المصالح المتبادلة وتطوّرات الإقليم تزيدان التقارب الفلسطينيّ - التركيّ

  • الثلاثاء 06 نوفمبر 2018 06:19 م

المصالح المتبادلة وتطوّرات الإقليم تزيدان التقارب الفلسطينيّ - التركيّ

تشهد العلاقات بين السلطة الفلسطينيّة وتركيا تنامياً ملحوظاً في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة، إذ تحوّلت أنقرة في الأشهر الأخيرة إلى العاصمة الإقليميّة التي يزورها الفلسطينيّون أكثر من سواها، سياسيّاً وسياحيّاً، وباتت التصريحات المتبادلة دافئة بصورة لافتة، بعيداً عن المجاملات الديبلوماسيّة الباردة.

 

والتطورات الإيجابيّة الأخيرة في العلاقات التركيّة - الفلسطينيّة تمثّلت بتهنئة الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر نظيره التركيّ رجب طيّب أردوغان، بعيد إعلان الجمهوريّة، معرباً عن تقديره العميق لعلاقات الأخوّة الوطيدة بين الشعبين، فيما قام وزير الخارجيّة الفلسطينيّ رياض المالكي بزيارة رسميّة لأنقرة في 25 تشرين الأوّل/أكتوبر، والتقى نظيره التركيّ مولود جاويش أوغلو، وعقدا مؤتمراً صحافيّاً في اليوم ذاته، قال فيه مولود جاويش أوغلو: "إنّنا نقف دائماً بجانب أشقّائنا الفلسطينيّين، لأنّ فلسطين والقدس خطّ أحمر لنا، وسنواصل الدفاع عنهما في العالم برمّته، ولو تركها الجميع".

 

أمّا رياض المالكي فأكّد "أهميّة الدعم التركيّ لفلسطين في مختلف المجالات، لأنّنا بفضله نمتلك القوّة للتصدّي لكلّ المخاطر. وبعد القرار الأميركيّ بقطع المساعدات عن وكالة الأونروا، عملنا على سدّ العجز مع تركيا".

 

وفي 26 أيلول/سبتمبر، التقى محمود عبّاس في نيويورك رجب طيّب أردوغان، على هامش اجتماعات الدورة الـ73 للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، وأطلعه على المستجدّات الميدانيّة، في ظلّ انسداد عمليّة السلام والقرارات الأميركيّة الخاصة بعمليّة السلام، وشكره على الدعم الثابت للقضيّة الفلسطينيّة.

 

وقال السفير الفلسطينيّ في أنقرة فايد مصطفى لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة حريصة على التواصل الدائم مع تركيا كدولة إقليميّة كبيرة ونافذة وصاحبة تأثير، لأنّنا نجد في المقابل حرصاً تركيّاً على إقامة علاقة مميّزة مع الفلسطينيّين، وجاري العمل على مأسسة علاقاتنا الثنائيّة. وعلى الصعيد الاقتصاديّ، وقّعنا هذه السنة 15 اتفاقيّة حكوميّة مشتركة، وشكّلنا أجساماً ثنائيّة كمجلس التعاون الاقتصاديّ الفلسطينيّ - التركيّ واللجنة الحكوميّة التركيّة - الفلسطينيّة المشتركة، لأنّ تركيا شريك تجاريّ مهمّ لفلسطين".

 

تزداد المؤشّرات يوماً بعد يوم على أنّ الأتراك يعتبرون القضيّة الفلسطينيّة قضيّتهم الأساسيّة: رسميّاً وشعبيّاً، الأمر الذي يزيد من النقاط المشتركة بينهما والحرص المتبادل المشترك لتعزيز العلاقات الثنائيّة، بدليل ما نشهده من تقدّم كبير في الدعم التركيّ للفلسطينيّين.

 

لكنّ تطوّرين اقتصاديّين ماليّين لهما دلالة على تطوّر العلاقات الفلسطينيّة - التركيّة، أوّلهما أنّ أنقرة قدّمت في كانون الثاني/يناير 10 ملايين دولار نقديّاً إلى السلطة الفلسطينيّة للمرّة الأولى منذ تأسيسها، بعد أن كانت المساعدات الماليّة التركيّة تذهب لتنفيذ المشاريع الميدانيّة على الأرض. والتطوّر الثاني هو ترؤس تركيا اللجنة الاستشاريّة لـ"وكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللاّجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى–الأونروا" منذ تمّوز/يوليو، وتقوم هذه اللجنة بتقديم الاستشارات إلى المفوّض العام لـ"الأونروا" في المسائل المتعلّقة بالسياسات والعمليّات، وهي رئاسة دوريّة سنويّة، وقد سبق لـ"الأونروا" في أيّار/مايو أن أعلنت تلقّيها دعماً ماليّاً من تركيا بـ10 ملايين دولار لدعمها، والتبرّع بـ26 ألف طنّ من دقيق القمح لمساعدة مليون لاجئ فلسطينيّ في قطاع غزّة.

