انحسار الأفق..إسرائيل والعرب والشرق الأوسط 1948-2012

  • الأربعاء 17 يناير 2018 06:36 م

اسم الكتاب: انحسار الأفق..إسرائيل والعرب والشرق الأوسط 1948-2012

المؤلف: البروفيسور "إيتمار رابينوفيتش"

السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، ورئيس طاقم المفاوضات مع سوريا

دار النشر: كنيرت وزمورا بيتان- تل أبيب

سنة الصدور: 2012

عدد الصفحات: 415 صفحة

لغة الكتاب: العبرية
 

يقدم الكتاب ملخصا تاريخيا عن أبرز محطات السلام والحرب بين العرب وإسرائيل، في محاولة استشرافية منه لمعرفة مستقبل علاقات الجانبين التي بلغت العام الأخير الدرك الأسفل، بعد أن بدا الواقع الإقليمي مكفهراً بالنسبة لإسرائيل منذ عشر سنوات، لأنها اعتمدت في ردود فعلها على منطلقات "متقادمة" وغير مواكبة للتطورات الإقليمية، وعلى رأسها السلام والتنسيق الأمني مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية.

تحديات السلام

يمكن تلخيص الفكرة الرئيسة للكتاب بأنها دعوة لصناع القرار الإسرائيلي بالتريث والحذر تجاه إبرام اتفاقيات تسوية أخرى مع الفلسطينيين والعرب، ليس بالضرورة رغبة منه في إبقاء أجواء التوتر والحروب بين الجانبين، ولكن لأن الأجواء والتطورات والظروف المحيطة بهما لا تشجع على ذلك، سواء ما تعلق منها بتدحرج "كرة الثلج" الخاصة بالربيع العربي، وإمكانية سقوط أنظمة أخرى، أو صعود قوى معادية لإسرائيل.

ويتناول بالتفصيل أهم المراحل التاريخية لعملية التسوية بين العرب وإسرائيل، وما أثر عليها من تطورات سياسية واجتماعية داخلية في كل بلد من البلدان ذات العلاقة في السنوات الأخيرة، ليصل إلى خلاصة مفادها أن أجواء التفاؤل والأمل التي عاشتها المنطقة قبل عقدين من الزمن إبان انطلاق مؤتمر مدريد عام 1991، تراجعت بصورة مريعة لتحل محلها مشاعر الإحباط واليأس التي تغطي أرجاء الشرق الأوسط الحالي.

يبدأ المؤلف كتابه بتقرير حقيقة وصفها بـ"المؤلمة"، ومفادها بأن علاقات إسرائيل مع العالم العربي، ومكانتها الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وصلت إلى مستوى "مهين" وغير مسبوق، محملاً الجزء الأكبر منها لتأثيرات الربيع العربي.

وهو بذلك يطرح تساؤلاً يؤرق صناع القرار الإسرائيلي: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على العلاقات السياسية والتنسيقات الأمنية التي طبعت علاقة تل أبيب مع القاهرة وعمان على وجه الخصوص؟ في ضوء ما اعتبرها تطورات مقلقة تشهدها الساحة الإقليمية.

ويبدي "رابينوفيتش"، 71 عاماً، وهو باحث وسفير ودبلوماسي إسرائيلي، خدم في صفوف الجيش الإسرائيلي، وبعد تقاعده من المؤسسة العسكرية عمل سفيراً في الولايات المتحدة، ورئيساً لطاقم المفاوضات مع سوريا في فترة الذروة أوائل سنوات التسعينات من القرن الماضي عقب انعقاد مؤتمر مدريد 1991، حذراً واضحاً تجاه التطورات المحلية والإقليمية في المنطقة، التي ولدت قناعة لدى إسرائيل بعدم الاستعجال في الوصول إلى اختراقات ذات قيمة وأثر كبيرين في عملية السلام مع الفلسطينيين، لأن الوقت غير ملائم لها البتة في هذه الآونة.

لكن ما قد يدفعها في المقابل إلى ما اعتبره "إدارة للصراع وليس حله"، ومحاولة تهدئة المواجهة معهم إلى الحد الأدنى، انتظاراً لتحسن ظروف المنطقة، والوصول إلى بيئة عربية إقليمية أكثر إقبالاً على السلام كما يقول.

