قـراءة قـانونـية تاريخية نـقـدية لوثـيـقـة جـنـيـف

  • الأربعاء 17 يناير 2018 12:53 م
وزير الإعلام الفلسطيني السابق ياسر عبد ربه، مع وزير العدل الإسرائيلي السابق يوسي بيلين في سويسرا في 1 ديسمبر/كانون الثاني 2003.

 

قـراءة قـانونـية تاريخية نـقـدية

لوثـيـقـة جـنـيـف

مقدمة :

توصلت مؤخرا مجموعة من السياسيين الفلسطينيين الرسميين والإسرائيليين غير الرسميين إلى نموذج نص لاتفاق سلام يعالج مسائل الحل النهائي ، أطلق عليه وثيقة جنيف .

ولما كان أي اتفاق يناقش قضايا بهذه الحساسية والخطورة ، كان يجب أن يحظى بالكثير من النقاشات والحوارات ، فقد تم تناول الوثيقة في عشرات المقالات من الوجهات السياسية والإستراتيجية ، وقد رأينا هنا أن نناقشها نقاشا عقلانيا من الوجهة القانونية والحقوقية البحتة .

وستتطرق هذه الدراسة إلى المواد التي تضمنتها الوثيقة والبنود الواردة فيها ، ومدى التزامها بأسس القانون الدولي، وانطباقها مع القرارات والتوصيات التي نادت بها المواثيق الحقوقية التي طالما شكلت مرجعية قانونية ذات قيمة كبيرة تمسك بها الفلسطينيون خلال أكثر من خمسين عاما من الصراع ، والنظر للآثار القانونية المترتبة في حال تنفيذها .

تعود البدايات الأولى لوثيقة جنيف إلى أكثر من عامين ، وتحديدا بعد فشل محادثات كامب ديفيد في نهاية عام 2000 ، حيث قامت مجموعة من الشخصيات القيادية الفلسطينية والإسرائيلية ، بالعمل على إيجاد حل دائم وشامل للصراع ، وتوصلا إلى تفاهمات بعيدة الأثر في الجوانب المختلفة لهذا الصراع ، تكللت في احتفال دولي حيث تم التوقيع على الوثيقة مساء الأول من ديسمبر / كانون أول 2003 بحضور مئات الشخصيات العربية والإسرائيلية والدولية ، وقد مولت هذه المحادثات وأشرفت عليها الحكومة السويسرية ، وعدد من الدول .
 

  • الخطوط العامة للوثيقة :

قبل الحديث عن الأسس العامة للوثيقة ينبغي التنويه إلى أن بنودها الرئيسة تمت صياغتها على أسس وثيقة ( بيلين –أبو مازن ) ، ونسيبة – أيالون ، وخطة كلينتون ، ولكنها ليست بمدى ، وبمستوى تفصيل وشمولية ومكانة هذه الوثيقة ، التي فتحت الباب الإشعاعي في الصراع العربي الإسرائيلي ألا وهو  قضية اللاجئين والقدس ونهاية الصراع والحدود الدائمة ، حيث أنهم في مدريد - كما قال أحد موقعي الوثيقة الإسرائيليين – اكتفوا في مد شريط أبيض حول حقل الألغام هذا ، وأجلوا حلولها إلى مستقبل أفضل ، أما مفاوضات كامب ديفيد فقد انهارت في اللحظة التي أصابت فيها هذه الألغام .([1])

ولعل من الأمور التي منحت وثيقة جنيف كل هذه التغطية الإعلامية والنقاش السياسي المحتدم ، أنها وضعت تفصيلات دقيقة لقضايا المرحلة النهائية ، مثل القدس والاستيطان والحدود واللاجئين وغيرها ، ومع ذلك فإنها تجاوزت جميع القرارات الدولية ذات الصلة ، والتي تشكل المرجعية القانونية لحل هذه القضايا ، علما بأن " كل قضايا المرحلة النهائية هي حقوق أصيلة ثابتة للشعب الفلسطيني ، وتؤكدها مبادئ القانون الدولي ، ميثاق وقرارات الأمم المتحدة التي تشكل المرجعية الشرعية الدولية لهذه الحقوق ، غير القابلة للسقوط أو التنازل عنها أو التصرف بها ، بالإضافة إلى مرجعيتها الطبيعية والتاريخية ، وقد صدرت القرارات الدولية العديدة التي تؤكدها وتدين استمرار اعتداء إسرائيل عليها باحتلالها للأراضي الفلسطينية ، وتعتبر الاحتلال انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ".([2])
 

  • مآخذ قانونية عامة على الوثيقة :

يجدر التنويه بداية إلى أن انطلاق مسيرة التسوية بدءا بمؤتمر مدريد عام 1991 ، كان – ومال زال – قائما على موازين القوى المختلة بين الفلسطينيين وإسرائيل ، بشكل سمح للطرف الأقوى – وهي إسرائيل في هذه الحالة – أن تلجأ إلى استبعاد وتجاهل القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ، ورغم أن المفاوضين الفلسطينيين اعتمدوا طوال  الفترة الماضية في مطالبتهم بحقوقهم على ما قررته الشرعية الدولية ، وأصدرته من مواثيق وإعلانات قانونية وحقوقية ، إلا أنهم تساوقوا مع تجاهل المحتل الإسرائيلي لتلك المبادئ ، مما أنتج اتفاقيات وقعت بين الجانبين تكاد تخلو تقريبا من ذكر صريح وواضح لتلك المبادئ والأعراف ، الأمر الذي جعل من الضرورة بمكان لصاحب القوة والمنعة أن يملي مطالبه ويمنح الحقوق التي يرتئيها مناسبة للطرف الآخر ، منة وتفضلا ، وليس التزاما بما أقره القانون الدولي من واجبات والتزامات تتمتع بالصفة القطعية الآمرة واجبة التنفيذ .

