مستقبل مدينة القدس في ظل التهويد

  • الأربعاء 17 يناير 2018 01:29 ص

 

مستقبل مدينة القدس في ظل التهويد

المركز العربي للدراسات الإنسانية 

1430هـ- 2010

  • مقدمة
  • أهمية الدراسة: من الطبيعي أن يشكل مستقبل القدس واحداً من أهم المواضيع في السياسة الصهيونية، إن لم يكن أهمها، فالمدينة تشكل رمزاً هاماً وأساسياً في الصراع السياسي القومي والديني بين الفلسطينيين والعرب والمسلمين من جهة، والصهاينة من جهة أخرى، الذين يعتبرونها عاصمة لكيانهم الاحتلالي.

ومما يزيد من تعقيد المسألة، الأهمية الدينية للمدينة المقدسة، ومكانتها الخاصة لدى أتباع جميع الأديان، إضافة لمصالح أطراف عديدة أخرى فيها لا يمكن تجاهلها.

ويعتبر توقيت إجراء الدراسة مواتيا في ظل التحول السياسي في الكيان الصهيوني، بعد صعود الليكود وأحزاب اليمين، ما يمنحها أهمية كبيرة، خاصة في فهم الرؤية الصهيونية لمستقبل المدينة للأسباب التالية:

أولاً: عدم تغير جوهر الخلاف بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني.

ثانياً: تخطي الإجماع الصهيوني حول القدس الانتماءات السياسية والأيديولوجية.

ثالثاً: يعتبر حزب الليكود الحاكم، بالرغم من التزامه بالاتفاقيات الموقعة بين الطرفين، أن موضوع القدس غير مطروح أساسا على طاولة المفاوضات.

وستركز الدراسة على المواقف العامة والخطوط العريضة للحكومات الصهيونية والأحزاب السياسية حول مدينة القدس، لاسيما توجهاتها الحثيثة نحو التهويد.

  • أسباب الدراسة وأهميتها: تأتي أهمية الكتابة في الموضوع للمرور على محطات مفصلية مرت في مسيرة المدينة المقدسة، انطلاقا من:

1- التعرف على الأسباب التي جعلت الصهاينة ينطلقون بتهويد القدس فور احتلالها.

2- التطرق إلى طبيعة الأساليب والوسائل التي لجأت إليها الحكومات الصهيونية لتطبيق السياسة التهويدية، وما تخلل ذلك من علاقات تنسيق وتعاون مع مختلف الجهات.

3- متابعة التحول الذي أحدثته الإجراءات الصهيونية في سعيها الحثيث نحو التهويد.

4- دراسة المراحل المتتابعة التي مرت بها إجراءات تهويد المدينة المقدسة، سواء الإجراءات الرسمية الحكومية، أو تلك التي تقوم بها المنظمات الدينية اليهودية.

  • إشكاليات الدراسة: هناك إشكاليات حقيقية اجتهد الكثير من الباحثين في الإجابة عن بعضها خلال دراستهم لقضية تهويد المدينة المقدسة، الأمر الذي تضعه الدراسة ضمن أهدافها للإجابة عنها، ومن هذه الإشكاليات:

1- هل كان انطلاق تهويد القدس أمرا عفويا، ليس للحكومات الصهيونية دور فيها، أم مخططاً لها؟

2- باختلاف أشكال التهويد التي شهدتها القدس، يطرح سؤال إشكالي: هل كانت الإجراءات الرسمية وغير الرسمية منسقة ومتزامنة، أم كانت متباينة ومتفرقة، أم الاثنين معا؟

3- هل جاءت النتائج السياسية التي أعقبت الإجراءات التهويدية للمدينة المقدسة، حصادا طبيعيا ومتوقعا لجهود الكيان الصهيوني؟

  • منهج الدراسة: ستتبع الدراسة المنهج العلمي بشقيه الوصفي والتحليلي، ليركز على التحليل بصورة معمقة بالقدر الذي يخدم فكرة الدراسة وأهدافها، مبتعدا عن الجانب السردي إلا بالقدر اللازم لتوضيح بعض جوانبها.

وسيستعين البحث بما صدر من وثائق وبيانات، بالإضافة إلى البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومات الصهيونية، والتقارير الصحفية التي تصدر تباعا عن وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والصهيونية، فضلا عن الاستعانة بمجموعة قيمة من المصادر العبرية، وعدد آخر المصادر الأجنبية المترجمة، وأخرى عدت إليها بلغاتها الأصلية، مع الرجوع إلى عدد كبير من التقارير والدراسات التي نشرت في دوريات وسياسية واجتماعية.

  • محتويات الدراسة: تضم الدراسة خمسة فصول، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، تناولت المواضيع التالية:
  • يناقش الفصل الأول السياسة القانونية الصهيونية تجاه القدس، خاصة الوضع القانوني للمدينة، وبحث الإجراءات القانونية لتهويدها، مثل: مصادرة الأراضي، قوانين التنظيم والبناء، قانون الغائبين، شرعنة "الأسرلة"، وغيرها.
  • يتناول الفصل الثاني طبيعة السياسة السكانية الصهيونية في مدينة القدس، لاسيما الصراع الديمغرافي، وضمان أغلبية يهودية، والوضع المدني الفلسطينيين، ونقص الخدمات والاقتصاد، والبحث في تصور "القدس الكبرى" بالمفهوم الصهيوني.
  • يتطرق الفصل الثالث لموضوع القدس في برامج الأحزاب الصهيونية، وما يثار من نقاشات ساخنة حولها، إلى جانب وضوح التشجيع الحكومي للاستيطان فيها.
  • يركز الفصل الرابع الحديث حول تهويد القدس، على صعيد إحياء الاحتفالات اليهودية كمؤشر لبناء الهيكل، والسماح لليهود بالصلاة في الأقصى، ومنع إعماره، وتسليط الضوء على نشاط المنظمات اليهودية العاملة لهدمه.
  • يأتي الفصل الخامس للبحث في الإجراءات الصهيونية العملية لهدم المسجد الأقصى، خاصة باتجاه مزاعم اكتشاف طرق تحته، ومراحل الحفريات والأنفاق أسفله، إلى جانب محاولات نسفه.
  • تورد الدراسة في نهايتها عددا من الملاحق الهامة، التي تناولت الإحصائيات الدقيقة، وجملة من الجداول ذات العلاقة.

ختاما..أرجو أن تكون الدراسة قد خرجت في أبهى حلة، وأفضل مضمون، فإن تمكنت فهو توفيق الله أولا، ورضا الوالدين ثانيا، وإن شابها بعض من عدم الوضوح، وصعوبة الوصول إلى المعلومة وتوصيلها، فهو طبع البشر في النقص وعدم الكمال.

