حزب الاستقلال العربي في فلسطين النشأة التاريخية والممارسة السياسية 1932-1933

  • الأربعاء 17 يناير 2018 10:29 ص
أعضاء حزب الاستقلال العربي

 

حزب الاستقلال العربي في فلسطين

النشأة التاريخية والممارسة السياسية

1932-1933

 

ملخص

 تتحدث الدراسة بصورة تفصيلية عن حزب الاستقلال العربي في فلسطين، من حيث أسباب النشأة من خلال رصد الظروف السياسية التي سبقت إنشاء الحزب، ومدى الحاجة إلى وجود حزب سياسي، والبحث عن الجذور التاريخية لحزب الاستقلال.

وتستعرض الدراسة منطلقات الحزب وأهدافه ، مع التطرق إلى الوسائل والأساليب التي خاضها الحزب في تحقيق أهدافه ، واختتمت الدراسة بالحديث عن مواقف الأطراف المعنية من انطلاق الحزب، كالمواقف الفلسطينية والعربية والبريطانية ، وصولا إلى الأزمة السياسية التي مر بها الحزب التي أسفرت في نهاية الأمر عن توقف أنشطته و"تجميده" بالمفهوم الحزبي .

 

Abstract

 The study talks about The Arabic Independence Party in Palestine , as follows reasons of foundation ,political directions, historical roots.

  The study also explains the background , principles , and the parties goals .

In addition to that, the study discusses the ways and the means the party used to achieve its goals .

Finally , the study pointed out the Palestinian ,Arabic ,and British  political powers opinions on the Arabic Independence Party in Palestine, tell the political crises the party faced , which led to the end its activities .

 

مقدمة

منذ بدء مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين في بداية عشرينات القرن العشرين ، شكلت الأحزاب السياسية إحدى ركائز العمل الجماهيري للحركة الوطنية الفلسطينية ، حيث برزت في تلك المرحلة عدد من الأحزاب ، ومنها حزب الاستقلال العربي ، الحزب العربي، حزب الدفاع الوطني ، وغيرها من الأحزاب التي تفاوتت في تأثيراتها على مجريات الأحداث السياسية العاصفة في فلسطين .

ورغم وجود بعض التباينات والاختلافات بين هذه الأحزاب في مواقفها من الظروف السياسية التي شهدتها الساحة السياسية الفلسطينية ، سواء ما تعلق منها بالانتداب البريطاني ، او الحركة الصهيونية ، وفي تصديها لهما ، إلا أن هذا التباين لا يجب أن يمنعنا من التأكيد على الدور الذي اضطلعت به هذه الأحزاب في تلك المرحلة ، وما كان له من آثار على مدى السنوات التي تلت نشأتها، سواء كان ها الدور سلبيا أو إيجابيا .

 

  • أهداف الدراسة :

تأتي الدراسة لتحقيق عدد من الأهداف أهمها :

  1. إن الكتابة في حزب الاستقلال وما يتعلق بنشأته التاريخية وممارساته السياسية ، ستجعل من الضرورة بمكان الخوض في مرحلة النضال القومي العربي في تلك المرحلة ، فضلا عن الإطلالة التاريخية اللازمة على المقدمات السياسية للنضال الفلسطيني حتى قيام الحزب .
  2. إلقاء نظرة على التدرج والمرحلية الذي مرت به الحركة الوطنية الفلسطينية، وما رافق ذلك من تطور للفكر السياسي ، خاصة في مرحلة الثلاثينات من القرن الماضي حيث أعلن عن الحزب.
  3. التعرف على طبيعة الأنشطة السياسية والفعاليات الحزبية التي كانت متبعة آنذاك لدى الأحزاب السياسية، لاسيما ما تعلق منها بالاحتجاج على السياسات المعادية للشعب الفلسطيني التي كانت متبعة من الانتداب البريطاني أو الحركة الصهيونية على حد سواء .

 

  • أهمية الدراسة :

تأتي أهمية الكتابة في نشأة حزب الاستقلال ودوره التاريخي من الاعتبارات التاريخية التالية :

  1. المكانة التي اكتسبها الحزب في تحضير الظروف التاريخية ، والإعداد لولادة النواة الأولى لمرحلة جديدة من مراحل الكفاح الفلسطيني تمثلت في المقاومة المسلحة .
  2. العناية التي أولاها الحزب للمواجهة مع سلطات الانتداب البريطاني، من خلال إرسائه لمفاهيم سياسية جذرية في توجيه الكفاح نحو مقاومة الانتداب والحركة الصهيونية في آن معا .
  3. توضيح مواقف الحزب من قضايا العمل المسلح، الكفاح السلمي ، الإضرابات ، وغيرها من مظاهر العمل السياسي والنضالي .

 

  • منهج الدراسة :

ستقوم الدراسة باتباع المنهج التاريخي بشقيه الوصفي والتحليلي ، من خلال الاستعانة بما صدر من بيانات عن الحزب ، وما صدر عن باقي القوى السياسية في تلك المرحلة من وثائق وبيانات .

 

  • الظروف السياسية السابقة لانطلاق الحزب

تكون المجتمع الفلسطيني منذ بدايات القرن العشرين من فئتين رئيستين هما :

  1. فئة الوجهاء: وهي فئة محدودة العدد
  2. فئة العامة : والتي تشمل غالبية الشعب الفلسطيني

وما لبث هذا المجتمع أن أصيب بتحد مزدوج تمثل في الاحتلال الإنجليزي الذي جاء مصحوبا بوعد بلفور، والحركة الصهيونية،الأمر الذي جعل الفلسطينيين يتداعون للدفاع عن أرضهم والتصدي لهذا الخطر الداهم .

وازدادت الأمور توترا في الأراضي الفلسطينية بفعل تزايد الهجرة اليهودية إليها ، وبدعم سافر من سلطات الانتداب البريطاني ، وقد وجد هذا التوتر طريقه من خلال نشوب الثورات والانتفاضات المتواصلة(*) التي عبر خلالها الفلسطينيون عن أحقيتهم بهذه الأرض من الغزاة الوافدين من شتى أصقاع الأرض .

وقد شكل حلول العام 1932 تحولا استراتيجيا في موقف عدد من القيادات الفلسطينية من الممارسات التي تقوم بها سلطات الانتداب، نظرا للأحداث التي شهدها ذلك العام، حيث وصف بأنه العام الذي " شهد الانتفاضة الفيصل في تاريخ العرب مع بريطانيا، بحيث فصلت المظاهرات التي خرجت خلاله بين عهدين: عهد التهاون مع الانتداب، وعهد مواجهته".([1])

وقد برزت بين العامي 1933-1935 ، حقيقتان كبيرتان وأساسيتان :

  1. الحقيقة المتعلقة بالتنظيم : فقد كانت مرحلة الحركة الشعبية التي تمثلت بمشاركة قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني في العمل السياسي ، شبانا وطلابا ، عمالا وفلاحين ، مثقفين وطبقة وسطى ، وصولا إلى قيام الأحزاب السياسية المنظمة .
  2. الممارسة السياسية والكفاحية : فقد مثلت هذه الأعوام مرحلة الثورة والصدام المباشر مع بريطانيا ، والذي بلغ أقصى وأعنف مراحله في ثورة العام 1936 .([2])

وقد برزت أمام الفلسطينيين خلال ذات المرحلة بعض من جوانب من التحدي حتمت عليهم تغيير آلية تعاملهم مع مختلف التطورات السياسية ، ومن هذه الجوانب:

  1. المعاملة القاسية والقمعية التي واجهت بها السلطات البريطانية الجماهير الفلسطينية .
  2. الثورات والانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني خلال فترة وجيزة ، حيث فقد الفلسطينيون أعدادا كبيرة من أبنائه ضحايا للسياسية البريطانية .
  3. التهميش البريطاني الرسمي للمطالب الفلسطينية بوقف الهجرة اليهودية وتحديد بيع الأراضي لهم ، وهو ما عبرت له توصيات لجنة شو .(*)

وقد أبدى الفلسطينيون عبر مظاهر عدة احتجاجهم على التحيز البريطاني الفاضح لصالح الحركة الصهيونية، بعد تيقنهم من أن العرائض والاحتجاجات لن تصلح للتعامل مع بريطانيا، فقاموا بتنظيم الفعاليات والاحتفالات وأحسنوا استغلالها للتعبير عن هذا الاحتجاج، "ولم تكن بمثابة مظاهرات ضد الحركة الصهيونية فحسب، بل ضد السياسة البريطانية، وبدأ شعار مقاومة البريطانيين يحتل مكان الصدارة بين الجماهير".([3])

ولما كانت الأنظار موجهة نحو الممارسات البريطانية ، فقد شكلت التحركات اليهودية تحديا آخر لم يقل عن سابقه ، حيث تمثل في إبراز الحركة الصهيونية للطابع الديني لوجودها على أرض فلسطين ، وتجلى ذلك بصورة واضحة في ثورة البراق التي كانت عواملها الدينية ظاهرة جدا .

