السعوديّة تكافئ السلطة الفلسطينيّة ماليّاً عقب تضامنها معها

  • الأربعاء 28 نوفمبر 2018 08:47 ص

السعوديّة تكافئ السلطة الفلسطينيّة ماليّاً عقب تضامنها معها

تعاني السلطة الفلسطينيّة منذ بداية العام الجاري من أزمة ماليّة متزايدة، في ظلّ تدنّي مستوى الدعم الخارجيّ لموازنتها والتوقّعات المستقبليّة بتراجعه نتيجة الأوضاع السياسيّة الراهنة، الأمر الذي سيساهم في عدم قدرتها على أداء واجباتها وتحقيق التزاماتها الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعيّة على كلّ الأصعدة، وقد بلغ العجز الماليّ في موازنتها لعام 2018، 2.6 مليار شيكل، بما يعادل 900 مليون دولار.

 

تعيش السلطة الفلسطينية أزمة مالية متصاعدة منذ أغسطس 2018، حين قطعت واشنطن 200 مليون دولار، تمول مشاريع في الأراضي الفلسطينية وتساهم برواتب موظفي السلطة، عقب الإعلان الأمريكي للقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر 2017، ونقلها لسفارتها للقدس في مايو 2018، مما دفع السلطة الفلسطينية للبدء بإجراءات تقشفية شديدة طالت رواتب موظفيها، وتخفيض ميزانيات العديد من القطاعات الحكومية، بعد انخفاض المساعدات الخارجية المقدمة للسلطة الفلسطينية بنسبة 70%.

 

فجأة، أعلن السفير السعوديّ في الجامعة العربيّة أسامة نقلي في 11 تشرين الثاني/نوفمبر تحويل مبلغ قدره 60 مليون دولار للسلطة الفلسطينيّة، وهو قيمة مساهمات المملكة الشهريّة عن أشهر آب/أغسطس، أيلول/سبتمبر، وتشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2018، وأكد أن المملكة ستستمر دوماً بدعم القضية الفلسطينية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والإنسانية.

 

صحيح أن السفير السعودي لم يأت على ذكر مكافأة السلطة الفلسطينية على دعمها للسعودية في قضية خاشقجي، لكن استئناف السعوديّة دعمها للفلسطينيّين المتأخّر 3 أشهر يطرح تساؤلات عدّة، دون تفسير سعودي لسبب التأخير بصرف هذا الدعم للفلسطينيين، مما يفسح المجال لربط وصول هذا الدعم في هذا الوقت بالذات بالموقف الرسميّ للسلطة الفلسطينيّة المتضامن مع المملكة في قضيّة مقتل الصحافيّ السعوديّ جمال خاشقجي في تشرين الأوّل/أكتوبر داخل القنصليّة السعوديّة بإسطنبول.

 

لقد سبق استئناف الدعم السعوديّ للسلطة، أن ثمّنت الرئاسة الفلسطينيّة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر إجراءات المملكة في قضيّة جمال خاشقجي وثقتها بالقضاء السعوديّ. وفي 20 تشرين الأوّل/أكتوبر، أعلنت السلطة تبنّيها رواية الرياض في قضيّة خاشقجي. وفي 14 تشرين الأوّل/أكتوبر، أصدر الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس بياناً أكّد أنّ فلسطين ستبقى بجانب المملكة.

 

وقال مسؤول فلسطينيّ في وزارة الخارجيّة برام الله، أخفى هويّته، في حديث لـ"المونيتور": "إنّ موقف السعوديّة من دعم القضيّة الفلسطينيّة أحد ثوابتها الرئيسيّة، لعلّ أهمّها التزام المملكة منذ سنوات طويلة بدعم موازنة السلطة الفلسطينيّة نقدا ومباشرة، أو مساهماتها الكبيرة في إسناد قطاعات الصحّة والتعليم والإسكان، والإعفاءات الجمركيّة عن المنتجات الفلسطينيّة، وإنشاء صناديق ماليّة لدعم الفلسطينيّين".