 

محتويات الدراسة

مقدمة

الفصل الأول: السياسة القانونية الصهيونية تجاه القدس

المبحث الأول: الوضع القانوني للمدينة

المبحث الثاني: القانون الصهيوني والقدس

المبحث الثالث: إجراءات قانونية لتهويد القدس

الفصل الثاني: السياسة السكانية الصهيونية في القدس

المبحث الأول: الصراع الديمغرافي وضمان أغلبية يهودية

المبحث الثاني: الوضع المدني الفلسطينيين

المبحث الثالث: نقص الخدمات والاقتصاد

المبحث الرابع: القدس الكبرى بالمفهوم الصهيوني

الفصل الثالث: القدس في برامج الأحزاب الصهيونية

المبحث الأول: توظيف الدين لخدمة السياسة

المبحث الثاني: الصراع الداخلي وقضية القدس

الفصل الرابع: السياسة التهويدية تجاه القدس

المبحث الأول: إحياء الاحتفالات كمؤشر لبناء الهيكل

المبحث الثاني: السماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى

المبحث الثالث: منع الحكومة الإسرائيلية من إعمار المسجد الأقصى

المبحث الرابع: نشاط المنظمات اليهودية العاملة لهدم المسجد الأقصى

الفصل الخامس: إجراءات عملية لهدم الأقصى

المبحث الأول: مزاعم اكتشاف طرق تحت المسجد الأقصى

المبحث الثاني: مراحل الحفريات والأنفاق أسفل المسجد

المبحث الثالث: محاولات نسف المسجد الأقصى

الملاحق: جداول وإحصائيات

الخاتمة

الفصل الأول: السياسة القانونية الصهيونية تجاه القدس

  • أولاً: الوضع القانوني لمدينة القدس:

تدعي وجهة النظر الصهيونية الرسمية أن القانون الدولي يدعم موقفها من مسألة السيادة على القدس الشرقية، أما القدس الغربية فـ"سيادتها عليها مفروغ منها، وليست هناك ادعاءات فلسطينية مناقضة، وليس للفلسطينيين مطالب معينة فيها"، وتدعم هذا الموقف بتبريرات يمكن تلخيصها على النحو التالي:

1- إن الأردن سيطر على القدس الشرقية عام 1948 عن طريق عمل "عدائي"، مستخدماً القوة العسكرية، ولذلك، ليس له حقوق سيادية عليها.

2- لا يعتبر خط الهدنة الذي اتفق عليه عام 1949، وقسم المدينة إلى جزأين حدوداً نهائية، والهدنة تنص على أن الاتفاق بين الكيان الصهيوني والأردن لا يمس بحقوقهما، ولا يؤثر على ادعاءاتهما في السيادة على المدينة.

3- إن ضم القدس الشرقية والضفة الغربية للأردن عام 1950، كان إجراءً مناقضاً للقوانين الدولية، ولذلك فهو لم يكن شرعياً.

4- إن الأردن خرق اتفاقية الهدنة عام 1967، عندما أعلن الحرب على الكيان، مما منحه الحق في إلغائها، وهذا ما قام به بالفعل.

5- جاء احتلال الكيان للقدس الشرقية عام 1967، نتيجة إجراء دفاعي، ولذلك فهو قانوني، ومنحها حق السيادة على هذا الجزء من المدينة.([2])

وقامت دولة الكيان بالعمل على تغيير وضع القدس القانوني، وواقعها السياسي والسكاني بواسطة سن القوانين، ووضع ترتيبات قانونية جديدة، في ضوء أن بعض الأحزاب الصهيونية تستند بشكل مطلق إلى البعد القانوني في دعم وجهة نظرها، وتستخدمها للتأثير على مواقف الجمهور اليهودي من الحلول المطروحة، كما أن أي حكومة قد تستغل هذا الوضع، وتستخدمه ذريعة في رفض المطالب الفلسطينية في المدينة.([3])

وفور احتلال القدس الشرقية عام 1967، قام الكنيست بتعديل قانون الحكم، وأصدرت الحكومة أمراً بتطبيقه في شرقي القدس، الذي تم ضمّه إلى نفوذ بلدية المدينة الغربية، وأكدت المحكمة العليا في مناسبات عديدة على قانونية الإجراءات في القدس الشرقية، على اعتبار أن شقي المدينة موحدان حسب القانون، وهي عاصمة الكيان.([4])

وسنت سلطات الاحتلال مجموعة من القوانين الهادفة إلى تفريغ القدس من محتواها العربي الفلسطيني، والمؤثرة في الواقع الاجتماعي والحياتي للسكان المقدسيين، من أهمها:

  1. قانون دخول الكيان عام 1952، وحرمت بموجبه حرية دخول المقدسي إلى بيته وأرضه، وحجبت عنه حرية التنقل بها ومنها وإليها، بينما أجازته لليهود القادمين من كل بقاع الأرض دون أية قيود.
  2. قانون الإدارة والنظام عام 1967، الذي أُعلن بموجبه ضم القدس، واعتبارها العاصمة الموحدة الأبدية لدولة الكيان.([5])
  3. قانون أملاك الغائبين، الذي صادرت بموجبه أملاك وحقوق كل المقدسيين الذين لم يتواجدوا في منازلهم عشية حرب 1967.([6])

ثانياً: تشريعات قانونية لتهويد القدس

لجأت سلطات الاحتلال إلى سن التشريعات اليهودية، فور احتلالها للقسم الشرقي من القدس، وأرادت من خلالها تأكيد سيطرتها على الشؤون المختلفة في المدينة، وتحقيق أغراضها في تهويدها.([7])

ومن هذه القوانين: قانون ضم القدس، قانون البلديات، القانون الأساسي "القدس عاصمة إسرائيل"، قانون التنظيمات القانونية والإدارية، قانون المحافظة على الأماكن المقدسة لسنة 1967، قانون أراضي الدولة المسجلة، قانون أملاك الغائبين رقم 58 لسنة 1967، قانون استرجاع اليهود لعقاراتهم في البلدة القديمة، قانون الاستملاك، قانون الدخول إلى إسرائيل لسنة 1952، قانون السلطة لتطوير القدس 1988.([8])

الفصل الثاني: السياسة السكانية في القدس

رابعاً: الصراع الديمغرافي:

بلغت مساحة مدينة القدس قبل عام 1967، 6 كم2، تضم حدودها: "البلدة القديمة، واد الجوز، الشيخ جراح"، ووصل عدد سكانها 75 ألف نسمة، يعيشون في 13500 وحدة سكنية.

