علاقات حركة حماس مع العالم العربي

  • الأربعاء 17 يناير 2018 12:52 ص

 

علاقات حركة حماس مع العالم العربي

  • مقدمة

بعد مرور ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً على انطلاقة حركة حماس، واجتيازها لاختبارات عديدة على مستوى العلاقات السياسية، الداخلية والخارجية، أصبح الوقوف على تجربتها في إدارة هذه العلاقات، ودراستها، أمراً في غاية الأهمية، لاسيما تلك التي بنتها مع محيطها العربي، سواء مع النظام الرسمي، أو المستوى الشعبي على حد سواء.

تتناول الدراسة أهم الخطوط العامة العريضة لسياسات حماس في علاقاتها السياسية العربية، رغم أنها قابلة للتغير بتغير الظروف، فقد تشهد تقارباً أو تباعداً بتقارب الأهداف والمصالح، أو اختلافها وتباعدها، مما يدفع للإجابة على جملة من التساؤلات، منها:

  • كيف تقيم حماس علاقاتها العربية؟
  • ما هي سياساتها وأهدافها من وراء هذه العلاقات؟
  • الثابت والمتغير فيها، وهل هناك تحول في ممارستها السياسية في علاقاتها تلك؟
  • هل هناك اشتراطات يتخللها تنازلات مطلوبة منها لأجل العلاقة مع طرف ما، وهل هناك أطراف عربية تستبعدها الحركة، وترفض أي علاقة معها من أي نوع؟

أولاً: محددات علاقات حماس العربية

انطلقت حماس في بناء علاقاتها العربية مما جاء في ميثاقها، وحديثه عن ارتباط تحرير فلسطين بدوائر ثلاث، منها الدائرة العربية، ودورها في الصراع، والواجبات الملقاة عليها، ورأت أن "الدول العربية المحيطة بـ"إسرائيل" مطالبة بفتح حدودها أمام أبناء الشعوب العربية ليأخذوا دورهم، ويضموا جهودهم لجهود إخوانهم الفلسطينيين، أما الدول الأخرى فمطالبة بتسهيل تحركاتهم، منها وإليها".([1])

وسعت حماس لوقوف الأطراف العربية الرسمية، بجانبها: تؤيدها، تتبنى مواقفها، تدعم نشاطاتها وتحركاتها، تكسب التأييد لها لتجعل من الشعوب سنداً وظهيراً لها، وبعداً استراتيجياً على كل المستويات البشرية والمادية والإعلامية، الزمانية والمكانية، بعقد المؤتمرات، ونشر الكتيبات الهادفة، وتوعية الجماهير حول القضية، وما يواجهها ويدبر لها، وتعبئة الشعوب فكرياً وتربوياً وثقافياً، لتأخذ دورها في معركة التحرير الفاصلة.([2])

وربما ما دفع بحماس لهذه المطالب تجاه الدول والشعوب العربية، قناعتها واعتقادها بأن "المشروع الصهيوني يمثّل خطراً على الأمّة العربية جمعاء، وبالنظر لما تمثّله فلسطين من بُعد عقائدي وقومي، فإن دور الدائرة العربية في التحرير أساسي ومركزي، حيث تمثّل القوة الرئيسة التي يعوّل عليها للنهوض بعبء التحرير، وتعدّ العمق الاستراتيجي، والرديف المساند للشعب الفلسطيني لتحرير فلسطين، وإزالة الكيان الصهيوني عن أرضها".([3])

وقد استفادت حماس من تجارب قوى فلسطينية في علاقاتها العربية، وكيفية صياغتها، بعدم رفعها شعارات راديكالية تجاه الأنظمة العربية، ملأت فضاء العنفوان الثوري الفلسطيني أواخر الستينات وأوائل السبعينات، من قبيل أن "قطار التحرير" يمر بهذه العاصمة العربية، أو تلك! واعتبرت أنه مقابل الجهود الكبيرة التي تبذلها "إسرائيل" لعزل الدائرة العربية عن الصراع مع الفلسطينيين للاستفراد بهم، فلابد من الحرص على إبقائها، رغم كل الصعوبات.([4])

ولفهم طبيعة العلاقات التي بنتها حماس مع الدائرة العربية، وإدراك مدى إمكانية استمرارها واستقرارها، لابد من النظر في الأسس والمبادئ التي قامت عليها، والأرضية السياسية التي أعدتها تجاهها على النحو التالي:

  1. الاتصال بمختلف الأطراف العربية: وإقامة علاقات إيجابية معها، بغض النظر عن توجهها السياسي، وانتمائها الفكري، وإعلان جاهزيتها للتعامل مع القوى: إسلامية، مسيحية، اشتراكية، يسارية، ليبرالية، لتشجيعها على القيام بواجبها ومسئولياتها تجاه الشعب الفلسطيني، ونصرة قضيته العادلة، لحشد الرأي العام العربي.

وحرصت على التواصل مع الجامعة العربية وأمينها العام في جميع المناسبات والقمم، مشاركة ومراسلة، ولم تهاجم المبادرة العربية للسلام، أو تنسفها من أساسها، واكتفت بالقول إنها تحتاج لإعادة النظر، وإن "إسرائيل" نفسها لا تقبلها.([5])

كما تطلعت حماس للمنظمات والهيئات العربية، من خلال التعاون والتنسيق معها، انطلاقاً من قاعدة "تغليب القواسم المشتركة ومساحات الاتفاق على مواقع الاختلاف"، بحيث تقوم علاقاتها على الشراكة الكاملة بين جميع المكونات العربية، وهي إذ تسعى لتعزيز العمل العربي المشترك، ترى أن صيغته يجب أن تقوم على أساس الالتزام بالعمل على تحرير فلسطين، وعدم الاعتراف بالعدو، أو إعطائه حق الوجود على أي جزء منها.([6])

وما لبث أن اتضح للحركة أن التقدم والاتساع اللذين حققتهما، ميدانياً وشعبياً، سياسياً وعسكرياً، زادا من اهتمام الأطراف العربية بها، وكلما قويت، واحتلت مواقع أكثر تأثيراً في ميزان القوى السياسية، ومجريات القضية الفلسطينية، أصبحت ضرورة الاتصال بها، وإقامة العلاقات الإقليمية والقوية والمتبادلة معها أكثر إلحاحاً.([7])

2- رفض التدخل في الشئون الداخلية: لأنها ليست جزءً من النظام السياسي "الداخلي" العربي، ولا التجاذبات الداخلية لأي من دوله، لذلك تنأى بنفسها عنها، مما حتم عليها السير في معترك شائك بدقة وحذر، بما يحقق الأهداف الفلسطينية، في ضوء أن تجربة منظمة التحرير شاخصة في عيون قادة الحركة، فلم يكن الارتماء في أحضان الأحلاف والمحاور مجدياً بعد أن سلبها إرادتها وهويتها، ولم يعد التدخل في الشئون الداخلية، واستعداء الأنظمة العربية على الفلسطينيين إلا بالخسائر، والتراجع لقضيتهم.([8])

وقد وضع ذلك أمام الحركة مهمة جد كبيرة، تمثلت بقدرتها على توظيف التناقضات المعلنة والخفية بين الدول العربية، واختلاف مصالحها من جهة، ومن جهة أخرى الحذر من مغبة وقوعها في شرك الاستخدام والتوظيف من قبلها، كما حدث مع منظمة التحرير.