حفلت الوثيقة في إطارها الخارجي – فضلا عن تفاصيلها الداخلية – بتجاوز القانون الدولي والقرارات الدولية بصورة واضحة ، سآتي على ذكر بعض منها :

  1. لعل أول  مأخذ قانوني على الوثيقة أن الدولة التي استضافت إجراء المباحثات وقامت بتمويلها ، وشهدت حفل التوقيع عليها هي سويسرا ، وهو ما يتعارض مع واجباتها كدولة مودعة لديها اتفاقيات جنيف لعام 1949 ، للأسباب التالية :

- سويسرا طرف سام متعاقد على اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب ، فيما جاءت بنود الوثيقة لتشكل " تقويضا غير شرعي للحقوق الأساسية الفردية والجماعية للفلسطينيين ،وتمس بسيادة القانون من خلال المراوغة حول التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ،والقانون الدولي الإنساني ،خاصة اتفاقية جنيف الرابعة " .([3])

  • جاءت رعاية الحكومة السويسرية لوثيقة تضع إسرائيل صراحة في حل من مسؤولياتها المدنية والجزائية المقرة بمقتضى مواثيق القانون الدولي الإنساني ، لتمثل دون شك " خرقا واضحا وصريحا من قبل سويسرا لالتزاماتها الناشئة عن المادة الأولى والمادة 148 من اتفاقية جنيف الرابعة التي ألزمت الدول الأطراف بواجب احترام هذه الاتفاقية " .([4])
  • كما جاء تعارض سويسرا في رعايتها لوثيقة جنيف مع التزامها القانوني لإنفاذ أحكام اتفاقية جنيف الرابعة ، في قبولها " لانتزاع الأراضي بشكل غير قانوني ، ونقل السكان ، والانتهاكات المنظمة للحقوق الفلسطينية التي تقترفها الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ، إلى تبني حقيقي وعملية تشريع لهذه الأساليب ، وهو ما يشكل مخالفة فعلية لالتزامها باحترام الاتفاقية " .([5])
  1. رغم المسميات العديدة التي أطلقت على وثيقة جنيف مثل : مبادرة ، اتفاق ، مناورة ، حل متوازن ، وغيرها من الأسماء إنما جاءت لتهدئة الشعور الشعبي العارم الذي وقف ضدها  وأيا كان اسمها ، فإن الوثيقة من الناحية القانونية لا يوجد لواضعيها أي صلاحية لتطبيقها ، لأن مسيرتها التي استمرت لأكثر من عامين ، وتناقش قضايا في غاية الخطورة ، أخذت حيزا واسعا من جهود فقهاء القانون الدولي ، دون إشعار أصحاب الحق الأصليين ، يشير إلى عمل غير ديمقراطي ، وتفرد في صنع القرار ، لأنه يضع الشعب الفلسطيني أمام حقائق ناجزة ، لاسيما وأن الوثيقة تستهل نصها بذكر طرفي الاتفاق وهما : دولة إسرائيل ، ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثل الشعب الفلسطيني ، وبالتالي فإن منح القائمين على هذه الوثيقة لأنفسهم حق تمثيل الشعب الفلسطيني دون انتخاب ، أو استفتاء ، أو تفويض قانوني رسمي من مؤسسات الشعب الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها ، فإن ذلك يمثل تغييبا وإنكارا صارخا لإرادة الشعب الفلسطيني الذي لم يمنح أو يعترف للقائمين على هذه الوثيقة بحق تمثيله .
  2. تجاوزت الوثيقة كافة القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ، في عدم ذكرها – ولا مرة واحدة – لكلمة الاحتلال الإسرائيلي … هل يعقل ذلك ؟ لقد أقر المجتمع الدولي منذ عام 1967 أن إسرائيل هي قوة احتلال حربي ، وأن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق قانونا على الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وهناك العشرات من قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة([6]) ، أكدت على أن الأراضي الفلسطينية هي أراض محتلة ، وأن السبب في تواصل دائرة الصراع مرده الأساس هو وجود الاحتلال الإسرائيلي لهذه الأرض ، وبالتالي فإن إظهار وثيقة جنيف كما لو أن إسرائيل طرف تفاوضي عادي ، بعيدا عن ذكر قضية الاحتلال فيه تجاوز لما أورده القانون الدولي .
  3. تتجاوز الوثيقة في مادتها الأولى التي تتحدث عن الهدف من اتفاقية الحل النهائي أسسا هامة وأركانا رئيسة قام عليها القانون الدولي ، تتمثل في عدم سريان التقادم الزمني على جرائم الحرب ، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ، حين تشير إلى " تسوية جميع مطالب الطرفين ، ولا يمكن لأي منهما التقدم بمطالب إضافية تتعلق بأحداث وقعت قبل التوقيع على الاتفاقية " .

وبهذه المادة فإن مجرمي الحرب الإسرائيليين ممن خططوا وأشرفوا وشاركوا في جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من خمسين عاما، طلقاء أحرارا لن تطالهم يد العدالة الإنسانية، وبالتالي فقد منحت الوثيقة دولة إسرائيل المحتلة صك براءة مما قامت به وقواتها، دون مساءلة أو عقاب، ومن ثم فليس هناك من وجه حق إذا طالب الضحايا الفلسطينيون بتعويض عما لحق بهم جراء هذه الجرائم،وهذه المادة تنتهك بصورة واضحة اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية لعام 1968 .

