السلطة الفلسطينيّة ماضية في تجفيف منابع "حماس" الماليّة

  • الثلاثاء 04 ديسمبر 2018 06:53 م

السلطة الفلسطينيّة ماضية في تجفيف منابع "حماس" الماليّة

فيما تشهد علاقات "فتح" و"حماس" قطيعة تامّة وفشلاً في جهود المصالحة، وآخرها في 27 تشرين الثاني/نوفمبر حين أعلن حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لفتح أنه لا مصالحة إلا بإنهاء مظاهر سيطرة حماس على غزة، ورد عليه سامي أبو زهري الناطق باسم حماس في اليوم ذاته أن حماس فازت في انتخابات المجلس التشريعي 2006، وفتح سقطت فيها، وعلى فتح أن تتخلى عن سياسة العنجهية في علاقتها مع حماس.

 

بالتزامن مع هذه التطورات المتلاحقة، تقدّمت السلطة الفلسطينيّة بخطوة جديدة لملاحقة "حماس" في الضفّة الغربيّة، ليس أمنيّاً وسياسيّاً كما هي الحال منذ بدء الانقسام خلال عام 2007، وإنّما هذه المرّة ماليّاً واقتصاديّاً، مع أن هذه الخطوة من السلطة لم تكن نتيجة لفشل المصالحة مع حماس.

لقد صادقت الحكومة الفلسطينيّة في 22 تشرين الثاني/نوفمبر على الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لحماية الاقتصاد الفلسطينيّ، التي بدأ العمل بها من الفريق الوطني للتقييم الذي شكلته الحكومة الفلسطينية عام 2016، ويمثل المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني الفلسطيني، دون توضيح المزيد من المعلومات.

 

قامت الحكومة الفلسطينية باتّخاذ خطوات عمليّة للتعرّف على المخاطر وتحديدها، وتعزيز القدرات على إجراء التحقيقات والادّعاء والمقاضاة ومعرفة الجهة المستفيدة من التحويلات المصرفية وإجراءات الحجز والمصادرة في جرائم تمويل الإرهاب، وتعزيز التعاون المحليّ والدوليّ، وتعزيز أيضاً الرقابة والنزاهة والشفافيّة في القطاع الماليّ.

 

لم تذكر الحكومة الفلسطينيّة "حماس" بالاسم في قرارها، لكنّ كلمة الإرهاب وردت في خطابات الرئيس محمود عبّاس خلال مناسبات عدّة هذا العام، وأقرنها بالعمليّات المسلّحة التي تنفّذها "حماس" ضدّ إسرائيل، كخطابه في الأمم المتّحدة بـ27 أيلول/سبتمبر حين ذكر كلمة الإرهاب 8 مرّات.

 

وفي 15 نيسان/أبريل، أعلن محمود عبّاس في حوار لوكالة الأنباء السعودية، أنّ فلسطين تدعم محاربة الإرهاب بكلّ أشكاله وفي أيّ مكان، على المستويات المحليّة والإقليميّة والدوليّة.

 

وفي كانون الثاني/يناير، قال خلال كلمة ألقاها في القاهرة: إنّ الفلسطينيّين سيستخدمون كلّ الخيارات لحماية حقوقهم من دون اللجوء إلى الإرهاب.

 

وقال وزير العمل والتخطيط الفلسطينيّ السابق في رام الله وكبير باحثي "معهد أبحاث السياسات الاقتصاديّة الفلسطينيّ - ماس" سمير عبد الله لـ"المونيتور": "إنّ تطبيق هذه الاستراتيجيّة مهمّ لوقف الإضرار بالاقتصاد الفلسطينيّ، فمن اللاّزم أن تعرف الجهات والسلطات المسؤولة أسباب انتقال الأموال بين البنوك وتحديد مصدر وصولها والجهة المستفيدة منها، رغم أن ذلك قد يؤثر على السرية المصرفية، فهناك قوائم سوداء لدى البنوك لبعض المواطنين لا يستطيعون فتح حسابات فيها".