وطبقاً للزيادة السكانية الطبيعية كان من المفترض أن يعيش في القدس الآن 280 ألف فلسطيني، عدا المهجرين بعد حرب 1967، ومنذ بداية الاحتلال قام الصهاينة بتنفيذ سياسة تستهدف تهجير الفلسطينيين من المدينة، فقاموا بهدم "حي الشرف" بكامله في البلدة القديمة، ورحلوا 135 عائلة منه بتعداد 650 مواطناً إلى "مخيم شعفاط وحي المغاربة".([9])

في حين يعيش في القدس الغربية 275 ألف صهيوني، و186 ألفاً في الشق الشرقي، ويستهدف المخطط الصهيوني إحاطتها بـ250 ألفاً، وداخل الجانب الشرقي 250 ألفاً في "القدس الموسعة" و500 ألفاً في الجانب الغربي ومحيطها، ليبلغ سكانها مليون يهودي.([10])

وشكلت الزيادة السكانية العربية، مفصلاً أساسيًا في رسم خطوط "القدس الكبرى"، ففي العام 1993 بدأ التخطيط من قبل "بنيامين بن اليعازر" وزير الإسكان آنذاك، مدعوماً بتعليمات مباشرة من "اسحق رابين" رئيس الحكومة، لتنفيذ المخطط الذي هدف إلى:

  • إيجاد تواصل واضح للسكان اليهود.
  •  تقليص التقارب والاحتكاك مع العرب.
  •  الحفاظ على تعزيز مكانة القدس كعاصمة لـ"إسرائيل"، وكمدينة عالمية.
  • ربط المستعمرات خارج حدود البلدية مع داخلها بواسطة ممرات.
  • تحقيق الأغلبية اليهودية، من خلال جلب مائة ألف يهودي سنوياً، ما يعني أن مئات الآلاف من المستوطنين سيتم استيعابهم في القدس.([11])

وكانت اللجنة الوزارية الصهيونية لشؤون القدس قد اتخذت قرارها عام 1973 بالحد من النمو السكاني العربي داخل حدود بلدية القدس، وجعل نسبتهم 22% من المجموع العام، هو الحد الأقصى المسموح به.([12])

وتم تسويق 2400 شقة، والمرحلة الثانية 2800 شقة، أما المرحلة الثالثة فشملت إقامة 2000 شقة ضمن المخطط المستقبلي لمصادرة المزيد من الأراضي.([13])

ونشر "معهد القدس لدراسات إسرائيل" دراسة تبين أن نسبة السكان اليهود في المدينة هبطت، والفقر ازداد حدة، والهجرة السلبية تفاقمت، والأسوأ من ذلك الاستنتاج بأن الوضع سيزداد سوءاً فقط.([14])

وفي خطة مبرمجة موازية بدأت السلطات بالتخلص من 40% من فلسطينيي القدس، وتحويل 25 مليون شيكل، أي 6 مليون دولار، لبناء خدمات حكومية لـ125 ألف فلسطيني من أصحاب بطاقات الهوية الزرقاء الذين سيبقون خارج جدار الفصل.

وأبدى رئيس بلدية القدس السابق "أوري لوبليانسكي" قلقاً من الوضع الديمغرافي للقدس عام 2040، فحسب التقديرات، فإن عرب المدينة كفيلون بأن يصبحوا أغلبية ينتخبون رئيس بلدية عربي بدلاً منه، وقال: "الشعب اليهودي الذي حلم على مدى الأجيال بأن يكون في القدس، ويرى فيها عاصمته، يجب أن يعمل الآن".([15])

وفي حال استمر الميل الحالي للتزايد السكاني مقارنة بين العرب واليهود، فسيشكل اليهود بحلول عام 2020 ما نسبته 60% من سكان القدس، مقابل 66% حالياً، في حين ستتراوح نسبة العرب بين 34-40%.([16])

ويبلغ عدد سكان القدس، الشرقية والغربية، حالياً 720 ألف نسمة، ويشمل اليهود في الأحياء التي بنتها الدولة العبرية في القسم الشرقي من المدينة عام 1967.

ومنذ أربعة عقود، زاد عدد السكان العرب بنسبة 257%، وانتقل عددهم من 68 ألفاً إلى 245 ألفاً، في حين عرف السكان اليهود نمواً بلغ 140%، وانتقل عددهم من 200 ألف إلى 475 ألفاً، وبالتالي سيشكل العرب نسبة 50% عام 2035، مع نضوب وتراجع نسبة الهجرة الاستيطانية من الخارج نحو فلسطين المحتلة.([17])

ومن الإجراءات التي اعتمدتها سلطات الاحتلال لتحقيق التفوق الديموغرافي اليهودي:

  1. سحب الهويات من عدد كبير من العرب بذريعة إقامتهم خارجها، وتشير الإحصائيات إلى سحب هويات 4169 رب أسرة عربية مقدسية بين عامي 1967- 1997، وحالت دون حصول من بلغوا سن السادسة عشر على الهوية، والبالغ عددهم 10 آلاف شخصاً.([18])
  2. زيادة عدد اليهود في البلدة القديمة من صفر عام 1967 إلى 3800 عام 2002، يتركز جميعهم في التجمع اليهودي الاستيطاني الذي أقيم في الحي الإسلامي، وعلى أنقاض حارتي "المغاربة والشرف" العربيتين، إضافة إلى عدد من البيوت التي استولى عليها اليهود في "الحي الإسلامي".([19])
  3. أدى التطور في التركيبة السكانية للبلدة القديمة داخل الأسوار إلى التغيير في بنيتها الديموغرافية، إذ أصبح اليهود يستحوذون بالقوة على 20% من مجموع أراضي البلدة القديمة، بينما يملك العرب المسلمون 52%، والعرب المسيحيون 28%.([20])

كما قررت الحكومة الإسرائيلية عام 1973 الحفاظ على نسبة اليهود والعرب حسبما كانت نهاية 1972، أي 73.5% يهود و26.5% عرب.([21])

وأشار الكتاب الإحصائي السنوي الإسرائيلي إلى أن عدد سكان القدس عام 1999 بلغ 645.7 ألف نسمة، منهم 437.4 من اليهود و 208.3 من غير اليهود، فبلغت النسبة أكثر من 67% من السكان من اليهود، و32% من غير اليهود.([22])

أما كتاب الإحصاء الفلسطيني لعام 1999، فأوضح أن عدد الفلسطينيين العرب بلغ 224.8 ألف نسمة، ما يقارب 35% من عدد سكان القدس.([23])

الفصل الثالث: القدس في برامج الأحزاب الصهيونية

لا يمكن الحديث عن القدس كمدينة ذات طبيعة خاصة تميزها عن مجمل أرض فلسطين المحتلة، إلا في سياق دراسة البُعد الديني في الصراع العربي- الصهيوني.

والمقصود هنا بدراسة البُعد الديني لا ينصرف إلى التدقيق في الكتب المقدسة لأتباع الديانات الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، أو روابطهم التاريخية بالمدينة، لكن دراسة هذا العامل كجزء من تركيبة الصراع، والأطراف المتورطة فيه، خاصة على المستوى الصهيوني الداخلي، في إطار توظيف الدين لخدمة الأهداف السياسية.([24])

وهذا هو الإطار الأنسب للتعامل مع قضية القدس، من وجهة النظر الصهيونية، التي قد تختلف عن كثير من الكتابات الشائعة التي تتناول وضع المدينة المقدسة.

