الأسير... نظرة من غزة

  • الأربعاء 17 يناير 2018 11:12 م

عنوان الكتاب: الأسير... نظرة من غزة

0011.jpg

المؤلف: سليمان الشافعي

جهة الإصدار: يديعوت أحرونوت

عدد الصفحات: 188 صفحة

تاريخ الصدور: أيلول 2009

اللغة العبرية
          

"ذات صباح في صيف عام 2006، حل انقلاب في حياة جندي من سلاح المشاة الإسرائيلي، لم يتجاوز عمره الـ21 عاماً، فقد وقع في أسر خلية عسكرية من حركة حماس، مكثت تتدرب على عملية أسره عدة أشهر، ونجحت في التسلل إلى موقع عسكري في معبر كرم أبو سالم، على الحدود مع قطاع غزة، وبعد إدارة اشتباك عسكري مسلح، وإطلاق نار كثيف، نجح اثنان من أفراد الخلية في اقتياد "جلعاد شاليط" وتكبيله، وسحبه إلى داخل قطاع غزة".

بهذه المقدمة، يبدأ الصحفي "سليمان الشافعي" سطور كتابه المعنون بـ"الأسير: نظرة من غزة"، الكتاب الأول من نوعه الصادر في إسرائيل أواخر العام 2009، ويتناول قضية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حركة حماس، بعد مرور ما يزيد من ألف يوم على أسره في قطاع غزة.

  • تحت الأرض

يكتسب الكتاب أهميته من أمور هامة:

  • أولهما أن المؤلف "الشافعي" الذي يعمل مراسلاً ميدانياً للقناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية منذ عدة سنوات، وهو بالتالي متابع حثيث ومراقب دقيق لمجريات الوضع في غزة.
  • ثانيهما أن الكتاب يرى النور في وقت يشتد الحديث فيه عن صفقة التبادل المتوقعة بين إسرائيل وحركة حماس، وبموجبها قد يرى "شاليط" النور مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين.
  • إلى جانب ما تقدم، يشير مؤلف الكتاب إلى أنه جمع إفادات وشهادات من عدد من قيادات حماس وكوادرها، ومن مصادر أجنبية أخرى، وهي أطراف راقبت عن كثب التفاصيل الدقيقة التي واكبت أسر الجندي منذ يوم اختطافه، وكانت لها بعض الصلات مع آسريه.
  • كما يحتل الكتاب أهمية إضافية في كونه يكشف النقاب عن طبيعة عملية الأسر التي تمت، من النواحي الميدانية والتقنية، وما يقول عنه من نقاشات داخل حماس حول الأسر، والصراع الحقيقي الذي أدارته حماس مع السلطة الفلسطينية، بما كان سيؤثر حتماً على مصير الجندي داخل غزة، والمفاوضات التي جرت منذ اللحظة الأولى لتحريره وإطلاق سراحه.

ويرى المؤلف أن حركة حماس تنظر للجندي "شاليط" على أنه "كنز استراتيجي"، سيمنحها في حال إبرام الصفقة المأمولة أهمية شعبية ورصيداً وجماهيرياً أكثر من أي أمر آخر.

ويتحدث الكتاب عن بقاء "شاليط" طوال السنوات الثلاث الماضية في مخبأ تحت الأرض بعدة طوابق، ويحاط مكانه بسرية فائقة، كما أنه واجه معاناة كبيرة خلال أسره، لعل أهمها إصابته بيده، وعلاجه بطريقة سرية ومتكتمة، بحيث لم ترسل حماس له طبيباً معروفاً ماهراً خوفاً من اكتشاف الأمر.

الغريب أن الكتاب يكشف النقاب عن أمور جديدة، لا يعرف مدى دقتها أو حقيقتها، ومنها أن "شاليط" رفض في بداية أسره تناول الطعام، مما اضطر آسريه لإجباره على تناول الماء المملح، واحتاج لتناول أقراص مهدئة في بداية الأمر، كما واجه عدة أزمات نفسية خلال فترة أسره، لكنه سرعان ما تعافى بعد مرور بعض الوقت.

  • دعاية "حمساوية"

يقر المؤلف، وهو الذي تربطه علاقات وثيقة الصلة بالمؤسسة الإسرائيلية، أن تل أبيب بذلك جهوداً أمنية استخبارية وعسكرية "مضنية" للعثور على الجندي، بما فيها الوسائل التقنية الالكترونية الدقيقة، إلى جانب تشغيل عدد هائل من العملاء والمتعاونين والجواسيس.

ووصل الأمر بها لأن تعلن عن منح جائزة تقدر بقيمة عشرة ملايين دولار لكل من يدل على مكان أسر الجندي، ومع ذلك، فلم يكن لكل هذه المغريات أي أثر أو جدوى.

يظهر الكتاب أن المؤلف أول من يظهر تفاصيل دقيقة يعرفها القارئ الإسرائيلي عن حادثة الأسر، ويكشف للإسرائيليين التسجيل الذي أصدره الآسرون بصوت "شاليط" لأول مرة، في ضوء أنه يمتلك مصادر وثيقة ومطلعة في قطاع غزة.