واستطاعت حماس طوال السنوات الماضية أن تبني علاقات متوازية مع الحكومات والمعارضات العربية على حد سواء، ويستشهد كثيرون بنموذج العلاقات المتينة مع الدولة السورية رغم ما بينها وبين الإخوان المسلمين من خلاف وصل حد المواجهة الدموية عام 1982، وكذلك حرصها ألا تثير حساسية الحكومة المصري من علاقتها مع الإخوان هناك.([9])

وفي الوقت ذاته، ترفض الحركة تدخل الدول العربية في سياساتها ومواقفها وشئونها الخاصة، وتؤكد استقلاليتها في اتخاذ قرارها "الفلسطيني الوطني"، تصنعه مؤسساتها القيادية، رغم أن بعض التحولات المفصلية في تاريخها اشتمت منه بعض الأطراف تدخلاً لهذه الدولة أو تلك، رغبة من حماس في مد الخطوط معها، مما دفعها للقيام ببعض "الخطوات التكتيكية".([10])

ومع ذلك، فقد تم النظر لمواقف حماس المرنة تجاه النظام العربي الرسمي على أنها "نقطة إدانة" ضدها، لاعترافها السهل به، وعدم الانخراط بتغييره، لاسيما أنها حركة إسلامية شعاراتها فوق قطرية، وتدرك أن عبء التحرير لا يمكن أن يقوم به الشعب الفلسطيني بمفرده، ولا الشعب العربي المجزأ.([11])

  1. عدم فتح معارك جانبية مع أي طرف عربي: فلم تتبن سياسة التهجم على أحد، لكنها عبرت بشكل موضوعي وملتزم عن ملاحظاتها، ونقدها لمواقف الأطراف المختلفة من الصراع مع الاحتلال، سعياً لإيجاد توازن في علاقاتها السياسية العربية، وترفض أن تكون علاقاتها مع أي طرف على حساب آخر، طالما أنه يقف بجانب الشعب الفلسطيني، وترحب بدوره.([12])

في ذات السياق، عالجت حماس خلافاتها مع الدول العربية بكثير من الصبر والروية، وابتعدت في مواقفها وبياناتها عن سياسة الاتهام والتجريح، واعتمدت بالمقابل على لغة النقد الموضوعي، والنصح والمناشدة، دون قطع جسور التواصل في أحلك الظروف، فلم توجه الاتهامات لمصر، ولم تفتح جبهة مع الأردن، ولا استهدف إعلامها دول الخليج.([13])

ويمكن القول إن الأسس التي اعتمدتها الحركة في علاقاتها العربية مبنية على رؤية إستراتيجية واضحة، نظراً لقناعتها الراسخة بأن الدول العربية التي تزداد ضعفاً وارتباكاً كل يوم، تصبح أكثر قابلية للخضوع والتراجع أمام المشروع الأمريكي، ما يعني مزيداً من التضييق، وسد المنافذ عليها، وهذا ما حصل بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، وازداد وضوحاً بعد سيطرتها على غزة أواسط عام 2007.

ورغم ذلك، فقد خلا الخطاب التعبوي لحماس من الدعوة للوحدة العربية، والاهتمام التنظيري والفكري التفصيلي، مكتفياً بالشعارات العامة العريضة، بدليل عدم إصدارها لدراسات تتناول واقع التجزئة العربية، وتحليل الأزمات الحادة التي تعانيها الأمة، لتطرح برنامجاً عبر قطري يفترض قيام الوحدة مثلاً، وتعمل لتحقيقه.([14])

مع العلم أن الحركة عبرت في أدبياتها وبياناتها وتصريحاتها، عن حرصها على الوحدة العربية، معتبرة اختلاف الرأي، ليس مبرراً للتناحر والفرقة، لكنها ثوابتها الأساسية ليست مجالاً للمناورة، ولن تكون ثمناً لعلاقاتها العربية، وترى أن ساحة العمل الوطني والعربي تتسع لكل الرؤى والاجتهادات في مقاومة المشروع الإسرائيلي، معتقدة أن وحدته غاية ينبغي على جميع القوى والفعاليات الفلسطينية والعربية العمل للوصول إليها.([15])

وعندما بدا أن دولاً عربية رئيسية تسعى للتحرشّ بها، أو تفتعل أزمات معها، أو توتير علاقتها بها، فقد عالجت حماس هذا المواقف بروية، ولم تسعَ للتصعيد الإعلامي، واكتفت بنفي التهمة عن نفسها، وابتعدت إعلامياً عن كل ما يفاقمها، وقدمت نموذجاً للصبر والتروي، رغم المدى البعيد الذي ذهبت إليه بعض الأنظمة العربية بمقاطعتها، والانصهار التامّ في المطالب الأمريكية المتشددة للتعامل معها مالياً وسياسياً.([16])

وعرضت حماس نموذجاً لكظم الغيظ مع من تجاهلوا مكانتها، ولم تعمد للتشهير بهم على الملأ، مما اعتبر مؤشراً مهماً على براغماتيتها ومرونتها، وقابليتها لتغليب السياسي على الأيديولوجي في سلوكها الخارجي، فيما رحبت علناً بالمواقف التي آنست فيها الدفء والحميمية تجاهها، ولذلك احتفظت بعلاقات طيبة وثيقة مع بعض البلدان العربية، مما عمق أواصر التنسيق معها.([17])

  1. حصر فلسطين ساحة للمقاومة المسلحة: وحرصها بعدم نقل المعركة خارجها، إلى ساحات الدول العربية، بتأكيدها على إستراتيجية اعتماد فلسطين ميداناً أساسياً للمواجهة المسلحة مع الاحتلال، ورفض توسيع الرقعة الجغرافية لعملياتها، رغم الاعتداءات التي تعرضت لها في الخارج، فقد حاولت "إسرائيل" اغتيال خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي على الأراضي الأردنية عام 1997، واغتالت عز الدين الشيخ خليل أحد كوادرها في سوريا بتفجير سيارته عام 2004، ومع ذلك، كان للحركة موقف حاسم بعدم نقل مسرح عملياتها خارج الأراضي المحتلة.([18])

وكان لهذا الوضوح في الرؤية، والحسم في الموقف، دور كبير في إزالة بعض حواجز الخوف من بعض الأنظمة العربية، التي ظلت تنظر للمقاومة المسلحة كعامل قلق وعدم استقرار لها.

