الجمود السياسي الفلسطيني-الإسرائيلي لم يوقف علاقاتهم الاقتصادية

  • الأربعاء 19 سبتمبر 2018 09:18 ص

الجمود السياسي الفلسطيني-الإسرائيلي لم يوقف علاقاتهم الاقتصادية

في الوقت الذي يتواصل فيه الجمود السياسيّ وتوقّف المفاوضات الفلسطينيّة - الإسرائيليّة منذ عام 2014، فهناك مجالات أخرى يستمرّ فيها التعاون بين الجانبين، أهمّها التنسيق الأمنيّ والمشاريع الاقتصاديّة، وهو أمر لافت، لا سيّما أنّ هذه المجالات ينبغي أن تكون تابعة للعلاقات السياسيّة، وليست منفصلة عنها.

آخر أوجه التعاون الاقتصاديّ تمثّل بما كشفه موقع "نيوز وان" الإسرائيليّ في 2 أيلول/سبتمبر عن "مشاريع تقنيّة تنفّذها شركات إسرائيليّة وفلسطينيّة، وآخرها مشروع لإقامة مركز بيانات كبير برام الله بكلفة 50 مليون دولار، ويتمّ تنفيذه على يدّ الفرع الإسرائيليّ لشركة HPE العالميّة".

وفي هذا السياق، أعلن مدير شركة الاتصالات الفلسطينيّة "بال تل" معن ملحم في 16 آب/أغسطس أنّ مشروع مركز البيانات Data Center هو الاستثمار الفلسطيني الأكبر في قطاع الاتصالات الفلسطينيّة، بإشراف خبراء ومهندسين محليّين ودوليّين متخصّصين بإنشاء مراكز البيانات العالميّة، بالشراكة مع كبرى الشركات العالميّة، من دون تطرّقه إلى شركات إسرائيليّة.

يهدف مركز البيانات لتحسين نوعية الخدمات التي يقدمها لقطاع الأعمال من شركات ومؤسسات وبنوك؛ ويساهم في تنمية وتطوير نوعية الخدمات المقدمة لمعتمديها ومشتركيها، والمعتمدة على تقنية المعلومات، ومن بين الخدمات التي سيقدمها المركز خدمات استضافة الخوادم وإدارة حماية الخوادم من الهجوم والاختراقات من قبل فريق متخصص على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع، والخوادم الافتراضية والحوسبة السحابية، وخدمة مساحات التخزين للبيانات، وباقي الخدمات التي تقدم في مراكز البيانات العالمية.

لقد تواصل "المونيتور" مع شركة الاتصالات الفلسطينيّة، فأبلغته بكتاب خطيّ أنّه "لم تكن هناك مساهمة إسرائيليّة في المشروع، وتمّ الاعتماد على الشركات الفلسطينيّة بتجهيزه للتصميم والإشراف، وهذا المشروع فلسطينيّ 100 في المئة. وفي خصوص التعاون مع شركة HPE العالميّة، فتمّ عبر شركة فلسطينيّة وكيلة لها، واقتصر دورها على مراجعة تصميم المشروع وإبداء الرأي فقط، وإنّ مزاعم وسائل الإعلام الإسرائيليّة عن تعاوننا مع شركات إسرائيليّة هو جزء من ضغوط إسرائيليّة على الاتصالات الفلسطينيّة، لإظهارنا واجهة لشركة الاتصالات الإسرائيليّة".

من جهته، قال محمّد، اسم وهميّ، وهو مهندس سابق في شركة الاتصالات الفلسطينيّة، لـ"المونيتور": "إنّ جزءاً كبيراً من الأجهزة الخاصّة بالشركة يأتي من إسرائيل بحكم العلاقات المتداخلة بين شركات الاتصالات الفلسطينية والإسرائيلية، لكنّ وجود اتفاقيّات وعلاقات رسميّة بين الجانبين على صعيد شركة الاتصالات الفلسطينيّة ونظيرتها الإسرائيلية لا يعلم به سوى الطبقة العليا فقط - من دون الكوادر الميدانيّة - أيّ مجلس الإدارة والإدارة العامّة ليس أكثر".

لم يذكر معن ملحم أسماء شركات إسرائيليّة، لكنّ مدير مشروع مركز البيانات رامي عازم قال في اليوم ذاته: إنّ تصميم المشروع راجعته شركة HPE، إحدى كبرى الشركات العالميّة، من دون ذكر الفرع الإسرائيليّ للشركة، ربّما لعدم رغبته في إثارة انتقادات فلسطينيّة، خشية اتهامها بالتطبيع مع إسرائيل.