  1. لعل القاسم المشترك بين جميع هذه الاتفاقيات هو غياب أي إشارة إلى المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن وثيقة جنيف تعدت ما هو أبعد من ذلك ، حين اتفق طرفاها على " تفسير المعايير الدولية بما يتفق مع نصوص الاتفاقيات ، وليس صياغة الاتفاقيات بما يتفق مع نصوص وروح المواثيق الدولية "([7]) ، ليس هذا فحسب ، بل إن البند السادس من المادة الثانية تعطي الأفضلية والأولوية لتعهدات الموقعين على الوثيقة ، ويعطونها مكانة أعلى وأسمى من أحكام ميثاق الأمم المتحدة ، وبالتالي ترجيح هذه التعهدات على أحكام الميثاق في حال تضارب التعهدات مع أحكامه ، وهذا بحد ذاته ضربا بعرض الحائط من قبل الوثيقة بالطبيعة القانونية الخاصة لأحكام الميثاق الذي " يمتلك طبيعة قانونية تلزم أعضاء المجتمع الدولي بالتقيد بأحكامه ومبادئه ، وتمنحها سموا في مواجهة جميع الالتزامات الدولية الناشئة عن علاقات الدول التعاقدية ، كما أن المادة 103 من الميثاق تلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالوفاء بالتزاماتهم وفقا له ، حتى وإن تعارضت هذه الالتزامات مع التزامات دولية أخرى ارتبطت بها هذه الدول ، ولذلك فإن ما جاءت به وثيقة جنيف فيما يتعلق بهذه القضية يمثل انتقاصا واضحا من قيمة الميثاق ، وإلزامية وسمو أحكامه " .([8])
  2. لعل من أخطر ما تضمنته الوثيقة ما دعت إليه في المادة 17 الخاصة بالبنود الختامية التي تنص على إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي ومن الجمعية العامة للأمم المتحدة يتبنيان الاتفاقية ويلغيان قرارات سابقة للأمم المتحدة !! الحقيقة أنني لم أجد تسويغا قانونيا يجيز هذه المادة ، والتي بموجبها يقوم الفلسطينيون – نعم الفلسطينيون – بشطب التراث السياسي والقانوني والمعنوي الذي حصلت عليه القضية الفلسطينية ، من مقررات الشرعية الدولية .
  3. تؤكد الخبرة التراكمية لدى فقهاء القانون الدولي ، أنه في حالة اتفاق طرفين على إنهاء حالة الحرب بينهما ، فإن من أهم الخطوات التي ينبغي اتخاذها من قبلهما الإفراج عن كافة السجناء والمعتقلين ، إلا أن الوثيقة تجاهلت هذا الإرث القانوني والسياسي ، وقامت بترحيل ملف السجناء إلى المادة 15 من الوثيقة ، ليس هذا فقط ، بل وتعود الوثيقة إلى "سيرة أوسلو الأولى" لتدخل الأسرى وذويهم في دهاليز الجداول والمراحل التي لم يسبق وأن أقرتها مواثيق قانونية ، أو قرارات دولية .([9])
     
  • مخالفات قانونية في محتوى الوثيقة :

ننتقل بعد ذلك إلى المخالفات والتجاوزات التي حفلت بها وثيقة جنيف مع القانون الدولي في موادها وبنودها التفصيلية :

أولا : الاعتراف المتبادل :

نص البند الأول من المادة الثانية من الوثيقة على اعتراف متبادل بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين ، وهذا الاعتراف اكتنفه العديد من السقطات القانونية ، أهمها :

  1. جرت العادة أن رسائل الاعتراف المتبادل منذ اتفاق أوسلو تميزت بالوضوح التام في كل مطالب الجانب الإسرائيلي ، وبالإبهام الكلي الذي يكتنف حقوق الشعب الفلسطيني ، وهذا ما انطبق على وثيقة جنيف ، ترى ما الذي سيترتب قانونا على هذا الاعتراف من نتائج وعواقب ؟ إنه اعتراف " بسيادة إسرائيل على الأرض الفلسطينية ، وكل ما تشرعه دولة ذات سيادة على أرضها ويصبح قانونا ، فهو شرعي ، ومن المعلوم أن إسرائيل قد اغتصبت وصادرت الأراضي ، والمياه ، والحقوق ، وأخرجت السكان وطردت وأبعدت بموجب قوانينها ، وكان الفلسطينيون يصفون هذه القوانين بأنها قوانين المحتل ، وأنها بالتالي لا تحمل أية شرعية ، وبموجب هذا الاعتراف أصبحت كلها شرعية "([10])!
  2. خالفت الوثيقة القرارات الدولية التي نصت على أن الحل النهائي للصراع يجب أن يتضمن بالأساس قيام دولة فلسطينية حرة مستقلة ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1967 ، فيما أكدت الوثيقة في معظم بنود المادة الثانية على أن هذه الدولة ستكون منزوعة السلاح ، وتبقي محطة إنذار سريع للجيش الإسرائيلي على أرضها ، ولا معارضة للفلسطينيين بأن تقيم إسرائيل جدار فصل على طول الحدود المتفق عليها ، وأن هناك اعترافا بحق الجيش الإسرائيلي بالطيران في سماء الدولة المجاورة ، وهذه المواصفات تنتقص بصورة واضحة الحقوق السيادية لهذه الدولة ، في النقاط التالية :

( أ ) إن وثيقة جنيف تقيد حرية هذه الدولة في إقامة علاقاتها الخارجية السياسية والثقافية والدبلوماسية ، وربطها بالموافقة الإسرائيلية ، وهذا انتقاص شديد الخطورة مما أقرته الشرعية الدولية من حق جميع المواطنين الفلسطينيين في " الاشتراك في رسم سياسة دولتهم الخارجية ، من أجل تحديد علاقات فلسطين مع المجتمع الدولي ، دولا ومنظمات دولية ، بما يحفظ لها مكانتها التي تليق بها بين دول العالم ، ويكفل الحفاظ على سلامة وحدة الإقليم الفلسطيني وتمتعه بالحرية والاستقلال والسيادة ، وكافة الحقوق التي تقررها مبادئ القانون الدولي للدول المستقلة ذات السيادة " .([11])

( ب ) إن مفهوم الدولة من الناحية القانونية يشترط فيه التواصل الجغرافي الطبيعي بين أقاليمها ومناطقها ، إلا أن الوثيقة رغم أنها أسمتها الدولة الفلسطينية ، فهي متقطعة الأوصال وبدون تواصل جغرافي من خلال الممر المزمع إقامته بين ضفته وغزته والخاضع للسيادة الإسرائيلية ، من خلال ما سوف ينشر فيه من طرق وشوارع .([12])

( ج ) إن وثيقة جنيف في تعارض مباشر مع روح ونصوص القانون الدولي الإنساني ، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة ، تقرر بأن نموذج الدولة الفلسطينية المستقبلية يسمح بمواصلة انتهاك الاتفاقية ، من حيث " إنكارها لحق الفلسطينيين في تقرير المصير والدفاع عن النفس ، من خلال منعها من تشكيل جيش للدفاع في مواجهة الاعتداءات الخارجية ، كما تسمح الوثيقة بتواجد قوات الاحتلال الإسرائيلي وأفراد مخابراتها بشكل دائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وأكثر من ذلك ، لا تضع وثيقة جنيف نهاية للاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية ، بل ستأتي بقوة متعددة الجنسيات تقودها على الأرجح الولايات المتحدة لتقوم مقام قوة الاحتلال ، ويمكن سحبها فقط بموافقة إسرائيلية ".([13])