  1. الدعوة لوحدة الصف العربي، ورفض المحاور: ومباركة جميع الجهود الوحدوية، وأشكال التعاون والتنسيق، بما يخدم المصالح العامة للأمة العربية والقضية الفلسطينية، وتركيز جهدها تجاه توحيدها، لأن الفرقة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني، ونظرت بخطورة لبروز محاور وأحلاف متناقضة، ورفضت أن تكون طرفاً في أي منها، لانفتاحها على الجميع، كونها ليست محسوبة على طرف بعينه، بل تتعامل مع الجميع، ولا تصنف نفسها مع طرف ضد آخر، ورغم ذلك، فللحركة تقارب مع دول، وتباعد مع أخرى.([19])

وبخلاف تجربة منظمة التحرير، استطاعت حماس البقاء خارج المحاور العربية، ورغم التباين الحاد بين دول المنطقة فيما يتعلق بالعلاقة مع "إسرائيل"، فإنها استفادت نسبياً من هذه التناقضات، دون الغرق فيها، وتحديداً المحورين: السوري القطري من جهة، قبل اندلاع الأحداث السورية، وتدهور علاقاتهما، ومن جهة أخرى السعودي المصري الأردني.

ومع ذلك، فإن واقعية حماس، وعدم شرودها بعيداً عن السربين الفلسطيني والعربي، شكلت مبعث ارتياح عربي نسبي كبير لسياساتها، بمحافظتها على شخصيتها وهويتها وأجندتها الوطنية، وإظهارها في أكثر من مناسبة وقوفها بجانب المحور الأول المواجه للمشروع الإسرائيلي – الأمريكي، ولكن ليس على حساب علاقاتها مع باقي دول وشعوب المنطقة، وربما جاء توجهها للسعودية عام 2007 لتوقيع اتفاق مكة مع حركة فتح، وترحيبها بدور القاهرة الوسيط في صفقة تبادل الأسرى مع "إسرائيل" عام 2011، انفتاحاً منها على المحور الثاني.

أكثر من ذلك، فقد عملت حماس على بناء علاقات جيدة مع دول المحورين، رغم خلافاتهما، ولم تملك خياراً سوى المحافظة على التوازن في العلاقة بينهما، فسوريا هي الحاضن الجغرافي لقياداتها في الخارج، بينما مصر هي المعبر الوحيد لقيادات الداخل، ومصر وسوريا معاً يشكلان عاملاً حاسماً في مصير الصراع العربي الإسرائيلي، ولهذا حرصت على عدم إخراجهما من معادلة الصراع مع الاحتلال.([20])

وآمنت الحركة بأن اختلاف المواقف مع الدول العربية حول المستجدات السياسية لا يحول دون اتصالها وتعاونها معها، لاسيما من لديها الاستعداد الدائم لدعم صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، وحرصت على أهمية الحوار مع جميع الحكومات والأحزاب والقوى، بغض النظر عن نظامها السياسي، ولا مانع لديها من التعاون مع أي جهة لصالح خدمة قضية شعب فلسطين العادلة، وحصوله على حقوقه المشروعة، أو تعريف الرأي العام بممارسات الاحتلال وإجراءاته اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني.([21])

وفي إطار المحاور، مضت حماس بعلاقاتها العربية على "حبل مشدود"، فلا الدول انفتحت بالكامل عليها، ولا غلّقت في وجهها الأبواب، ومما جاء من مواقف تشير بوضوح لا يقبل الشك والتأويل، ما صدر عنها بعيد فوز حماس في الانتخابات التشريعية على النحو التالي:

  1. الموقف السوري، رأى في الفوز انتصاراً لخطه ومعسكره، فدمشق أصبحت حاضنة للشرعية الفلسطينية بعد أن اتهمت طويلاً بدعم المعارضة،
  2. وجاء الترحيب القطري حقيقياً، خاصة أن علاقات دافئة ربطت بين حماس والدوحة طوال سنوات،
  3. أما السودان، ثالث دولة عربية تستقبل الحركة، فليس من السهل على قيادته تجاهل جذورها الإسلامية.([22])
  4. في المقابل، فإن مواقف مصر والأردن من المتغير الفلسطيني الكبير "غامضة"، دون التخلي عن انشغالاتها الفلسطينية الكثيفة والواسعة، وعدم قدرتها على فرض رؤيتها على قيادة حماس، التي لم تنجح -لأسباب عديدة- بإقناعها بأن حكومتها الجديدة إضافة كبرى للموقف العربي، ومناسبة لإجراء مراجعة حقيقية للسياسة العربية، فليس أمام الطرفين إلا التعايش.
  5. أما السعودية، فهي أقل إشكالية، وإن لم تخلو من التعقيد، لأنها ترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة، وهناك تنسيق مصري سعودي شبه دائم يتعلق بمختلف الشئون العربية، وهي مصدر دعم رئيسي للسلطة الفلسطينية، لكنها لا تعترف بـ"إسرائيل"، ولا تربطها بها أي علاقات، ولا تستطيع الضغط على حماس لتلبية الشروط الأمريكية- الإسرائيلية، كما ستجد نفسها في موقف بالغ الصعوبة أمام الرأي العام السعودي، إن بادرت لقطع المساعدات الرسمية أو الشعبية عنها استجابة لمطالب أمريكية، خاصة وأنها تموج بحراك إسلامي كبير، ما يعني أن تعاملها مع حماس سيكون أكثر سلاسة من عواصم أخرى.([23])

 

ثانياً: المنطلقات العربية في العلاقة مع حماس

شهدت العلاقة بين الدول العربية وحماس، محاولات شد وجذب، رغم رغبة الأخيرة بأن تكون ودية دافئة، بعيدة عن الندية، وأنها تكميل للأولى، وليست بديلاً عنها، منطلقة من واقعية سياسية مفادها أنها لا تعمل في ظل واقع عربي طموح، بل تسعى ليكون أفضل مما هو عليه الآن، كما ارتبط الموقف العربي الرسمي منها، بعوامل متداخلة، أهمها:

  1. الرأي العام العربي الشعبي، الذي لابد من إعادته بقوة إلى قلب القضية الفلسطينية،
  2. صلابة موقف حماس، والدعم الشعبي الفلسطيني لسياساتها في الداخل والخارج،
  3. الضغوط الأمريكية والأوروبية، الذي يستهدف عمل الحركة في الساحة العربية.([24])

وكل ذلك، تطلب من حماس استعادة الارتباط بين فلسطين والمجال العربي، لتصبح مسئولية عربية دائماً، وليست فلسطينية فقط، ليستهدف رفع سقف الموقف الرسمي، وترى الدول المعنية أن الموقف الفلسطيني الجديد يصب في صالح السياسة العربية، وليس التناقض معها.