كما بدا واضحا للفلسطينيين أن تلك الحركة ليست سوى حركة توسعية استيطانية، ليست على استعداد للتعايش معهم ، وذلك من خلال تزايد الهجرة اليهودية التي جسدت الخطر الصهيوني من الناحية البشرية، الأمر الذي جعل الفلسطينيين يعبرون عن مخاوفهم لأنهم لم يعودوا "يروا في المهاجر اليهودي خطرا على مصادر عيشهم فحسب ، بل سيدا قد يسيطر عليهم في المستقبل ".([4])

  • الحاجة إلى حزب سياسي

عملت التحديات المختلفة - التي سبق الحديث عنها- تأثيرها في العمل السياسي في فلسطين، بحيث غدت هناك أشكال مستجدة وآليات مستحدثة تعبر عن توجهات الفلسطينيين السياسية، ومواقفهم من مجمل التطورات الجارية على ساحتهم ، ومن هذه الأشكال : الأحزاب السياسية، الجمعيات الشبابية، التشكيلات العسكرية .

ورغم ان الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تقوم في تنظيمها على الجمعيات الإسلامية والمسيحية ، والمؤتمرات ولجانها التنفيذية ، وتعتبر نفسها ممثلة للبلاد على مستوى الوطن كله ، إلا أن امتناع المؤتمر الوطني السابع المنعقد عام 1928 عن رفضه للانتداب البريطاني والسعي للاستقلال التام ، أبرز التساؤل التالي أمام الملأ : هل تظل الحركة الوطنية الفلسطينية مشلولة لمجرد الظهور بمظهر الوحدة الزائف ؟

هذا السؤال وغيره من الأسئلة المصيرية في تلك المرحلة، وجدت إجابتها بصورة عملية من خلال نشأة النواة الأولى لفكرة تشكيل الأحزاب السياسية ، التي تتمكن من القيام بمهمات الحركة الوطنية، بحيث " تصبح في تنظيمها حزبية، بدلا من التنظيم الذي كان سائدا آنذاك من خلال قيامها على أساس وطني شامل".([5])

وهكذا بدأت الحركة الوطنية تدرك بأن السبيل الوحيد لمجابهة الأخطار المحدقة بالشعب الفلسطيني، يحتم عليها أن تدير هذه المعركة بكل منظم، بعيدا عن الشعارات الفضفاضة في رفض الهجرة اليهودية دون أن تقرنها بأي فعل على الأرض، ومهادنة سلطات الانتداب والإصرار على أنها الصديق للعرب ومعاملتها على أنها طرف محايد في الصراع، فيما كانت الحقائق تقول أنها عكس ذلك تماما.

من أجل ذلك كله، نشطت حركة تأسيس الأحزاب السياسية، "ورافق ذلك تنظيم القطاعات الجماهيرية، فتكونت التنظيمات العمالية، والمنظمات الشبابية والنسائية، كما جرت محاولات لتأسيس منظمات للفلاحين، وتكتل لرجال الأعمال في التجارة والصناعة في تجمعات عربية خالصة".([6])

وفي خضم التطورات والأحداث المتسارعة التي عاشها الفلسطينيون مطلع الثلاثينات، بدا واضحا أن الصيغ السياسية التقليدية* لم تعد صالحة لاستيعاب الجماهير، فبدأت المحاولات الجدية لتأسيس أحزاب سياسية جديدة تطمح لقيادة نضال الجماهير ضد الاستيطان الصهيوني والانتداب البريطاني على حد سواء .

وهكذا "شكل نشوء هذه الأحزاب مؤشرا على وجود حاجة موضوعية لتنظيم الجماهير ، وتأطير نضالاتها العفوية ضمن إستراتيجية جديدة تجعل على رأس أهدافها رفض الانتداب البريطاني وتوجيه النضال ضده ، وضد الاستيطان الصهيوني الناشط في ظله ".([7])

كما كان تأسيس تلك الأحزاب آنذاك، إيذانا بعجز الأشكال التقليدية للنضال الفلسطيني عن استيعاب المد الشعبي الناهض والمتنامي، وعجز بعض القيادات الفلسطينية عن السير قدما نحو تحقيق الأهداف القومية، وانفضاح تبعية بعضها الآخر لإرادة الانتداب وسكوتها، بالتالي، عن دوره في دعم الاستيطان الصهيوني.

وإزاء ذلك الواقع الذي شهد تناحر القيادات الفلسطينية للحركة الوطنية، كان لا بد من قيام مؤسسات سياسية جديدة، قامت مجموعة منها في الثلاثينات، متخذة لنفسها في الغالب صفة الحزب السياسي.

  • الجذور التاريخية لحزب الاستقلال

بخلاف نشأة الأحزاب السياسية الفلسطينية في مرحلة الثلاثينات ، بدوافع وعوامل لم تكن بالضرورة وطنية أو أيديولوجية ، إلا أن جذور النشأة لحزب الاستقلال العربي في فلسطين كانت مغايرة بصورة واضحة ، وقد بدا ذلك من خلال السياق التاريخي لتأسيس الحزب الذي يعود إلى العام 1919 في العاصمة السورية دمشق ، من قبل من أطلق عليهم ( عصبة الاستقلاليين) من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين وعراقيين.

وكان أبرز رجال هذه العصبة: رشيد طليع، أحمد مريود، الأمير عادل أرسلان، فؤاد سليم، أحمد حلمي عبد الباقي، نبيه العظمة، سامي السراج، سعيد عمون، عادل العظمة، خير الدين الزركلي، عثمان قاسم ، وقد التف حول هؤلاء بعض من أهل الأردن ، "حيث تمكنت هذه العصبة من إنشاء أول حكومة عربية أردنية على رأسها رشيد طليع ، لكنها لم تمكث سوى بضعة أشهر ، حيث تفرق الرجال وانطفأ الأمل سريعا في أن تكون عمان خليفة لدمشق ".([8])

وقد اتفقت هذه العصبة على جملة من المبادئ تلخصت فيما يلي :

  1. استقلال سوريا بحدودها الطبيعية استقلالا تاما ناجزا دون حماية أو وصاية أو انتداب.
  2. اتحاد سوريا مع البلاد العربية الأخرى في نطاق وحدة عربية مستقلة استقلالا تاما .
  3. رفض وعد بلفور والهجرة اليهودية إلى فلسطين رفضا تاما .

هذه المبادئ تعني أن الحزب في حقيقة الأمر يشكل استمرارا لإحدى الجماعات القومية السرية التي تكونت في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، بدليل أن " عوني عبد الهادي كان حلقة الوصل بين الفرع الاستقلالي الفلسطيني، وبين التنظيم القديم الذي تطور بعد الحرب العالمية الأولى، إلى حركة حزب الاستقلال الذي كان من جملة أعضائه الأمير فيصل".([9])

وهذا يؤكد أن زعماء حزب الاستقلال العربي في فلسطين كانوا من الأعضاء القدماء البارزين في الحركة الاستقلالية القديمة بين الأعوام 1919-1925 .

وقد اقترنت هذه التحركات اقترانا وثيقا بالمؤتمر الإسلامي الذي ضم عددا كبيرا من الأعضاء البارزين السابقين في جمعية العربية الفتاة، وجمعية العهد، وأقطاب نظام الملك فيصل عندما كان ملكا على سوريا، والمعروفين باسم (حزب الاستقلال، الاستقلاليين)، وكانوا يحملون وجهات نظر قومية أكثر منها إسلامية.([10])

وهكذا أخذ الاستقلاليون يعمل كل فريق في بلده أو في البلد الذي استقر فيه ، وعندما اتجه التفكير في فلسطين باتجاه تأسيس حزب الاستقلال ، كانت العقيدة الوطنية الاستقلالية يمثلها عدد من الشخصيات على مستوى عدد من البلاد العربية ، فيما أقامت جماعة من كبار الداعين إلى الفكرة إلى فلسطين مشاوراتهم للخروج بها إلى حيز العلن ، ومن الشخصيات التي مثلت فلسطين الشيخ كامل القصاب ، وخير الدين الزركلي ونبيه العظمة في القدس، فيما تنقل الأمير عادل أرسلان بين عمان والقدس، بالإضافة إلى كل من عوني عبد الهادي ، صبحي الخضرا، رشيد الحاج إبراهيم ، عزة دروزة، معين الماضي، وعجاج نويهض .

وبقيت الأمور على حالها حتى دب الوهن في الحركة الوطنية، إثر التشتت الذي أصابها نتيجة التنافس العائلي الذي غذته السياسة البريطانية باستمرار، وتعذر عقد مؤتمر قومي عام للهيئات الاستقلالية في الأقطار العربية، وهكذا بدأت تجري المحادثات السرية والمراسلات الثنائية والمكاتبات الجماعية بين تلك الشخصيات لإخراج الفكرة إلى النور، الذين أصبحوا فيما بعد المؤسسين لحزب الاستقلال العربي في فلسطين.