ويفصل بالتحليل: لدينا سلطة فلسطينية ضعيفة، مع وجود تساؤلات حول رغبتها وقدرتها على الوصول إلى اتفاق سلام دائم، وفي المقابل لدينا حركة حماس التي تمتلك القدرة على إفشال أي اتفاق متوقع من هذا القبيل، وبالتالي فليس ممكناً في مثل هذه الأجواء الوصول إلى اتفاق كامل شامل مع الفلسطينيين، خاصة مع وجود حكومة يمينية في إسرائيل بدأت تتخذ سياسات ميدانية من شأنها إلغاء حل الدولتين كلياً، ورغم انتقاداته الحادة لرئيسها "بنيامين نتنياهو" لكنه لا يرى نفسه متعجلاً باتجاه توقيع اتفاق سلام مع شركائنا الفلسطينيين حالياً.

سوريا بين الأب والابن

المجال السياسي والأكاديمي الذي انشغل به "رابينوفيتش" في العقود الأخيرة كانت سوريا، ويستذكر أيام قيادته لطاقم التفاوض الإسرائيلي مع السوريين زمن الأسد الأب، ويقول: إن "رابين" رئيس الحكومة الأسبق في إسرائيل، كلفه بمعرفة النوايا الحقيقية للسوريين، لاسيما وأنه لم يرد المغامرة بالمضي قدماً في عملية كاملة معهم، من خلال الانسحاب الشامل مع الجولان، بل العمل معهم خطوة خطوة، في ضوء تقييمه لإصرار الأسد على ذلك، وعدم رغبته بتقديم صورة نهائية عن اليوم التالي لتوقيع اتفاق السلام، خاصة العلاقات الثنائية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويستذكر في هذا الخصوص مداولات المباحثات الثنائية بين تل أبيب ودمشق بإشراف واشنطن من خلال وزير خارجيتها الأسبق "وارن كريستوفر"، والعقبة الكأداء التي توقف عندها الجانبان والمتمثلة بالانسحاب الكامل من هضبة الجولان، ويتساءل: لنفترض أننا أعدنا الجولان للسوريين منذ زمن، كيف كانت ستبدو حدودنا المشتركة معهم في ظل ما وصفها بـ"المذبحة" الحاصلة حالياً؟

يلفت "رابينوفيتش"  الأنظار إلى قضية كانت أوساط بحثية عربية عديدة ترفض الاقتراب منها بقوله أن أحد الأسباب الرئيسة لعدم تحمس حافظ الأسد لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل هو خشيته من فقدانه لما أسماه عنصر قوته الرئيس، واستقرار حكمه، لاسيما وأنه قاد المنظومة العربية عقب اتفاق "كامب ديفيد" مع المصريين، وإقصائه للرئيس السادات، الذي تصالح مع إسرائيل، واقترب من الولايات المتحدة.

"رابينوفيتش" عاصر الكثير من المواقف السياسية "المغلقة"، ومنها الاجتماع الذي جمعه برئيس الحكومة الراحل "إسحاق رابين" ووزير الخارجية الأمريكية الأسبق "وارن كريستوفر" والمبعوث الأمريكي السابق لعملية السلام "دينيس روس"، يومها ضغط الأمريكان للحصول على تعهد بالانسحاب الكامل من الجولان، ولما منحه "رابين" الموافقة شرط ألا يبلغها للأسد.

لكن "كريستوفر" أبلغ الأسد بالموافقة الإسرائيلية، مما فاجأه، وقال أنه مستعد للوصول مع الإسرائيليين حتى النهاية، ولكن! عند هذه الكلمة أيقن "رابين" أنه غير جاد في السلام!

ثم يكشف عن بعض تفاصيل الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون" عام 1994 إلى دمشق، يومها رافق الأسد ضيفه للمطار، وطلب منه إذا وقع اتفاق سلام مع إسرائيل، حصول بلاده على ما تأخذه مصر سنوياً من مساعدات مالية وعسكرية.