في المقابل، تنوعت المواقف العربية الرسمية من الحركة وتدرجت، على النحو التالي:

  1. إهمال وجودها الكلي، خاصة في مرحلة تأسيسها الأولى المرافقة لانطلاق انتفاضة الحجارة أواخر العام 1987،
  2. اتهامها بالعمل خارج أطر الشرعية الفلسطينية، وخدمتها للاحتلال الإسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لأنها نشأت بدعم منه، وترديد ذلك في الخطاب الإعلامي المصري، على وجه التحديد، وإن كان ظهور هذا الموقف يتحدد بناء على درجة توتر العلاقة بينهما،([25])
  3. الاعتراف الصريح والمباشر بقوتها، ودعوتها رسمياً للانضمام لمنظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين،
  4. محاولة احتوائها وإضعافها عن طريق شقها، أو حتى ضربها.

ويمكن القول أن توزيع الأدوار بين الدول العربية تجاه موقفها من حماس تلخص بقيام البعض بإشغال الحركة بلقاءات جانبية تحت إغراء إعادة العلاقات، وشطب التأزم، وآخر يحاول خلق أقطاب داخلها تختلف في توجهاتها ورؤيتها للحل، وثالث يربطها بطوق من الدعم، ويقنعها بالتعقل والروية، ورابع يقسو ويتعنت لإعطاء نموذج عن مآلات التمرد أو الاعتراض.([26])

في ذات السياق، مرت علاقات حماس العربية بالمراحل التاريخية التالية:

  1. المرحلة الأولى: بين تاريخ تأسيس الحركة في ديسمبر كانون أول 1987، حتى أواخر عام 1990، حيث لم يكن في الخارج من يمثلها رسمياً، أو ينطق باسمها، ويعبر عن رأيها وأطروحاتها، وبالتالي تركز عملها وجهدها على الساحة الفلسطينية، ومقاومة الاحتلال، والحفاظ على انتفاضة الحجارة واستمرارها، وترتيب العلاقة مع فصائل المقاومة.([27])
  2. المرحلة الثانية: وتبدأ منذ إعلانها اعتماد إبراهيم غوشة ناطقاً رسمياً خارج فلسطين، وتمثيلها في الوفد الشعبي الإسلامي المؤلف من قيادات الحركات الإسلامية، لزيارة كل من العراق، السعودية، الأردن، وإيران، قبيل اندلاع حرب الخليج الثانية في يناير كانون ثاني 1991 بهدف تسوية الأمر سلمياً بين العراق والكويت.([28])

وانطلقت الحركة عقب هذه الأزمة إلى الفضاء السياسي والإعلامي الخارجي الذي بات يهتم بها، دون معرفة قادتها أو ممثليها، بعد أن شكل موقفها المتوازن من الحرب موضع تقدير من معظم الدول العربية.([29])

  1. المرحلة الثالثة: مرحلة اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر أيلول 2000، ببروز قيادات وممثلين للحركة في دول "الطوق العربي" بشكل علني، وبصفة رسمية، ولا زالت هذه المرحلة مستمرة إلى الآن، مع بعض التراجع في الأردن والعراق ومصر التي لا يقيم فيها أي ناطق إعلامي رسمي باسم الحركة، أو أي ممثل لها، وبدا الحديث عن علاقات عربية مثالية لحماس آنذاك أمراً مستبعداً، في ضوء الأوضاع التي عاشتها الأنظمة العربية من ضغوطات أمريكية لا تشجعها على التعامل مع الحركات الإسلامية.
  2. المرحلة الرابعة: بعد الانتخابات التشريعية في يناير كانون ثاني 2006، وفوز الحركة بأغلبية المقاعد، ثم تشكيلها للحكومة، وبدء نوع جديد من علاقاتها السياسية العربية، لتصبح محوراً مركزياً في صناعة العلاقات الفلسطينية العربية، مع وجود تجاذبات ومحاور لها، وفي ذات الوقت بروز تناقضات، وتباعد للمسافات مع بعضها.

وفي هذه المرحلة التاريخية بالذات، يمكن الحديث بقوة عن دور المكتب السياسي للحركة في الخارج، وما شكله من دعم ومساندة حقيقية وقوية لها لتوفير الدعم المالي والسياسي، والتأييد الشعبي والرسمي.([30])

ثالثاً: أهداف حماس من العلاقات العربية

  1. تأكيد حضورها على الساحة السياسية العربية،
  2. إطلاع الأطراف العربية على وجهات نظرها، لتفهمها دون تشويه،
  3. الانفتاح السياسي والإعلامي، إقليمياً ودولياً،وتوفير أبعاد جغرافية لتحركها السياسي،
  4. تحقيق التقارب للمواقف العربية السياسية مع مواقف الحركة،
  5. الحصول على اعتراف الدول العربية الرسمي بها، وحل المشكلات التي تعترض الفلسطينيين فيها، وتوفير الدعم المادي والمعنوي بصوره المختلفة لمساندتهم.([31])

ولأن الحركة على دراية بالمعلن والخفي من المواقف العربية تجاهها، وتدرك حجم العامل العربي في تحديد شرعية النظام الفلسطيني، فإنها لم تنشد من محيطها العربي سوى ما تستشعر إمكانية التجاوب معه، ورغم أنها حريصة على مد يدها لعلاقات عربية قوية وجادة، إلا أن التساؤل الجاد: إلى أي مدى تبدو جدية الدول العربية في فتح حوار وعلاقات معها؟ وحتى متى ستعمل الحركة لإذابة كرة الثلج المعيقة لتفعيل علاقاتها العربية، وتنميتها، وتقويتها؟([32])

في المقابل، فإن حماس بعد تقلدها لموقع "السلطة"، بات لديها مصالح مع الدول العربية، أهمها:

  1. الحفاظ على وتيرة دائمة من الدعم العربي، لاسيما المالي منه، في ضوء التهديدات الأمريكية والأوروبية بوقفه، مما شكل تحدياً كبيراً ومبكراً أمامها، في ضوء الاعتماد شبه الكامل للسلطة الفلسطينية على هذه الأموال والمساعدات والمنح، وبالتالي من مصلحتها ألا تعمل على استعداء أي طرف، بل الحرص على بناء علاقات جديدة مع الجميع.([33])
  2. تقوية علاقتها بدمشق وبيروت، كونها الأقرب لحماس منهجاً وممارسة، وفي ضوء ترحيبها المعلن بفوزها، وتسلمها الحكم، واستعدادها لدعمها، مما سيخفف بالتأكيد من وطأة الضغوط المحلية والإقليمية والدولية الممارسة عليها.
  3. عزمها على نيل "الشرعية العربية"، بعد حصولها على الشرعيات الجهادية والدستورية، ليتم التعامل معها بصورة واضحة دون مواربة أو خجل، ما تطلب تمتين العلاقات، وتنميتها.([34])

ولتحقيق هذه الأهداف، وضعت حماس سياسات محددة لعلاقاتها العربية، انطلاقاً من إيمانها بأن قضية فلسطين عربية وإسلامية، ليست خاصة بالشعب الفلسطيني فحسب، واعتقادها أن الخطر الإسرائيلي يتهدد الأمة كلها، مما يجعل العرب مسئولين أمام شعوبهم عن نصرتها، واستناداً لهذه القناعة، رأت الحركة أن تحقيق أهدافها من هذه العلاقات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أبرز ملامح الواقع العربي، على النحو التالي:

  1. حالة الفرز والتمحور والانقسام التي تسود العالم العربي، فمنذ أزمة حرب الخليج الثانية، وتأثيراتها السلبية مستمرة على سياسات الدول العربية، ومواقفها.
  2. انخراط وتأييد غالبية الأنظمة العربية في عملية التسوية، وعدم قدرة الحكومات المعارضة أو الرافضة على التأثير باتجاه مضاد بسبب حجم التأييد الدولي لهذه العملية، والضغوط الممارسة عليها لدعمها وتأييدها.
  3. استنزاف جهود واهتمامات بعض الدول العربية في مشاكل وصراعات داخلية وإقليمية ودولية: العراق، السودان، سوريا، الجزائر، الصومال، لبنان، وما أفرزه من تركيز الاهتمام على الهم القطري على حساب مواجهة الخطر الصهيوني، واسترجاع فلسطين.
  4. ضعف الإمكانات المادية، والمديونية الثقيلة التي تخضع لها كثير من الدول العربية.([35])

وبناءً على ما تقدم، رسمت حماس سياساتها، بحيث دعت للعمل على رفع الإيجابيات، والحد من السلبيات، والتمسك بالمبادئ والثوابت، وحشد الطاقات لدعم صمود الشعب الفلسطيني لاستكمال النصر والتحرير، بحيث نجحت في الحصول على الشرعية العربية، وشكلت خطوة مهمة لتصبح لاعباً إقليمياً مهماً، رغم تقديم بعض المرونة في خطابها السياسي، وحراكها الميداني، مما أثار لغطاً داخلها حول ما إذا كانت تنازلاتها ومرونتها ذهبت بلا ثمن.([36])

رابعاً: عقبات في طريق علاقات حماس العربية

كشف واقع العلاقة بين حماس والدول العربية عن مجموعة من الإشكالات الفكرية والعوائق العملية، ساهمت بتحجيمها في بعض الأحيان، لم تكن حاضرة في المرحلة السابقة لخوض الحركة غمار العمل السياسي والحكومي والبرلماني، حيث تحرر خطابها السياسي من "المصطلحات الدبلوماسية، ومراعاة المصالح، واللباقات الإجبارية".([37])

ويمكن استعراض أبرز هذه العوائق والإشكاليات على النحو التالي:

  1. الإرث السياسي والتاريخي للإخوان المسلمين: ليلقي بظلاله على واقع وتطور علاقات حماس بالدول العربية، وأوجد تخوفاً لديها من طبيعة ارتباط الحركة بالجماعة الأم، على صعيد إتاحة المجال أمامها لتعمل فيها مباشرة وعلناً، مما قد يخدم برامج عمل الحركات الإسلامية فيها، وهو ما يتعارض مع الأوضاع السياسية القائمة، لذلك لم يكن سهلاً عليها فتح أبوابها كاملة أمام حماس، حتى لو أعلنت عدم التدخل بشئونها الداخلية.([38])

وقد حاولت حماس عبثاً إثبات عدم ارتباطها بالحركات الإسلامية في الدول العربية، وسعيها للنأي عن شبهة الإضرار بالأنظمة القائمة، لأنها رأت فيها حركة أيديولوجية تتناقض من حيث المبدأ مع وجودها، وتأثرت بخصومتها السياسية المزمنة مع الإخوان المسلمين، وكان الأمر بحاجة لمرور وقت يستوعب فيه المحيط العربي غير هذه القناعات المسبقة.

ولم يكن سهلاً على معظم الدول العربية الشعور بالارتياح لفوز حماس في الانتخابات، وهي الحركة ذات الجذور الإخوانية، لأن من المستحيل على أي قيادة فلسطينية تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والإستراتيجية، مما تطلب من حماس ألا تتوقف لحظة عن محاولة تحسين الموقف.([39])

وقد تعاملت عدد من الدول العربية، لاسيما المحيطة بفلسطين، مع حماس على أساس مخاوفها المعتادة من الإسلاميين، وخشيتها من أن نجاح نموذجها قد يؤثر على وضعها الداخلي، من حيث تقوية الإخوان المسلمين، وعلى هذا كان صعودها، واتساع شعبيتها، وفوزها الانتخابي، وتشكيلها للحكومة أمراً غير مرغوب به عربياً، لكن مقتضيات العمل العربي في الساحة الفلسطينية جعلتها تتجنب الدخول في أي صراع مكشوف مع الحركة.

من جهتها، حاولت حماس طمأنة هذا المحيط إلى بعدها المحلي، وعدم انجرافها لخطابات التنظيمات الإسلامية في تلك الدول، مما أفادها في الحوارات العربية، وتجلى في دخول مصر والسعودية على خطوط الأزمات الفلسطينية للوصول إلى قواسم مشتركة.([40])

  1. الاعتراف العربي بشرعية منظمة التحرير: لاسيما وأن خطاب حماس تضمن مزاحمة غير مباشرة للمنظمة، وامتنعت عن الاعتراف الصريح بتمثيلها الوحيد، مما أعاق توسيع علاقاتها بالأنظمة العربية، لأن بعضها يرى أن التعامل مع بعض الفصائل محدودة التأثير، أكثر سهولة من التعامل مع حماس ذات الحضور المهم والمنافس للمنظمة.