  • أسباب الإعلان عن تأسيس الحزب

تشير الوقائع التاريخية إلى مبادرة الشخصيات المؤسسة للحزب بدعوة شخصيات قومية حضرت المؤتمر الإسلامي المنعقد في مدينة القدس عام 1931 ، إلى منزل عوني عبد الهادي أحد المؤسسين بتاريخ 13/ديسمبر/1931، وبحث المجتمعون أوضاع الأمة العربية ، وظروف الشعب العربي في مختلف البلدان والأقطار، وتوج المجتمعون محادثاتهم بإصدارهم "ميثاقا قوميا يؤمن بالوحدة ولا يعترف بالتجزئة، ويرفض الاستعمار ويقاومه، وقد وقع الحاضرون وعددهم خمسة وخمسون شخصية على بنود هذا الميثاق ".([11])

ويمكن تعليل اهتمام هذه الشخصيات بإنشاء الحزب في فلسطين بالأسباب التالية :

  1. اعتقاد الاستقلاليين القدماء بأن تأسيس هيئة استقلالية بفلسطين ستضع اللبنة الأولى لإعادة تكوين العمل القومي المشترك، وتوحيد الهيئات الاستقلالية العربية، والعمل ضمن بوتقة وطنية وقومية واحدة، ولذلك كانت أولى الدعوات التي دعا إليها الحزب فور انطلاقته "تعزيز العمل العربي المشترك، كطريق أساسي لخروج الأقطار العربية من مأزقها الذي كانت تعاني منه آنذاك" .([12])

ولعل ما يؤكد هذا الطرح هو اشتراك الاستقلاليين في الأقطار العربية الأخرى بقوة وكثافة واضحتين في أنشطة الحزب وفعالياته ومؤتمراته بعد الإعلان عن تأسيسه ، وكأنه نوع من تعضيد الفكرة وتشجيعها . 

  1. زيادة مكاسب الحركة الصهيونية وتدفق تيار الهجرة اليهودية ، الأمر الذي استفز جماهير الشعب الفلسطيني ، وكان من مظاهر التعبير عن هذا الاستفزاز تكوين حزب الاستقلال الذي رفع شعار مكافحة الاستعمار، معتبرا الاحتلال البريطاني أصل الداء وأس البلاء .
  2. الميوعة التي أصابت الموقف السياسي الفلسطيني، وخفوت صوت الحركة الوطنية، بحيث غدت مادة دسمة للأحاديث المتبادلة بين عدد من الشخصيات الوطنية والقومية التي أبدت قلقها من تفاقم الأمور على الساحة الفلسطينية، ومن ثم التفكير في عمل " نصحح به مسار الحركة الوطنية، ونجدد عهد العمل القومي المناوئ للإنجليز والصهيونية معا".([13])

 

  1. أدركت الشخصيات المبادرة إلى تأسيس الحزب، الحالة المزرية التي وصلت إليها الحركة الوطنية الفلسطينية بفعل عوامل التشتت والفرقة، والتي ساهمت فيها بريطانيا وبعض الرموز العائلية الفلسطينية، فكانت محاولات مؤسسي الحزب متوجهة لتوحيد صفوف العاملين في الحركة الوطنية، عاملا مهما ومثارا واضحا في التعجيل بالإعلان عن إنشاء الحزب.
  2. تطورت الأمور بين تلك الشخصيات، وارتقى التفكير لديهم بضرورة قيام حزب سياسي يعبر عن هذه المشاعر المكبوتة، والتخوفات المشروعة شرط أن يكون هذا الحزب "مترفعا عن المحليات، ينقذ البلاد من الخلاف بين مجلسيين ومعارضين(*)، لا يميل إلى طرف منهما، يوجه القضية الوطنية وجهة صحيحة، يقارع الانتداب البريطاني رأسا، ويتنزه عن الخلافات العائلية".([14])
  3. اعتبر بعض المؤرخين أن الإعلان عن تأسيس حزب الاستقلال بدأ منذ أن أعلن مؤسسوه عداءهم الصريح للانتداب البريطاني وممارساته القمعية، ومساندته المعلنة للحركة الصهيونية، وهو توجه سياسي اعتبر سابقة هي الأولى من نوعها .

علما بأن سلوك الحركة الوطنية انطوى خلال سنوات العشرينات- قبل انطلاق الحزب- على استعدادها للقبول بالانتداب البريطاني إذا كف عن العمل لإقامة الوطن القومي لليهود، وقد حاولت الحركة الوطنية إقناع بريطانيا بمزايا تعاونها مع العرب دون اليهود، وتأمين مصالحها عبر هذا التعاون، مما دعا إلى القول أن "التحريض ضد البريطانيين كان بمثابة تمهيد لتأسيس حزب الاستقلال العربي"([15])، ليس ذلك فحسب، بل إن "سلوك الحركة الوطنية انطوى خلال تلك المرحلة على استعداد للقبول بالانتداب إذا كفت الدولة المنتدبة عن العمل لإقامة الوطن القومي اليهودي".([16])

وهكذا فقد كانت عوامل نشأة الحزب وأسباب التعجيل بالإعلان عن انطلاقته ، تحتم عليه النهوض بأعباء عجزت عن القيام بها أحزاب أخرى ، نشأت في نفس الظروف، وربما حازت على مميزات أفضل مما حاز عليه حزب الاستقلال ، إلا أنها لم توفق في وضع بصماتها التاريخية الفاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية في ذلك التاريخ المبكر ، وربما عاد هذا القصور إلى ضيق الأفق الذي حاصر تلك الأحزاب ، بعد ان وضعت القضية في آخر سلم أولوياتها ، بعد أن احتل تحقيق الإنجازات الشخصية والعائلية قمة الهرم في اهتماماتها .

  • انطلاقة الحزب وقيادته السياسية

جاءت انطلاقة حزب الاستقلال بعد أحداث شهدتها الساحة الفلسطينية، شجعت التيار القومي– وهو المنبع الفكري لقيادات الحزب- للدخول إلى ساحة العمل السياسي والوطني، وقد ساهم في تصاعد هذا التيار فلسطينيا عدد من الأسباب :

  1. انتشار المد القومي في الساحة العربية عموما .
  2. التذمر الشعبي الفلسطيني من السياسات المهادنة التي انتهجتها القيادة الفلسطينية آنذاك.
  3. تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين بفعل السياسة البريطانية المعادية.([17])

وقد سبق الإعلان عن الحزب رسميا ، انطلاق حملة صحفية تولاها عدد من مؤسسيه ، ومنهم صبحي الخضرا الذي كتب يقول : لقد أصبح العمل الوطني مدعاة للهزء، واقتصر كفاحنا الوطني لنيل الحرية على فورات متقطعة ، فلم يزدنا ذلك إلا خسرانا وتراجعا في مطالبنا وتوهينا لقوانا ، حتى يئس الناس من النجاح ، كما يئس الذين كفروا من أصحاب القبور، هذه الحال هي التي حدت بالذين ألفوا حزب الاستقلال العربي في فلسطين ، وبالذين يشاركونهم هذه المبادئ والعقائد إلى القيام بهذه الخطوة المباركة" .([18])

فيما قال أكرم زعيتر في مقال نشرته جريدة الحياة شارحا أهداف الحزب ومبادئه العامة:" الاستقلالي" هو الذي يقارع الكون في سبيل استقلاله، ولو كان واحدا مفردا، لأن المبادئ لا تخدم بكثرة من ينتحلها، وإنما تخدم بإخلاص من يعتنقها، وبتضحيتهم في سبيلها، وقديما خدم سقراط مبدأه بموته في سبيل أكثر من ألف درس ألقاه وموعظة أرسلها، و"استقلالي" واحد يعاف المذلة ولا يلين للخطوب، ولا يقف على الهوان، خير من ألف واحد يهتفون للاستقلال ولا يدينون به، ويواصل شرح أهداف الحزب: "نريد ان تبدو" استقلاليتنا" جلية واضحة في كل مظهر، في احتجاجاتنا وأعمالنا، في حفلاتنا وأخلاقنا، في ألبستنا وصحفنا، حتى في علاقاتنا الشخصية المحضة، فإلى العمل المنظم أيها "الاستقلاليون" المخلصون، فالغلبة في النهاية لكم"([19])

وترافق ذلك مع اجتماعات عديدة بين أركان الحزب ، وبعض الزعماء المحليين ، جرت فيها الأحاديث بصدد تجديد شباب الحركة الوطنية وتصحيح مسارها ، " بحيث يدخل في منهجها النضال ضد الإنجليز، ومصارحتهم العداء ، واعتبار مداراتهم منافية للإخلاص والصبغة الوطنية ".([20])

الجدير ذكره أن المقالات والاجتماعات لعبت دورا تمهيديا في جمع الاستقلاليين القدماء، وكانت إرهاصا لانبثاق الحزب "بحيث اكتملت المستلزمات الفكرية، ونضجت الشروط الموضوعية لخلق حزب سياسي وحدوي، حددت توجهاته مسبقا بالدعوة إلى الوحدة العربية، واعتبار بريطانيا خصما وليست حكما".([21])

وقد تضاربت المصادر التاريخية في تحديد تاريخ تسجيل الحزب، على النحو التالي:

    • ذكرت رواية تاريخية أنه بتاريخ 13/أغسطس/1932وصل إلى الحزب كتاب من حاكم مقاطعة القدس يعلمهم فيه بتسجيل الحزب رسميا.([22])
    • ذكرت رواية أخرى أن تأسيس الحزب كان بتاريخ 2/أغسطس/1932.([23])
    • وتذكر رواية ثالثة قد تكون منفردة أن التفكير في تأسيس الحزب بدأ منذ ربيع عام 1930، وقد أوردت جريدة المقطم بتاريخ 8/مارس/1930، بعض بنود برنامجه الأساسي.([24])