( د ) إن وثيقة جنيف تعارضت مع ما اعترف به المجتمع الدولي للشعب العربي الفلسطيني بحقوقه غير القابلة للتصرف ، وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره بنفسه دون أن يكون هناك مكان لوصاية او تدخل خارجي ، أي أن لهذا الشعب " حق إقامة دولته الوطنية من حيث أن حق تقرير المصير في القانون الدولي ، إنما يعني حق شعب ما في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله ، والسيادة التي ينتمي إليها " .([14])

( ه ) جميع البنود السابقة المتعلقة بالدولة والسيادة ، تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والسيادة الدائمة على جميع أراضيه بمقتضى قرارات الشرعية الدولية ، بل وتتعارض مع العديد من الأحكام القانونية والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لا سيما قرار رقم 33/28 لعام 1978 ، ومبادئ اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام 1969 ، مما يسقط المشروعية عن أحكام هذه الوثيقة ، ويقضي بوجوب إبطالها .

3- في المقابل ، فإن الفلسطينيين سيعترفون بإسرائيل ، وهو اعتراف سبق وأن أعلن في رسائل الاعتراف المتبادلة عام 1993 ، ولكن وثيقة جنيف تقدم اعترافا من نوع آخر طالما طالبت به إسرائيل ، وهو أن إسرائيل دولة للشعب اليهودي ، وهنا العديد من المآخذ القانونية:

( أ ) إن الاعتراف بأن إسرائيل دولة للشعب اليهودي ، فيه تعد قانوني وتهديد لحقوق الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون داخل حدود العام 1948 ، والذين يزيد عددهم عن المليون وثلاثمائة ألف نسمة ، وما زالوا لا يعترفون بإسرائيل دولة للشعب اليهودي ، من هنا جاءت الوثيقة لتنسف - قانونيا على الأقل – مطالبة الفلسطينيين بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، مما يترك الأمر للحكومة الإسرائيلية لتمارس سياسة الانتقاء المزاجي في منحهم هذه الحقوق أو منعهم إياها .

( ب ) إن إقرار وثيقة جنيف بأحقية الشعب اليهودي بدولة واعترافها بها ، يمنح إسرائيل تصريحا قانونيا لتحقيق الطابع اليهودي للدولة ، ووضع حد لـ ( تلوث النقاء العنصري لإسرائيل ) ، وهذا إقرار عجيب ، ولنتذكر أنه " بعد إلغاء قرار مساواة العنصرية بالصهيونية نتيجة الهيمنة الأمريكية ، فإن ثلاث لجان تابعة للأمم المتحدة أكدت في تقارير الدورية لعام 2002 أن مخالفات إسرائيل للقانون الدولي نابعة من قوانينها المحلية ، أو بمعنى آخر العنصرية "([15]) وهذه اللجان هي : لجنة إزالة جميع أشكال التمييز العنصري ، ولجنة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ، ولجنة الحقوق المدنية والسياسية ، فكيف تطلب وثيقة جنيف تجاوز هذه الشهادات الدولية ، وتقبل بما رفضه المجتمع الدولي قاطبة ؟!
 

ثانيا : الأراضي والمستوطنات :

شكلت المواد التي تناولت هاتين القضيتين ، محورا هاما وخطيرا في تجاوزها لأحكام القانون الدولي ، ومما يؤخذ عليها :

  1. يجرم القانون الدولي بكافة فروعه وأركانه بصورة واضحة لا تقبل التأويل ، الممارسات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، ويعتبرها جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية ، لا يجب التسامح معها ، ومع ذلك فإن وثيقة جنيف في الفقرة الخامسة من المادة الرابعة لم تأت على عدم مشروعية الاستيطان ، ولم تلزم الجانب الإسرائيلي بتفكيك المستوطنات وإزالتها ، وفي ذلك مخالفة للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ، والمادة 85 من بروتوكول جنيف الأول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977 .
  2. إن القبول الفلسطيني في الإبقاء على المستوطنات الإسرائيلية في بعض أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967 ، أسس لسابقة قانونية خطيرة سيكون من الصعب تغييرها لأنها ستكون قد اكتسبت الصفة القانونية والمعترف بها ، كما أن السماح لأية مستوطنة بالبقاء " سيعرقل إنجاز الفلسطينيين أي قدر معقول من السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ليس بالضرورة بسبب المستوطنات ذاتها ، بل بسبب الإجراءات الأمنية الواسعة المطلوبة لضمان بقائها ، بما في ذلك الوجود الدائم للجيش الإسرائيلي في المناطق "([16]) .
  3. إن قبول وثيقة جنيف ببقاء هذه المستوطنات ، سيشكل إحياء وبعثا لنظام الأبارتهايد العنصري ضد الفلسطينيين ، وهذا يأتي من خلال الفهم القانوني المبدئي لقضية المستوطنات التي " تخدم إسرائيل كأداة من أدوات النظام العنصري في الأراضي المحتلة ، وبالتالي فإن الموافقة الفلسطينية على وجود هذه المستوطنات سيوطد التمييز السائد في كل نواحي الحياة ، ويبرر خضوع العرب واليهود لنظام قانوني مزدوج ، حيث يحرم على غير اليهودي الإجراءات القانونية والحماية المتساوية تحت ظل القانون ، والعديد من الحقوق والحريات التي يتمتع بها المستوطنون اليهود "([17])، وذلك من خلال البند السابع من المادة الخامسة .
  4. نصت الوثيقة في البند التاسع من المادة السابعة حول التعويض عن الممتلكات ، بأن      " تخصم قيمة الأصول الإسرائيلية غير المنقولة في المستوطنات السابقة والتي سيتم نقلها إلى دولة فلسطين من المساهمة الإسرائيلية للصندوق الدولي الذي سيقدر الضرر الذي سببته المستوطنات "، وبذلك فقد أعفت الوثيقة " إسرائيل من جميع مسؤولياتها القانونية في تعويض جميع الفلسطينيين ، الذين تضرروا من الاستيطان وممارسات المستوطنين ، وأسقطت حق الشعب الفلسطيني في الحصول على تعويض عادل ومنصف من مجموع الأراضي والممتلكات الخاصة والعامة ، والموارد والثروات المائية التي قام المستوطنون باستغلالها والانتفاع منها دون وجه حق "([18])، الأمر الذي يخالف قواعد لائحة لاهاي لعام 1907 ، واتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949 ، وأحكام بروتوكول جنيف الأول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977 ، إضافة إلى العديد من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة التي نصت على نيل الفلسطينيين التعويض الكامل عما أصاب مواردهم البشرية والطبيعية والثروات والأنشطة من استغلال واستنزاف وخسائر وأضرار .([19])
     