"رابينوفيتش"، الذي بحث في تاريخ سوريا الحديث، وجمع خبرة كثيرة في الاتصالات مع مبعوثي الأسد والوسطاء الأمريكيين، يتصدى لما أسماها الشروحات المختلفة والمتناقضة لفشل المفاوضات متعددة القنوات التي أدارها "إيهود باراك" في محاولة لإنهاء النزاعات مع سوريا والفلسطينيين.

واعتبر أن الجهود التي قام بها "باراك" عديمة الأمل، لأن مسعاه لتحقيق سلام مع سوريا، جاء متأخرا جدا، وعانى من نقص جوهري، بعكس ما دأب عليه "رابين" منذ أوائل التسعينات، لأن الرئيس السوري في حينه حافظ الأسد، اقترب من نهاية حياته، وعانى –كما يقول- من "هبوط جسدي وعقلي"، وفقدان لصلاحيته، وقوته السياسية، ولم يكن ذاك الحاكم كلي القدرة في بلاده الذي أدار بعناد المفاوضات مع الإسرائيليين بين سنوات 1992-1999.

ويستبعد رابينوفيتش في الوقت الراهن الوصول لاتفاق سلام مع الأسد الابن، بسبب ما تشهده البلاد من حرب أهلية دامية، وفقدان للدولة على أجزاء واسعة منها، وتشتت جهود النظام في السيطرة على الأحداث المتلاحقة. ويضيف في الفصل المتعلق بسوريا: "رغم أن الأسد الأب نفذ مجزرة دموية ضد الإخوان المسلمين في حماة قبل 30 عاماً، لكنه كان يحافظ على شرعية تمكنه من إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن الابن اليوم فاقد لها بصورة كلية".

الانسحاب من غزة

يتطرق الكتاب إلى العوامل الداخلية الإسرائيلية، ودورها في تدهور العلاقات مع العرب والفلسطينيين، لاسيما عند حديثه عن "أريئيل شارون" الفائز في انتخابات 2001 مع اندلاع الانتفاضة الثانية، وأخرج إسرائيل مما أسماها "الأزمة العميقة" منذ تأسيسها، ففي حين أن "دافيد بن غوريون"، أقام الدولة، فإن "شارون" استعادها من جديد من خلال "نجاحه بوقف الانتفاضة"، ومنح نفسه موقعاً جماهيرياً وشعبياً غير مسبوق، مشيراً إلى أن خطته للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة 2005، كانت عملية عميقة، تماماً كما فعل "رابين" في اتفاق أوسلو، وقد استفاد الاثنان من إرثهما الأمني والعسكري.

لكن دخول "شارون" في غيبوبته المستمرة حتى صدور الكتاب، أوصلت ""إيهود أولمرت" لمنصب رئيس الحكومة، حيث أعلن خطة "الانطواء" في 2006، التي توقفت عقب حرب لبنان الثانية، التي تسببت له بانتكاسة انتخابية ألقت به خارج الحلبة السياسية والحزبية، وهو ما تسبب بمجيء حكومة "بنيامين نتنياهو" ذات التوجهات اليمينية القومية، وساهمت بدورها في إخفاق جهود السلام.

لكن هذه الحكومة لم تأت بصورة عفوية، لأن الجمهور الإسرائيلي يتجه يميناً منذ سنوات، وتبدى أمام الناخب حقيقة مفادها أن الانسحابات الإسرائيلية من خلال اتفاق أوسلو، والخروج من لبنان، والانفصال عن غزة، جميعها جلبت المزيد من الأضرار الأمنية على إسرائيل.

ويقدم الكتاب رواية عن مفاوضات "كامب ديفيد" في تموز 2000، آثارها وأسباب فشلها، التي غدت منعطفاً في أي بحث للنزاع العربي – الإسرائيلي، وينشغل كثيراً في البحث عن إجابة السؤال القديم الجديد "من المذنب" بانهيار المسيرة السلمية، وقاد الطرفين إلى حرب استنزاف دامية، حيث يضاف الكتاب إلى عدد غير قليل من الروايات من المشاركين في المحادثات والباحثين الخارجيين، وكتب أخرى ستنشر قريباً.