ورغم هذا التعارض في تحديد موعد انطلاق الحزب، إلا أن الوقائع التاريخية ترجح كفة التوقيت الثاني، وهو الثاني من أغسطس، لاعتبارين اثنين:

  1. عدم تنفيذ الحزب لأي من فعالياته الجماهيرية قبل هذا التاريخ.
  2. الفعالية الأولى والموثفة تاريخيا للحزب هي مهرجان حطين، بتاريخ 27 أغسطس، وبالتالي فمن الناحية الفنية والتحضيرية، تحتاج هذه الفعالية شهرا زمنيا للتحضير على الأقل.
  • القيادة السياسية لحزب الاستقلال

قام على إنشاء الحزب وتأسيسه عدد من الشخصيات الفلسطينية ذات الثقل الوطني والقومي المشهود له ، حيث كان لهم نشاط سياسي بارز قبل ظهور الحزب فعليا، علما بأن هناك شخصية محورية ساهمت في نشأة الحزب، تتعلق بأحد الاستقلاليين القدماء وهو نبيه العظمة، " سوري الأصل، وكان منفيا في القدس، واعتقد بأن تأسيس هيئة استقلالية في فلسطين من شأنها إعادة تكوين العمل القومي العربي المشترك".([25])

وتكونت الهيئة التأسيسية للحزب من الشخصيات التالية: عوني عبد الهادي، عزة دروزة ، صبحي الخضرا، رشيد إبراهيم، معين الماضي، سليم سلامة، فهمي العبوشي، أكرم زعيتر، عجاج نويهض، حمدي الحسيني، حربي الأيوبي، علما بأن هذه الشخصيات من قادة الحركة الوطنية "ومحسوبين في النزاع الحسيني-النشاشيبي على الحاج أمين، وإن كانوا ضد انقسام الحركة الوطنية لمصالح عائلية ".([26])

وقد امتازت تلك الشخصيات المؤسسة للحزب بسمات أساسية هي:

  1. معظم الأسماء المذكورة هم قيادة مثقفة، تسنى لهم فرص التحصيل العلمي ومتابعته في أوروبا وتركيا وبيروت، لما تتمتع به أسر بعضهم من وضع اجتماعي ميسور .
  2. مثلت زعامة حزب الاستقلال الصعيد القومي أكثر من زعامات الأحزاب الأخرى، "وكان مؤسسوه من أبناء إقطاعيين وبرجوازيين، بحيث شكل الحزب أقرب الأحزاب إلى الإعراب عن مطامح الحركة القومية العربية ، وتعكس إلى حد ما أماني فئات واسعة من الجماهير".([27])
  3. امتاز مؤسسو الحزب بأنهم" تجردوا من النزعات العائلية، وإن كانوا هم أساسا من عائلات كبيرة، فعوني عبد الهادي مثلا ينتمي إلى عائلة عريقة كثيرة العدد من نابلس وجنين، وهكذا كان باقي أصحابه الذين اعتبروا أن العمل السياسي عقيدة وليس وجاهة".([28])
  4. تعدد الانتماءات لقيادات الحزب في تاريخ الحركة الوطنية، "فعوني عبد الهادي عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر السابع، وعزة دروزة معتمد الجمعية العربية الوطنية في نابلس ورئيس جمعية الشبان المسلمين، ومعين الماضي أحد مؤسسي جمعية تعاون القرى وعضو اللجنة التنفيذية، وصبحي الخضرا رئيس مكتب اللجنة التنفيذية في القدس، وعجاج نويهض سكرتير المجلس الإسلامي الأعلى، ورشيد إبراهيم عضو مجلس بلدية يافا ورئيس جمعيات الشبان المسلمين".([29])
  • أهداف الحزب ومنطلقاته الفكرية

حدد البيان التأسيسي([30]) الخطوط العريضة لرؤيته السياسية وتطلعاته الوطنية، مؤكدا أن الأساس الذي سيبنى عليه هو "التجانس في المبادئ الصحيحة، والإخلاص الشريف، وحب العمل النزيه، والابتعاد عن الجري في طريق السياسات المحلية والشخصية والعائلية، وجعل المصلحة العامة فوق كل مصلحة، وعدم الاهتمام البتة لفكرة أكثرية أو أقلية، وما يتبعها من سياسات انتخابية لا يراد بها وجه الله والوطن، وعدم الموالاة أو المعاداة، إلا بما يكون له من موقف أو عمل يتسق أو يتعارض مع مبادئ الحزب وغاياته".([31])

وفي الاجتماع الذي عقده الأعضاء المؤسسون للحزب في بيت عوني عبد الهادي ، اتفقوا على قانون الحزب ومبادئه، وأقسموا على ما اتفقوا عليه ، والتي تمثلت بـ:

    • استقلال البلاد العربية استقلالا تاما .
    • البلاد العربية وحدة تامة لا تقبل التجزئة .
    • فلسطين بلاد عربية وهي جزء طبيعي من سورية .([32])

 

وقد سعى الحزب إلى تطبيق أهدافه ومبادئه على النحو التالي :

أولا: نشر الوعي السياسي بين الجماهير :

كان ذلك من أهم منجزات الحزب وأعماله، فقد واصل الحزب نشر الوعي الفكري والسياسي من خلال مجلة (العرب) التي أصدرها عجاج نويهض أحد مؤسسي الحزب، وأضحت لسان حال الحزب تنطق باسمه وتعبر عن مواقفه من مختلف المستجدات السياسية والاقتصادية على الساحة الفلسطينية ، فضلا عن أنها " غدت منبرا للأقلام الاستقلالية والوحدوية من خارج فلسطين كما في داخلها ".([33])

وقد هدف الحزب إلى توعية وإفهام الشعب الفلسطيني بحقيقة السياسة القائمة في البلاد ، حيث عملت شخصيات الحزب المنتقاة من أناس مثقفين على ان يتخصص كل منهم فيما يريد أن يقوم به من دعاية ضد السياسة البريطانية في مسائل الأراضي والهجرة والثقافة وغيرها، ومن هؤلاء: الأمير شكيب أرسلان، عبد الرحمن عزام، صبحي أبو غنيمة، أسعد داغر، وغيرهم، وقد امتد نشاط الحزب لتطوير وعي سياسي بين الفلاحين والطبقة العاملة ، لمواجهة المخططات البريطانية والصهيونية .

ثانيا: الحرص على الوحدة الوطنية :

وخاصة في ضوء التشتت الكبير الذي أصاب الحركة الوطنية ، وكان اهتمام الحزب بهذه الوحدة    "منعا لانتشار فكرة الإقليمية ، وتجاوزها لحدود المصلحة الشخصية ، شاجبا بذلك الخلافات الحزبية، وضرورة تجاوزها وتخطيها من أجل المصلحة الوطنية".([34])

ثالثا: تركيز العداء نحو الانتداب البريطاني

حيث ركزت المقالات والكتابات التي نشرها مؤسسو الحزب على نقد وتحليل السياسات البريطانية التي تسببت بكل مآسي ونكبات العرب بصورة عامة ، والفلسطينيين بصورة خاصة ، وظهرت في هذه المقالات دعوة إلى محاربة السياسات البريطانية ، والاتحاد في وجه المخاطر، وتجديد الحملة العربية الرامية إلى الظفر بالحرية والاستقلال، وهذا هو الجديد في أطروحات حزب الاستقلال، وبالتالي فقد "اعتبر من مآثر حزب الاستقلال السياسية منذ نشأته تركيزه على أن بريطانيا هي رأس الداء".([35])

وقد شحن الحزب الحركة القومية العربية بالروح الثورية فأسهم في "تحويل المعركة في فلسطين ضد الإنجليز مباشرة ، واعتبار الصهيونية ذيلا للقوى الاستعمارية" .([36])

وقد تطور التفكير في هذا الاتجاه إلى إعلان الحزب لسياسة اللاتعاون التي تمثلت في مقاطعة العمل في المؤسسات الرسمية ، ومقاطعة الحفلات والمآدب الرسمية ، حيث اهتم الإنجليز بعقدها وجمع العرب واليهود على موائد واحدة ، واعتقد الحزب أن " على كل عربي أن لا يعرض كرامة أمته وعزة قوميته للمهانة بارتكابه إثم التهافت على هذه المآدب".([37])

رابعا: التحذير من المخاطر الصهيونية  

وخاصة في الفترة التي شهدت نشاطا صهيونيا محموما، سواء من حيث شراء الأراضي، أو تدفق المهاجرين، ووجه الحزب بيانا إلى العرب في مختلف الأقطار يحذرهم من الحركة الصهيونية قال فيه : "أنتم أمام حركة خيرة كل الخطر على قوميتكم وكيانكم ومصالحكم، إن لم تنتبهوا لها كل الانتباه، وتصدوا تيارها بكل صلابة وشدة، فإنكم تكونون قد سلمتم أنفسكم لهذا الخطر وقوميتكم للانهدام".([38])

خامسا: مهاجمة القيادات التقليدية

شكل الحزب منذ نشأته وعبر نضاله الحازم واللامتردد ضد بريطانيا والحركة الصهيونية تهديدا للسياسة التقليدية للقيادة الفلسطينية، وعزا الاستقلاليون في بيانهم الأول الفوضى المحزنة التي تسود الحركة الوطنية إلى"الأنانية والمصلحة الذاتية التي تهيمن على الوجهاء السياسيين الخاضعين لحكم الاستعماريين".([39])

