دلالات انتخاب قيادة حماس في السجون الإسرائيلية

  • الثلاثاء 22 يناير 2019 01:31 م

دلالات انتخاب قيادة حماس في السجون الإسرائيلية

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية التابعة لأسرى حركة حماس في السجون الإسرائيلية أواخر ديسمبر 2018 انتهاء انتخابات الهيئة القيادية العليا لأسرى الحركة في السجون لدورة 2021/2019، حيث جرت الانتخابات حسب اللوائح التنظيمية المعمول بها لدى أسرى الحركة، وشملت كافة السجون والمعتقلات البالغ عددها 22 معتقلا وسجنا.

 

أفرزت الانتخابات الحالية هيئة تنظيمية جديدة مكونة من 11 أسيراً، يضاف إليهم أمراء أكبر 4 سجون، ليصبح عددهم 15، وترأس الهيئة الأسير محمد عرمان، وعضوية كبار قادة حماس داخل السجون.

 

تجري الانتخابات الداخلية لأسرى حماس في الوقت الذي يسود فيه توتّر شديد بين الأسرى الفلسطينيّين ومصلحة السجون الإسرائيليّة، بسبب زيادة عمليّات الاقتحام الإسرائيلية شبه اليوميّة لأقسام الأسرى وزنازينهم.

 

  • البدايات التاريخية

سبقت فكرة إنشاء قيادة موحدة لأسرى حماس في السجون الإسرائيلية بداية عام 2005، العديد من النقاشات والمداولات التي تعود إلى العام 1995، لكن الإضراب المفتوح عن الطعام الذي أعلنه أسرى الحركة في سبتمبر 2004 شكل الحدث الأبرز في اندفاع ثلة من قيادات الأسرى لتشكيل هذه الهيئة القيادية، كي يتمكنوا من مواجهة التحديات التي تفرضها مصلحة السجون الإسرائيلية بشكل موحد.

 

جاءت المبادرة العملية لإنجاز الهيئة من بعض قيادات حماس داخل السجون الإسرائيلية، وهم: حسن يوسف ومحمد النتشة ويحيى السنوار وحسن المقادمة وعبد الناصر عيسى، ثم بدأت عملية شرح الفكرة، وتوضيح آلياتها للتنظيمات الحمساوية المحلية في كل سجن، ولم تجد الفكرة إجماعا، بل تعرضت للانتقادات التي وصلت حد رفض المشاركة فيها، بسبب صعوبة الاتصال بين السجون، الذي كان يتم عبر الرسائل المهربة قبل نجاح الأسرى في تهريب الهواتف النقالة لمعظم السجون.

 

وبعد عملية مخاض طويلة استمرت عدة أشهر قام الأسرى في السجون المركزية بانتخاب 17 عضوا في الهيئة القيادية وهم: محمد النتشة، عبد الخالق النتشة، موسى دودين، خالد طافش، يحيى السنوار، روحي مشتهى، حسن المقادمة، توفيق أبو نعيم، علي العامودي، عبد الناصر عيسى، جمال أبو الهيجا، طلال الباز، عباس السيد، صالح العاروري، محمود عيسى، جهاد يغمور، وأحلام التميمي، وانتخب هؤلاء جميعا الشيخ محمد جمال النتشة رئيساً للهيئة، وعبد الناصر عيسى منسقاً لها.

 

قامت الهيئة القيادية لأسرى حماس في السجون الإسرائيلية بثلاثة أمور أساسية:

  1. إعداد اللوائح التنظيمية التي تم على أساسها إجراء انتخابات الدورة الثانية 2007.
  2. إنجاز وثيقة الأسرى، والمشاركة في نقاشات انتخابات المجلس التشريعي 2006، والتوافق مع قيادة الحركة خارج السجون بتسمية أربعة مرشحين في قائمتها الانتخابية.
  3. بدء التواصل مع قيادة الحركة في موضوع تبادل الأسرى، حيث التقى الجنرال الإسرائيلي عوفر ديكل مسؤول لملف تبادل الأسرى بلقاء أعضاء الهيئة.
     

تناوب على رئاسة الهيئة القيادية لأسرى حماس في السجون الإسرائيلية، عدد من كبار قادة حماس، وهم: محمد جمال النتشة، يحيى السنوار، روحي مشتهى، عثمان بلال، عباس، محمد عرمان، مع أن مدة كل دورة سنتان، قد تمدد بضعة أشهر.

 

يوجد لدى أسرى حماس في السجون الإسرائيليّة نظام انتخابي يضع التفاصيل الدقيقة التي تفصل العمليّة الانتخابية منذ بدايتها حتّى نهايتها، بدءاً ممّن يحقّ له الانتخاب والترشّح، والتوقيتات الزمنيّة، واللّجان المشرفة على العمليّة الانتخابية، وشكل القسيمة الانتخابية، والبيان الانتخابي، والمسموح والممنوع، حتّى الإعلان عن نتائج الانتخابات، وما يتبعها من فترة اعتراض عليها، وكيفيّة التعامل معها.

