل أبيب للبدء باتخاذ سلسلة من الإجراءات استعدادا لإعلان الطوارئ، استعداداً لسيناريو خاص بأسوأ الحالات، وهو فرض حالة الطوارئ بالمدينة، حيث بدأوا بتجهيز الملاجئ في المئات من البنايات المرتفعة بكافة أنحاء المدينة.

رابعا: الخسائر الاقتصادية

حين كانت تندلع كل حرب على غزة بين 2008-2014، كان يمر الاقتصاد الإسرائيلي بفترة تخوف من تأثره بالأزمات الاقتصادية، وجاء تأثير الحرب والمقاومة سريعا، إذ توقف النمو في بعض القطاعات الاقتصادية، وتحول إلى تراجع وكساد، وأخذ الفرد الإسرائيلي يخسر من دخله ومن المستوى الذي حصل عليه طوال فترة الازدهار الماضية، كما أخذ معدل البطالة يزداد.

علما بأن الاقتصاد الإسرائيلي كان يضاهي في تطوره اقتصاديات الدول الصناعية، وكان يمكن لهذا المعدل أن يتجاوز هذا المستوى، لولا انفجار الحروب التي وضعت المجتمع الإسرائيلي في حالة من الاضطراب، والتوتر الأمني، والانشغال بالمواجهة مع الشعب الفلسطيني، كل ذلك أثر سلبا على القطاعات الأكثر حساسية للتوتر الأمني، كالسياحة، والاستثمار، والصناعة، والزراعة، والتشييد والبناء.

وكبدت المقاومة الإسرائيليين أثمانا اقتصادية باهظة رغم محاولات الحكومات المتعاقبة التقليل منها، مما دفع المحلل الاقتصادي "سيفر بلوستسكر" للقول: بدأ التدهور في الاقتصاد من اليوم الأول الذي بدأت فيه كل حرب، وكلفت المقاومة الاقتصاد الإسرائيلي مليارات الدولارات، ومست عملياتها بجميع نواحي الاقتصاد.

وبسبب الخوف من المقاومة حدث انخفاض في عدد الإسرائيليين الذين يتجهون إلى شبكات التسوق الكبيرة، لاسيما في المدن الجنوبية، عسقلان وبئر السبع وسديروت ونتيفوت.

وحسب معطيات اتحاد الغرف التجارية فقد طرأ انخفاض بنسبة 35% على أرباح شبكات التسوق الكبيرة بسبب تقلص عدد الذين يتجهون إليها، بعد أن شكلت تلك المدن هدفا لعمليات المقاومة، كما أدت إلى تقلص عدد الإسرائيليين الذين يقضون إجازاتهم في المنتجعات السياحية في تلك المناطق بنسبة 43%.

من جهة أخرى، أفادت شركة النقل العام الرئيسة المعروفة باسم "إيغد" أنها واجهت انخفاضا كبيرا في عدد الإسرائيليين الذين يستخدمون حافلاتها المتجهة جنوبا، مما نجم عن خسائر فادحة كبيرة، بسبب الانخفاض الكبير في الإقبال على استخدام هذه الحافلات بنسبة 43%.

كما عانت المرافق السياحية ودور الترفيه والمطاعم من موجة صواريخ المقاومة، بحيث تم إلغاء الكثير من الحجوزات في الفنادق والمطاعم، وألغيت الكثير من الحفلات، وطرأ انخفاض واضح على عدد الذين يحتفون بمناسباتهم في الفنادق والمطاعم وصالات اللهو الكبيرة بنسبة 61%، وطرأ انخفاض كبير على عدد الشبان والذين يتجهون للمراقص الليلية بنسبة 59% بعد استهدافها من قبل المقاومين.

وهكذا جاء الخوف من صواريخ المقاومة ليتراكم فوق مشاكل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها إسرائيل، ورجع جزء منها إلى ما ألحقته الحروب على غزة من خسائر في الاقتصاد الإسرائيلي، وتسبب حالة من الكساد التجاري في الأسواق، والمحلات والمطاعم التي أصبحت شبه خالية، وصالات الأفراح التي أصبح لا يرتادها سوى المقربين من العريسين!

وفي حين توقع مراقبون اقتصاديون أن تؤدي هذه الخسائر الاقتصادية إلى قيام معارضة في الشارع الإسرائيلي لسياسة الحكومة الملتزمة بالمواجهة العسكرية مع حركة حماس بهدف القضاء عليها، لكن ما حدث كان العكس تماما، حيث ازداد تأييد الإسرائيليين للسياسة الحكومية الرسمية بسحق خيار المقاومة بالقوة.