كما انتقدت جريدة الكرمل هذه القيادات في مقال (المندوب وزعماؤنا) جاء فيه: "وأما من الناحية السياسية فلا يمكننا أن نقول عن دعاة الزعامة فينا إلا أنهم عملة في حقل السياسة الاستعمارية ، يأتمرون بأوامر فخامته (واكهوب)، ويقبضون منه رواتب ومنافع بأيديهم وهم صاغرون، لينفذوا سياسة حكومته ".([40])

سادسا: تجنيد الطاقات الشبابية

حيث أولى الحزب أهمية فائقة بعنصر الشباب والتجأ إلى المثقفين منهم بكل خاص في المدن ، من حملة الشهادات كالمحامين والأطباء والمدرسين وغيرهم، وقد عقد الحزب في مدينة يافا مؤتمرا للشباب الفلسطيني عام 1932 لبحث الطرق الناجعة والوسائل الكفيلة بتجنيد الشباب العربي لخدمة الحركة الوطنية الفلسطينية ، وقرر المؤتمر " إقامة فروع له في المدن والقرى ، وتشجيع الصناعات الوطنية ، وتنظيم حركة كشفية وطنية ، تضم عددا كبيرا من الشباب العربي ذوي الأجسام السليمة" .([41])

سابعا : مقاومة سماسرة الأراضي

فقد استشرى أمر سماسرة بيع الأراضي في تلك الفترة الذين يسمسرون لليهود على الأراضي العربية ، وقد تورط عدد من كبار موظفي العرب في تسهيل معاملات انتقال الأراضي العربية لليهود ، وهذا ما دعا قيادات الحزب إلى اقتراح إعداد قوائم سوداء ونشرها في الصحف المحلية لم تثبت أنهم سمسروا وعملوا على إفلات الأرض العربية من أيدي أصحابها ، ولتحقيق نجاح هذه الحملة طالب مقال نشر في جريدة الجامعة العربية "بألا تقتصر هذه القائمة على أسماء السماسرة الصغار ، بل تشمل الذين لا يخجلون من لانتماء إلى هيئات وطنية كبرى، ولا يستحون من التبجح بالوطنية ".([42])

ثامنا: الاهتمام بالقضايا العربية

ويأتي ذلك انسجاما من الحزب مع فكره القومي وعلاقته التاريخية بالملك فيصل الذي ظل بالنسبة للاستقلاليين " الشخص الذي يتمثل فيه حلم الوحدة العربية الشاملة " .([43])

ويظهر الاتجاه القومي للحزب من " اسمه ، وعضويته التي لم تقتصر على بلد عربي معين ، وتركيزه في بياناته على عبارة البلاد العربية ، والمطالبة باستقلالها وعدم تجزئتها ، ولومه القيادة الفلسطينية لتحويلها القضية الفلسطينية من قضية العرب الكبرى إلى قضية محلية ، ورسائل التأييد والتهنئة التي وصلته من الشخصيات العربية الاستقلالية ".([44])

وقد برز اهتمام الحزب بالقضايا العربية عبر عدة موقف تاريخية منها :

    • التهنئة بدخول العراق عصبة الأمم عام 1932 ، معتبرا ذلك " تتويجا لجهاد طويل ، وخطوة جديدة على طريق الاستقلال الكامل للأقطار العربية".([45])
    • تابع الحزب تطور القضية العربية في سوريا ، حيث كانت تجري أحداث مهمة نتيجة المفاوضات بين الوزارة السورية والمندوب السامي الفرنسي .
    • كما اهتم الحزب بتوثيق صلاته برجال الحركة الوطنية في شرق الأردن ، "حيث كانت هناك حركة وطنية معارضة لسياسة الأمير الإنجليزية، وطلب الحزب من قيادتها إرسال وفد للقدس للاتفاق معهم على التنسيق والتعاون".([46])
    • كما دأب الحزب على إرسال مذكرات إلى رجالات العرب وحكوماتهم ، بما يتهدد البلاد من أخطار بسبب اشتداد تيار الهجرة اليهودية ، ومحاباة الإنجليز للحركة الصهيونية .
  • وسائل الحزب وفعالياته الميدانية

لتحقيق أهدافه سابقة الذكر ، لجأ حزب الاستقلال إلى تنظيم فعاليات ميدانية وثقافية وسياسية ، كانت لها أكبر الأثر في تجسيد مبادئه التي دعا إليها ، وكانت على النحو التالي :

أولا: المهرجانات والمؤتمرات السياسية :

قد نجح الحزب من خلال الإعداد الجيد لهذه المهرجانات التي نظمها خلال فترة نشاطه السياسي من جعلها مناسبة لإعلان قرارات ومواقف سياسية هامة ، من خلال اختياره للمناسبات الوطنية والإسلامية التاريخية ، فرصة لإقامة تلك المهرجانات التي شكلت الميدان الأكثر بروزا وشمولا في نشاطاته الحزبية .

وقد سعى الحزب إلى تعويض محدودية حجمه عدديا ، واستغلالها جيدا لنشر أفكاره التوعوية والتثقيفية ، حيث اهتمت الصحف بتلك المهرجانات وقامت بتغطيتها تغطية جيدة ، مقابل إحاطة سلطات الانتداب البريطاني لهذه الفعاليات بقوات غفيرة من الشرطة ، وإرسال بعض ضباط الأمن لمراقبتها، حيث كانت أيام تلك المهرجانات تشكل أيام توتر في البلدة التي يعقد فيها نظرا لتوافد الحشود الشعبية .([47])

ومن أهم المهرجانات التي عقدها الحزب خلال مسيرته السياسية :

  • مهرجان حطين: وكانت أول مهرجاناته التي عقدها في مدينة حيفا يوم 27/أغسطس/1932(*)، إحياء لذكرى موقعة حطين، وحضره خمسة آلاف شخص .
  • مؤتمر القدس: وعقد يوم 9/ديسمبر/1932 في ذكرى احتلالها ، وحضرته وفود عربية ووفد من مسلمي الهند، وركز المتحدثون على قانون جرائم الفساد(*) الذي أصدرته سلطات الانتداب .
  • مؤتمر يافا : وعقد يوم 23/ديسمبر/1932 في مدينة يافا ، وتحدث فيه عدد من قادة الحزب الذين حذروا من مخاطر سياسة تقرب المندوب السامي البريطاني من الفلاحين الفلسطينيين .
  • مؤتمر التوريط(*) : وعقد في مدينة يافا يوم 26/مارس/1933 ، حضره 500600 فلسطيني من جميع الطبقات ، من المدن والقرى ، وممثلين عن جميع الأحزاب السياسية ، وأعلنت خلاله سياسة المقاطعة للسلطات الانتدابية ، وما تلاها من تقديم موظفيها العرب لاستقالاتهم .
  • مهرجان ذكرى الشهداء الثلاثة(*) : الذين أعدمتهم سلطات الانتداب يوم 17/يونيو/1930 ، حيث عقد المهرجان في رواق مسجد الجزار في مدينة حيفا ، على مقربة من السجن الذي أعدموا فيه ، وتحدث خلاله عدد من خطباء الحزب .

ثانيا: البيانات السياسية :

اعتمد حزب الاستقلال أسلوب إصدار البيانات كوسيلة لإيصال آرائه ومواقفه من مختلف التطورات الجارية على الساحة الفلسطينية ، وكان أول البيانات السياسية ، البيان التأسيسي لإعلان الحزب ، الذي أوضح فيه مبادئه وأهدافه ، بحيث شكل فيما بعد ميثاقا أساسيا سار عليه الحزب .

وقد اختلفت الموضوعات والقضايا التي ناقشتها البيانات التي أصدرها الحزب ، ولعل أهمها كان ما علق بالحركة الصهيونية ومسالة بيع الأراضي وباقي القضايا العربية عموما ، فضلا عن مواجهة الانتداب البريطاني ، لاسيما وأن الحزب حمل سلطات الانتداب المسئولية التاريخية عما حل بالشعب الفلسطيني من ويلات ونكبات ، حيث شن الحزب حملات سياسية وإعلامية شديدة اللهجة ضد بريطانيا ، وصفت بأنها " خلقت تحولا في الفكر السياسي الفلسطيني آنذاك ، الأمر الذي ساعد على بروز التصدي المسلح للسلطة الانتدابية عام 1935 بقيادة الشيخ عز الدين القسام " .([48])  

وتشكل مجمل البيانات الرسمية للحزب "مرجعا تاريخيا هاما لدراسة الحزب ومواقفه السياسية، علما بأن بيانات الحزب اختلفت كليا عما كان سائدا آنذاك، فلم تكن تحمل طابع الاحتجاج والرجاء الموجه لسلطات الانتداب، لأنها لم تكن تخاطب أصلا المندوب السامي، وإنما وجه الحزب بياناته وخطبه باتجاه الأمة ".([49])

ثالثا: الإعلام الحزبي

شكلت الصحافة والصحفيون شريحة وطنية مناهضة للانتداب والصهيونية على حد سواء، وكانت صحيفة العرب من أهم تلك المنابر الصحفية(*)، واعتبرت لسان حال حزب الاستقلال، حيث كانت تنشر أبحاثا ومقالات عن الحركة القومية العربية وتاريخها وأهدافها، ودراسات عن الحركات السياسية والاجتماعية في العالم، كالنازية والشيوعية، "وفتحت صفحاتها لمن يهاجمها، ولمن يدافع عنها، ولو بشكل بارع" ([50]).

