المعركة على القدس.. التحدي السياسي أمام إسرائيل

  • الأربعاء 17 يناير 2018 09:26 م

عنوان الكتاب: المعركة على القدس.. التحدي السياسي أمام إسرائيل

789.jpg

تأليف: د. دوري غولد

ترجمة: باروخ كوروت

الصفحات: 336 صفحة

الطبعة الأولى: 2008

الناشر: يديعوت أحرونوت-سفاري حميد

 

في ذروة الصراع القائم على مدينة القدس المحتلة، وفي ظل الحملة الإسرائيلية المحمومة على المدينة المقدسة، التي تجلت مؤخرا في حملات التهجير وهدم المنازل وسحب تراخيص البناء، والمضي قدما في تهويدها، صدر مؤخرا في إسرائيل كتاب هام بعنوان: المعركة على القدس..التحدي السياسي أمام إسرائيل، لمؤلفه الدكتور "دوري غولد".

الكتاب الصادر باللغة العبرية هو ترجمة موسعة ومحدثة لذات المؤلف عن كتابه The Fight for Jerusalem, الصادر في الولايات المتحدة، حيث حظي بانتشار واسع هناك، وحصل على المرتبة الثالثة من منشورات الواشنطن بوست، ونظرا لأهميته الفائقة قام السيناتور الأمريكي "أريك كونتور" العضو في الكونغرس عن ولاية فرجينيا، بشراء المئات من نسخه، وإرسالها لجميع النواب عن كل الولايات الأمريكية، كما وصل إلى مكتب الرئيس "جورج بوش" في حينه.

وقبيل نزوله للأسواق، جمع المؤلف "غولد" لقاء مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "كوندوليزا رايس" في منزل السفير الأمريكي بإسرائيل، وتحدثا عن مستقبل القدس في المفاوضات السياسية، حيث أهداها نسخة عن كتابه هذا.

  • الدين والسياسة في القدس

يقول المؤلف في كتابه: يصدر الكتاب ومدينة القدس تعود من جديد لتتصدر أولوية الجمهور الإسرائيلي، زاعما أن الفلسطينيين يستغلون كل فرصة ومناسبة لما وصفه "الإضرار" بالمصالح الإسرائيلية في المدينة، مستشهدا على ذلك بالترديد الفلسطيني للأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين في المدينة، دون التطرق لنظيرتها الخاصة باليهود، مبديا خشيته من وصول هذه المفردات إلى الجامعات الغربية.

الجزء الأول من الكتاب يتناول أهمية الدين في المدينة المقدسة، كونها شكلت مهبطا للديانات السماوية، ويفرد لليهودية والمسيحية والإسلام مباحث خاصة بها، يتناول مكانة المدينة في كل منها، والأحداث التاريخية الدينية التي وقعت فيها، من خلال الاستشهاد بما ورد في الكتب السماوية حول المدينة، التوراة والإنجيل والقرآن.

الجزء الثاني من الكتاب "الصراع الدبلوماسي على القدس"، يتناول الأبعاد القانونية والسياسية على الساحة الدولية، وما يرتبط بها من المفاوضات التي جرت سابقا مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولاحقا مع السلطة الفلسطينية، زاعما فيه أن الانتفاضة التي نشبت أواخر عام 2000 دليل على عدم رغبة الفلسطينيين بالوصول إلى اتفاق سلام نهائي مع إسرائيل.

الجزء الثالث من الكتاب يناقش العلاقة بين الدين والسياسة في مدينة القدس، لافتا الأنظار إلى ما أسماه "سيطرة الإسلام المتطرف على الفلسطينيين"، ويعتبر أن القدس تعتبر حلقة الوصل بين الإسلام السائد في الأراضي الفلسطينية من جهة، ومن جهة أخرى ظاهرة طالبان وأحمد نجاد على حد زعمه.