ولأن الأعوام التي غاب الإسلاميون الفلسطينيون فيها عن ساحة الفعل السياسي والعسكري، وانفردت منظمة التحرير بتوجيه دفة النضال الوطني، كانت كفيلة بترسيخ جذورها في المحيط العربي، فقد اصطدمت حماس في علاقاتها بهذه الأطراف بعدم موافقتها على طرح نفسها بديلاً للمنظمة، أو الاعتراف بها على هذا الأساس.([41])

  1. مشاريع التسوية السلمية: بدءً بانعقاد مؤتمر مدريد عام 1991، فاتفاق أوسلو عام 1993، ووادي عربة مع الأردن عام 1994، والعلاقات الإسرائيلية – العربية الرسمية وشبه الرسمية، وانتشار التطبيع، لتبتعد الأجواء العربية بالتدريج عن خيار المقاومة وشعاراته، وهي التي حملتها حماس، وحاولت بعث الحياة فيها، وأرادت أن تبني علاقاتها بالمحيط العربي على أساسها، لتجد نفسها تسير عكس التيار، فهي تدعو للمقاومة المسلحة، في وقت ذهب فيه الجميع إلى التسوية.([42])

وهكذا، بقي الالتزام بتحرير فلسطين، وعدم الاعتراف بالمحتل الإسرائيلي، أحد أهم معوقات علاقات حماس العربية، بسبب التباعد الشاسع في الفكر والطرح بين ما تعلنه الحركة، ورفض أي تفاوض أو اعتراف تحت أي ذريعة أو مقابل، وما تتبناه الأنظمة العربية المنخرطة في عملية التسوية، وقطع شوط طويل في التفاوض والاعتراف.([43])

  1. الحملة الغربية على الحركات الإسلامية: ووصفها بالإرهاب، ومحاربتها وملاحقتها، وتجفيف منابعها، ومطاردتها، ومن سوء طالع حماس أن تنامي الحملة تزامن مع تصاعد قوتها، وتزايد نفوذها، مع اندلاع انتفاضة الأقصى 2000، وما تلاها من أحداث سبتمبر أيلول 2001، والتداعيات الخطيرة التي نتجت عنها، وإدخال الحركة في قوائم الإرهاب، مما شكل ردعاً لكثير من الدول العربية عن الذهاب بعيداً في العلاقة معها، ليصبح مجرد اللقاء معها مثيراً للتساؤل، وربما للضغط المباشر، وعدم إدانتها للعمليات المسلحة التي تقوم بها الحركة داخل الأراضي المحتلة مدعاة للإحراج مع الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة.
  2. تفكيك علاقة حماس بإيران: مع زيادة النفوذ الإقليمي لطهران، وحديث الأنظمة العربية عن "مخاطر الهلال الشيعي"، بدت المنطقة منقسمة بين محورين، وصنفت حماس على المحور الإيراني – السوري، علماً بأن حماس أدركت أن استحقاقات الداخل الفلسطيني تتطلب منها الابتعاد قدر الإمكان عن اللعب بأي ورقة إقليمية من شأنها تأليب الأطراف العربية الداعمة ضدّها، وفقدان تأييدها، أو على الأقل فقدان موقفها الحيادي.([44])

وبقدر ما راهنت إيران على استخدام ورقة حماس في تدعيم نفوذها الإقليمي، سعت أطراف عربية أخرى كالسعودية ومصر؛ لفك الارتباط بين الطرفين، أو مستوى التأثير، وهو ما تنبهت إليه حماس، وتعاطت معه بواقعية.([45])

وفي ضوء تعداد العوائق التي واجهت علاقات حماس العربية، يمكن الإشارة للقصور الذاتي لديها، لأن ثمة محدودية واضحة في أدائها السياسي على هذا الصعيد، ظهرت من خلال المتابعة الإعلامية لزيارات وفودها الرسمية للبلاد العربية، وأشارت إلى عدة أمور، منها:

  1. عدم إفراد الحركة على المستوى النظري مساحات معقولة للحديث عن العلاقات العربية، مكتفية بإشارة في الميثاق تحذر وتنبه لخطورة الغزوة الصهيونية، ومطالبة الدول العربية المحيطة بـ"إسرائيل" فتح حدودها أمام المجاهدين، حتى أن برنامجها الانتخابي لعام 2006، لم يفرد مساحة واسعة للعلاقات العربية، وأدرجها ضمن محور العلاقات الخارجية، والمجتمع الدولي.([46])
  2. تأخر وجود ممثل لها في الدول العربية لما بعد حرب الخليج الثانية، دون وجود زيارات أو لقاءات مع مسئولين عرب، ما يعني عدم سعيها لتقوية الروابط والعلاقات العربية على المستوى الرسمي، ربما تقديرها لأن الأبواب ما زالت موصدة أمامها في تلك المراحل السابقة.
  3. قلة تلك الزيارات، على الصعيدين الرسمي والشعبي، وتكرار أسماء الرموز ذاتها في معظم الزيارات، واللقاءات الرسمية والشعبية،
  4. عدم إنشاء بنية تنظيمية هيكلية خارج فلسطين، والاكتفاء باعتماد كوادر سياسية وإعلامية مختارة تقوم بعمل الرديف للعمل الأساسي القائم داخل الأرض المحتلة، مما أدى لانعدام خطوط التزويد والإمداد بالكوادر المطلوبة عن طريق إفراز قاعدي طبيعي، ومحدودية جهاز الحركة الإداري والسياسي في الخارج.([47])

وبالتالي لم تكن هناك استجابة للمتطلبات المتزايدة في مجالات السياسة والإعلام والعلاقات العامة، وازدادت الضغوط الإدارية والأعباء المتلاحقة والمتصاعدة في هذه المجالات على نحو أثقل كاهل الكوادر المحدودة المنوط بها التصدي لتلك المجالات، والواقع أن سياسة حماس القاضية بعدم إنشاء تنظيم خارج فلسطين كانت مثار نقاش، فالمقولة الأساسية خلفها تقضي بوجوب تجنب تكرار تجربة الفصائل الفلسطينية التي نظمت الفلسطينيين في الدول المقيمين فيها، وسرعان ما أدت لاصطدامها بأنظمتها، كالأردن ولبنان.([48])

كما أن ساحة المقاومة الحقيقية داخل فلسطين، وإنجاحها هناك أولى بتفريغ الجهد والوقت من استنفاذه بإقامة هيكليات إدارية بيروقراطية، دون إهمال تجمعات الفلسطينيين في الخارج، والإحجام عن التواصل معهم، وعدم الإبقاء على مستويات الحشد والتعبئة والتحريض عالية في أوساطهم، فالقيام بالدور التعبوي التحريضي، منوط بالحركات الإسلامية القطرية الموجودة في البلاد التي يقيم فيها الفلسطينيون.