 

أحمد، اسم مستعار لموظف بأحد البنوك الفلسطينية بغزة، رفض كشف اسم البنك، قال "للمونيتور" أن "السلطة الفلسطينية تزود البنوك الفلسطينية بقوائم سوداء بين حين وآخر لمواطنين يمنع فتح حسابات بنكية لهم، أو يطلب من البنوك إغلاق حساباتهم، وتشتبه السلطة بأنهم ينقلون أموالا من غزة إلى الضفة، خاصة من حماس، وحين يأتي أحد المواطنين لفتح حساب بنكي بأحد البنوك يعتذر له البنك بناء على طلب السلطة الفلسطينية".

 

تزامنت المصادقة على هذه الاستراتيجيّة من الحكومة الفلسطينية مع اعتقال السلطة الفلسطينيّة الشابّة سهى جبارة من رام الله، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، بتهمة جمع وتلقّي أموال غير مشروعة، وقد أضربت منذ 22 تشرين الثاني/نوفمبر عن الطعام لسوء ظروف اعتقالها.

 

فيما دأبت "حماس" في السنوات الأخيرة على اتّهام السلطة بمصادرة ملايين الدولارات من أموالها. وفي عام 2015، أجبرت السلطة فلسطينيّين في الضفّة تتهمهم بأنهم من عناصر حماس على سحب أموالهم من البنك ومصادرتها، بزعم وصولها من "حماس" في قطاع غزة.

 

وفي هذا السياق، قال الناشط في العمل الخيريّ بغزّة نزيه البنّا، الذي يقدم المساعدة للجمعيات الخيرية، لـ"المونيتور": "إنّ هذه الاستراتيجيّة هي تجسيد لإجراءات السلطة ضدّ الجمعيّات الخيريّة التي تواجه صعوبات بالغة بتحويل الأموال من غزّة إلى الضفّة، وبالعكس. وزادت الصعوبات منذ حزيران/يونيو من عام 2017، إذ باتت البنوك تطالبنا بتحديد الجهة المستفيدة، وتطلب فواتير ومستندات تفصيليّة حول التحويلات البنكية للجمعيات الخيرية".

 

تواجه الجمعيات الخيرية الفلسطينية مضايقات تفرضها إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لأنها تتهمها بدعم حماس مالياً، رغم عدم ثبوت قضايا محددة بوصول أموال من الجمعيات لموازنة حماس، فعمدت إسرائيل والسلطة خلال السنوات الماضية، خاصة مع بدء الانقسام الفلسطيني في 2007، لتجفيف منابع الجمعيات.

 

بجانب جهود السلطة لمصادرة أموال "حماس"، شنّ جهاز الأمن الإسرائيليّ "الشاباك" في أيلول/سبتمبر حملة كبيرة ضدّ أموال الحركة في القدس والضفّة، وصادر 300 ألف شيكل بجانب مجوهرات ومركبات، من أشخاص ينتمون لحماس، لم يذكر عددهم.

 

وفي أيّار/مايو، أعلن الجيش الإسرائيليّ مصادرة 2.5 مليون شيكل من الضفّة خلال عام 2017، أرسلتها عناصر من "حماس" في قطاع غزة أو خارج الأراضي الفلسطينية إلى رفاقهم في حماس داخل الضفة الغربية.

 

وزعم موقع "ويللا" الإسرائيليّ في عام 2017، أنّ "حماس" طوّرت وسائل تهريب الأموال إلى الضفّة، عبر شركات وجمعيّات وحسابات وهميّة في البنوك واستخدام تطبيقات الهواتف الذكيّة للقيام بحوالات بنكيّة.

 

يذكر الموقع الإسرائيلي أن الأموال التي ترسلها حماس من غزة لنشطائها بالضفة، يتم توزيعها على عائلات الأسرى والشهداء الذين تقتلهم القوات الإسرائيلية خلال تنفيذ عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار، واستغلال حماس لهذه الأموال بتشكيل خلايا عسكرية تابعة لها في الضفة.