وفي أحد الفصول، ينحى المؤلف باللائمة على الدبلوماسية الإسرائيلية متهما إياها بالقصور عن مواجهة "الدعاية الفلسطينية والعربية"، ويقول: حين يسأل الناطقون الفلسطينيون عن أهدافهم من العملية السياسية والمفاوضات القائمة، يجيبون بلسان واحد: إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس، فيما يبدي نظراؤهم الإسرائيليون إرباكا في إجاباتهم دون التطرق إلى أهمية المدينة للشعب اليهودي، الأمر الذي يخدم في النهاية المصلحة الفلسطينية، على حد وصف المؤلف.

يؤكد الكتاب في مختلف فصوله الغزيرة بالأرقام والإحصائيات والجداول التوضيحية، أن لإسرائيل الحق في تثبيت سيادتها على المدينة المقدسة التي وصفها بـ"الموحدة"، مستدلا على ذلك بحصوله من الأرشيف الوطني البريطاني على وثيقة رسمية تفيد بأن اليهود شكلوا أغلبية سكانية في مدينة القدس عام 1863.

إلى جانب ما يقول أنها شهادات قانونية وقضائية لحقوقيين وخبراء دوليين يؤكدون أحقية إسرائيل بالسيادة على المدينة، خاصة في أعقاب حرب الأيام الستة، يونيو حزيران 1967، ما دفع بالمؤلف إلى مناقشة وضع المدينة وفقا لما جاء به القرار الدولي الصادر عن الأمم المتحدة رقم 242.

  • التحريض الديني

بأسلوب تحريضي يتجه المؤلف نحو معالجة مكانة الأماكن الدينية المقدسة للديانات الثلاث، الإسلام والمسيحية واليهودية، حيث يعود بالقارئ إلى سنوات خلت حين أقدمت منظمة طالبان على هدم المعابد الوثنية في أفغانستان، مستدلا على هذه الحادثة المنعزلة بأن المسلمين لا يمنحون القدسية اللازمة لأماكن العبادة.

ويحاول أن يستحضر عددا من الشواهد على ذلك من خلال ما حصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة من حوادث إطلاق نار واشتباكات مسلحة بين مقاومين فلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي بالقرب من بعض الكنس اليهودية، لاسيما في الضفة الغربية، ومنها: قبر يوسف، قبة راحيل.

ويستخلص الكتاب من سرد هذه الحوادث أن إسرائيل هي الطرف الوحيد القادر على تأمين الحماية لمختلف الأماكن المقدسة لأصحاب الديانات جميعها، محاولا تناسي ما يحصل من تدنيس المسجد الأقصى صباح مساء، وما وقع من قصف مركز ومتعمد لعشرات المساجد خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

يرى الكتاب أن ذروة الصراع على مدينة القدس في قمة "كامب ديفيد" أواخر عام 2000 في أعقاب انطلاق المفاوضات حول الوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بين رئيس الحكومة الأسبق "إيهود باراك"، والرئيس الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات"، وبرعاية الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون"، متهما الفريق التفاوضي الإسرائيلي بأنه حاول الإضرار بمستقبل المدينة، والمس بمصالح اليهود فيها، من خلال نقض المطالبات اليهودية بالسيادة على المدينة، ونزع الشرعية عنها، وشطب أي وجود تاريخي لليهود فيها.

ويزيد المؤلف: هذا السلوك من قبل المفاوض الإسرائيلي مرده إلى القصور الحاصل لديه في فهم الحقوق التاريخية والقانونية لإسرائيل في مدينة القدس، فضلا عن عدم حصوله على ثقة المواطن الإسرائيلي الذي لم يمنحه صلاحية التفاوض على مستقبل المدينة.

  • القدس: موحدة ومقسمة

المؤلف في كتابه المثير للجدل هذا يناقش فرضيتين أساسيتين: الأولى أن تبقى مدينة القدس موحدة وخالصة عاصمة أبدية لإسرائيل والشعب اليهودي، وما يترب على ذلك من تثبيت للحق التاريخي لهم فيها، والفرضية الثانية أن يتم تقسيم المدينة ومنح الجزء الشرقي منها للفلسطينيين يقيمون عليه عاصمة دولتهم التي قد تقوم بعد انتهاء المفاوضات، إلى جانب منحهم جزءا من الحرم القدسي.

