الصراع على طبيعة الحرب القادمة

  • الأربعاء 17 يناير 2018 10:31 م

عنوان الكتاب: الصراع على طبيعة الحرب القادمة

45123.jpg

المؤلف: المحامي "رون تيرا"

تاريخ الإصدار: أكتوبر 2008

عدد الصفحات: 132 صفحة

جهة الإصدار: معهد أبحاث الأمن القومي-تل أبيب

 

يتناول الكتاب الصادر باللغة العبرية في سبعة فصول طبيعة الحرب المتوقعة القادمة بين إسرائيل وأعدائها، متناولة عددا من المحاور أهمها الحروب المحدودة المدى والحروب النظامية، اللقاء في ساحة المعركة، الحرب التقابلية، حرب لبنان الثانية، الحروب المستقبلية.

يقدم الكتاب "ذو الطبيعة العسكرية" رؤية نقدية تقييمية لإدارة الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، من خلال تشخيص الأخطاء التي وقع بها الجيش الإسرائيلي، ومن أسماهم "واضعو النظرية العسكرية الإسرائيلية"، سواء عبر الإدارة الميدانية للقتال مع عناصر حزب الله، أو وضع الأهداف المسبقة للحرب التي لم يتحقق أيا منها.

  • النظريات الحربية

ويلقي الكتاب في صفحاته الأولى نظرة استعراضية لأهم المبادئ النظرية التي قامت عليها الحروب النظامية، التي تفترض أن الإنجاز الحقيقي لأي حرب عسكرية تتمثل في تحقيق منجزات سياسية معدة سلفا، لكنه يستدرك بالقول أن هذه النظرية لا تنطبق بالضرورة على كل الحروب التي تخوضها الدول، ومنها إسرائيل.

ويشير مؤلف الكتاب المحامي "رون تيرا"، الذي شغل في السابق موقعا متقدما في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، إلى أن هناك عددا من الحروب التي خاضتها إسرائيل تنقض هذه النظريات العسكرية، لاسيما تلك التي وضع أسسها الأولى "كلاوزفيتس"، مستشهدا على ذلك بحرب لبنان الثانية 2006، التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله، ومتوقعا الشكل المستقبلي للحروب التي قد تخوضها تل أبيب إلى جانب عدد من العواصم الغربية على صيغة حروب الاستنزاف ضد قوى المقاومة والعمل المسلح.

يضع الكاتب معايير أخرى لم تكن مدرجة على قائمة الأهداف المعلنة للحروب التي تخوضها إسرائيل وسواها من الدول، أهمها: أن الحرب ليس بالضرورة تلك التي يتم حصاد نتائجها وأهدافها من خلال ميدان المعركة فقط، وإنما من هلال وسائل وأساليب أخرى وفي ميادين مختلفة.

ويذكر الكتاب من هذه الساحات دخول إسرائيل حالة حرب استنزاف على سبيل المثال، أو القيام بحملة "تجنيد دولي" لصالح هذه الحرب، بغرض الوصول في النهاية إلى حل سياسي يتوج الحرب العسكرية.

كما يرى أن من الخيارات الأخرى التي قد تكون متاحة أمام إسرائيل مستقبلا: توجيه النار بصورة مكثفة ومتواصلة دون توقف نحو جيش العدو، والوصول بجانب ذلك إلى حالة من الشلل في حرية الحركة لقوات العدو، لمنعه من مواصلة القتال.

أكثر من ذلك، ترى الدراسة أن من الخيارات المستقبلية في حروب إسرائيل أن تعمل على ممارسة أكبر قدر من الضغوط والتأثيرات على المستوى السياسي لدى قيادة العدو، وصولا إلى استهداف الرأي العام الشعبي لدى ساحته لحرمان مقاتليه من الغطاء الجماهيري والتضامن الشعبي معه.

  • تجارب تاريخية

يحاول الكتاب توجيه نصائح ذات صبغة عسكرية وإستراتيجية لصانع القرار الحربي الإسرائيلي، من خلال استعادة عدد من التجارب التاريخية العسكرية، أهمها:

  • ما حصل خلال الحرب العالمية الثانية أواسط العقد الرابع من القرن العشرين، حين أرادت ألمانيا اختبار القدرات العسكرية لخصومها في ساحات المعارك، إلا أن نهاية الحرب أدت إلى إيقاع هزيمة ساحقة في القوات النازية،
  • حرب فيتنام التي شهدها العقد السابع من القرن الماضي تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن الولايات المتحدة أصيبت بالانتكاسة الحقيقية أمام المقاتلين الفيتناميين بفعل المردود الشعبي السيئ الذي افتقرت إليه إدارة الحرب في واشنطن،
  • حرب يوم الغفران عام 1973 بين إسرائيل من جهة، ومصر وسوريا من جهة أخرى، التي أسفرت في النهاية عن قدرة مصر على تجنيد الرأي العام الدولي لصالحها، وتمكنت في النهاية من إيجاد حل سياسي بناء على انتصارها العسكري.