وكانت الصحيفة تطبع 1500 نسخة ، يوزع على معظم البلدان العربية ، وخصصت صفحتها الأولى لعرض المستجدات السياسية أسبوعيا ، وكانت الأولوية دائما لبيانات حزب الاستقلال ونشاطاته ، ولمعالجة المشكلات العربية .

  • المواقف الفلسطينية من حزب الاستقلال

كان لانطلاق حزب الاستقلال وقع كبير على مجمل الحركة السياسية والوطنية الفلسطينية، مما جعل من الإعلان عنه فرصة لإبداء مواقفها وردود فعلها، حيث تركزت تلك المواقف في كل من:

أولا: موقف الحاج أمين الحسيني

أشارت الأحداث التاريخية إلى مبادرة قيادة حزب الاستقلال التأسيسية للتشاور معه، خاصة وأن معظمهم من أصدقائه، وبعضهم تعاون معه سابقا وما زال، حيث اقترح الحسيني في بداية مراحل التفكير بإنشاء الحزب إقامة جسم يستوعب هؤلاء الوطنيين، دون أن يكون هذا الجسم سياسيا رسميا، وقد كان هذا الموقف الخاص بالحسيني منطلقا من "أساليبه ومزاجه، حيث كان يحب ألا يظهر مباشرة في أي عمل أو حركة، لما يتفق ذلك مع وقار صفته كرئيس ديني".([51])

على كل، كانت نتيجة المشاورات بين الحاج والحزب، أن كليهما عمل بشكل مستقل عن الآخر،حيث كانت حجة الحسيني في عدم انضمامه للحزب لـ"ضرورة عدم التخلي عن وطنية الحركة وشمولها"([52]) .

وبالتالي قوبل تأليف الحزب بالدهشة والتجهم من قبل الحاج، الذي اعتبره بتشكيلته المعلنة معارضة لسياسته، في ظل وجود عدد من الشخصيات التي كان تحرجه في مختلف المناسبات مثل أكرم زعيتر وعوني عبد الهادي وحمدي الحسيني، ثم ساءت العلاقة بينهما لتبدأ الحملات الكلامية المتبادلة عبر أكثر من مناسبة .

وفي حين أن من المبادئ العامة والهامة لحزب الاستقلال، معاداة الانتداب البريطاني، فقد عرف الحسيني بسياسة المهادنة التي رفعها في تعامله مع الانجليز، مما دعا عددا من الشخصيات الوطنية تطلب منه أن يكون" أقوى عودا، وأصلب مقاومة في مواجهة الإنجليز، إذ لاحظوا أنه كان يلين عندما يتعلق الأمر بهم"([53]) ولذلك فإن مسايرته لمبادئ الحزب في هذا المجال "سيؤدي إلى خسارته لرئاسة المجلس الإسلامي، ووظيفة المفتي الأكبر، وهو حريص على الاحتفاظ بهما احتفاظا بسيطرته ونفوذه شخصيا ووطنيا".([54])

ورغم أن طبيعة العلاقة بين الطرفين سادها الحملات الكلامية المتبادلة، إلا أن الحزب توصل من خلال مشاوراته الحزبية بين مؤسسيه إلى عدم التعرض للحاج أمين بسوء، وأن يمضوا في عملهم غير آبهين بالحملات ضدهم.([55])

ثانيا: موقف الأحزاب السياسية الأخرى

تمثلت هذه المواقف بالنشاشيبيين حيث اقترب موقفهم من المجلسيين من حيث الحملات المضادة للحزب ، وكان موقفهم منطلقا من أنهم كانوا يجدون في مواقف وتصرفات الحاج أمين وجماعته ، وسيلة لتبرير معارضتهم ".([56])

وربما كانت الخشية من انطلاق حزب الاستقلال نابعة من شعور خصومه من الأحزاب السياسية ، بالخطورة التي يمثلها قيامه من تخوفهم من استقطابه لأنصارهم ، خصوصا أن الحزب "انتهج سياسية وطنية ثورية ، مثلت النقيض في كثير من الحالات لسياسة المهادنة التي درجت عليها القيادة التقليدية ، كما أعطى الحزب نفسا ثوريا وبعدا قوميا تقدميا في رؤيته للصراع الدائر في فلسطين ".([57])

أما عن علاقة الحزب باللجنة التنفيذية، فقد أثبتت الأحداث التاريخية أن كلا الطرفين بدأ البحث في التخطيط والإعداد لمواجهة الانتداب البريطاني .

ولعل الحزب الشيوعي الفلسطيني كان أكثر الأحزاب السياسية اهتماما بنشوء حزب الاستقلال ، وعمل على التعاون معه ، خاصة الجناح اليساري منه بقيادة حمدي الحسيني ، حيث حدد الشيوعيون علاقتهم بالاستقلاليين من خلال شعار "السير منفصلين والعمل مجتمعين".([58])

ثالثا: موقف الشيخ عز الدين القسام

اختلفت الآراء في قضية ارتباط القسام بحزب الاستقلال بين فريقين:

  1. الفريق الأول وترأسه بعض قيادات الحزب، كحمدي الحسيني وعزة دروزة وهاشم السبع، يرون أن القسام ربطته علاقة تنظيمية بالحزب، وانضم عام 1932 إلى فرعه بمدينة حيفا.
  2. الفريق الثاني وتصدره مؤسسون في الحزب ومنهم أكرم زعيتر وعجاج نويهض، أكدوا عدم انتماء القسام للحزب.([59])

وسواء تأكدت تلك الصلة أم لا، فقد اختلف الاستقلاليون عن القساميين في كونهم " يمثلون النخبة الفكرية التي عملت عبر المهرجانات السياسية والبيانات على تهيئة مناخ سياسي، ساهم في ترحيب الشعب بثورة القسام، ثم في قيامه بالثورة الكبرى، أما القساميون، فإن الميزة الكبرى التي انفردوا بها أصلا هي إعدادهم للكوادر، وقيامهم بتطبيق النهج المسلح".([60])

علما بأنه من الثابت تاريخيا أن حزب الاستقلال سار وفق إستراتيجية اختطها لنفسه تقوم على توعية الجماهير الفلسطينية بمخاطر الانتداب والصهيونية من خلال الوسائل العلنية، دون أن يفكر في النزول تحت الأرض في العمل السري، ولذلك "ظل الحزب يمسك بالنقيضين معا: اكتشاف الخطر الرئيسي، واعتماد الأساليب الشرعية التقليدية في مناهضته".([61])

  • الموقف العربي

استقبلت الهيئات والشخصيات الاستقلالية العربية تأسيس حزب الاستقلال في فلسطين بالارتياح والتأييد، لأنهم وجدوا في هذه الحركة الاستقلالية الجديدة مواصلة العمل القومي على مبادئ الاستقلاليين القدامى، وقد أرسل عدد من قادة الحركة الوطنية العربية برقيات عدة يهنئون فيها بانطلاق الحزب، وقد سبق الحديث عن الاهتمام الذي أبداه الحزب بالقضايا العربية، بحيث لم يكن الحزب فلسطينيا قطريا، بقدر ما كان حزبا قوميا عروبيا .

  • موقف الملك فيصل

يمكن القول أن أكثر ما يميز الموقف العربي من حزب الاستقلال تمثل في موقف الملك فيصل في العراق، الذي كان "يؤمن بالفكرة العربية إيمانا قويا، ويرى نفسه مؤهلا لقيادة الفكرة وتحقيق الوحدة العربية، وقد بقي مبشرا بالوحدة حتى وفاته".([62])

وقد دافع عوني عبد الهادي عن الملك فيصل على صفحات مجلة العرب، وأشاد بموقفه المشرف عندما أبلغه (لويد جورج) بتنفيذ اتفاقية سايكس-بيكو، وحين زار الملك فيصل مدينة القدس كتبت المجلة تقول: "كان احتفاء القدس بجلالة الملك فيصل الأول ملك العراق، مظهرا رائعا من مظاهر العزة القومية، وتجليا مهيبا من تجليات الهيبة الشعبية".([63])

ونظرا لشدة العلاقة التي ربطت الطرفين، فقد اعتاد الاستقلاليون على زيارة عمان كلما حضر الملك فيصل إليها، إلا أن الأمير عبد الله حاكم الأردن عبر بتاريخ 5/حزيران/1933 عن انزعاجه لدى رؤيتهم، وقال: ما بالنا لا نراكم إلا حين يجيء فيصل!([64])

وكان طبيعيا أن تلتقي أفكار الملك فيصل مع أفكار الاستقلاليين من خلال القواسم المشتركة التالية:

  1. التوجهات القومية الوحدوية في فلسطين لهما، من خلال تأكيد الرابطة المتينة للنضال القومي العربي بالمسألة الوطنية بوضعها في سياقها التاريخي والموضوعي السليم، فقد "وجدت هذه السياسة مباركة ودعما من الملك فيصل بصفته كان يمثل رمزا قوميا، حيث نسق الحزب سياسته معه، ولم ينكر مؤسسو الحزب علاقتهم به.
  2. ومع ذلك، فقد رفض الاستقلاليون ادعاءات معارضيهم ومنافسيهم، التي أشارت إلى أن الحزب ما هو إلا أداة في يد فيصل، وأنه يمثل سياسته ومصالحه في فلسطين ".([65])
  • الموقف البريطاني

قابلت سلطات الانتداب البريطاني انطلاق حزب الاستقلال نظرة ترقب وقلق ، نظرا للمبادئ التي أعلنها بمعاداتها ، وتركيز الأنظار إلى خطورة مخططاتها ، وقد اتخذت السلطات موقفا حازما تجاه الأنشطة التي كان ينظمها الحزب ، ودفعت بقواتها ورجال أمنها لمراقبة ما يقوله قادة الحزب ، واستكشاف مواقفهم وتوجهاتهم في مختلف الشؤون والقضايا .