ثالثا : الأمن والإرهاب :

أفردت الوثيقة المادة الخامسة التي احتوت 13 بندا كاملا خاصة بهذه المسألة ، ومما جاء فيها : تتوقف أعمال العنف ويحل الفلسطينيون المنظمات الإرهابية ، ويجمعوا الأسلحة غير القانونية ، ويمنعوا التحريض .

وقد تجاوزت الوثيقة القانون الدولي فيما يلي :

  • في ظل خلو الوثيقة من أي ذكر للاحتلال – الذي هو السبب الرئيس لاستمرار دائرة الصراع بين الشعبين – والاكتفاء بمحاربة الإرهاب والتطرف ، وتكثيف التعاون الأمني ، فقد أعفت الوثيقة الاحتلال الإسرائيلي كقوة محتلة غاصبة معتدية من مسئوليته القانونية والسياسية عن هذا الوضع ، لتقذف بالكرة لدى الفلسطينيين المتسببين بأعمال العنف .
  • جميع البنود الواردة في هذه المادة تدعو للحذر الشديد ، وخاصة عند حديثها عن الأمن الإسرائيلي ، إذ يجب وضع تعريف منطقي لحدود الأمن الإسرائيلي ، ووضع القيود عليه ، الأمر الذي وجد صداه في نصوص الوثيقة التي أكدت عدم التوازن الخطير في الولاية القضائية ، ففي حين " ستحتفظ القوات الإسرائيلية بالولاية القضائية على المستوطنين والمستوطنات بهدف حماية الأمن الإسرائيلي ، حتى لو كان هؤلاء يقيمون جغرافيا ضمن الأراضي الفلسطينية ، وهذا نظام قانوني تمييزي يستذكر ممارسات نظام التفرقة العنصرية "([20])، كما انه يخفق في الاعتراف بالمساواة بين الأشخاص أمام القانون .
  • نص البند الخامس على وقف التحريض على الثورات والعنصرية والإرهاب ، وفي ذلك تعد على حق الإنسان الطبيعي في التعبير عن رأيه بحرية ودون تقييد ، وهذا البند يشير إلى تهميش قضية حقوق الإنسان في هذه الوثيقة ، مقابل تركيزها على الجوانب الأمنية بالدرجة الأولى ، ولعل خبرة السنوات الماضية أكدت ضرورة الحذر من توظيف نصوص الاتفاقيات السياسية مبررا لانتهاك حقوق الإنسان الأساسية .
  • نصت هذه المادة على وجوب " تشكيل لجنة أمنية لصياغة السياسات والتوجيهات الشاملة لمحاربة الإرهاب والعنف " ، وهذا أمر يثير القلق من الناحية القانونية لأنه لم يحدد صلاحيات واضحة لهذه اللجنة ، وأبقتها ذات صلاحيات فضفاضة واسعة تحت شعار محاربة الإرهاب ، الأمر الذي سيفسح المجال واسعا أمام الاختراقات والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان الفلسطيني ، وتعارضها مع ما أقره القانون الدولي من إعلانات ومواثيق ، وأصبحت هذه الحقوق للأفراد أو الجماعات عرضة للانتهاك والإيذاء من قبل السلطات الفلسطينية المسئولة عن إنفاذ القانون .

رابعا : القدس :

شكلت القدس على مدار السنوات الماضية قنبلة موقوتة في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ، إلا أن وثيقة جنيف تعاملت معها ببساطة غير مبررة قانونا ، متجاوزة بذلك عددا من المواثيق والأعراف الدولية ، ومن هذه المآخذ :