وفي تحليل أسباب الفشل، لا يختلف "رابينوفيتش" كثيراً عن سواه من الباحثين الإسرائيليين في تحميل الفلسطينيين المسئولية عنه، لكنه يقدم توصيفاً جديداً للفشل يكمن في إدارة الوسطاء الأمريكيين، حيث وقف رئيس أمريكي في نهاية ولايته، أمام رئيس وزراء إسرائيلي عديم الائتلاف والخلفية السياسية، ما يعني أن الانهيار كان محتما، برأيه، بسبب ما سماه سعي عرفات ورفاقه لتصفية إسرائيل، ورفضهم الحل الوسط.

الاندماج والتطبيع

كرس الكتاب فصلا للحديث عن احتمالات التطبيع وانخراط إسرائيل في المنطقة العربية، من خلال العملية السلمية والتطبيع الاقتصادي والثقافي، مبدياً قدراً كبيراً من التشاؤم في ذلك، لأن طريق الاندماج لا تزال طويلة، بسبب طبيعة العلاقات المباشرة مع العرب، والفجوة الاقتصادية معهم، ورغم الجهود الأمريكية لإصلاح بعيد الأثر في المنطقة، فان "رابينوفيتش" يعتقد بمرور 20 سنة أخرى على الأقل إلى ان تستوعب الديمقراطية في الدول العربي، كما أن الإسرائيليين في نظره غير متحمسين برؤيا انخراط كامل في المحيط الشرق أوسطي.

ويقتبس المؤلف عن "شارون" من فترة ولايته كوزير للخارجية: "إذا حافظنا على حدود مفتوحة، فإن إسرائيل ستصبح دولة عبور، وستغرق بالمركبات الكثيرة، مئات آلاف الزوار العرب سيصلون، وليس هناك حراب في أياديهم، بل غصون الزيتون في أفواههم، ليصل إلى خلاصة نهائية مفادها أن السلام البارد يلائم الطرفين.

"رابينوفيتش" في سياق كتابه، يتابع الحديث عن منظومة العلاقات العربية-العربية، وتأثيرها على إسرائيل، ووضعيتها الإستراتيجية في المنطقة، بادئاً بالعلاقات السورية – العراقية، بالقول أن الرئيس السوري بشار الأسد لم يرغب بقيام الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق، ولا معنياً ببقاء قواتها فيه، وهو ما أدخله في دائرة صراع طويلة مع إدارة الرئيس السابق "جورج بوش"، ودفعه دوماً لتوجيه الانتقادات لأمريكا.

المؤلف، الذي توجه للسلك الأكاديمي وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، عين لاحقاً في جامعة تل أبيب، رئيساً، فباحثاً، فمؤسساً لدائرة أبحاث الشرق الأوسط بالتعاون مع مركز "ديان" للدراسات الإستراتيجية، ويعمل اليوم أستاذاً زائراً في جامعة "نيويورك"، ومعهد "بروكينغز" بواشنطن، ونائباً لرئيس معهد دراسات الأمن القومي، وهو عضو مؤسس في جمعية الفلسفة الأمريكية، وأكاديمية "كامبردج"، ومن كتبه السابقة: سوريا تحت حكم البعث، الحرب على لبنان، السلام الضائع بين إسرائيل والعرب، نهاية السلام بين سوريا وإسرائيل، يورد معلومات نسبها إلى مصادر رسمية موثوقة في واشنطن تقول بأن الأسد جعل من مطار دمشق، والحدود العراقية مرتعاً لعناصر المقاومة العراقية، وسهل عمل التنظيمات السنية الساعية لمحاربة القوات الأمريكية هناك، وهو ما كان سبباً في إذكاء التوتر بين الأسد و"بوش".

أما في حديثه عن منظومة العلاقات السورية – الأردنية، يقول "رابينوفيتش" أنها شهدت فترات صعود وهبوط، لكنها تميزت بقدر كبير من السلبية، رغم أن البلدين حاولا الحفاظ على علاقات متواضعة بينهما، في ضوء أن مشكلتهما تكمن في انتماء كل منهما لمعسكر مختلف ينتهج سياسة متباينة في منطقة الشرق الأوسط، لكن العلاقات بين دمشق وعمان لم تصل درجة العداء المتبادل بينهما.