لقد أرسل المندوب السامي البريطاني في فلسطين ( واكهوب) ، رسالة إلى المسئولين في سلطات الانتداب يصف لهم حزب الاستقلال بلهجة تحذيرية بأنه تألف من " مثقفين وأبناء إقطاعيين وبرجوازيين ، وكان أقرب الأحزاب إلى الإعراب عن مطامح الحركة القومية العربية التي تقودها البرجوازية ، وتعكس إلى حد ما أماني فات واسعة من الجماهير".([66])

ثم تطور الموقف البريطاني من الحزب إلى قيام السلطات باعتقال معظم مؤسسيه في مدينة صرفند في فترة الإضراب الطويل عام 1936 ، فضلا عن اعتقال معظم أعضاء فروع الحزب أيضا، مما يبرز بصورة واضحة ما كان للحزب من اعتبار لدى الحكومة الإنجليزية .

  • الأزمة السياسية التي مرت بالحزب

على الرغم من التغير الذي أحدثه حزب الاستقلال على الحركة الوطنية الفلسطينية بمفاهيمه ومبادئه السياسية، وعلى الرغم من نجاحه على المستوى الفكري، وتعزيزه للفكر القومي في فلسطين، إلا أنه فشل على المستوى التنظيمي، ووجد نفسه في نهاية عام 1933 غير قادر على مواصلة مشواره السياسي، بعد أن امتد نشاطه واجتماعاته وندواته نحو ستة عشر شهرا، بدأت في أغسطس1932 وانتهت في ديسمبر1933.

 ويمكن حصر الأسباب في توقف حزب الاستقلال فيما يلي :

  1. المعارضة التي أبداها الحاج أمين الحسيني للحزب، حيث تحول إلى زعيم شعبي، وبالتالي كان نشوء حزب لا يتزعمه، يعني وفق بعض الرؤى، محاولة للخروج عليه، فبدأ حملاته ضده، وهذا ما أوقع الحزب في ورطة لم يكن سهلا التغلب عليها ، فالحسيني "لم يكن مفتي فلسطين ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى فحسب، بل إنه أصبح زعيم فلسطين الأول ".([67])
  2. كانت عناصر الحزب في غالبيتها من الطبقة شبه الإقطاعية البرجوازية، ولم تكن هذه الطبقة تؤيد الشعارات التي رفعها الحزب عمليا، وإن تلفظت بها، ولهذا لم يحظ الحزب بانتشار واسع تنظيميا .
  3. عجز الحزب عن مجارات المد الجماهيري الثوري في فلسطين، الذي مقت الأساليب التقليدية في العمل السياسي ، فلم تكن الجماهير مستعدة لمعاناة مزيد من التجارب الفاشلة .
  4. كان رأي الأغلبية من قيادة الحزب أن لا يكون اختيارها قائما على عمليات انتخابية، وكان ذلك مدخلا لانتقاد النظام الداخلي للحزب الذي وصف بأنه" لم يكن ديمقراطيا، لأن القائمين عليه لم يؤمنوا بعمليات الانتخاب لتشكيل هيئات الحزب وفروعه، بل كان يتم ذلك عن طريق التعيين"([68]) .

وقالت بعض المصادر أن الحزب "لم يحب كثيرا انضمام المنتسبين إليه"([69])، ونتيجة لعجزه عن توسيع قاعدته التنظيمية، فقد "بقي الحزب أسيرا للنخبة، في ظل اعتماده على المركزية، مما أدى إلى اضمحلاله وانحسار نشاطاته".([70])

  1. كان للناحية المالية دور كبير في الأزمة التي مرت في الحزب، الذي اعتمد على موردين فقط هما :
  • التبرعات التي كان يدفعها بعض الأثرياء
  • الاكتتابات الشهرية التي يدفعها أعضاء الحزب

وقد ألمت بالحزب ضائقة مالية نظرا لقلة عدد أعضائه .([71])

  1. شكلت وفاة الملك فيصل عام 1933 ضربة قاصمة لجماعة الاستقلاليين الذين رأوا فيه أملا لتحقيق طموحاتهم القومية، وظلت الصلة وثيقة وقائمة بين الطرفين، فليس غريبا إذن أن يشعر الاستقلاليون بالأسى لوفاته، ولكن الغريب أن يفتر نشاط الحزب بعد وفاته بفترة تزيد على العام، وكأن عمل الحزب كان من أجل فيصل.
  2. كان لأمزجة قادة الحزب وأركانه دور في تعثره وفتور نشاطه، وخاصة حول "تذمر بعض مؤسسيه من البعض الآخر، لدرجة أن هذه الأحاسيس والمشاعر المتبادلة ترسبت في النفوس حتى أدت إلى التعثر والفتور".([72])
  3. أغفل الحزب التحالفات الدولية في ضوء اقتصار حل القضية الفلسطينية على المحور العربي فقط من وجهة نظره، مما ساهم في عدم اطلاعه على واقع المصالح الدولية ودورها في هذه القضية، وبالتالي عدم منحها الحيز المطلوب في عمله السياسي.

 

الخاتمة

يتضح لنا من خلال دراسة تاريخ حزب الاستقلال وممارساته السياسية ، أن هذا الحزب استطاع ترسيخ مبادئ جديدة في ساحة العمل السياسي الفلسطيني في مرحلة تأسيسه ونشاطه أثناء حقبة الثلاثينات ، وتمكن من إدخال مفاهيم جريئة في وقتها على الخطاب السياسي للحركة الوطنية الإسلامية .

ومع ذلك لم يكتب لهذا الحزب أن يعمر طويلا ، وقد كان التوقف المفاجئ والسريع – نسبيا- لأنشطة الحزب ، مثار اهتمام واستغراب شديدين لكل من قرأ سيرة هذا الحزب، خاصة وأن ما أثرى بها الذاكرة الوطنية الفلسطينية من معالم جديدة ، وصولا إلى فهم واع للقضية الوطنية ، ينبئ أن هذا الحزب سيكون له ذكر طويل في ذات الذاكرة .

ورغم ما ذكر سابقا من فعاليات سياسية، ومبادئ فكرية هامة، إلا أن الحزب لم يسع جاهدا إلى إسقاط مفاهيمه على أرض الواقع، بدليل أن ما دعا إليه من وقوف إلى جانب الفلاحين والمزارعين وأصحاب الأراضي، لم يقرنه بالنزول إلى هذه "الفئة المستهدفة" في مبادئه وفعالياته، مما دعا بعض المؤرخين إلى انتقاده بدعوى بقائه حريصا على اجتذاب أفراد الطبقة البرجوازية، اعتقادا منه أن بيد هؤلاء إمكانية التغيير على ساحة العمل السياسي الفلسطيني.

إلا أن ما تقدم يجب أن يمنعنا من القول أن فترة نشوء حزب الاستقلال ، شكلت فترة في غاية الأهمية والخطورة ، وكان لها أكبر الأثر وأخطره على ما تبعها من مراحل وأحداث تاريخية ، أثرت على مجمل تاريخ القضية الفلسطينية حتى يومنا هذا .

 

الهوامش :

1- عدوان ، 1994 ، ص77 .

2- عطية ، 1985، ص80 .

3- غنيم ، 1974، ص247 .

4- عطية ، 1985 ، ص83 .

5- العبيدي ، 1985، ص38 .

6- الحوراني ،1985، ص5 .

7- شبيب ، 1981، ص38 .

8- الحوت، 1986، ص628 .

9- غنيم ، 1974، ص248 .

10- العسلي، 1991 ، ص49 .

11-عدوان ،1994، ص121 .

12- شبيب ، 1981، ص45 .

13- دروزة، 1993، ص804 .

14- زعيتر، 1994 ، ص285 .

15- الكيالي، ص234 .

16- زقوت، 2000 ، ص29 .

17- أبراش، 1987، ص56 .

18- العباسي، 1984، ص110 .

19- شبيب ، 1981، ص44 .

20- دروزة، 1993، ص103 .

21- أبراش، 1987، ص57 .

22- زعيتر ، 1984 ، ص416 .

23- غنيم، 1974 ، ص247 .

24- شبيب، 1981، ص46 .

25-عدوان ، 1994، ص120 .

26- علوش، 1970، ص88 .

27- توما، 1995، ص102.