  1. تجاوزت الوثيقة القانون الدولي حين أغفلت كليا ذكر حائط البراق ، وبدلا منه ذكرت حائط المبكى ، علما بأن القرارات الدولية لم تتبن التسمية الإسرائيلية لهذا الحائط ، فلماذا هذا التطوع لمنح الصفة القانونية على التوصيف الإسرائيلي للأماكن المقدسة ، وربما تبني الوثيقة لهذا الاسم له من الدلالات التاريخية والقانونية والسياسية الشيء الكثير .
  2. إن وثيقة جنيف في حلها لمسألة السيادة على مدينة القدس ، استندت إلى عدد من المحاولات التي جرت لطرح تعريفات وعرض مفاهيم وأشكال مختلفة للسيادة : " سيادة مشتركة ، سيادة ثنائية ، سيادة وظيفية ، السيادة لله ، وغيرها ، هو استناد خاطئ وباطل قانونا ، لما يمثله من قبول وتسليم بالتعامل مع واقع الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي والقائم حاليا في المدينة ، وتتعامل مع السيادة على المدينة في ظل تغييب جوانب أساسية من القرارات الدولية بهذا الخصوص ، واستجابة لمخطط إسرائيلي مسبق يتلخص في فرض سياسة الأمر الواقع "([21])، وهذا يستدعي التأكيد على أن هذه الآراء والاجتهادات لا تصلح بأي شكل من الأشكال لأن تكون المرجعية القانونية والسياسية للتفاوض حول مستقبل المدينة المقدسة ، التي من المفترض إيجاد حل لها وفقا لما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية .
  3. إن القرارات الدولية([22]) تنص على أن العاصمة المعترف بها للدولة الفلسطينية ستكون القدس الشرقية التي احتلت في الرابع من حزيران 1967 ، بغض النظر عن أي تغييرات جغرافية أو ديموغرافية تطرأ على هذه المدينة ، إلا أن الوثيقة تجاوزت هذه القرارات بالقول أن الأحياء العربية ستكون تحت السيادة الفلسطينية ، والأحياء اليهودية ستكون تحت السيادة الإسرائيلية ، ولعل الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق المقدسيين العرب ، وتشريدهم ، ومصادرة أراضيهم ، في مخالفة منها لأبسط المواثيق الدولية ، جعل وقائع الأمور تقول أن الأحياء اليهودية باتت تمثل أكثر من 85% من القدس المحتلة عام 1967 !
  4. إن وثيقة جنيف بمنحها السيادة الإسرائيلية على الحي اليهودي و( حائط المبكى ) ومقبرة جبل الزيتون في البندين السادس والثامن من المادة السادسة ، تكون قد خالفت ما أقره القانون الدولي الذي تلخص بعدم اعترافه وقبوله بسلطة وسيادة لإسرائيل على أي قسم في مدينة القدس ، وبقيت القرارات والتوصيات معلقة دونما تنفيذ أو حسم ، ولكن عدم تنفيذها لا يعني مطلقا سقوطها أو عدم العودة إليها كمرجعية قانونية .
  5. إن اعتراف وثيقة جنيف بالسيادة الإسرائيلية في مدينة القدس ، سيحقق لإسرائيل مكسبا واعترافا قانونيين دوليين على حساب الفلسطينيين ، وفي ذلك مخالفة للقانون الدولي الذي يعتبر إسرائيل قوة عسكرية في القدس الشرقية ، وتتمتع بالسلطة فقط بمقتضى الأمر الواقع ، علما بأنه العام 1999 شهد  " تصويت 149 دولة مقابل دولة واحدة لصالح قرار الأمم المتحدة ، الذي اعتبر قرار إسرائيل بفرض قوانينها وولايتها وإدارتها على القدس قرارا غير شرعي ، وبالتالي باطلا "([23]) .
  6. بعد تقسيم المدينة إلى نوعين من الأحياء سابقة الذكر ، قالت الوثيقة أن المدينة القديمة ستبقى في إطار دولي ، ولم تشرح الوثيقة ماذا تعني بهذا الإطار الدولي : فعل تعني ما ورد في قرار التقسيم 181 الذي جعل المدينة كيانا منفصلا خاضعا لنظام دولي خاص ؟ ، أم تعني أنها العاصمة الأبدية لإسرائيل وفق قرار الكنيست ؟ أم أنها عاصمة الدولتين معا ؟ أم أن هذا الغموض الذي ورد في بعض نصوص الوثيقة كان مقصودا لهذا السبب ، مع العلم أن القرار الدولي رقم 181 كان واضحا في هذه النقطة .([24])
     

خامسا : اللاجئون وحق العودة :

احتل هذا الموضوع الحيز الأكبر في النقاشات التي دارت حول الوثيقة ، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها ، وقبل تفنيد الوثيقة من الناحية القانونية فيما يتعلق باللاجئين ، ينبغي التنويه إلى أن جميع الموقعين الإسرائيليين على الوثيقة ، صرحوا بما لا يدع مجالا للشك أن الفلسطينيين تنازلوا عن حق العودة ، ونكتفي بعرض عدد محدود مما ورد في هذا السياق :

  • طالبت وثيقة جنيف بتحديد لجنة دولية لتعريف من هو اللاجئ ، وما هي التعويضات التي يستحقها ، وستتمتع إسرائيل بصلاحية اتخاذ قرارات حول كم ، ومن الذي يجب إدخاله إلى حدودها ، يقول رون بونداك أحد مهندسي اتفاق أوسلو الذي شارك في مباحثات جنيف ، أن هذا الاتفاق هو ما كان يحلم به إبان مفاوضات أوسلو .([25])
  • أكد الإسرائيليون أن وثيقة جنيف تعني أن حق العودة سيتحقق داخل مناطق الدولة الفلسطينية ، وبالتالي فإن خوف إسرائيل الكبير من عودة جارفة للاجئين إليها ، وهو شيء سيلغي الأكثرية اليهودية ، يجد في اتفاق جنيف إجابة مرضية ، فلن يعود اللاجئون إلى إسرائيل ، سوى لم شمل عائلات بنسب رمزية ، وهذا بحد ذاته اعتراف فعلي وقانوني من قبل الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية .([26])

في المقابل كان موقف الموقعين الفلسطينيين ضبابيا وغير واضح ، ومن ذلك :

  • الوزير هشام عبد الرازق قال في تعقيبه على النص المتعلق باللاجئين : هل منا من يعتقد بإمكانية إيجاد حل عادل للاجئين ؟
  • فيما صرح مفاوض آخر : إن نصوص الوثيقة تنص على أن هناك حق للعودة ، وهذا ما نص عليه الاتفاق ، والأمر يعود للإسرائيليين بتفسير هذه البنود كما يريدون ، ولكن بالنسبة لنا هناك حق للعودة ‍‍‍…(‍‌[27])

ويمكننا الآن وضع اليد على السقطات القانونية التي وقعت فيها الوثيقة :