ورغم أن حماس تضع القضية في إطارها العربي من زاوية توسيع دائرة الصراع، وعدم اقتصاره على الساحة الفلسطينية، لكنها عملياً لم تشرع بتعزيز علاقاتها العربية في فترة مبكرة، وإن تداركتها نتيجة لوضعها الجديد بعد الانتخابات، ومواجهة جملة التحديات التي وجدت نفسها أمامها، لاسيما بعد التهديدات الأوروبية والأمريكية بقطع المساعدات والتمويل المالي عن حكومتها أوائل شهر أبريل نيسان 2006، رغم تفاوت مواقف تلك العواصم من نتائج الانتخابات بين مرحب وداعم، ومتحفظ ومراهن، وإن كانت بعض الدول أقرت واستجابت بتوفر الدعم المالي، إلا أنها لم تستطيع توفير الشرعية العربية الداعمة لمواقف حماس.([49])

خامساً: البعد الشعبي في علاقات حماس العربية

تطور اهتمام حركة حماس بالمستوى الشعبي العربي، متمثلاً في التيارات الجماهيرية والقوى السياسية، لاسيما الإسلامية منها، متزامناً مع تطور تجربتها في العمل، وقراءة الواقع بصورة صحيحة، لأن نظرتها لهذا المستوى مغايرة للمستوى الرسمي، حيث تحدث ميثاقها عن التجمعات الوطنية والدينية والمؤسسات العربية، ويستحثها لتكون سنداً وظهيراً لها، وبعداً استراتيجياً على كافة المستويات البشرية والمادية والإعلامية والزمانية والمكانية.([50])

ولئن كان للمستوى الرسمي ضرورات تقدرها الحركة، وتأخذ منها الهامش المتاح لدعم القضية الفلسطينية، وتحاورها لتوسيعه، وزاد فوزها في الانتخابات من التعاطي معها كهامش رسمي، فإن الصلة مفتوحة مع نظيره الشعبي، وخياراته بلا حدود، ولذلك فهي مع تطويره، والتعاطي معه بانفتاح كبير، مما جعل عملها في أغلبه معه، لأن الأنظمة العربية محكومة بسياسات وضغوط.([51])

على هذه القاعدة، صاغت حماس مجموعة من السياسات العامة إزاء علاقاتها السياسة بالجهات الشعبية العربية، بموازاة العلاقة مع الجهات الرسمية، يمكن تحديدها بالنقاط التالية:

  1. إقامة علاقات مع مختلف الشرائح الشعبية دون إهمال أو تجاهل أي منها، مع مراعاة الأولويات حسب الأهمية، والحرص على تعبئتها بالقضية، وكسب تأييدها وتعاطفها، وتجنيد طاقاتها، كل حسب إمكاناته، ومن الموقع الذي يستطيع.
  2. توثيق علاقاتها مع الجهات الشعبية المختلفة، بغض النظر عن انتمائها الفكري أو السياسي، باعتبار قضية فلسطين تعني الأمة جميعاً، وللجميع حق الإسهام في معركتها، مع إعطاء الأولوية للحركات الإسلامية، والمؤسسات الشعبية ذات التوجه الإسلامي.
  3. تجنب الدخول في الانقسامات العرقية والإقليمية والطائفية في الأمة العربية، والابتعاد عن المشاركة في معارضة الاختلافات الفقهية في المسائل الدقيقة والتفصيلية، مع وضوح انتمائها الفكري.
  4. تبني إعلامها ومواقفها للقضايا العادلة للشعوب والحركات العربية، والوقوف مع الحق ضد الباطل، والعدل ضد الظلم، والانتصار للمعاني الإنسانية وحقوق الإنسان، وفي حال الإحراج والاضطرار يمكنها عندئذ السكوت، ولا تتجاوزه مطلقاً إلى موقف يعارض مبادئها.([52])
  5. الدعوة لمعاني الوحدة والتفاهم والتعاون والتنسيق بين مختلف القوى والمؤسسات الشعبية العربية، وتشجيع كل تقارب وتوحد على الخير وإصلاح ذات البين، ونبذ أشكال الفرقة والتناحر والتخاصم، وتأكيد ذلك عبر سلوكها.([53])
  6. الصبر وطول النفس وحسن المتابعة في تحريك الجماعات والمؤسسات الشعبية، وكسب تأييدها لصالح الحركة، ونقلها للمستوى المطلوب من الدعم، وتجنب قطع العلاقات معها، واليأس منها، أو إهمالها ومجافاتها، فالزمن والجهد الدءوب ضروريان لحشد قوى الأمة في مواجهة الخطر الإسرائيلي.
  7. التركيز على المفاتيح الرئيسية في كل شريحة وفئة، من كبار العلماء والمفكرين، والصحفيين والإعلاميين، لأنه يحقق كسباً أكبر وأسرع لصالح الحركة.([54])

ويشير ما تقدم إلى زيادة ملحوظة في جرعة الواقعية السياسية، نزلت بخطاب حماس من "غائية" نصوص الميثاق، إلى التعامل التفصيلي مع واقع عربي معقد، يشكل البعد الشعبي فيه أحد مواضع الخلل البنيوية في تركيبته الذاتية، مما تطلب منها الدخول على الخط لنسج علاقة ثنائية معه.

وتبدى ذلك من خلال مشاركة رموز حماس في المؤتمرات واللقاءات والمهرجانات الجماهيرية، خطباء ومتحدثين، أو الاعتماد على التجمعات القٌطرية في كل بلد، وإن تفاوتت مهامها واحتفالاتها من دولة لأخرى، حسب خصوصيتها وأوضاعها الداخلية، كما تفاوت الدعم الشعبي العربي لها من تجمع لآخر.([55])

وأبقى استناد حماس على تفاعل الحركات الإسلامية والتحركات الشعبية في الدول العربية، على مسافة بينها وبين الاصطدام بالسياسات الحكومية فيها، ونجحت بتقليل نقاط التماس معها، خصوصاً في ضوء التزامها بعدم إنشاء بنية تنظيمية خارج فلسطين، لكنها حُرمت في الوقت نفسه من فوائد الاتصال المباشر، وبناء العلاقات الدائمة، واستثمارها، لاسيما وأن الكثير من الأنشطة التضامنية نظمت تحت شعارات عامة كدعم مقاومة الشعب الفلسطيني.([56])

ويمكن القول أن القراءة العامة لسياسات حماس في التعامل مع الصعيد الشعبي، تؤكد أنها نجحت في التعامل مع الوضع العربي المعقد، رغم محدودية اتصالها بتلك الأوساط، وبعد استدراكها لاحقاً، اهتمت بإصدار بيانات وتصريحات حول مختلف الأحداث العربية على المستوى الشعبي، وإبداء موقفها منها، وأصبح لها اتصالاتها النشطة لتمتين وتعزيز علاقاتها الشعبية، لما قد يوفره لها من غطاء وشرعية.