كما يذكر الكتاب عددا من الحروب التي عرفها العالم خلال العقود الماضية، ومنها: حرب كوسوفو، الحرب الألمانية الفرنسية، الحرب الألمانية السوفيتية، حرب الأيام الستة حزيران 1967.

ويرى الكاتب بعد إيراده لهذه الأمثلة ان القوة العسكرية والكفاءة القتالية للجيش الإسرائيلي، ليست الوحيدة التي تستطيع أن توفر لدولة إسرائيل تحقيق نجاحات سياسية وإنجازات دبلوماسية.

وبناء على ذلك، يطالب الكتاب القادة العسكريين في ساحة المعركة، والمنظرين الاستراتيجيين في غرفة العمليات، والساسة في رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع، أن يأخذوا بعين الاعتبار المعايير التالية التي غدت تشكل عناصر أساسية وفاعلة في حروب إسرائيل، السابقة واللاحقة.

ومن هذه المعايير: البعد الاستراتيجي بعيد المدى، البعد العسكري، العنصر العملياتي، القرارات التكتيكية، الأبعاد التكنولوجية الفاعلة، إضافة إلى معايير وعناصر غاية في الأهمية كالدعم اللوجستي، المعلومات الاستخبارية والأمنية، وغيرها.

وفي غاية منه للربط بين هذه العناصر مجتمعة، وكيفية استخدامها وتوظيفها، منفردة أو مجتمعة، يستشهد الكاتب مرة أخرى بحرب أكتوبر 1973، حين يؤكد أن الجيش الإسرائيلي استطاع تحقيق نصر عسكري ساحق على الصعيد العملياتي في الجبهة الجنوبية من القتال، إلا أن المصريين في ذات الوقت استخدموا أكثر من بعد وعنصر في آن معا من عناصر العملية العسكرية، وفي النهاية انتصرت القاهرة في هذه الحرب التاريخية.

  • النهاية السياسية للحروب

يؤكد الكاتب أن الحروب الكلاسيكية التقليدية التي خاضتها إسرائيل خلال العقود الماضية، كان يفترض بها أن تخوضها حتى النهاية، أو ما قبل النهاية بقليل، ليتبين لها طبيعة الحل السياسي المتوقع لهذه الحرب.

إلا أن الحروب المتعددة الأبعاد، كالتي يتوقع الكتاب أن تخوضها إسرائيل مستقبلا، تمكن صانع القرار من أن يخوض في تفاصيل ومكونات الحل السياسي، حتى قبيل تبين طبيعة النهاية العسكرية المتوقعة للحرب، مستدلا على ذلك بصدور القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، ولم يكن له صلة مباشرة بطبيعة الأداء القتالي على ساحة المعركة بين الجنود الإسرائيليين ومقاتلي حزب الله.

الكتاب يتطرق إلى الفروقات بين الحروب الكلاسيكية التقليدية النظامية، مثال حرب يوم الغفران 1973، والحروب محدودة المدى غير النظامية، مثال حرب لبنان الثانية 2006، التي يعلن فيها الكتاب فشلا إسرائيليا لا يقبل التشكيك.

  • التكنولوجيا وحرب العصابات

يشير الكتاب إلى ما يطلق عليه "التفوق التكنولوجي" للجيش الإسرائيلي، وعدم قدرته على توظيف هذا التفوق في ميدان المعركة، وفي المقابل، قدرة العدو، أيا كان، نظاميا أو منظمات، على اقتناص الفرص الميدانية القاتلة لتوجيه الضربة المؤلمة لعناصر الجيش الإسرائيلي.

لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن معايير القدرات التكنولوجية لجيوش الأمس، ليست بالضرورة ملائمة لجيوش اليوم، ويضرب على ذلك مثالا: في القرن التاسع عشر كانت قدرة جيش ما على إبادة ما نسبته 60% من قدرات الجيش الخصم، كفيلة بالقضاء عليه كليا وإبادته، ومن ثم كسب الحرب والانتصار فيها.