  1. من الناحية التعبيرية ، انطوت الوثيقة في مادتها السابعة على سقطات بالغة الخطورة من الناحية القانونية ، من خلال استخدامها المتكرر لمصطلح ( مشكلة ) اللاجئين ، بدلا من ( حق اللاجئين ) ، وتكمن الخطورة في استخدام هذا المصطلح إلى ما يلي :
  • فيه إسقاط لصفة الحق عن قضية اللاجئين .
  • وفيه إقرار بالتعاطي مع قضية اللاجئين كموضوع خاضع لرغبة وإرادة كل من الطرفين.
  • وفيه إسقاط لجميع القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بشان اللاجئين .
  • وبالتالي تم بمقتضى هذا الاستخدام لمصطلح ( مشكلة ) إعفاء إسرائيل صراحة من مسؤولياتها القانونية تجاه اللاجئين .([28])
  1. أغفلت الوثيقة قرارات الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ، وخاصة القرار رقم 194 ، الذي تم التأكيد عليه خلال أكثر من 125 قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1948 ، رغم ذكرها له ، ومع ذلك فإن اللاجئين الفلسطينيين لن يعودوا إلى ديارهم … مفارقة … أليس كذلك ؟ في الوقت الذي تقول الوثيقة أنها اعتمدت على القرار المذكور ليشكل أساسا لحل قضية اللاجئين ، فإن المادة 17 منها تطالب الأمم المتحدة بإلغاء كافة القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية … وبذلك فإن وثيقة جنيف تجب ما قبلها من قرارات ومبادرات !!
  2. لقد أفرغت الوثيقة القرار 194 الذي يكتسب الصفة الإلزامية الواجب احترامها والالتزام بها ، ففي حين كفل هذا القرار للاجئين حقا جماعيا وفرديا بالعودة إلى ديارهم ، جاءت صياغة الوثيقة لإخراج هذا الحق المكفول من " مبدأ الاختيار إلى إطار المبادرات الإنسانية التي يمكن لإسرائيل أن تسمح بها ، وبالتالي فقد نزعت الوثيقة من هذا القرار مضمونه الحقوقي والقانوني " .([29])
  3. إن سبب كون القرار 194 ذا أهمية حيوية بالنسبة للحالة الفلسطينية ، هو أن هذا القرار وحده " يعرف حقوق اللاجئين الفلسطينيين بصورة جماعية ، ويطالب بحقهم في العودة كمجموعة قومية ، وقد أضعف الفلسطينيون حجتهم بالمطالبة بتطبيق حق العودة من خلال قبولهم بصيغة مدريد لمحادثات السلام ، التي استثنت الأمم المتحدة من كون قراراتها هي التي توفر الهيكلية والمظلة والتنظيم لحل قضية اللاجئين "([30])، فكيف الحال ووثيقة جنيف تطالب بإلغاء القرار كليا ؟!
  4. تتجاهل الوثيقة للمقررات الدولية التي نصت على حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، ومن أهمها : المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، والمادتان 2و3 من البروتوكول الرابع في الاتفاقية الأوروبية لصون حقوق الإنسان ، والمادة 2 من المعاهدة الأميركية لحقوق الإنسان ، والمادة 12 من الشرعة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ، وقد خلصت جميع هذه المواثيق إلى  أن حق عودة اللاجئين لا يتم إلا بمقتضى إرادتهم الحرة والصريحة ، كما إن الطابع الفردي والإرادي لحق العودة ، والحاجة إلى إنفاذه في جو من السلامة الكاملة إلى موقع إقامة اللاجئ في موطنه الأصلي ، أمران يجب احترامهما بصورة دائمة .([31])
  5. في تجاوزها لحق العودة ، فإن وثيقة جنيف خالفت إجماعا قانونيا أكد عليه فقهاء القانون ، على اختلاف مدارسهم ، وهو أنه لا يجوز لأي طرف التفاوض على إسقاط أي حق من حقوق الشعوب الأصيلة وغير القابلة للتصرف ، وبذلك فإنه " لا يجوز حتى لمنظمة التحرير الفلسطينية ذاتها ، أن توقع على أي وثيقة تتنازل بموجبها عن حق اللاجئين في العودة والتعويض"([32]) ، فما بالنا والأمر يتعلق بسياسيين يفتقرون إلى قانونية التمثيل وأحقية التفويض ؟! إن التخلي عن هذا الحق من جانب " طرف فلسطيني محدود التمثيل وشبه رسمي ولصالح طرف إسرائيلي معارض لا يملك أي صلاحية لحمل حكومته على الالتزام حتى بالتنازلات المحدودة جدا ، لهو أمر يثير الدهشة والاستغراب " .([33])
  6. رغم تضمن الوثيقة لعودة بعض اللاجئين إلى إسرائيل ، إلا أنها أبقت هذه العودة في نطاق السماح والموافقة الإسرائيليتين ، وهذه مخالفة لما ورد في نص القرار 194 ، الذي يقرن هذه العودة بالصفة القانونية ، وقد " خلت الوثيقة من تحديدها وتوضيحها ، فليس ثمة ما يؤكد أنّ اللاجئ الذي عاد إلى إسرائيل للإقامة أو السكن فيها، أتى بقوة الحق السيادي لهذه الدولة ، وليس بقوة قرار 194 " .([34])
  7. إن الآليات التي تقدمها وثيقة جنيف فيما يتعلق بمسالة التعويض للاجئين الفلسطينيين يكاد يتطابق مع الموقف الإسرائيلي المعلن منذ عام 1999 ، وفي ذلك تجاهل لأبسط مبادئ القانون الدولي التي تناولت قضية التعويض ، حيث أجمع الخبراء القانونيون على أن التعويض حق معترف به حسب القانون الدولي ، وحسب القرار 194 ، " وقد طرح هؤلاء ما لا يقل عن 40 حالة دولية مماثلة ، استوجب فيها التعويض من دون شروط ، انطلاقا من أن التعويض حق قائم بذاته في حالة وقوع الضرر ، وهو مبني على مبدأ إرجاع الشيء إلى أصله " .([35])

ختاما …
 من أجل نجاح أي اتفاق يعقب المفاوضات السياسية ، يجب ألا يعتمد هذا الاتفاق على توازن القوى ، مثل وثيقة جنيف ، ولكن ينبغي عليه أن يعتمد على مبادئ القانون الدولي وضمان تنفيذها ، وسوف يقاس نجاح أي اتفاق ، سواء طويل المدى أو نهائي ، بخضوعه لهذه المبادئ واحترامها ، والواقع أن التجاهل – لنفترض حسن النية - الذي أبداه فريق حنيف الفلسطيني حيال النواحي القانونية المتعلقة بالقضايا الحساسة محل التفاوض ، يثير الكثير من الدهشة ، لأن إسرائيل من أكثر دول العالم تمسكا بالتفصيلات القانونية ، ولها تراث طويل من تسخير القوانين وسيلة نشيطة للسيطرة والاستغلال ، ومهما تكن الأسباب الكامنة وراء هذا الموقف ، فإنه موقف محفوف بالمخاطر ، لأن فشل الجانب الفلسطيني حتى الآن من الانتفاع من تجربة الأعوام العشرة الماضية من المفاوضات مع إسرائيل ، لهو دليل ، ليس فقط على فشله في إدراك مغزى المضمون القانوني في صوغ المواقف التفاوضية ، بل أيضا على غياب الإدارة السياسية المطلوبة لهذه المهمة ، إن على الفلسطينيين أن يفهموا أنه على الرغم من أهمية التغييرات السياسية واختلال موازين القوى ، إلا أن القانون يبقى له دورا حيويا ، ليس من الحكمة تجاهله ، فضلا عن المطالبة بتهميشه وتغييبه !!