الجدير بالذكر أن الكتاب فور خروجه إلى المكتبات، لاقى رواجاً منقطع النظير، وهو الصادر عن أكبر دار نشر في إسرائيلي، وقد توجه محرر الكتاب إلى عائلة "شاليط"، لتسليمهم النسخة الأولى منه، بعد أخذ الموافقة منهم على نشره.

إلا أن الغريب أن نخبة غير قليلة من الأوساط الثقافية والسياسية الإسرائيلية رأت في الكتاب دعاية "حمساوية" ذكية، لأنه يأتي في إطار الحملة الإعلامية التي درجت حماس على شنها وترتيبها منذ اليوم الأول لاختطاف "جلعاد"، للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي ضد حكومته، وذهب آخرون لاتهام المؤلف بـ"الخيانة"، وتقديم خدمات لحركة حماس.

كما اتهمت أوساط أخرى المؤلف بالاستناد في تأليف كتابه على معلومات وتسريبات مقربة وموثوقة من حركة حماس وآسري الجندي، ونجاحها بالتالي في دخول إلى قلب النقاش الفكري والسياسي الحاصل في إسرائيل حول مصيره، والضغط على الحكومة للمضي قدماً في إبرام الصفقة المأمولة، حتى لو كانت مقابل دفع ثمن باهظ ثقيل على نفوس الإسرائيليين.

لاسيما وأن الكتاب يقدم صورة مغايرة لظروف الأسر التي يعيشها "شاليط" بأيدي حماس، بعكس ما تروجه المؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأمنية، عما يلاقيه من إهانة وإذلال، فهو يزود القارئ بمعلومات تنشر لأول مرة عن أوضاع وظروف جيدة بالقياس لما يواجهه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية.

  • الثمن المكلف

كتاب الشافعي، يصدر بالتزامن مع كتاب آخر لمؤلف إسرائيلي يهتم بالشؤون الأمنية والإستراتيجية هو "د. رونين بروغمان" بعنوان: "إسرائيل والمعركة السرية حول الأسرى والمفقودين"، وهو يقدم سرداً تاريخياً وافياً لأبرز صفقات التبادل التي أجرتها تل أبيب مع عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية لاستعادة جنودها الأسرى، وربما يرمي الكاتب من ذلك إلى محاولة التأثير على الرأي العام الإسرائيلي، لمحاولة المضي قدماً في إبرام الصفقة الحالية لاستعادة "شاليط".

ومن أهم هذه الصفقات كما أوردها "بروغمان":

  • بتاريخ 1 يناير كانون ثاني 1970 أسرت حركة فتح الجندي الإسرائيلي "شموئيل ؤوزنسور"، وكان يعمل حارساً ليلياً في مستوطنة "مطولا"، وبعد مرور 14 شهراً تم إجراء صفقة التبادل، تم الإفراج عن الأسير الفلسطيني محمود حجازي مقابل استعادة الجندي.
  • بتاريخ 14 مارس آذار 1979 أطلقت منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، سراح الجندي الإسرائيلي "أبراهام عميرام" مقابل الإفراج عن 76 أسيراً فلسطينياً، من بينهم 20 أسيراً هناك "دم على أيديهم" بالتصنيف الإسرائيلي.
  • بتاريخ 22 مايو أيار 1985 جرت صفقة التبادل الأكثر شهرة مع أحمد جبريل، وتم إطلاق سراح 1150 أسيراً فلسطينياً بينهم الشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة حماس، مقابل استعادة 3 جنود إسرائيليين.
  • في يناير كانون ثاني 2004 أطلقت إسرائيل سراح 364 أسيرا فلسطينياً مقابل استعادة أحد ضباط الموساد السابقين "إلحنان تننباوم" الذي اختطفه حزب الله.

المشكلة التي تواجه إسرائيل في إطلاق سراح أسرى فلسطينيين "على أيديهم دم" تتمثل في تنامي خطرهم بعد الإفراج عنهم، لأنهم سيعودون حتماً لذات الطريق التي دخلوا السجن من أجلها وهي المس بإسرائيليين ومحاولة قتلهم، وربما هذه أحد أهم الأسباب التي تدفع بجهاز الشاباك لمعارضة إطلاق سراحهم.

يستشهد "بروغمان" على مزاعمه بالقول أنه من بين الـ364 أسيراً فلسطينياً أطلق سراحهم في صفقة "تننباوم"، أعيد اعتقال 30% منهم من جديد لتورطهم بأعمال عدائية ضد إسرائيل مرة ثانية، ومن بين 238 أسيراً فلسطينياً أطلق سراحهم في إحدى صفقات أحمد جبريل اعتقل ثانية 48% منهم.

  • شهادات حية

لعل ما فاجأ الإسرائيليين في أمر الكتاب، أنه فور صدوره قررت إدارة القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي فصله من عمله، لأنه لم يستأذن منها في نشره، فيما تتهم أوساط أخرى أن قرار الفصل جاء بعد أن احتوى الكتاب معلومات تنشر لأول مرة حول تفاصيل عملية أسر "شاليط"، وبعض الجوانب الشخصية والمعيشية، والظروف النفسية، والأوضاع الصحية، التي يتمتع بها شاليط في أسر حماس، وهو ما قد يضر بالإجراءات الأمنية التي تسعى أجهزة الأمن الإسرائيلية للتكتم عليها.