  • توظيف الدين لخدمة السياسة

لعلنا نبدأ بالحديث عن مسألة توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية، حيث عمدت الصهيونية اليهودية في أوليات تاريخها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى استقطاب تأييد اليهود لها، من خلال إلباس المشروع الصهيوني، العلماني الجوهر، والسياسي الهدف، رداء دينيًّا يسهل على اليهود المستهدفين بالترانسفير (التحويل والترحيل) من أوروبا الشرقية إلى فلسطين قبول هذا المشروع، الذي كانوا يعارضونه وينظرون إليه بتوجس شديد، سواء لعلمانيته أم لانتمائه إلى الدول الاستعمارية الغربية، وهو ما يستهدف تصفيتهم بحق.([25])

والغريب أن معظم القيادات الفكرية والسياسية للمسلمين وقعت في خطأ فادح، حينما انشغلوا بالقدس والمقدسات، وتفنيد الخطاب الصهيوني بشأنها، تاركين جوهر الأمور، وهو المشروع الاستعماري الغربي في بلادنا العربية والإسلامية، الأمر الذي لا يجعل مدينة القدس تختلف في حقيقة الأمر عن حيفا أو يافا أو غير ذلك من أرض الإسلام.

وقد ترتب على هذا الخلل في منطلق التناول للاحتلال الإسرائيلي للقدس خطأ آخر، وهو تبرير ذلك الاهتمام الخاص بالقدس دون غيرها، بالعمل على استنفار همة المسلمين في مختلف أنحاء العالم باعتبار أن القدس قضية المسلمين جميعا.([26])

وما يقال هنا لا يستهدف التقليل من شأن المدينة المقدسة وأهميتها وقداستها، لكنه يدعو إلى فهم آليات قيام الدولة الصهيونية واستمرارها، وآليات القضاء عليها التي تعيد القدس في النهاية، هي وغيرها من التراب الإسلامي، طالما أن الهدف هو تحرير هذه المقدسات .([27])

  • الصراع الإسرائيلي الداخلي وقضية القدس

يؤكد الموقف الديني اليهودي من القدس على أنها مكان للعبادة، وأن سلطة اليهود السياسية عليها لا تكون إلا عند مجيء "المسيح" اليهودي الذي يقيم الدولة اليهودية، وأن محاولة اليهود لإقامة هذه الدولة بالقوة هي بمثابة اغتصاب للخلاص الرباني الذي سيجيء به ذلك المسيح.

وهذا الموقف لم تزل تتبناه جماعات يهودية في فلسطين، وإن كانت شديدة الهامشية، ومحدودة التأثير مثل جماعة "ناطوري كارتا" التي يسكن أتباعها في القدس، ويقاطعون الدولة ومؤسساتها وخدماتها، ويحتفلون في ذكرى اغتصاب فلسطين وإقامة "دولة الكيان" بارتداء السواد، والقيام بمظاهرات، يحرقون خلالها الأعلام الإسرائيلية، ويرجمون الدوريات الإسرائيلية بالحجارة تماما كما يفعل الفلسطينيون.

وما عدا ذلك من مواقف اليهود الإسرائيليين لا يخرج عن نطاق الدعاية الصهيونية، وتوظيف الدين لخدمة السياسة الاستعمارية العلمانية المخالفة للدين، وتتدرج فيه المواقف، حيث يبدو أقرب المتدينين الإسرائيليين إلى موقف "ناطوري كارتا" هو حزب "أغودات يسرائيل" اليهودي الغربي اللاصهيوني.([28])

وقد أعلن زعيمه في مناسبة ما، وفي إطار الصراع مع السلطات الإسرائيلية العلمانية، أنه يفضل الحياة الدينية في القدس، أو قريبا منها، تحت سيادة "عرفات" ودولته التي ستقوم، على الحياة تحت قيادة إسرائيلية علمانية! فالمهم ليس تحت سيادة من يعيش، ولكن كيف يعيش ويحمي "القيم اليهودية".

أما القوى الدينية الرئيسية الأخرى فهي "شاس والمفدال"، وكل منهما يتمسك بالقدس عاصمة موحدة لـ"إسرائيل"، أو للشعب اليهودي، ويخالفان الأصل الديني المنادي بانتظار المسيح، وعدم إقامة الدولة بالقوة؛ لأنهما ببساطة قد اندمجا في الصهيونية في تعاملها مع الفلسطينيين والعرب، واحتلال الأراضي واستيطانها، وإن كانا يرفضانها في جانب التربية والثقافة، ويحاولان إضفاء طبيعة دينية على الحياة العامة في الدولة.([29])

وهما يستخدمان القدس من ثَمَّ كوسيلة لحشد أكبر تأييد لمواقفهما السياسية في إطار الصراع على السلطة، شأنهما شأن أي حزب علماني.

الفصل الرابع: السياسة التهويدية تجاه القدس

أولاً: هدم البيوت ومصادرة الأراضي:

قامت سلطات الاحتلال بمصادرة البيوت الفلسطينية منذ اللحظة الأولى لاستكمالها احتلال القدس عام 1967، بموجب قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، واستخدمته بصورة حثيثة لتهويد المدينة، حيث ينص على أن كل شخص كان خارج الكيان أثناء عملية الإحصاء التي أجرتها، تنقل أملاكه إلى القيم على أملاك الغائبين، ويحق له البيع والتأجير، وهو ما حصل في العقارات التي تم الاستيلاء عليها من قبل الجمعيات الاستيطانية بالبلدة القديمة.([30]

كما استخدمت قوانين المصادرة للمصلحة العامة لإقامة المستوطنات عليها، وبموجب قانون الأراضي لسنة 1953، ومن خلال وزارة المالية وتحت غطاء الاستملاك للمصلحة العامة تمت مصادرة 24كم2، بما يعادل 35%من مساحة القدس الشرقية، فأنشأت 15 مستوطنة، وقامت ببناء 47 ألف وحده سكنية.([31])

ويبين توزيع استخدام الأراضي أن 86% منها إما مصادرة ممنوع البناء عليها، ثم فجأة يعلن الاحتلال عن أجزاء منها مساحات للاستيطان، أي أن المنع فقط على الفلسطينيين، الذين يشغلون 14% منها، وهي مستغلة بأكملها، ولا يوجد مجال للتوسع عليها، وتم الاستيلاء على مساحة الـ24200 دونم، بموجب أوامر عسكرية صدرت في: 8/1/1968، 14/4/1968، 30/8/1970، 20/3/1980، 1/7/1982، 16/5/1991، 1/2/1995.([32])

وهكذا يمنع المقدسيون من البناء، ولا يمنحون الرخص اللازمة، وترفع تكاليف الرخص التي تصدرها البلدية وتصل 25 ألف دولار للبيت الواحد، ويحرمون من ترميم وإصلاح بيوتهم، خصوصاً داخل أسوار البلدة القديمة، حيث يوجد 1400 منزل بحاجة ماسة للترميم، و356 منها مهدد بالسقوط، وما زالت البلدية تمنع ترميمها، مما دفع بهم إلى البناء غير المنظم دون ترخيص وإشراف، أو الهجرة خارج القدس، ونقل محور الحياة منها.