 

وقال مسؤول فلسطينيّ قريب من عبّاس، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة هي جزء من المجتمع الدوليّ، ولا تستطيع التخلّف عن أيّ توجّهات ضدّ ما يعرّض أمن المنطقة للخطر، فهذه الأخطار قد تحدق بنا، الأمر الذي يجعلنا نمضي في محاصرة نقل الأموال داخل أراضينا بطرق غير مشروعة".

 

واضح أنّ هذه القضيّة تشكّل حيّزاً في اهتمامات السلطة الفلسطينيّة، إذ انعقدت في تمّوز/يوليو برام الله ندوة لتقييم مخاطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بحضور رئيس الوزراء رامي الحمد الله، الذي ذكر أنّ التصدّي للجريمتين لمواجهة التحدّيات الإقليميّة والدوليّة ومواكبة الجهد الدوليّ، استناداً إلى قراريّ مجلس الأمن لمكافحة تمويل الإرهاب رقميّ 1373 و1267 لسنة 1999.

 

وقال رئيس لجنة الرقابة في المجلس التشريعيّ عن "حماس" يحيى موسى لـ"المونيتور": "السلطة ماضية ضمن منظومة دوليّة وإقليميّة لحماية إسرائيل بتجفيف منابع حماس. هذه الاستراتيجيّة هي استمرار للسيطرة الأمنيّة الأميركيّة على أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، بحيث جعلت أجندتها منسجمة مع رغبة إسرائيل وأميركا لمحاربة ما تصفه بالإرهاب، الأمر الذي يقضي على آمال المصالحة مع حماس".

 

يبدو أن واشنطن ليست بعيدة عن المشاركة في الجهد الفلسطينيّ لوقف تمويل الجماعات المسلّحة. ففي 20 أيلول/سبتمبر، أكّدت الخارجيّة الأميركيّة أنّ السلطة تواصل جهودها لمكافحة الإرهاب وإجراء تحقيقات لمحاكمات تمويله، وأنّ قوانين السلطة تجرّم تقديم الدعم الماليّ إليه.

 

وفي تمّوز/يوليو من عام 2017، أطلع محافظ سلطة النقد الفلسطينيّة ورئيس اللجنة الوطنيّة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب عزّام الشوّا، مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّ السفير وليام براون فيلد على جهود السلطة لمكافحة تمويل الإرهاب.

 

من جهته، قال الخبير الأمنيّ والمتحدّث السابق باسم وزارة الداخليّة في غزّة إسلام شهوان لـ"المونيتور": "إنّ السلطة بهذه الاستراتيجيّة تنخرط في التحالف العسكريّ الإسلاميّ لمحاربة الإرهاب بالسعوديّة، وترجمت انخراطها هذا بملاحقة الجمعيّات الخيرية ورجال الأعمال والتجّار، وقامت بإغلاق حساباتهم البنكيّة، ومصادرة أموالهم، والتحقيق معهم بتهمة دعم حماس ماليّاً، ونقل أموال من غزّة والخارج إلى الضفّة".

 

"حماس" تواجه في الضفّة الغربيّة صعوبات كبيرة من السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، اللتين تقفان لها بالمرصاد أمام أيّ جهود تبذلها لوضع موطئ قدم لها هناك، لا سيّما من خلال نقل الأموال، سواء أكان لدعم أسر الشهداء والجرحى أم لإقامة بنية تحتيّة تنظيميّة.

 

وفي ظل أن الاستراتيجيّة الفلسطينيّة لمكافحة تمويل الإرهاب جاهزة لكبح جماح أيّ حراك لـ"حماس" ووأده في مهده، فإنها تفرض على "حماس" تحدّياً في كيفيّة العثور على طرق بديلة للالتفاف على هذه الاستراتيجيّة.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com
/pulse/ar/contents/articles/originals/2018/11/pa-palestinian-government-combating-terrorism-hamas-economy.html