 

شهدت العلاقات السعودية الفلسطينية في نوفمبر 2017 توترا واضحاً عقب طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعم الرؤية الأمريكية للسلام مع إسرائيل، مما أسفر عن فتور في علاقات رام الله مع الرياض، وتسبب بتوقف الدعم السعودي عن الفلسطينيين عدة أشهر.

 

لكن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أعلن في يوليو 2018 دعم موقف الفلسطينيين من مستقبل الصراع مع إسرائيل، بعكس موقف ابنه ولي العهد محمد بن سلمان الذي حاول فرض رؤيته على الرئيس عباس.

 

وفي 19 نوفمبر أعلن الملك سلمان بن عبد العزيز خلال خطابه أمام مجلس الشورى السعودي أن القضية الفلسطينية ستبقى قضيتنا الأولى، حتى يحصل الشعب الفلسطيني على جميع حقوقه المشروعة.

 

واللاّفت أنّ السلطة الفلسطينيّة بدعمها للسعوديّة في قضيّة خاشقجي، تحدّت الشارع الفلسطينيّ الذي عارض المملكة، سواء بالعرائض الصحافيّة المطالبة بكشف قتلة خاشقجي أم بمواقف الكتّاب الفلسطينيّين المنزعجة من سلوك السعوديّة في هذه القضيّة، وجاءت المظاهر الفلسطينيّة الأخيرة المناهضة لموقف السعوديّة في 16 تشرين الثاني/نوفمبر، حين أدّى المصلّون في المسجد الأقصى الصلاة عن روح خاشقجي.

 

من جهته، قال مدير دائرة البحوث في "المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة –مسارات" خليل شاهين في حديث لـ"المونيتور": "إنّ دعم السعوديّة يعني أنّها مرتاحة لموقف السلطة الفلسطينيّة في قضيّة خاشقجي، حيث اتّبعت السلطة سياسة تقوم على عدم إزعاج المملكة، الأمر الذي جعلها تحظى بهذا الدعم الماليّ، رغم أن هذا الدعم لم يكن قد وعدت به السطة الفلسطينية من السعودية قبل قضية خاشقجي. تدرك السلطة أنّ المنطقة تشهد حالة من الاصطفاف الإقليميّ، وترى أنّ وقوفها بجانب السعوديّة سيعود عليها بالإسناد الماليّ والتأييد السياسيّ، ولم يعد سرّاً أن الرئيس عبّاس مطمئن إلى موقف الملك السعوديّ سلمان بن عبد العزيز برفضه لصفقة القرن الأميركيّة، وعدم إجباره الفلسطينيّين على سياسات لا يريدونها".

 

وأعلنت السعوديّة في أيّار/مايو عبر تصريح للديوان الملكيّ أنّ مساعداتها الإنسانيّة والتنمويّة للشعب الفلسطينيّ بين عاميّ 2000 و2018 بلغت 6 مليار دولار، لكنّ استئناف دعمها للسلطة الفلسطينيّة قبل أيّام يطرح 3 ملاحظات:

 

الأولى، صعوبة أن تستأنف الرياض دعمها لرام الله من دون تنسيق مع واشنطن، لأنّها لا تمتلك الجرأة الكافية لتحدّي إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في ظلّ التوتّر بينهما بسبب قضيّة خاشقجي، ما يعني أن الرياض حصلت على مباركة واشنطن لاستئناف دعمها للسلطة الفلسطينية.

 

الثانية، إنّ تزامن استئناف الدعم السعوديّ للسلطة الفلسطينيّة مع الدعم القطريّ لغزّة في تشرين الأوّل/أكتوبر بـ150 مليون دولار، يكشف التنافس الإقليميّ بين السعودية وقطر على زيادة نفوذهما في الأراضي الفلسطينيّة.