 

*  الهوامش

[1] ) عوز ، عاموس ، وثيقة جنيف المحاولة الشمولية الأولى لإنهاء الصراع ، يديعوت أحرونوت ، 17/10/2003 .

[2] ) المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي (مفتاح)،مؤتمر الخبراء الفلسطيني لمفاوضات الوضع الدائم ،رام الله،1999، ص65.

[3] ) ورقة موقف حول وثيقة جنيف ، صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ، 13/11/2003 .

[4] ) ملاحظات قانونية على وثيقة جنيف ، مؤسسة الحق لحقوق الإنسان ، رام الله ، 10/12/2003 .

[5] ) ورقة موقف حول وثيقة جنيف ، صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ، 13/11/2003 .

[6] ) من هذه القرارات : قرار 2443 لعام 1968 ، قرار 592 لعام 1986، قرار 605 لعام 1987، قرار     641 لعام 1989،قرار  694 لعام 1991 ، قرار 799 لعام 1992 ، وغيرها من القرارات .

[7] ) تعقيب على وثيقة جنيف صادر عن مركز بديل للمواطنة وحقوق اللاجئين ، نشر بتاريخ 5/12/2003 .

[8] ) ملاحظات قانونية على وثيقة جنيف ، مؤسسة الحق لحقوق الإنسان ، رام الله ، 10/12/2003 .

[9] ) في العديد من اتفاقيات السلام الدولية التي نصت على إنهاء حالة الصراع ، تضمنت الدعوة إلى تخصيص يوم وطني لإحياء ذكرى ضحايا الحرب من قتلى وأسرى دفعوا ثمن استمرار حالة الصراع ، وخاصة في بوروندي ، وغواتيمالا ، وليس استمرار معاناتهم بالرغم من إنهاء الصراع !

[10] ) الدجاني ، برهان ،مفاوضات السلام :المسار والخيارات والاحتمالات ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ،ط1،1994، ص90.

[11] ) القراعين ، يوسف ، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ، دار الجليل ، عمان ، ط1 ، 1983 ، ص190 .

[12] ) فرارجة ، هشام ، انتفاضة الأقصى ومشروع اتفاق جنيف ، الأيام ، 29/11/2003 .

[13] ) ورقة موقف حول وثيقة جنيف ، صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ، 13/11/2003 .

[14] ) حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ، ص179 .

[15] ) حسن،عصام الدين،جسر العودة:حقوق اللاجئين في ظل التسوية،مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ط1،2002 ،ص232.

[16] ) أرونسون،جيفري،مستقبل المستعمرات الإسرائيلية في الضفة والقطاع، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت،ط2،1997 ،ص96.

[17] ) بشارة،مروان،فلسطين إسرائيل : سلام أم نظام عنصري ؟مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان،القاهرة، ط1،2001،ص147 .

[18] ) ملاحظات قانونية على وثيقة جنيف ، مؤسسة الحق لحقوق الإنسان ، رام الله ، 10/12/2003 .

[19] ) ومن تلك القرارات 3175 لعام 1973، والقرار 3336 لعام 1974، والقرار 3516 لعام 1975، وغيرها .

[20] ) تحليل لاتفاقية إعلان المبادئ من وجهة نظر حقوق الإنسان ، مؤسسة الحق ، رام الله ، 1993 ، ص14 .

[21] ) أيوب ، نزار ، الوضع القانوني لمدينة القدس ، بين الانتداب والتسوية السياسية ، مؤسسة الحق ،رام الله ، ط1،2001، ص153.

[22] ) من هذه القرارات : قرار رقم 252 لعام 1971 ، وقرار رقم 246 لعام 1979 ، وقرار رقم 476 لعام 1980 ، وغيرها .

[23] ) فلسطين إسرائيل : سلام أم نظام عنصري ؟ ص117 .

[24] ) الكيلاني ، هيثم ، وثيقة جنيف والقدس ، الاتحاد ، 7/12/2003 .

[25] ) يديعوت أحرونوت 12/10/2003 .

[26] ) معاريف ، 13/10/2003 .

[27] ) الأيام ، 14/10/2003 .

[28] ) ملاحظات قانونية على وثيقة جنيف ، مؤسسة الحق لحقوق الإنسان ، رام الله ، 10/12/2003 .

[29] ) جاء ذلك في موقف الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات حول الوثيقة ، وزعت بتاريخ 7/11/2003 .

[30] ) زريق ، إيليا ، اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة ، مجلة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، العدد 19، صيف 1994 ، ص80 .

[31] ) علما بأن هناك عدة تجارب عملية في العصر الحالي تم خلالها عودة اللاجئين إلى ديارهم ، ومن ذلك : عودة أهالي البوسنة ضمن اتفاقية دايتون لعام 1995 ، وعودة قبائل الهوتو إلى رواندا عقب حرب 1984 ، وعودة الألبان إلى كوسوفو عام 1999 .

[32] ) فلسطين إسرائيل : سلام أم نظام عنصري ؟ ص102.

[33] ) نافعة ، حسن ، ثقوب في اتفاق سويسرا ، الحياة ، 5/11/2003 .

[34] ) البشيتي ، جواد ، كيف أسقط حق العودة في وثيقة جنيف ، الوطن ، 5/12/2003 .

[35] ) جسر العودة :حقوق اللاجئين في ظل التسوية ، ص227.