28- عدوان ، 1987، ص74 .

29- خلة ، 1982، ص520 .

30- زقوت، 2003، ص536 .

31- زعيتر ، 1994، ص413 .

32- حساسيان ، 1986، ص195 .

33- غنيم ، 1974، ص250 .

34- العسلي، 1991 ، ص52.

35- الحوت، 1988، ص13 .

36- أبو غربية، 1993،ص32.

37- زعيتر، 1984، ص371 .

38- شبيب ،1981، ص70 .

39- الكيالي، 1984، ص125 .

40- خلة ، 1982، ص522 .

41- الكيالي، ص235.

42- زعيتر، 1994، ص428 .

43- غنيم ، 1974، ص248.

44- حمادة ، 1990، ص101 .

45- شبيب، 1981، ص71 .

46- دروزة ، 1993، ص826.

47- شبيب، 1981، ص73.

48- شبيب، 1981،ص64 .

49- الحوت، 1986، ص274 .

50- علوش، 1970، ص93 .

51- دروزة، 1993، ص804 .

52- العبيدي، 1985، ص39 .

53- السائح، 1994، ص33 .

54- خلة ، 1982، ص518 .

55- الحوت، 1986، ص275.

56- دروزة، 1993، ص819 .

57- أبراش، 1987، ص59 .

58- علوش، 1970، ص95 .

59- حمودة ، 1985، ص121 .

60- الحوت، 1986، ص59 .

61- خلف، 1982، ص85 .

62- الحوت، 1988، ص276.

63- أبراش، 1987، ص59 .

64- الحوت، 1986، ص275.

65-توما ، 1995، ص102 .

66-علوش، 1970، ص89 .

67- حمادة ، 1990، ص101.

68- جريس، 1986، ص253 .

69- إسماعيل، 1997 ، ص6.

70- نخلة ، 1983 ، ص116.

71- دروزة ، 1993، ص829 .

72- ياسين، 1995، ص47 .

مصادر ومراجع الدراسة

  • الوثائق :
  1. زعيتر، أكرم (1984 ) : وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية ، ط2، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
  2. زقوت، ناهض (2003 ) : وثائق القضية الفلسطينية، ط1، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة .
  • المصادر
  1. أبو غربية، بهجت (1993) : مذكرات في خضم النضال الفلسطيني 1916-1949، ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت .
  2. دروزة، محمد عزة (1993) مذكرات في مسيرة القضية الفلسطينية، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت .
  3. زعيتر، أكرم (1994)، مذكرات بواكير النضال 1909-1935، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمان .
  4. السائح، عبد الحميد (1994)، مذكرات فلسطين: لا صلاة تحت المحراب، ط1، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
  • المراجع
  1. أبراش، إبراهيم ( 1987)، البعد القومي للقضية الفلسطينية، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  2. توما، إميل (1995)، جذور القضية الفلسطينية، ط1، معهد إميل توما للأبحاث السياسية والاجتماعية، حيفا.
  3. جريس، صبري (1986)، تاريخ الصهيونية، ط1، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، تونس.
  4. حساسيان، مناويل (1986)، الصراع السياسي داخل الحركة الوطنية الفلسطينية 1919-1939، ط1، منشورات البيادر، القدس .
  5. حمودة، سميح (1985) ، الوعي والثورة: دراسة في حياة وجهاد الشيخ القسام، ط1، جمعية الدراسات العربية، القدس.
  6. الحوت، بيان نويهض (1986)، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948، ط3، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت .
  7. ------ (1988)، الشيخ المجاهد عز الدين القسام في تاريخ فلسطين ، ط2، دار الأسوار، عكا.
  8. خلة، كامل (1982)، فلسطين والانتداب البريطاني 1922-1939، ط2، المنشأة العربية للنشر والتوزيع، طرابلس .
  9. دروزة، محمد عزة (ب ت)،القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، منظمة التحرير الفلسطينية .
  10. زقوت، ناهض (2000)، خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين، ط1، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة .
  11. شبيب، سميح (1981)، حزب الاستقلال العربي في فلسطين، ط1، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت .
  12. العباسي، نظام عزت (1984)،السياسة الداخلية للحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1945، ط1، دار هشام للنشر والتوزيع، الأردن.
  13.  العبيدي، عوني (1985)،صفحات من حياة الحاج أمين الحسيني، ط1، مكتبة المنار، الزرقاء.
  14. عدوان ، عاطف (1994)، دراسات فلسطينية ، ط1، دار البشير للطباعة والنشر، غزة .
  15. -------     ( 1987) محاضرات في تاريخ فلسطين الحديث، ط1، الجامعة الإسلامية، غزة .
  16. العسلي، بسام(1991)  ثورة الشيخ عز الدين القسام، ط1، دار الناشر للطباعة والنشر، بيروت.
  17. عطية ، علي سعود(1985) الحزب العربي الفلسطيني وحزب الدفاع الوطني، ط1، جمعية الدراسات العربية، القدس.
  18.  علوش، ناجي ،(1970) المقاومة العربية في فلسطين 1917-1948، ط1 ، ب د .
  19. غنيم ، عادل حسن،(1974)، الحركة الوطنية الفلسطينية 1917-1936، ط1، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة .
  20. الكيالي،عبد الوهاب،ب ت، تاريخ فلسطين الحديث، ط1،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت.
  21. ---------،(1984)، الموجز في تاريخ فلسطين الحديث ، ط2، دار الأسوار، عكا.
  22. نخلة، محمد ،1983، تطور المجتمع في فلسطين 1920-1948، ط1، دار السلاسل، الكويت.
  • الرسائل العلمية
  1. حمادة ، حسن ، الحياة الحزبية في فلسطين 1918-1939 ، رسالة ماجستير ، الجامعة الأردنية ، عمان ، 1990 .
  • الصحف والدوريات
  1. إسماعيل ، دنيا الأمل ، 1997 ، الأحزاب السياسية الفلسطينية 1917-1996 ، مجلة مركز البحوث والدراسات السياسية ، القاهرة .
  2. حوراني ، فيصل، مايو 1985 ، الحركة الوطنية الفلسطينية وعلاقتها ببريطانيا 1918-1939 ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 146 ، بيروت .
  3. خلف ، علي ، مايو 1982 ، تجربة عز الدين القسام مدرسة جامع الاستقلال ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 126 ، بيروت.
  4. ياسين ، عبد القادر ، شتاء 1995 ، خطاب الصحافة الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني ، مجلة صامد ، العدد 102، الأردن.

 


(*) من أهم هذه الثورات انتفاضة يافا 1921 ، ثورة البراق 1929 .

(*) لجنة شو، هي اللجنة التي أوفدتها الحكومة البريطانية للتحقيق في أحداث ثورة البراق 1929، برئاسة السير والتر شو، وقد أبرزت في تقريرها أهمية الأرض للفلسطينيين، وبالتالي رفضهم لسياسة بيعها .

* المقصود بهذه الصفة هو ذلك النهج المحافظ والنزعة المحافظة في النظرة إلى الحياة والمجتمع، وبالتالي تجنب القطيعة مع التقليد، والحفاظ على الأشكال قديمة للقيم السياسية والأخلاقية، وبالتالي فإن الأشكال والأنماط التقليدية للأحزاب الفلسطينية التي سبقت نشوء الاستقلال، لم تنتهج أي جديد على صعيد تعاملها مع القصية الفلسطينية، أو استحداث صيغ سياسية جديدة للتعامل مع الانتداب البريطاني.

(*) المجلسيون هم أنصار الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، فيما المعارضون هم عائلة النشاشيبي وأنصارها.

(*) يشار إلى أن ذكرى موقعة حطين صادف يوم 4 يوليو، لكن الاستقلاليين لم يقبلوا إقامة الاحتفال حسب التاريخ الميلادي، وفضلوا أن يكون الاحتفال حسب التقويم الهجري. فلسطين والانتداب البريطاني ص521 .

(*) وهو قانون نشر بتاريخ 10/نوفمبر/1932 يتضمن تقييدا لحرية التعبير وعدم التعرض للسلطات البريطانية ، واعتبار كل نقد على أنه تحريض على الكراهية والازدراء على الدولة المنتدبة .

(*)هكذا أسماه مؤلف فلسطين والانتداب البريطاني،لما حمله المؤتمر من إحراج للقوى المتعاونة مع الانتداب.

(*) وهم محمد جمجوم، عطا الزير، فؤاد حجازي، الذين أعدموا في أعقاب ثورة البراق التي عمت أرجاء فلسطين عام 1929، وقد مثلوا رمزا للمقاومة ضد الاحتلال البريطاني، وما زال الفلسطينيون يحيون هذه الذكرى رغم مرور أكثر من سبعين عاما على مرورها.

 (*)من تلك الصحف: اللواء ، الجامعة العربية، الوحدة العربية، الجامعة الإسلامية، فلسطين، مرآة الشرق، الصراط المستقيم، عن كتاب خطاب الصحافة الفلسطينية تحت الانتداب البريطاني، ص47.

 

 

المصدر دار المنظومة

https://search.mandumah.com/Record/645051  

المصدر مجلة الجامعة الإسلامية للبحوث العلمية

http://journals.iugaza.edu.ps
/index.php/IUGJHR/article/view/1078