ومنذ العام 1967 بلغت نسبة البناء لليهودي 88%، و12% للعربي، وأعلنت البلدية 52% من أراضي القدس الشرقية مناطق خضراء يمنع البناء فيها إذا تقدم مواطن عربي، أما اليهودي فيمكنه تعديل استخدامها وفق قوانين خاصة، وعادة تأخذ من هذه الأراضي لبناء المستوطنات 14% من أراضي القدس فقط لاستخدام العرب، وهي بالطبع مكتظة بهم.([33])

وقد اتبع الكيان الصهيوني منذ احتلاله للقسم الشرقي من المدينة سياسة هدم منازل العرب، كوسيلة لإجبارهم على الرحيل، وتشير الإحصائيات إلى أنه بين سنتي 1967-1987 هدم 540 منزلاً، وبلغ عدد البيوت التي هدمها الجيش الإسرائيلي في القسم الشرقي من القدس بين عامي 1967-1999، 2000 منزلاً، بحجة بنائها دون ترخيص.([34])

ولم يقتصر الأمر على البيوت، بل تعداه إلى هدم المباني والمدارس والأماكن الأثرية والدينية الإسلامية، والاستيلاء على بعضها، ومنها مثلاً: 

أ- هدم مدرسة الأفضلية وجامع المغاربة وجامع الأفضل في حارة المغاربة سنة 1968.

ب- الاستيلاء على المدرسة التنكزية سنة 1969.

ج- الاستيلاء على مدرسة دار القرآن الإسلامية سنة 1968.

د- نسف 14 منزلاً من المنازل الأثرية في القدس في 14 حزيران 1967، بحجة توسيع الحائط الغربي للحرم الشريف، وتدمير 24 منزلاً بحجة الانتقام من أعمال المقاومة.

هـ- هدم الخانقاة الفخرية سنة 1965.

و- الاستيلاء على قلعة القدس سنة 1967.

ز- هدم 534 عمارة ومنزلاً، فيها 1000 محل تجاري في حارة المغاربة، والاستيلاء على مساحة 140 دونماً فيها، بعد طرد 6000 من سكانها وسكان الحارات المجاورة، وشمل الهدم مدرسة بنات الأقصى في الحي، التي استوعبت 300 طالبة، وهدم مصنع للبلاستيك يعمل فيه 200 عامل قرب حي الأرمن.([35])

ثانياً: إجراءات تهويد القدس:

قامت سلطات الاحتلال بالكثير من الإجراءات التهويدية لمدينة القدس اتخذت أشكالاً متعددة أهمها:

  1. تهويد المرافق والخدمات العامة.
  2. القضاء على النشاط الاقتصادي العربي.
  3. إغلاق دائرة الشؤون الاجتماعية.
  4. تهويد معالم القدس الجغرافية.
  5. تهويد القضاء النظامي والشرعي الإسلامي.([36])

ثالثاً: الإغلاق والعزل:

تطلب بناء السور الواقي إقامة تجمعات استيطانية لإغلاق الدائرة حول القدس، وسد الفراغات فيها، مما تطلب مد الأسلاك الشائكة، وإقامة الحواجز لتعزيز الدفاع عنها بواسطة:

  1. حفر خنادق على جميع المنافذ المؤدية إلى المدينة، في مناطق "العيزرية والطور" وغيرهما، وخنادق أخرى تعزل قرى شمال غربي القدس عن قرية "راس خميس".
  2. وضع أربع سرايا من حرس الحدود لحماية خطوط التماس تضم 900 شرطي، وسرايا الاحتياط.
  3. إغلاق عشر مؤسسات فلسطينية في القدس.
  4. تشجيع الاستيطان في المناطق المجاورة للقدس، التي يخشى انتشار نفوذ الفلسطينيين فيها، أو أأأأأن تصبح مراكز لهم.([37])
  5. توسيع الحدود البلدية للقدس، حيث اقترحت لجنة تابعة لوزارة الداخلية توسيع الحدود البلدية لها باتجاه الغرب، لتضم عدداً من الأحياء الاستيطانية اليهودية منها "هداسا، وموتسا، ومفسيرت صهيون".
  6. شق الطرق الاستيطانية لتصل بين المستوطنات اليهودية.
  7. الاستيلاء على البيوت العربية في القدس الشرقية، وطرد سكانها منها.
  8. الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي العائدة للسكان العرب.([38])

وقد تبين أن إقامة مثل هذا السور ستؤدي إلى نتائج خطيرة وهي:

  • إقامة الحائط على الجانب الشرقي للمدينة سيخنق الاقتصاد المقدسي المعتمد على السياحة وزوار المسجد الأقصى.
  • ستصبح القدس الشرقية وجميع القرى الواقعة بالقرب منها محاطة بحزامين استيطانيين أحدهما داخل حدود بلدية القدس، والآخر خارج حدودها.
  • الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي لصالح بناء هذا الخط والمستوطنات والأسيجة الأمنية.
  • يعني المخطط أن الصهاينة قرروا ومن جانب واحد سلفاً مصير القدس، وأن قسميها الشرقي والغربي غير خاضع للمفاوضات السياسية مع السلطة الفلسطينية، وهذا يعني أنها تقرر ما تريد، وما على الفلسطينيين إلا القبول بذلك.
  • العودة إلى عقلية "الحصن" أو الدولة "القلعة"، وسد أي طريق للتعايش أو التسوية.([39])

رابعاً: أهداف السياسة الصهيونية في القدس

1- الأهداف الأمنية:

أ- توفير حزام أمني أكثر قرباً من مناطق القدس الآهلة بالسكان.

ب- تكثيف دفاعات الطريق المؤدي إلى القدس من جهة الساحل.

ت- حماية الطريق المؤدي إلى القدس من جهة نهر الأردن.([40])

2- الأهداف الديموغرافية: اعتمد الصهاينة منذ سنة 1967 مبدأين أساسيين في سياستهم التهويدية للقدس الشرقية:

    • زيادة عدد السكان اليهود.
    •  عرقلة نمو السكان العرب، وإجبارهم على بناء منازلهم في أماكن أخرى.([41])

3- الأهداف الاقتصادية والسياسية: اعتبر تحويل القدس الكبرى من مدينة إلى منطقة فصلاً بين المناطق الشمالية والجنوبية من الضفة الغربية، وساعد في تفكيك التواصل الجغرافي، وتحكم في حركة الفلسطينيين بحيث جعل الدولة الفلسطينية المرتقبة غير قابلة للحياة، وسيادتها مصطنعة ومخلخلة.

وجاء الإعداد لإقامة "القدس الكبرى" بكثافة سكانية يهودية لشل الحياة الفلسطينية: اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، لأن 40% من الاقتصاد الفلسطيني يدور حول القدس من خلال السياحة والحياة التجارية والصناعة.([42])

4- الأهداف الدينية:

أ- طمس معالم الحضارة العربية الإسلامية في القدس، من خلال هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة وغيرهما من رموز الحضارة، وتقاسمهما مع العرب والمسلمين.

ب- إقامة الهيكل المزعوم مكان الأقصى، ليكون محل جذب لليهود من شتى أنحاء العالم.