أكثر من ذلك، فإن المؤلف يبقي على التكتم على مصادره التي زودته بهذه المعلومات، سواء من بعض كوادر حماس في غزة، ورفح، والقاهرة، وعدد من العواصم العربية.

والمطالع لصفحات الكتاب يشعر كما لو كان الشافعي داخل الغرفة التي يحتجز فيها شاليط، والتفاصيل الدقيقة الواردة فيه تظهر أن آسري الجندي بأنفسهم هم من تحدثوا إليه، مع التأكيد على أن المؤلف ذاته يشير إلى أن حراس "شاليط" والقائمين على إخفائه يعيشون بمعزل عن العالم الخارجي، ومنقطعون عن كل ما يتصل بما هو خارج غرفة الاحتجاز.

ومما ورد في الكتاب صفحة 45: "في أول لحظات احتجازه، كان "شاليط" مصاباً في يده، وهناك خدوش في جلده، مما أضاف له ألماً فوق ألم إصابته النارية، ووضعه النفسي حينها في غاية السوء، وكل عدة ساعات كان يصاب بحالة هلع ورعب، واعتاد على الصراخ بأعلى صوته" أمي...أمي..دون إجابة".

 وفي صفحة 77 يضيف المؤلف: "بعيداًَ عن أي تهديدات شخصية مارسها الآسرون عليه، فقد تملك الخوف من الموت من سلوكيات وممارسات "شاليط"، وأخذ وضعه يزداد خطورة يوماً بعد يوم، وأخذت حالته "الهستيرية" تتطور رويداً رويداً، لدرجة جعلت آسريه يشعرون فعلاً بالخوف على حالته النفسية من الوصول إلى مرحلة لا يرتجى منها الشفاء".

ينتقل الكاتب في صفحة 111 للقول: "في كل لحظة يفتح فيها باب غرفته الصغير، لإدخال الطعام والماء، كان ينفجر بالبكاء صارخاً بصورة هستيرية، ويرجو آسريه قائلاً: لا أريد الموت..لا أريد أن أموت".

يتلقى المؤلف شهادات إسرائيلية جادة بأن المعلومات التي أوردها في كتابه حول تفاصيل عملية الأسر كانت دقيقة وأمينة وموثوقة، فيما يبدون بعض التشكك حول ما أورده من تفاصيل تنشر لأول مرة عن ظروف احتجاز الجندي، وكأنهم يغمزون بقناة ان تكون حركة حماس قد زودته بهذه المعلومات رغبة منها في التأثير على عائلته، لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لإبرام الصفقة معها.

الكتاب يكشف النقاب عن أن إسرائيل وضعت أهدافاً غير معلنة لحربها الأخيرة على غزة، لعل من أهمها محاولة التخلص من "شاليط" عبر التعرف على مكان احتجازه، وتفجيره بمن فيه، مستنداً في ذلك إلى مصادر مطلعة لم يفصح عن هويتها، وهو ما أثار جدلاً صاخباً في إسرائيل، واتهام الحكومة بالتفريط في حياة جنودها، بل وقتلهم، بدلاً من محاولة تخليصهم ودفع الثمن لذلك، حتى لو كان باهظاً ومكلفاً ومؤلماً.

  • السيرة الذاتية


سليمان الشافعي، هو صحفي بدوي من إسرائيل، من سكان قرية رهط البدوية، حصل على الشهادة الجامعية الأولى في التاريخ والفلسفة من جامعة بن غوريون في بئر السبع.

بعد تخرجه عمل في صحيفة أخبار النقب، ثم صحيفة "حداشوت"، وما لبث أن انتقل للعمل مراسلاً للقناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي للشؤون الفلسطينية، بين عامي 1993-2009، وتركزت تقاريره التلفزيونية على الظروف المعيشية والأحوال السياسية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كان الصحفي الإسرائيلي الأول الذي زار العاصمة السورية دمشق في يوليو تموز 2000 للمشاركة في إحياء ذكرى الأربعين لوفاة الرئيس السابق حافظ الأسد، وبث تقارير حية ومباشرة من هناك، وإجراء مقابلات مع مسئولين كبار ورؤساء جامعات، وإعداد تقارير من أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا المعروف بمخيم اليرموك، كما التقى مع زعماء المنظمات الفلسطينية المقيمة في دمشق مثل: أحمد جبريل، خالد مشعل، فاروق القدومي، نايف حواتمة، وآخرين.

في أحد تقاريره التلفزيونية كشف النقاب عن إلغاء سلاح الجو الإسرائيلي لقرار في الدقيقة التسعين بقصف منزل الشيخ أحمد ياسين في غزة بعد أن تبين أن الشافعي وطاقم القناة الثانية كان يعد تقريره من أمام المنزل.