 

وقال مساعد رئيس تحرير مجلّة "رؤية تركيّة" في اسطنبول محمود الرنتيسي لـ"المونيتور": "إنّ العلاقات الفلسطينيّة بتركيا ازدادت مع بدء تنفيذ الإدارة الأميركيّة الجديدة لصفقة القرن، فشعرت تركيا بأنّ الفلسطينيّين بحاجة إلى دعمها السياسيّ والماليّ. ولقد منحتهم مساندتها مزيداً من القوّة، لأنّهم يعتبرونها دولة إقليميّة وازنة، ودعمها لهم يمنحهم زخماً هم بحاجة إليه، والدعم الماليّ على أهميّته، ليس الرابط الوحيد بينهما، بل هناك الروابط السياسية والدبلوماسية".

 

وأشادت الحكومة الفلسطينيّة في 30 تشرين الأوّل/أكتوبر في بيانها الحكوميّ بنتائج اجتماع اللجنة الفلسطينيّة - التركيّة المشتركة بـأنقرة في 25 تشرين الأوّل/أكتوبر، وتتوّج بالتوقيع على اتفاقيّات عدّة في مجالات: الزراعة، الأمن، الجريمة، الدفاع المدنيّ، الاتصالات والتكنولوجيا، واعتبرت هذه الاتفاقيّات تتويجاً للعلاقات الثنائيّة المتميّزة.

 

وقال القياديّ في "حماس" ونائب رئيس دائرتها السياسيّة بقطاع غزّة عصام الدعاليس في حديث لـ"المونيتور": "إنّ حماس موجودة في تركيا، وليست غائبة عنها، وتجري تنسيقاً مع مؤسّساتها على قدم وساق لتنظيم مساعداتها الإنسانيّة لأهل غزّة، ومعالجة جرحى مسيرات العودة في المشافي التركيّة، وحماس ترحّب بأيّ تقارب بين السلطة الفلسطينيّة وتركيا بما يخدم مصلحة القضيّة الفلسطينيّة، ولا حساسيّة لدينا من ذلك".

 

وشهدت إسطنبول في 12 تشرين الأوّل/أكتوبر تنظيم مؤتمر لدعم القدس، بمشاركة قادة "حماس"، أبرزهم رئيسا مكتبها السياسيّ السابق خالد مشعل والحاليّ إسماعيل هنيّة. ودعا خالد مشعل إلى وضع خطّة عربيّة وإسلاميّة لتحرير فلسطين، ووصف إسماعيل هنيّة في كلمته عبر الـ"فيديو كونفرس" صفقة القرن بأنّها تصفية للقضيّة الفلسطينيّة.

 

ورأى محمود الرنتيسي في حديث لـ"المونيتور" أنّ "علاقة تركيا بحماس متراجعة لأسباب عدّة، أهمّها خروج حماس من الحكومة الفلسطينيّة في عام 2014 حين استقال إسماعيل هنية رئيس الحكومة آنذاك بعد المصالحة مع فتح، وتقاربها الملحوظ مع مصر والقياديّ الفلسطينيّ محمدّ دحلان، اللذين يعاديان تركيا علانيّة، بجانب التغييرات القياديّة للحركة بعد انتخاباتها الداخليّة في عام 2017. كما أنّ رئيس المكتب السياسي لـ"حماس إسماعيل هنيّة لم يتمكّن من زيارة تركيا حتّى الآن".

 

وكان لافتاً تزامن تنامي العلاقات التركيّة - الفلسطينيّة مع أزمة مقتل الصحافيّ السعوديّ جمال خاشقجي داخل القنصليّة السعوديّة في إسطنبول يوم 2 أكتوبر، الأمر الذي أحدث تطوّرات متلاحقة..

 

يعتقد الفلسطينيون أن السعودية بعد مقتل خاشقجي باتت عرضة للضغوط الأمريكية والغربية بسبب شبهات تدور حول دور كبار مسئوليها بعملية القتل، مما يجعلها في حالة دفاع عن النفس أمام هذه الضغوط ، فيما تحاول أنقرة الاستفادة من أزمة خاشقجي لتحسين علاقاتها بواشنطن، والطلب منها وقف ضغوطها على الفلسطينيين.

 

وقال فايد مصطفى لـ"المونيتور": "إنّ العمل على تنظيم علاقتنا مع تركيا وتقويتها هدف استراتيجيّ. كما نعمل في الوقت ذاته، وبالتوازي، على تعزيز علاقاتنا مع بقيّة دول الإقليم المختلفة. ورغم أنّ التجاذبات الإقليميّة كبيرة، لكنّنا نأمل ألاّ تنعكس سلباً على قضيّتنا، بل نحن نسعى إلى الإبقاء على مختلف هذه العلاقات".

 

وأخيراً، يمكن القول إنّ أزمة جمال خاشقجي عزّزت موقف تركيا في التنافس الإقليميّ مع السعوديّة، خصوصاً في رفع مكانتها في العالم الإسلاميّ، وإظهارها دولة مهتمّة بإيجاد حلول للقضيّة الفلسطينيّة، في ظلّ انكفاء السعوديّة على تطويق التبعات السلبيّة لمقتل خاشقجي، الأمر الذي قد يجعلها لا تنتبه كثيراً إلى الموضوع الفلسطينيّ.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com
/pulse/ar/contents/articles/originals/2018/11/palestinian-turkey-relations-saudi-arabia-khashoggi.html