 

الفصل الخامس: الإجراءات العملية لهدم المسجد الأقصى

أولاً: الخطوات الميدانية:

1- الإعلان عن اكتشاف طريق تحت المسجد.

2- الاحتفال بمولد "بقرة حمراء" كمؤشر على بناء الهيكل:

3- السماح لليهود بالصلاة في المسجد.

4- منع إعمار المسجد.

5- افتتاح المؤتمرات الصهيونية.([43])

ثانياً: بناء الهيكل:

    • قدّمت ثلاثة جمعيات استيطانية يهودية طلباً للحكومة لتحويل "المدرسة العمرية" الواقعة في الزاوية الشمالية الغربية للمسجد الأقصى التابعة لبلدية القدس إلى كنيس يهودي، أو السماح لليهود بأداء صلاتهم فيها.
    • كشف النقاب عن أنّ الجماعات اليهودية المتطرفة التي تسعى لبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى أكملت إعداد "فانوس من الذهب" شبيه بالذي استخدم في عهد الهيكل الثاني، وتمّ استخدام 42 كغم من الذهب الخالص في صنعه، وكلّف خمسة ملايين شاقل، أكثر من مليون دولار، تبرّع بها رجل الأعمال اليهودي الأوكراني "فاديم ربينوفيتش".
    • أعلنت محافل يمينية يهودية خلال اجتماع حاشد في القدس الغربية عن إطلاق حملة دعائية واسعة، تستهدف حشد وتأييد المتطرفين لإعادة بناء الهيكل المزعوم.([44])
    • التقارير التي تقدمها المخابرات العامة للحكومة، تؤكد أن هناك مجموعات يهودية وضعت مخططات عملية لتدمير المسجد الأقصى، وبعض السيناريوهات تشير إلى إمكانية التسلل إليه، وتفجيره عبر استخدام تقنيات متقدمة.

وتشير التقارير إلى أن عناصر المنظمات اليهودية يجرون اتصالات مع أنصارهم داخل الولايات المتحدة للحصول على معدات تسمح بالحفر تحت جدرانه، وينوون الانطلاق في عمليات الحفر من عقارات فلسطينية متاخمة تماماً للمسجد، استطاعت المنظمات اليهودية شراءها خلال الأعوام الماضية.([45])

ج- تخطيط عناصر المنظمات اليهودية المتطرفة لقذف مواد مشعة ذات فاعلية كبيرة جداً، تؤدي إلى قتل المصلين، وفي نفس الوقت تؤثّر مع الوقت على تماسك جدان المسجد، وتمّ الحصول عليها من أمريكا.

ح- اتفقت محافل يمينية يهودية على تكثيف جهودها، وتحضيراتها الرامية لإعادة بناء "الهيكل المقدس" لليهود في القدس المحتلة، وقامت ست حركات يمينية تنشط في نطاق المحاولات والمساعي الهادفة إلى فرض السيطرة اليهودية على الحرم، بتأسيس صندوق خاص أطلق عليه اسم "أوتسار همكداش"، ويعني "خزينة الهيكل المقدس"، وتم تسجيله رسميًا كجمعية وقفية يهودية لدى مسجل الأملاك الوقفية في وزارة القضاء.

وتمثل النشاط المشترك الأوّل لهذه الحركات اليهودية، في صك وتوزيع قطعة عملة مصنوعة بمبلغ 20 شاقل، 4.8 دولارات للقطعة الواحدة، وتنظيم منافسة بين مهندسين لوضع تصميمات لمحيط الحرم القدسي في نطاق خطط إعادة بناء الهيكل اليهودي المزعوم، التي تعدّ لها دوائر ومحافل المتطرفين اليهود.

  • تعبئة اليهود في التجمع الصهيوني، وفي مختلف أوطانهم الغربية على شعار إعادة بناء هيكل سليمان، وتسمية الحرم القدسي بـ"جبل الهيكل".([46])

 

ثالثاً: السلوك الميداني لهدم الأقصى

1- توزيع ملصقات انطباعية على طلاب المدارس والجامعات تجسد الهيكل.

2- القيام بالبث الإذاعي من إذاعات يهودية للعمل على هدم الأقصى، كإذاعة "عزة صهيون" التابعة لحركة "كاخ"، وتدعو علناً الشباب اليهودي لإقامة المعبد على أنقاض الهيكل، وتذيع الفتاوى لعدد من كبار الحاخامات الداعية لإعادته.([47])

3- تجهيز الشمعدان الخاص بالهيكل، وهو موجود بالكنيست، وأشار "إيهود أولمرت" رئيس البلدية ورئيس الحكومة السابق، إلى إنجاز شمعدان ذهبي خالص بتمويل من المليونير اليهودي المصري "موسى فرج"، الذي يعمل في تجارة الماس.

4- تسيير سيارات تدور طوال اليوم في شوارع القدس، تبث ترانيم دينية وأشعار تذكر اليهود بإعادة بناء الهيكل مكان الأقصى.

5- عمل نماذج مصغرة للهيكل المزعوم، وتوزيعها داخل فلسطين وخارجها، لكسب الدعم والتعاطف المادي والمعنوي، وإعداد مجسّم معماري خاص به، مساحته 400م2.([48])

6- إعداد خيمة الاجتماع، أو ما يطلق عليها "خيمة العهد"، التي يعتقد اليهود بضرورة وضعها في الهيكل، لأنّها ترمز إلى الخيمة التي اجتمع فيها موسى عليه السلام مع الملائكة، فوعدته بمجد إسرائيل، والخيمة مصنوعة من خيوط الذهب الخالص.

7- صنع أدوات مخصصة للاستخدام في الهيكل الذي يجري التخطيط لإقامته، وتعرض في أماكن متفرقة عشرات من أنواع الأدوات الدينية التي يحتاجها رواد الهيكل، ومنها: "المعدات التي تستخدم في معالجة الرماد بعد التضحية بالحيوان، الأواني النحاسية، كؤوس حفظ السوائل المقدّسة، النبيذ المقدّس، مفروشات العبادة، وأبواق النداء للطقوس".([49])

8- عقد المؤتمر الخاص بإعداد الحراس والكهنة الذين سيشرفون على الهيكل فور إقامته، وتهيئة الكهنة من قبيلة "ليفي"، التي تقول الجماعات اليهودية إنها مسئولة عن رعاية شئون الهيكلين الأول والثاني قبل أكثر من ألفي سنة.

وفي المعهد المسمى "ياشيف عطيرت كوهانيم" أي "تاج الحاخامين" الواقع غرب المسجد الأقصى يقوم الحاخامات بتدريس الشباب كيفية التضحية بالحيوان إرضاءً لله، ويتلقون الأموال اللازمة كمعونات مستمرة من المنظمات والجمعيات المسيحية الصهيونية الأمريكية.