 

الثالثة، إنّ السعوديّة بهذا الدعم الماليّ للسلطة الفلسطينيّة، ربّما أرادت التغطية على علاقاتها مع إسرائيل، ووقف أيّ اعتراض فلسطينيّ عليها.

 

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة "النجاح" الوطنية في نابلس نائل موسى لـ"المونيتور": "إنّ الدعم الماليّ السعوديّ الأخير للسلطة الفلسطينيّة يأتي لتثبيت بقائها وتمكينها من إدارة مهامها في الضفّة الغربيّة، لأنّ المصلحة الأميركيّة والإسرائيليّة تقضي بعدم انهيار أوضاع الأراضي الفلسطينيّة. ولذلك، فهي مساعدات سعوديّة موقّتة دون أن تقول السعودية ذلك، لكنها تهدف إلى عدم انفجار الظروف المعيشيّة في الضفّة الغربيّة بعد التراجع المتسارع في الدعم الدوليّ للسلطة الفلسطينيّة. كما أنّ العلاقات التجاريّة السعوديّة - الفلسطينيّة في أدنى مستوياتها، وتقتصر على صادرات فلسطينيّة بسيطة للمملكة كالأجبان وزيت الزيتون".

 

أتى الدعم السعوديّ للسلطة المقدّر بـ60 مليون دولار، عقب دعم كبير قدّمته قطر إلى قطاع غزّة بـ10 تشرين الأوّل/أكتوبر، حيث تسيطر "حماس"، بقيمة 150 مليون دولار، كمساعدات إنسانيّة عاجلة للتخفيف من تفاقم المأساة الإنسانيّة في قطاع غزّة المحاصر منذ عام 2006، الأمر الذي يكشف نوايا السعوديّة بعدم احتكار قطر المساعدات الماليّة للفلسطينيين والعمل على مزاحمتها في هذا الدور، خصوصاً في ضوء الأزمة المتصاعدة بينهما منذ يونيو/حزيران من عام 2017، وبدأت المقاطعة الخليجية لقطر منذ يونيو 2017.

 

وفيما شكرت "حماس" قطر في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر لدعمها غزّة، صمتت إزاء دعم السعوديّة للسلطة. أمّا "فتح" فوصفت دعم قطر لغزّة بأنّه يرسّخ الانفصال الفلسطينيّ.

 

وقال رئيس لجنة الموازنة والشؤون الماليّة في المجلس التشريعيّ عن حماس جمال نصّار خلال حديث لـ"المونيتور": "إنّ المساعدات الماليّة السعوديّة للسلطة الفلسطينيّة لا تكفي لإسنادها في أزمتها الخانقة، فهي فقط تساعد موقّتاً، لكنّها لا تقدّم دعماً كافياً مع تزايد مصاريف السلطة، الأمر الذي يجعلها مساعدات ذات بعد إعلاميّ دعائيّ، وليست ذات مردود حقيقيّ لإنعاش السلطة الفلسطينيّة ماليّاً".

 

وأخيراً، تتزامن الأزمة الماليّة الخانقة للسلطة الفلسطينيّة مع تراجع كبير في الدعم الدوليّ، الأمر الذي يجعلها تتمسّك بأيّ دعم يأتي من الخارج، ولعلّ السعوديّة تعتبر هدفاً مفضّلاً للسلطة للإبقاء على دعمها الماليّ، ولو كان متقطّعاً.

 

كما أنّ مخاوف السلطة الفلسطينيّة من اقتراب إعلان صفقة القرن الأميركيّة تجعلها قريبة من السعوديّة، التي تراجع دعمها لهذه الصفقة، حتّى لو كان ذلك من خلال إعلان مواقف سياسيّة داعمة للمملكة في قضيّة خاشقجي تتعارض مع الرأي العام الفلسطينيّ وتحصل مقابلها على دعم ماليّ سعوديّ هي في حاجة إليه.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com/
pulse/ar/contents/articles/originals/2018/11/saudi-arabia-resume-aid-palestinian-authority.html