 

وجرت العادة في انتخابات أسرى حماس داخل السجون الإسرائيليّة، التي بدأت منذ عام 2004، أن تحصل بصورة دوريّة، ومدّة كلّ دورة عامين، ويتمّ التواصل بين السجون لتبليغ النتائج في كلّ سجن عبر الهواتف النقّالة التي يهرّبها الأسرى أو عبر المحامين، إذ يتمّ الاقتراع بصورة سريّة، ويحظّر القانون الانتخابي ممارسة المرشّحين الدعاية.

 

  • آليات الانتخاب

حصل كاتب السطور على بعض المعلومات الحصرية التي تجري وفقها هذه الانتخابات، التي تجري على 4 مراحل: الأولى اختيار 360 عضواً يمثّلون المؤتمر العام للحركة لانتخاب مجلس الشورى، وعدده 51 عضواً، موزّعين على مختلف السجون، والثانية انتخاب الهيئة القياديّة العليا من أعضاء الشورى وعددهم 11، والثالثة انتخاب رئيس الهيئة، والرابعة انتخاب نائبه، وهذه الدورة الانتخابية السابعة التي تجريها حماس داخل السجون الإسرائيلية.

 

تظهر قراءة أسماء الأسرى الفائزين في انتخابات حماس داخل السجون الإسرائيليّة أنّهم من القيادات البارزة لكتائب عزّ الدين القسّام، الجناح العسكري لحماس، ويقضون محكوميّات عالية بعشرات المؤبّدات، وهم: محمد عرمان رئيسا، عباس السيد نائبًا، وعضوية كلً من: أحمد القدرة، أشرف زغير، سلامة قطاوي، عثمان بلال، عبد الناصر عيسى، منير مرعي، معمر شحروري، معاذ بلال، ولمى خاطر.

 

تدلل الأسماء الفائزة في الدورة الحالية لانتخاب الهيئة القيادية لحماس في السجون الإسرائيلية إلى حجم التأثير الكبير الذي تحتله داخل حماس، بالنظر إلى سجلها العسكري والسياسي الواضح.

 

تفسح اللوائح الانتخابية الخاصة بالحركة لكلّ أسير من حماس أن يشارك فيها، ويكون رئيس الهيئة القياديّة العليا لحماس داخل السجون هو القائد الفعليّ للحركة فيها، وإفرازات انتخابات السجون جزء من السلّم القياديّ للحركة، بحيث أنّ رئيس الهيئة ونائبه عضوان في مجلس شوراها العام، ورئيس الهيئة عضو في مكتبها السياسيّ، أعلى جهة قياديّة فيها.

 

جرت آخر دورة انتخابات للهيئة القيادية العليا لحماس في السجون الإسرائيلية في 2017، ولم يكن الأمر عفويّاً أن تتزامن مع إجراء الحركة انتخاباتها التنظيميّة في الأراضي الفلسطينيّة وخارجها التي بدأت في ذات العام، بل هو تزامن مقصود، ويشير لما يشكّله أسرى حماس من وزن لدى قيادتها.

 

تبدأ الانتخابات القيادية لحماس داخل السجون الإسرائيلية بتشكيل لجان مركزيّة لكلّ سجن، تتفرّع عنها لجان فرعيّة في كلّ قسم، تشرف على الانتخابات فيه، مكوّنة من 3 أسرى، وترفع اللجان الفرعيّة تقاريرها إلى اللجنة المركزيّة.
 

في اليوم الانتخابي، يتمّ جمع الأسرى في ساحة السجن، فتجلس اللجنة إلى طاولة، وأمامها صندوق الانتخابات الفارغ ليضع الأسرى أوراقهم الانتخابية فيه، ثمّ يتمّ إغلاقه أمامهم، وفي السجون المركزيّة، توزّع القسائم على الغرف عبر الأسرى العاملين في لجان الطعام والنظافة، بحضور كلّ عناصر الغرفة.

 

مع العلم أن مصلحة السجون الإسرائيلية لا تسهّل العملية الانتخابية، بل إنّها تستهدف أحياناً من يتمّ انتخابهم بعزلهم في بعض الأقسام، لكنّها في النهاية مجبرة على التعامل معهم، لأنّهم يمثلون الأسرى في مطالبهم، وإلاّ فإنّها ستواجه حالاً من الفوضى داخل السجون تجلب لها المتاعب.