9- تنشيط الرحلات الدينية من فلسطين ودول العالم إلى القدس لربطهم بها، وزيارة المجسمات التي أعدت لتكون نموذجاً للهيكل المزمع إقامته على أنقاض المسجد الأقصى، واتفاق الجماعات الساعية لهدمه وبناء الهيكل على توحيد جهودها، واستغلال طاقاتها، وتنويع نشاطاتها، بحيث تجعل من بناء الهيكل قضية تهمّ كلّ بيت يهودي على أرض فلسطين.

10- توزيع منشورات تدعو إلى طرد المسلمين من المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم، والقيام بالتجوال في ساحاته، وقراءة الكتب اليهودية، والقيام بأعمال شاذة تسيء إلى قدسيّته، والإرشاد والترجمة للزائرين والسائحين في ساحاته على أنه مكان لليهود فقط، ويجب هدمه، وبناء الهيكل المزعوم مكانه، إلى جانب التجمّع في باحاته في الفترات التي تكون أعياداً دينية لهم، مثل ذكرى خراب الهيكل المزعوم، وبداية السنة العبريّة، وغيرها من المناسبات.

12- حمل السلاح داخل ساحات المسجد في بعض الأحيان من قبل المستوطنين والشباب اليهودي، ودخوله بملابس الصلاة الخاصة بهم، والجلوس على المصاطب والمرافق داخل أسواره.

وقد أكّد الثقات من حراسه أنهم أخذوا يجدون آثار سيارات أمن صهيونية تدخل ساحاته ليلاً، وتتجول فيها، إلى جانب التفوه بالكلمات البذيئة بحق المصلين والعاملين فيه.

13- محاولات التخفي المتكررة لاقتحام المسجد، ومحاولات تنفيذ هجمات مسلحة فيه، وإدخال الخمور والمسكرات إلى ساحاته أكثر من مرة في محاولة لتدنيسه، وتوزيع ملصقات ورسومات على طلاب المدارس والجامعات اليهودية لتجسيد قضية الهيكل المزعوم في وجدانهم، كما قامت إحدى المنظمات اليهودية بتوزّيع ملصق، عبارة عن مشهد طائرات عسكرية تقوم بقصف المسجد ثم تدميره، وكتب عليه: "سيأتي هذا اليوم قريباً".([50])

15- إعداد نفق عميق وطويل أسفل الحرم الشريف أدخلت إليه أسفار التوراة، وأنشئت في داخله كنيس يهودي، وفي حفل افتتاحه قال كبير حاخامات اليهود: "إنّنا نحتفل اليوم بافتتاح هذا الكنيس، وقد أقمناه مؤقتاً، وغداً سنحتفل بهدم هذا الحرم، وقيام كنيسنا الكبير، وإعادة هيكلنا على أرضه".

  • خاتمة:

جاءت فصول الدراسة لاستعراض المواقف الصهيونية حول القدس، ونفي المطالب الفلسطينية فيها، من خلال تطرقها إلى عدد من المحاور والمجالات ذات الصلة، وإيراد إحصائيات ديموغرافية ومؤشرات خطيرة من داخل المدينة، والتأثيرات الأمنية المتوقعة على سكانها، إلى جانب الحديث عن خطورة البعد القانوني لمستقبل القدس، والاستعانة بعدد من الملاحق والإحصائيات والجداول الهامة.

وقد انطلقت الدراسة من محاولة تشريح الإجراءات الصهيونية القمعية ضد مقدسيي المدينة من العرب الفلسطينيين، لاسيما رغبة الاحتلال الجامحة لإعادة التوازن الديموغرافي بين اليهود والعرب في المدينة، على أن يكون هذا التوازن لصالح اليهود، من خلال ما يوصف بـ"اقتلاع" التجمعات السكانية العربية من داخل حدود المدينة.

وأوردت الدراسة أن الهدف النهائي من تلك الإجراءات الصهيونية، وسياسة التهويد التي تتبعها سلطات الاحتلال يتمثل بدفع عشرات الآلاف من سكان المدينة الفلسطينيين للانتقال والإقامة خارج المدينة.

وترجح الدراسة أن الكيان الصهيوني، ما زال يجد صعوبة حقيقية في منع الهجرة الفلسطينية من داخل حدود المدينة، ولذلك فهو يلجأ إلى عدة خطوات ميدانية من أهمها فرض الضرائب الباهظة على عرب شرقي القدس، التي تتم جبايتها بواسطة سلسلة من الأوامر القضائية.

كما استعرضت معدل المواليد المرتفع في أوساط العرب المقدسيين، بصورة قد تتساوى مع معدل المواليد اليهود، ما يؤثر سلباً من وجهة النظر اليهودية على الصورة الديموغرافية للمدينة، علماً بأن ذلك ليس السبب الوحيد للتقلص الآخذ في التزايد بين الأوساط اليهودية.

كما ألقت الضوء على العشرات من القرارات التي اتخذتها الحكومات الصهيونية المتعاقبة، والعديد من اللجان الوزارية لشؤون القدس، وطواقم من الخبراء، ولجان مهنية متخصصة لدراسة وضع المدينة، وأوصت جميعها بوضع العديد من الخطط المختلفة والمطالب العديدة لوقف ما أسمته بـ"النزيف" اليهودي الحاصل في تزايد معدلات الهجرة اليهودية، والحفاظ على أكبر نسبة ممكنة من سكانها اليهود للبقاء فيها.

وجزء هام من هذه التوصيات التي قدمت للحكومات واللجان الوزارية تتلخص في ضخ الأموال، لتثبيت العائلات اليهودية التي تشكو من ارتفاع باهظ في إيجارات السكن، ومحاولة توفير أكبر قدر ممكن من الأرباح المالية للسكان اليهود، لكن عدداً قليلاً منها وجد طريقه للتنفيذ على أرض الواقع، والجزء الأعظم بقي حبراً على ورق حتى كتابة هذه السطور!

الدراسة أوردت أيضا عدداً من المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى أنه رغم الفوارق الواضحة والكبيرة بين المرافق التحتية للمدينة في كلا قسميها اليهودي والعربي، فإن هناك العديد من القواسم المشتركة بينهما: في المياه والكهرباء والهاتف والخدمات الصحية وغيرها.