وذكر موقع "أناس وحواسيب" الإسرائيليّ في 29 آب/أغسطس أنّ الفرع الإسرائيليّ لشركةHPE قدّم استشارات لإقامة المشروع الفلسطينيّ، الذي يقدّم خدمات إلى السلطة الفلسطينيّة أيضاً.

وقال مسؤول فلسطينيّ كبير، مقرّب من الرئيس محمود عبّاس، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ القيادة الفلسطينيّة لا تضع قيوداً أمام القطاع الاقتصاديّ لفتح أوجه التعاون مع نظيره الإسرائيليّ، إن كانت فيه فائدة للسوق الفلسطينيّة. وفي مجال الاتصالات، هناك تداخل كبير بين الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ، وليس هناك من فيتو على الجانب الفلسطينيّ في الاستثمار والاستفادة من الخبرات الإسرائيليّة المتطوّرة، بمنأى عن القطيعة الحاصلة على المستوى السياسيّ بين رام الله وتلّ أبيب".

واتّفق رئيس الوزراء الفلسطينيّ رامي الحمد الله في 10 أيلول/سبتمبر مع وزير الماليّة الإسرائيليّ موشيه كحلون على عقد لقاء قريب بينهما، خلال تهنئته بالعام العبريّ الجديد، وهو تطبيق لاستمرار العلاقات التجاريّة والاقتصاديّة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة على أمل أن تكون ممرّاً لتسوية سياسيّة مستقبليّة، حيث تنطلق دوافع إسرائيل من حاجتها إلى الأمن والهدوء، وحاجة الفلسطينيّين إلى الرخاء الاقتصاديّ.

وتتعدّد المشاريع المشتركة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة بين زراعيّة وصناعيّة وسياحيّة وتعاونيّة، وتسهيل العبور عبر المعابر، ومحاولة إيجاد الاستثمارات الخارجيّة.

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة العربيّة - الأميركيّة بالضفّة الغربيّة نصر عبد الكريم في حديث لـ"المونيتور": "إنّ الكثير من المشاريع الاقتصاديّة الفلسطينيّة تشكّل تعبيراً عن ذروة الإلحاق الاقتصاديّ الفلسطينيّ بالإسرائيليّ واندماجهما، ولا ينسجم مع قطيعتهما السياسيّة، رغم أنّ إسرائيل تحاول عبر هذه المشاريع إعطاء الفلسطينيّين جزرة في ظاهرها، وفي حقيقتها هي عصا يمكن تهديدهم من خلالها، إن تمرّدوا على الإرادة السياسيّة الإسرائيليّة".

تشكّل هذه التداخلات والتقاطعات الفلسطينيّة - الإسرائيليّة في المجالات الاقتصادية والتجارية، ومنها الاتصالات والتكنولوجيا، تجسيداً لفكرة السلام الاقتصاديّ التي تبناها رئيس الوزراء الإسرائيليّ الراحل شمعون بيريس، حين دأب عبر مركز "بيريس للسلام" على الدعوة إلى إقامة شرق أوسط جديد في مجال التعاون الإقليميّ، عبر المشاريع والمبادرات المشتركة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة في مجالات الهايتك والتكنولوجيا الفائقة والأخرى الزراعيّة.

أمّا المتخصّص في الشبكات الإلكترونيّة بغزّة المهندس فؤاد أبو عويمر فقال لـ"المونيتور": "رغم فتح السوق الإسرائيليّة أمام شركات التكنولوجيا والاتصالات الفلسطينيّة، لكنّ الوضع السياسيّ الحاليّ يفرض نفسه بشكل كبير على عدم تقبّل المهندسين والمبرمجين الفلسطينيين العمل بشكل مباشر عبر شركات إسرائيليّة، أو فلسطينيّة تتعاون مع شركات إسرائيليّة".

وأخيراً، يشير الواقع القائم في الضفّة الغربيّة إلى أنّ القطيعة السائدة بين السلطة الفلسطينيّة والحكومة الإسرائيليّة منذ عام 2014، لم تلق بظلالها السلبيّة على العلاقات الاقتصاديّة، بل إنّ الاتصالات في هذا المجال سائرة على قدم وساق، الأمر الذي يؤدّي إلى تراجع الدور السياسيّ للسلطة الفلسطينيّة، مقابل تعزيز المجالين الاستثماريّ والتجاريّ، ويطرح أسئلة عدّة عن المستقبل السياسيّ للسلطة الفلسطينية ومدى مشروعيّة وجودها.

 

المصدر المونيتور

https://www.al-monitor.com
/pulse/ar/contents/articles/originals/2018/09/palestine-israel-telecom-economic-political-relations.html