طرحت هذه المفارقة بين اتجاهات النشاط الاقتصادي والأداء السياسي والعسكري عدة أسئلة مهمة:

  1. هل أن ن أن حجم الخسائر الاقتصادية التي نجمت عن الحرب والمقاومة قليلا نسبيا، وبالتالي فإن أضرارها هامشية لا ترقى إلى تكوين موقف سياسي معاد للسياسة المسئولة عنها؟
  2. أم أن حجم الخسائر كان كبيرا، لكن أغلبية الجمهور الإسرائيلي تنظر إليها على أنها الثمن الذي لا بد من دفعه لقاء سياسة المواجهة العسكرية الناجحة، والتي ستتمكن من القضاء على المقاومة بوقت قصير، وبشكل يتيح لإسرائيل فرض شروطها على الفلسطينيين؟
  3. وما هي توقعات المستقبل؟ هل ستظل الخسائر الاقتصادية على حجمها الراهن في ضوء تصاعد المقاومة وضراوة عملياتها؟
  4. وهل ستبقى نظرة أغلبية الجمهور الإسرائيلي إلى تلك الأضرار ثابتة لا تتغير؟

علما بأن ما صدر من معطيات اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية أفاد بأن 15 ألف محل تجاري يعمل فيها 350 ألف شخص لحقت بها أضرار مالية جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وان الأضرار التي لحقت بالفرعين التجاري والخدماتي بلغت حوالي 180 مليون شيكل، 40 مليون شيكل.

وقالت "إسرائيل ميني" الاقتصادية الأولى في اتحاد الغرف التجارية إن بعض هذه المحلات منيت بأضرار اقتصادية قبل بدء الحرب، الأمر الذي يزيد من حجم هذه الأضرار.

ووفقا لحسابات اتحاد الصناعيين الإسرائيليين فقد لحقت بالمصانع جنوب إسرائيل أضرار بمبلغ 120 مليون شيكل، 33 مليون دولار، منها 87 مليون شيكل أضرار مباشرة، أما المبلغ الباقي فأضرار غير مباشرة ناجمة عن انخفاض جدوى العمل ووقف الإنتاج.

وتعد شركة "كافريت" للصناعات الكيميائية الإسرائيلية الواقعة في "كيبوتس" على بعد كيلو متر واحد من الحدود مع غزة، تشغل واحداً من عشرات المصانع التي أصدرت الحكومة الإسرائيلية أمراً بإغلاقها حتى إشعار آخر مباشرة بعد الهجمات الجوية التي نفذتها على غزة.

ومع اتساع رقعة المواجهات العسكرية في قطاع غزة وعلى حدوده مع إسرائيل، قال "آفي زالك مان"، الرئيسي التنفيذي لشركة "كافريت": حتى الآن لا زلنا قادرين على تلبية التزاماتنا، إلا أن الوضع الأمني يمثل عائقاً كبيراً أمام تسيير عملياتنا، ولحسن الحظ أن الشركة تمتلك مصانع في ألمانيا والصين يمكنها تعويض خسائر الإنتاج في إسرائيل ولو جزئياً.

لكن الآخرين مثل "آر إم إتش لاشيش اندستريز"، منتج الآلات الزراعية بالقرب من سديروت، فهي أقل حظاً، وقال "جيرشون جولدبير"، الرئيس التنفيذي للشركة: إن مئة بالمائة من إنتاجنا هو للتصدير وقد ألغينا جميع الطلبات".

وقد بدأ الأثر يظهر جلياً على الاقتصاد الإسرائيلي، حيث شمل قرار إغلاق المنشآت غير الرئيسة التي تبعد 4.5 كيلو متر عن حدود قطاع غزة، فيما بعض الشركات الأخرى لا تزال خاضعة لمدى صواريخ المقاومة.

ويعد تأثير إغلاق المصانع بالقرب من غزة ثانوياً نسبياً مقارنة بالتأثير الأوسع على الاقتصاد الإسرائيلي للرعاية المتجددة، حيث يقدر اتحاد الصناعيين الإسرائيليين الخسارة الحالية للإنتاج بواقع واحد مليون دولار يومياً.

يمكن الحديث عن تقييم التكلفة الاقتصادية النهائية للعملية العسكرية، وفق بعض التقديرات التي تشير أنها تتراوح بين 25-50 مليون دولار يومياً، حيث تنبأ "ليو ليدرمان" كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك الإسرائيلي "هابوعليم" قائلاً: "سترتفع هذه التكلفة بشكل كبير في حال استنزاف الاحتياطيات من أجل العمليات الأرضية، وفي حال استمرار الصراع لأكثر من أسابيع قليلة".

علما بأن ما يقلق التجار هو ارتفاع أسعار النفط بواقع 12%، وبالنسبة للشيكل "العملة الإسرائيلية"، فقد ارتفع مقابل الدولار في الأيام الأخيرة، على الرغم من انخفاضه أمام اليورو، ما دفع ببنك إسرائيل المركزي دعم الاقتصاد.