الدراسة تصل أخيراً إلى خلاصة مفادها أن الصراع على المدينة المقدسة سيبقى سيد الموقف خلال السنوات القليلة القادمة، وأن سلطات الاحتلال لن ترضى بأقل من تهجير الفلسطينيين كلياً عنها، الأمر الذي يلقي بمزيد من المسئوليات والمهام على الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

ملاحق الدراسة

جدول يظهر الأراضي المصادرة والمستوطنات في القدس بين 1967-1993

الوحدات السكنية

مساحة المستوطنة

المساحة المصادرة

سنة الإنشاء

سنة المصادرة

اسم المستوطنة

650

130

116

1968

1968

الحي اليهودي

2200

1039

--

1969

1968

رامات أشكول، وجفعات همفتار

5000

961

3345

1968

1968

جفعات شبيرا

2500

1190

-

1968

1968

جبل سكوبس

1300

116

130

1970

1970

ماميلا

منطقة صناعية

2715

1200

1970

1970

عطروت

4200

1795

1235

1971

1970

نيفي يعقوب

8700

4449

4840

1973

1970

راموت

2400

389

485

1973

1968

معلومات دفنا

10.000

2743

2700

1970

1970

جيلو

5000

2240

2240

1973

1970

تلبيوت الشرقية

8480

5518

4400

1982

1980

بسغات زئيف

2083

1198

2024

1991

1992

ريخس شعفاط

3300

1062

1062

1991

1991

جفعات هاموتس

6500

1850

1850

1991

1991

هارحوماه

60,713

27395

25627

--

--

     المجموع

جدول يوضح عمليات الهدم بين سنتي 1991-2003 في القدس الشرقية
 

السنة

المنازل المهدمة

السنة

المنازل المهدمة

1991

24

1998

40

1992

23

1999

16

1993

21

2000

11

1994

7

2001

48

1995

14

2002

24

1996

6

2003

83

1997

17

المجموع

334 منزلاً

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*  الهوامش


2) حلبي، أسامة، الوضع القانوني لمدينة القدس ومواطنيها العرب، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط1، 1997، ص87.

3) لبيب، فخري، دفاعا عن القدس، دار التضامن، 1995، ص136.

4) الأزعر، محمد، مستقبل القدس في ظل التسوية السلمية، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، القاهرة، 1996، ص17.

5) جابر، فايز، القدس ماضيها حاضرها ومستقبلها، دار الجليل للنشر، عمان، 1985، ص200.

6) صندوقة، هايل، مدينة القدس، جمعية الدراسات العربية، القدس، 1996، ص59.

7) ربابعة، غازي، القدس في الصراع العربي الإسرائيلي، دار الفرقان، عمان، 1987، ص86.

8) عوض، عبد العزيز، الأطماع الصهيونية في القدس، الموسوعة الفلسطينية، ج6، بيروت، 1990، ص854.

9) الصوباني، صلاح، الأوضاع الديموغرافية في مدينة القدس تحت الاحتلال، مجلة صامد، ع85، تموز 1991، ص154.

10) شقير، رزق، القدس: الوضع القانوني والتسوية الدائمة، صحيفة القدس، 9/10/1996.

11) عزمي، انتصار، الاستيطان اليهودي في القدس: الأحزمة والبؤر، مجلة صامد، ع85، تموز 1991، ص201.

12) سافير، مايكل، مستقبل القدس: رؤية كوزموبوليتانية، الباحث العربي، مركز الدراسات العربية، ع36، تموز 1994، ص17.

13) الفقي، ريهام، القدس في الخطاب السياسي الإسرائيلي، السياسة الدولية، ع138، تشرين أول 1999، ص97.

14) عبد الرءوف سليم، محمد، القدس في مشاريع التقسيم، مجلة صامد، ع108، نيسان 1997، ص137.

15) هآرتس، 28/12/2006.

16) السهلي، نبيل، مخططات الاستيطان في القدس حتى العام 2010، مجلة صامد، 109، تموز 1997، ص253.

17)كيوان، ماهر، مستقبل القدس: القرارات والمشاريع الدولية والعربية، مجلة صامد، ع108، نيسان 1997، ص61.

18) التفكجي، خليل، الاستيطان في القدس: الأهداف والنتائج، شؤون عربية، الجامعة العربية، القاهرة، كانون أول 1997، ص32.

19) غولد، دوري، القدس والحل الدائم، الدراسات الفلسطينية، ع26، ربيع 1996، ص116.

20) الزبن، سمير، الإجراءات الإسرائيلية بعد احتلال القدس الشرقية، مجلة صامد، ع108، نيسان 1997، ص107.

21) سالم، وليد، حدود القدس في إطار المدينة المفتوحة وعاصمة لدولتين، مجلة استراتيجيا، غزة، ع2، فبراير 2001، ص150.

22) الأزعر، محمد خالد، أية قدس ستكون موضوع التفاوض، مجلة صامد، ع108، نيسان 1997، ص11-22.

23) عايد، خالد، القدس الكبرى في إسار الواقع الصهيوني، الدراسات الفلسطينية، ع15، صيف 1993، ص104.

24) سيد أحمد، رفعت، القدس في الإستراتيجية الإسرائيلية، شؤون فلسطينية، نيقوسيا، ع180، آذار 1988، ص18.

25) التفكجي، خليل، تهويد القدس حقائق وأرقام، الدراسات الفلسطينية، ع22، ربيع 1995، ص121.

26) عليان، نور الدين، مستقبل القدس مشاريع الحلول المطروحة إسرائيليا وفلسطينيا، مجلة صامد، ع108، نيسان 1997، ص41.

27) جلال علي، المجتمع الإسلامي، نوفمبر 2000.

28) المرجع السابق.

29) حسين معلوم، مركزية القدس بين مشروعات التسوية الإسرائيلية، السياسة الدولية، ع127، كانون ثاني 1997، ص177.

30) هيلم، سارة، سكين كبيرة تعمل في القدس تشريحا، الدراسات الفلسطينية، ع19، صيف 1994، ص126.

31) الخطيب، روحي، القدس في ظل الاحتلال العسكري، شؤون عربية، تونس، ع40، ديسمبر 1984، ص49.

32) قبعة، كمال، مشكلة القدس في ضوء مبادئ وقرارات الشرعية الدولية، مجلة صامد، ع87، كانون ثاني 1995، ص103.

33) دمبر، مايكل، الاستيطان اليهودي في القدس القديمة، الدراسات الفلسطينية، ع8، خريف 1991، ص31.

34) غولد، مرجع سابق، ص182.

35) السياسة الدولية، ملف المجلة: حول تسوية القدس، ع114، أكتوبر 1993، القاهرة.

36) عبد الكريم، إبراهيم، مشكلة القدس وتصورات الحلول الإسرائيلية، شؤون عربية، ع90، حزيران، 1997، ص9.

37) كاطو، عبد المنعم، مستقبل القدس في مباحثات الحل النهائي، مجلة الدفاع، القاهرة، ديسمبر 2002، ص31.

38) شريتح، أسمهان، قضية القدس في ضوء قرارات الجامعة العربية ومؤتمرات القمة، مجلة صامد، ع107، 1997، ص52-59.

39) سيد أحمد، مرجع سابق، ص26.

40) العمار، منعم، القدس في الإستراتيجية الإسرائيلية: تكريس الاحتلال وتغييب مقصود للهوية، شؤون عربية، أيلول 1998، ص58.

41) منى الأسعد، جيو إستراتيجية القدس، مجلة صامد، ع109، تموز 1997، ص14.
42) المرجع السابق، ص17.

43) كتن، هنري، مفاهيم إسرائيل وممارساتها في القدس، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، 1985، ص185.

44) هآرتس، 24/8/2007.

45) زيدان، مرجع سابق، ص95.

46) الخطيب، مرجع سابق، ص123.

47) الإذاعة العبرية، 26/3/2009.

48) يديعوت أحرونوت، 14/9/2008.

49) المرجع السابق.