اليوم، لا يحتاج الجيش المعادي، أو القوات غير النظامية التي يحاربها الجيش الإسرائيلي، إلى قدرات قتالية عالية المستوى، وإمكانيات تكنولوجية فوق العادة، لأن حزب الله استطاع خلال الحرب الأخيرة أن "يدك" الأراضي الإسرائيلية، ويمطرها بوابل من القذائف الصاروخية، مؤثرا بذلك على الواقع السياسي والشعبي في إسرائيل.

أكثر من ذلك، فإن إعلان سلاح الجو ورئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي عن تدمير ما نسبته 60% من القدرات القتالية والمخزون الاستراتيجي من صواريخ حزب الله، نجحت مؤقتا في الحد من كمية الصواريخ الملقاة على مدن الشمال، وتراجع العدد من 250 إلى 100 صاروخ يوميا.

لكن هذا التراجع لم يصل إلى مبتغاه النهائي المتمثل في وضع حد للهجمات الصاروخية على إسرائيل، بصورة نهائية، وبالتالي فإنه على الرغم من تراجع كميات الصواريخ التي بات يطلقها حزب الله في الأيام التالية للحرب، إلا أن إطلاق 100 صاروخ يوميا بحد ذاته يشكل نجاحا للحزب على إرهاق إسرائيل، واستنزاف مواطنيها خلال أيام الحرب.

الكاتب يلقي الضوء على أبرز الآثار السلبية المترتبة على تواصل إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله، بالرغم من قلتها وتراجع عددها، ومنها: إجبار الإسرائيليين على اللجوء إلى الملاجئ تحت الأرض، إخلاء مساكنهم ومؤسساتهم، إجراء تغييرات قسرية على طبيعة الحياة وأنماطها، واضطرار المستوى السياسي في إسرائيل على بعض السلوكيات والقرارات، وغيرها من الآثار والتبعات.

  • رؤية الحسم العسكري

المؤلف يسعى في كتابه إلى توضيح القواسم المشتركة بين الحروب الإسرائيلية السابقة، ونظيرتها اللاحقة، في محاولة منه للوصول إلى صيغة عسكرية ميدانية تشير إلى وصول الجيش الإسرائيلي إلى مرحلة الحسم العسكري مع أعدائه، جيوشا كانوا أو منظمات فدائية.

أكثر من ذلك، يريد الكتاب الوصول بصانع القرار العسكري والسياسي في إسرائيل إلى تحديد أهداف سياسية لأي حرب تشنها تل أبيب، بما في ذلك الجهد الذي يجب أن تبذله لتجنيد المزيد من الرأي العام الدولي للوقوف إلى جانب إسرائيل في حروبها التي سوف تخوضها مستقبلا.

يستحضر الكتاب في فصوله السبعة حجم التأييد الدولي الذي حظيت به إسرائيل خلال خوضها لحرب لبنان الثانية، بعد انسحابها من هناك أواسط عام 2000، إلى جانب المباركة العالمية لقرارها بالانسحاب من قطاع غزة أواخر عام 2005.

ومع ذلك، يستدرك المؤلف بـ"حسرة" لا يخفيها، فإن هذا التأييد والمباركة لم تساعد إسرائيل على تحقيق انتصارات عسكرية تذكر في حروبها التي خاضتها في لبنان وغزة، أمام حزب الله وحماس!

الكتاب الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، يستمد أهميته، ليس من الموضوع الحساس والشائك فقط الذي يهم كل إسرائيلي، عسكريا كان أم سياسيا، وليس من توقيته الأكثر سخونة في وقت تتطلع فيه إسرائيل لخوض حروب متوقعة مع حماس وحزب الله وإيران فحسب، وإنما بالإضافة لما تقدم، يكتسب الكتاب -الذي صدر قبل أسابيع قليلة- من جملة الجنرالات والمسئولين الذين استند إليهم المؤلف "ران تيرا" في تأليف الكتاب.

يذكر المؤلف عددا من هؤلاء الذين ساهموا في صناعة القرارات العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وعاد إليهم في تأليفه لهذا الكتاب، ومنهم: الجنرال "غيورا آيلاند"، رئيس مجلس الأمن القومي السابق في إسرائيل، وينظر إليه على أنه "عراب" خطة الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، والجنرال "أهارون زئيفي فركش"، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، والبروفيسور "عنات كورتس" المؤرخة للصراع العربي الإسرائيلي.

الكتاب، عموما، يقدم رؤية عسكرية متقدمة، نظرية وتطبيقية، لطبيعة المواجهة القادمة بين إسرائيل من جهة، وعدد من أعدائها، دولا ومنظمات، متضمنا عددا من الجداول الإحصائية والرسومات التوضيحية.