الكتاب بدون تردد يتبنى الموقف اليميني الديني للمشروع الصهيوني، ويزعم ان أي تقسيم لمدينة القدس سيشكل خطرا أساسيا واستراتيجيا ليس على السكان اليهود في المدينة، في شقها الغربي فقط، وإنما على أتباع مختلف الديانات الثلاث، على حد زعمه.

أكثر من ذلك، يصل المؤلف في تحريضه على منع تقسيم المدينة إلى حد القول أن منح الفلسطينيين عاصمة فيها من شأنه أن يشعل حربا مسيحية يهودية- إسلامية، بمعنى أن تقوم في هذه المدينة حرب دينية، أو حتى حرب عالمية جديدة تكون عنوانها القدس.

وللحيلولة دون وقوع ذلك، يقترح المؤلف في صفحات كتابه أن تبقى المدينة موحدة، تحت قيادة إسرائيلية، مستبعدا أي حديث للسيطرة الدولية من قبل قوات أممية، ورفض أي محاولة لسيطرة فلسطينية على الشق المسيحي في البلدة القديمة.

الكتاب في بعض فصوله يتناول الشق التاريخي بتفصيل كبير، لاسيما حين يتحدث عن "الأسبقية" اليهودية في المدينة المقدسة، قبل الإسلام والمسيحية، وبالتالي يرتكز على البعد التاريخي في ضرورة الإبقاء على السيطرة اليهودية على القدس، التي ترسخت عمليا في التاريخ الحديث عقب حرب حزيران يونيو 1967.

المؤلف يسعى في جميع فصول الكتاب وملاحظاته وتعليقاته إلى تثبيت الموقف اليميني اليهودي الذي يتبناه حول مستقبل المدينة، بل إن محتويات الكتاب تجتهد في تحقيق ما أسماه "الإجماع الغربي المسيحي" على أحقية إسرائيل في أن تكون مسيطرة على مدينة القدس الموحدة، دون أن يتم تقاسمها مع الفلسطينيين، ورفض أي محاولة لتواجد قوات دولية على أراضيها، حتى لو اقتصر الأمر على الإشراف والمراقبة على الأماكن المقدسة لأتباع الديانات الثلاث.

الكتاب وهو يقدم مواقفه اليمينية والرافضة أي حلول وسط في موضوع القدس، لا يلغي بعض الحقائق التاريخية ومنها أن المدينة المقدسة تكتسب أهمية للمسلمين انطلاقا من كونها مكانا مقدسا لديانتهم، ومهمة للفلسطينيين لأنها تشكل بنظرهم جزءا  من وطنهم، لكن هذا لا يشكل بنظره دليلا كافيا لمنحهم السيطرة على الأحياء العربية فيها، والحرم القدسي.

أكثر من ذلك، يقدم الكاتب "مقترحا" للفلسطينيين بإقامة عاصمة دولتهم في مدينة رام الله، على أن تبقى القدس الشرقية مكانا لأداء المناسك التعبدية للمسلمين، من أجل تخفيف الأخطار التي سبق الحديث عنها.

لأن إقامة عاصمة الفلسطينيين في مدينة القدس، سيعني عمليا نقل السفارات الأجنبية وقنصليات الدول من رام الله وغزة إلى القدس، فيما قد تضطر إسرائيل لنقل هذه السفارات إلى مدن تل أبيب وهرتسيليا، وبالتالي ليس هناك من ضمانة بعدم وجود احتكاكات دائمة بين الجانبين.

الكتاب يحرض اليهود على منع تقسيم المدينة من خلال استحضار نماذج دولية على مدن تم تقسيمها في الماضي، ومنها العاصمة الألمانية برلين، التي تحولت إلى مدينة حدودية، الأمر الذي يختلف معه باحثون إسرائيليون علقوا على الكتاب وقالوا أن النقاش في مستقبل المدينة أمر مشروع وطبيعي، كالحديث عن تبادل الأراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المفاوضات النهائية، والمستقبل النهائي للحدود بين الجانبين.