وحول منظومة العلاقات السورية – الفلسطينية، يشير "رابينوفيتش" إلى أنه بعدما نجح الرئيس الراحل حافظ الأسد بتحويل سوريا من دولة ضعيفة إلى لاعب أساسي في المنطقة لها تطلعات، وتمتلك قدراً من القوة، ووجد أن هناك ضعفاً من قبل الدول العربية المحيطة في لعب دور في الملفين اللبناني والفلسطيني، وجد أمامه الفرصة ليحتوي الفصائل الفلسطينية التي لم تجد من يحتويها، ومنحها ملاذاً داخل أرضه، ومنصة لتوجيه النقد اللاذع للرئيس الراحل ياسر عرفات، وقد استمر الأسد الابن على نهج والده، ليضمن سيطرته عليها.

التحديات والتهديدات

الكتاب يعتبر استثنائياً لأن مؤلفه خاض جميع مراحل عملية السلام بين إسرائيل والعرب، ومواكب لكل مراحل الصراع العربي – الإسرائيلي، والمحاولات الجارية لحله، ونظراً لقوة علاقاته واتصالاته مع جملة من دوائر صنع القرار، فإن الكتاب يقدم لمحة عامة وتحليلا مفصلا وشاملا للقضايا الرئيسية في هذا الموضوع.

ويأخذ أهميته الفريدة لأنه يتضمن فصولا جديدة، اعتمادا على التطورات السياسية والاجتماعية في السنوات الأخيرة، وحتى الآن، خاصة الآثار المترتبة على "الربيع العربي" والتحديات الجديدة للحرب المتناظرة والأسلحة البالستية، ورغم أنه يرى أن الوقت ليس مناسباً لمحاولة إيجاد تسوية للنزاع، لكنه يقدم أفكارا للخروج من حالة الركود القائمة.

كما تنبع جديته من كونه يقدم جديداً للقراء من خلال اطلاع مؤلفه على الكثير من منعطفات عملية السلام، والمحاولات الحثيثة التي بذلتها جهات إقليمية ودولية لاستمرارها، كما أن الخلفية الأكاديمية والاستشراقية للمؤلف توازت مع المواقع الرسمية التي تبوأها في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لاسيما في سنوات الذروة 1992-1995، وإدارته للعلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل آنذاك.

في مواكبته للتغيرات الجيو- إستراتيجية الأخيرة في المنطقة والعالم، يذكر الكتاب أهمها، وأثرها على إسرائيل،  على النحو التالي:

  1. سباق إيران نحو السلاح النووي، الذي يعتبره خطاً أحمراً لا يجب السماح به تحت أي حال من الأحوال، دون أن ينحاز للرأي القائل بضرورة توجيه ضربة عسكرية لها، أو الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية الدولية، لكنه يعتبرها في كل الحالات دعوة للدول العربية والإسلامية لأن تحذو حذوها، وتدخل النادي النووي الدولي، وما لذلك من تبعات كارثية على إسرائيل، ليس أقلها أنها قد تحرمها من حق "الاحتكار" النووي.
  2. الهيمنة المتزايدة لتركيا "الإسلامية"، وتحولها من حليف وثيق إلى خصم عنيد، وهنا لا يجد الكاتب غضاضة في تحميل صناع القرار الإسرائيلي مسئولية وصول العلاقات مع أنقرة لهذا الانحدار السريع والمتلاحق، دون أن يعفي حكام أنقرة من رغبتهم بالابتعاد قليلاً عن إسرائيل رغبة منهم في تزعم العالم الإسلامي، بما في ذلك دعمهم للثورات العربية وحركة حماس، واحتضانهم للحركات الإسلامية.
  3. تراجع قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهنا يتفق الكاتب مع الكثير من الآراء الإسرائيلية السائدة في السنوات الأخيرة، ممن ترى أن انخفاض التأثير الأمريكي على مجريات التطورات الشرق أوسطية إنما يصب في غير صالح إسرائيل، ويفسح المجال لقوى إقليمية ودولية صاعدة لتحل محل الفراغ الأمريكي، ويلمح إلى إمكانية بحث تل أبيب عن حلفاء أقوياء خارج حدودها.
  4. تزايد نفوذ الإسلاميين في المنطقة، لاسيما بعد انطلاق الثورات العربية، ويعتبرها الكتاب إحدى المفاجآت غير السارة على المدى البعيد، خاصة وأن التيارات الإسلامية لا تخفي عداءها لإسرائيل، بل تشجع ما وصفته بـ"ثقافة الكراهية والتحريض"، واعتبار إسرائيل جسماً شاذاً في المنطقة العربية، ولابد من اجتثاثه واستئصاله بمختلف الوسائل.
  5. ارتفاع حدة الحروب غير المتناظرة التي تمتلكها المنظمات العصابية كحماس وحزب الله والقاعدة، وتهديد الصواريخ الباليستية التي بحوزة إيران.