لاسيما وأن المحللين الاقتصاديين كانوا يرون إن الاختبار الفعلي لأسواق المال المحلية سيكون أثر العملية العسكرية على عجز الميزانية، وقال "مايكل ساريل"، كبير الخبراء الاقتصاديين في شركة "هاريل" للتأمين والتمويل، إحدى كبرى الشركات المالية الإسرائيلية: في حال زيادة العجز بحدة في ظل استمرار الحرب، فإنه سيؤثر سلباً على الشيكل وسوق البورصة".

لاسيما وأن مصادر اقتصادية إسرائيلية أكدت أن الحملات العسكرية المستمرة على قطاع غزة، ستؤدي إلى إضعاف "الشيكل"، وهبوط في البورصة، وارتفاع في أسعار النفط.

علما بأن تكلفة اليوم الأول من أي حملة عسكرية على غزة وصلت إلى عشرات ملايين الشواكل، وستكون هناك أزمة في ميزانية وزارة المالية إذا ما تواصلت الحملة بشكل أوسع.

كما بأنه بدون اندلاع الحرب الأخيرة، فإن العجز في ميزانية إسرائيل يتزايد بسبب الانخفاض الشديد في عائدات الضرائب، وخطط زيادة الإنفاق لمواجهة التباطؤ، مما نبه صناع القرار السياسي والعسكري أن التكلفة الكبيرة للعملية العسكرية المطولة قد يؤدي إلى زيادة في العجز الاقتصادي.

بجانب ذلك، فإن "الأخبار السيئة" بالنسبة لإسرائيل من كل حدب وصوب مع استمرار الحروب على غزة، حيث انخفض الإنتاج الصناعي بواقع 3.5%، بينما انخفض الإنفاق الاستهلاكي بواقع 4.2%، إضافة لانخفاض الصادرات.

أما نسبة البطالة، فقد أخذت بالارتفاع، حيث تم إيقاف آلاف من العمال عن العمل لفترة غير محددة في الشركات المحلية، ما يشكل 40% من الصادرات الصناعية الإسرائيلية التي تعرضت للانخفاض أصلاً.

ودفع استمرار الحروب على غزة، أن يتوقع معظم الخبراء أن يكون أثرها أكثر سوءاً في حال توسيع رقعة الصراع إلى صراع إقليمي.

في ذات السياق، قالت تقارير اقتصادية إسرائيلية إن العدوان على قطاع غزة ورد المقاومة بالقصف الصاروخي أدى لتكبيد المصانع المقامة في الجنوب خسائر مباشرة وصلت 80 مليون شيكل، 22 مليون دولار، وبحسب المصادر فإن هذه الخسائر ناجمة أساسا عن توقف الإنتاج عشرات الأيام، بسبب غياب العمال من أماكن عملهم، يضاف إليها الخسائر غير المباشرة كالحاجة لتعويض الزبائن عن عدم الالتزام بتزويد البضائع في الوقت المحدد.

وتجدر الإشارة إلى أن دائرة النار التي يطالها القصف الصاروخي الذي تطلقه المقاومة تضم ما يقارب 1700 مصنع، يعمل فيها ما يقارب 39,500 عامل.

  • خاتمة

لقد خسر الإسرائيليون في حربهم على غزة أكثر مما توقعوا، فعلاوة على القتلى والجرحى، الذين يزداد عددهم، في كل حرب، مستويات غير مسبوقة، خسر الاقتصاد الكثير وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، واستمرت خسائرهم في الارتفاع مع استمرار العدوان لفترة طويلة، مع تباطؤ معدل النمو الاقتصادي، وتكبد قطاعا السياحة والشركات الصغيرة والمتوسطة في الجنوب أكبر الخسائر، بجانب الخسائر المادية والمعنوية التي ترتبت عن إعلان عشرات شركات الطيران العالمية الأميركية والأوروبية تعليق رحلاتها لمطار بن غوريون.

هذه سابقة ليس لها شبيه من قبل، لأن الحروب على القطاع كانت تأت في ذروة المواسم السياحية، مما كبّد الإسرائيليين خسائر ليست بالبسيطة، فقد توقعت شركة طيران "العال" هبوطاً متزايداً في عائداتها، وشهدت أسعار تذاكر الطيران من وإلى الكيان الإسرائيلي ارتفاعاً كبيراً بسبب قلة الرحلات، مما أصاب رجال الأعمال والسياح والمسافرين بخسائر مالية مباشرة.

كما خسر الكيان الإسرائيلي إعلامياً، حين ظهر وجه إعلامه مجنداً وموجهاً لصالح احتلال غير ديمقراطي، رغم كتابات قليلة ناقضت الخط السياسي اليميني الدارج في الكيان اليوم!

 

 

مجلة الاستراتيجية الفلسطينية العدد الأول صيف 2018  ص136-157

مجلس الشورى الإسلامي- طهران

http://qodsna.com/
file/2/attach2018103172694944434333.pdf?fbclid=IwAR13N-hmEqG-XS29YNsxVjZsMvOYIWpxvFZgpSQ9EMXPxFnYdc7dTleIl4o