 

وفي بعض الأحيان تعتبر مصلحة السجون الإسرائيليّة هذه العمليّة الانتخابية داخل السجن شأناً داخليّاً لأسرى حماس، ولكن إن علمت باحتماليّة فوز مرشّحين مصنّفين خطرين حسب تقييمها، فإنّها تحول دون فوزهم في الانتخابات، بتنفيذ حملة تنقّلات لهم بين السجون تطالهم حتّى انتهاء الانتخابات.

 

تبدو قيادة حماس معنيّة بمشاركة جميع أسراها في الانتخابات دون استثناء، أمّا من اقترب موعد الإفراج عنه، فهو ينتخب فقط، ولا يترشّح، ويزيد عددهم عن 1800 أسير في السجون الإسرائيليّة، من أصل 7 آلاف معتقل فلسطينيّ من التنظيمات الفلسطينيّة كافّة.

 

هناك نوع آخر من الانتخابات لقيادة حماس داخل السجون الإسرائيلية، وهي انتخابات محليّة تجري لانتخاب قيادة كلّ سجن، توزّع فيها المقاعد على أمير السجن ونائبه، ومسؤولي اللجان: الأمنيّة، الماليّة، الثقافيّة والاجتماعية، ومدّة الدورة التنظيميّة 6 أشهر.

 

  • صناعة القرار

تعتبر الهيئة القياديّة العليا لأسرى حماس مسؤولة عن إدارة شؤونها داخل السجون الإسرائيليّة، وتمثل الأسرى من الضفّة الغربيّة والقدس وعرب48 وقطاع غزة، لأنّ أسرى غزّة بمعظمهم أفرجت عنهم إسرائيل، وغالبيّة أعضاء الهيئة من الشباب، من ذوي الأحكام العالية، ورفضت إسرائيل الإفراج عنهم في صفقة التبادل الأخيرة مع حماس خلال عام 2011، نظراً لخطورتهم.

 

ورغم أنّ أعضاء الهيئة القياديّة العليا المنتخبة لحماس ما زالوا خلف قضبان السجون الإسرائيليّة، لكنّهم يتمتّعون بنفوذ كبير لدى قيادة حماس خارج السجون، ولديهم ثقل تنظيميّ لا يستهان به لدى اتّخاذ الحركة قراراتها المفصليّة.

 

يمكن الاستدلال على هذه المسألة بالنظر إلى التشكيلة القيادية الجديدة لحماس خارج السجون للدورة الانتخابية التي شهدتها الحركة في 2017، وقد بدت مزدحمة بأسماء كبار الأسرى المحررين، ومن أبرزهم: صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي بغزة، فيما حظي الأسرى المحررون التالية أسماؤهم بعضوية المكتب السياسي: روحي مشتهى، موسى دودين، حسام بدران، زاهر جبارين، وغيره.

 

رغم كل ما أنجزته الهيئة القيادية لأسرى حماس داخل السجون الإسرائيلية، لكنها لم تنجح خلال السنوات الأخيرة في إيجاد صيغة لإعادة اللحمة الوطنية لكافة الأسرى في السجون، وترميم ما تركه الانقسام الفلسطيني على واقع الأسرى في السجون، رغم ما بذلته الهيئة من محاولات في العديد من المناسبات، رغم أن هناك من يقول أن الهيئة لم تقم بكل المطلوب منها.

 

وهناك من يعتقد أن انفتاح الهيئة القيادية على باقي الفصائل الفلسطينية كان محدوداً، وأقل من المطلوب في مجمل القضايا النضالية، وهو تراجع معين عما كانت عليه الفترة في فتراتها الأولى، رغم أن الهيئة ترى هذه الانتقاد مبالغاً فيه، لأنها حريصة على الشراكة والحوار الوطني المستمر مع كافة الفصائل.

 

لعل وجود الهيئة القيادية لأسرى حماس داخل السجون الإسرائيلية يجعلها تحت المجهر الأمني على مدار الوقت، بحيث تراقب كل تحركاتها، وتطلع على اتصالاتها، وربما تعرف مداولاتها، أولاً بأول.

 

أخيرا..تدل نتائج انتخابات الهيئة القيادية لأسرى حماس في السجون الإسرائيلية أن الأسرى احتفظوا بأوزانهم التنظيمية التي تحصلوا عليها داخل السجون، وخرجوا قادة، كما كانوا داخلها، مما يشير إلى دلالة كبيرة، وهي أن انتخابات الهيئة القيادية داخل السجون تلقي بظلالها على تركيبة قيادة حماس خارجها.

 

المصدر Middle East Monitor

https://www.middleeastmonitor.com
/20190121-the-significance-of-electing-a-new-hamas-leadership-in-israeli-prisons/?fbclid=IwAR2378bnTcrGNINiQlcpxyq48480_WLGlgYZl2Hp2GTxDKqR1R4tQhOtJFY