ويصل الكتاب في نهاية تلك المؤشرات إلى استحالة تحقق السلام مع الفلسطينيين، داعياً للبحث عن طريق لإدارة الصراع على نار هادئة.

ملاحظات منهجية وعلمية

حظي الكتاب بشهادات تقريظ من شخصيات معروفة، حيث وصفه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر" بأنه يقدم مرآة عن آفاق السلام بين العرب وإسرائيل، كون المؤلف شريكاً محورياً في العملية، ويقدم مساهمة كبيرة في فهم الآفاق المتوقعة لما وصفه بـ"الربيع العربي" على المنطقة، ومستقبل العلاقة مع إسرائيل.

فيما قال "ديفيد إيغنيشيس" الكاتب الرئيس في "واشنطن بوست" أنه لم يجد دليلاً مرشداً لفهم قصة العرب وإسرائيل خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أفضل من هذا الكتاب من خلال تقديمه لسرد تاريخي "حزين" لمفاوضات السلام بين مختلف الأطراف، معتبراً أن الكتاب جدير بأن يقتنيه كل صناع القرار في المنطقة، لفهم طبيعة الصراع الدائر بين إسرائيل والعرب منذ عام 1948.

ومع ذلك، فبالإمكان وضع عدد من الملاحظات المنهجية والعلمية حول الكتاب، من أهمها:

  1. يقدم المؤلف رواية إسرائيلية مكررة حول تحميل الفلسطينيين والعرب مسؤولية فشل عملية التسوية، ويبرئ ذمة إسرائيل منها، مع بعض التلميحات الخجولة، رغم أن كثيراً من الكتب الإسرائيلية التي تناولت ذات الموضوع، كانت أكثر موضوعية في توزيع المسئولية بصورة نسبية.
  2. لا أحد يملك التسليم بصوابية ومصداقية جميع المواقف التي أتى بها المؤلف، على غزارتها وكثافتها، لاسيما تلك المتعلقة بما وراء الكواليس، والتي لم تجد طريقها للإعلام سوى عبر هذا الكتاب، وهو ما يمنح القارئ حق إبداء التشكيك بجزء منها، أو على الأقل اجتزاء بعض الحقيقة بما يتناسب مع الطرح الإسرائيلي.
  3. يبدي المؤلف تعلقاً غير محدود وليس مسبوقاً بشخص "رابين"، واعتباره الرافعة الوحيدة لعملية السلام مع العرب، بحيث أنه يبدي عدم تقديره لجهود سياسية قام بها أسلافه بدءً بـ"بيريس"، ومروراً بـ"نتنياهو" في دورته الأولى، ووصولاً إلى "باراك" و"شارون"، وانتهاء بـ"أولمرت ونتنياهو" في دورته الثانية، وهو ما قد يمنح رافضي التسوية مع الفلسطينيين فرصة القول بهذه الفرضية.

وهذه منهجية علمية غير دقيقة لأن السلام يجرى بين الشعوب وليس الزعماء، وقد رأت إسرائيل كيف أن زوال النظام المصري شكل لها "معضلة إستراتيجية" لأنها أقامت سلاماً معه وليس مع الشعب المصري!