  • الأسبقية التاريخية

المؤلف كما يبدو من صفحات الكتاب والمواقف التي يطرحها، يوجه حديثه للمجتمع الغربي والنخب الفكرية والثقافية فيه، فضلا عن دوائر صنع القرار في العواصم الأوروبية، في محاولة منه لجلب موافقتهم عن بقاء السيادة على المدينة المقدسة خاصة بالشعب اليهودي، إلى جانب بقاء حرية الأديان للمسيحيين واليهود، والتحذير من مخاطر إبقاء الجزء المسيحي من المدينة تحت السيطرة الفلسطينية، وبث "تهديدات" مفتعلة حول ما قد يحدق بحائط البراق الذي يسميه المؤلف "حائط المبكى" إن سيطر الفلسطينيون هناك.

الكتاب أخيرا وفي ضوء المواقف اليمينية والتحريضية التي يطرحها المؤلف يحاول استدعاء مخاطر وتهديدات غير قائمة أصلا، كالخطر المحدق بالمدينة إن لم تبقى موحدة بيد إسرائيل، الأمر الذي دفعه لجمع وتوثيق كل ما اعتبره وثائق تاريخية ومستندات قانونية وقرارات دولية تدفع باتجاه إبقاء السيادة اليهودية على المدينة.

القدس في نظر المؤلف ليست مدينة بمعنى الكلمة، هي كيان سياسي ديني خاص باليهود، متجاهلا في كل فصول الكتاب المستوطنات التي قامت إسرائيل ببنائها في المدينة، وما حولها، وحملات الترحيل والتهجير التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية حتى صدور هذا الكتاب.

كما يتجاهل الكتاب القواسم المشتركة الموجودة بين الإسلام واليهودية في المدينة المقدسة، أكثر من ذلك فهو لا يتطرق البتة إلى ظاهرة الفقر المنتشرة بين السكان اليهود في المدينة، الأمر الذي يشير إلى الفجوة القائمة بين الواقع المعاش في المدينة، وبين الفكرة الراسخة عن القدس في وعي المؤلف.

ملخص الكتاب أن المؤلف يريد القول: نحن اليهود، كنا السباقين في مدينة القدس، قبل المسيحيين واليهود، وبالتالي القدس هي عاصمتنا السياسية، ومدينتنا المقدسة، ونحن الأقدر على حماية الأماكن المقدسة لباقي الديانات، والحفاظ على القدس مدينة موحدة مستقرة، كما أن السيادة الإسرائيلية على المدينة ستمنع أي احتكاك بين أتباع الثقافات والديانات، الأمر الذي سيبقي الباب مفتوحا أمام ما وصفه بـ"السلام العالمي"!

د. دوري غولد، يعمل حاليا رئيس مركز القدس لشؤون الجمهور والدولة، حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا، وقد عمل باحثا في مركز جافي للدراسات الإستراتيجية بين عامي 1985-1996، حيث أدار قسم العلاقات الأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة، وسبق له أن عمل مستشارا إعلاميا لدى الوفد الإسرائيلي الذي شارك في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

عمل سابقا السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة بين عامي 1997-1999، ومستشارا سياسيا لرئيس الوزراء الأسبق والمكلف حاليا، بنيامين نتنياهو، وكان عضوا في الوفد الإسرائيلي مع الفلسطينيين عام 1998، خلال مفاوضات واي ريفر، وما أسفرت عنه من اتفاق الخليل.

أشرف على إقامة القوات الدولية المراقبة في جنوب لبنان، وقام بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فرنسا، الأمم الأمم المتحدة، لبنان وسوريا.

نشر العديد من الكتب والمقالات حول المنطقة العربية، أهمها التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط عام 1993، ويكتب بصورة دورية في صحف الجيروزاليم بوست، الديلي تليغراف، نيويورك تايمز، واشنطن بوست، وول ستريت جورنال.