مع العلم بأن ملفات الحركة في علاقاتها بالأحزاب والحركات السياسية العربية حافلة برسائل التأييد والمساندة والدعم والمباركة، خصوصاً في الأحداث المفصلية، مما يوفر لها أرضية خصبة لتقوية علاقتها العربية الشعبية.([57])

سادساً: تصنيف المواقف العربية من حماس

فرض تبدل المواقع في صناعة السياسة العربية على حماس والأنظمة العربية إعادة ترتيب عدد من القضايا، ولهذا كان من الطبيعي ألا تظلّ أو تتجمد علاقاتهما عند سابق مستواها، بل طرأت عليها تطورات رفعت من الرغبة بتبادل وجهات النظر وجهاً لوجه، وربما القبول الجزئي المتبادل المؤقت على الأقل.

وفي حين ترتكز حماس في علاقاتها العربية على أربع مرتكزات هي: السعودية والأردن وسورية ومصر، فإن قادة الحركة في قطاع غزة يحبذون العلاقة مع مصر بحكم عوامل الجغرافيا والتاريخ والاجتماع، فيما يفضل قادتها في الضفة الغربية، الانفتاح على الأردن لنفس العوامل، ولذلك ليس غريباً أن تلعب مصر والأردن ومعهما السعودية وسوريا ثوابت للواقع العربي لدى حماس، في ظل خارطة عربية جديدة.([58])

الجدير بالملاحظة أن دول المغرب العربي لم تلق من حماس الاهتمام اللازم، والحرص الجاد لإقامة العلاقات، وتعزيزها، وتقويتها، كما لم تحظ من هذه الدول بمبادرة لإقامتها، ولم تشهد عواصمها زيارات لقادة الحركة وممثليها ووزرائها على غرار بقية العواصم العربية، ويمكن تفسير ذلك بعاملين:

  1. تركيز حماس في علاقاتها العربية على "دول الطوق"، ذات التأثير والتأثر بمجريات وتداعيات القضية الفلسطينية، كمصر، والأردن، وسوريا، ولبنان،
  2. يتعلق بدول المغرب العربي نفسها، لأنها دأبت على تحجيم وتقزيم ومنع أي دور للإسلاميين فيها، وتجربتها معهم غير مشجعة، بل فاشلة، كتونس والجزائر.

وبالتالي لم تر حماس ضرورة المجازفة بإيجاد ممثلين وناطقين باسمها فيها تلك الدول، فضلاً عن التجذر في علاقة الأخيرة بمنظمة التحرير، ويبدو أن الحركة لم تشأ مزاحمتها بذلك، ونأت بنفسها عنها، لذلك بقيت المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا خارج جدول زياراتها وعلاقاتها واهتمامها، مع أن ذلك لا يعفيها من المسئولية، لأن استبعادها من سياساتها أمر غير مستحسن، وتهميش هذه الساحة من جدولها وبرامجها لا يدفع بالتقييم الجيد لعلاقاتها السياسية، رغم عدم إغفال جملة المعوقات المعيقة في سبيل ذلك.([59])

مع العلم أن المستوى الشعبي في الجزائر، استحق أن يحظى باهتمام الحركة، لاسيما مع النشاطات المؤيدة للفلسطينيين عامة، وحماس خاصة، كما أن الدولة على المستوى الرسمي لها سجل طويل من المواقف المساندة والداعمة للقضية الفلسطينية.

ويمكن على سبيل التخصيص الحديث عن أهم محاور العلاقات العربية لحركة حماس، مع الدول الآتية:

1- العلاقة مع مصر

محكمة12.....jpg
 

 الدولة العربية الأبرز والأكبر، ذات الوزن السياسي, والعسكري, والديموغرافي, والسجل التاريخي في الصراع العربي – الإسرائيلي، ومن البديهيات السياسية أن يكون لحماس علاقة معها، بفعل روابط العروبة والإسلام واللغة والتاريخ والجغرافيا، التي تفرض نفسها فرضاً عندما يتم الحديث عنهما، ومهماً يكن الخلاف بين مصر وحماس، فإنها لا تقطع "شعرة معاوية" معها، لأنها عند ذلك ستخسر دورها "الأبوي"، وتفقد قدرتها على الإمساك بخيوط وتشابكات الوضع الفلسطيني.([60])

في حين تدرك حماس أن مصر ليست اسماً أو رقماً أو جغرافيا فقط، وليست طارئة، بل ضرورة قومية للفلسطينيين، ومع ذلك فقد وصلت علاقتهما في عدد من المحطات السياسية لحالة من "الفتور الساخن"، وهي حالة ليست عابرة في مسار علاقاتهما، لأن محطات العلاقة بينهما جاءت باهتة في غالب الأحوال، ويرافقها دوماً تبادل للشك والريبة، وفقدان للثقة المتبادلة، وبدا التأرجح المتواصل فيها متصلاً دائماً.

ولأن مصر تدرك بأن أمنها القومي يمتد إلى قطاع غزة حيث يتنامى مشروع إسلامي "مبهم" من الوجهة المصرية، وأن الوصول هناك يفترض بالضرورة وجود علاقة مباشرة مع حماس، حتى ولو وصلت التباينات معها درجة كبيرة، فإن حماس تؤكد على لسان نائب رئيس مكتبها السياسي د. موسى أبو مرزوق أن العلاقات بمصر لن تحكمها ظروف مؤقتة راهنة، لأنها أكبر من ذلك بكثير.([61])

ولذلك تميزت مواقف حماس في التعاطي مع مصر بالمرونة والديناميكية، والحرص على سلاستها، حتى في أسوأ الظروف التي عاشها الفلسطينيون في قطاع غزة إبان الحرب الإسرائيلية، وسعت لتوظيف العديد من نقاط التقاطع لطمأنة مصر، وإظهار روح المسؤولية تجاه المصالح الفلسطينية والمصرية، في حين سعت القاهرة بشكل منهجي حذر لمحاولة ضبط إيقاع عمل حماس، وإبقاء هامش من العلاقة يُمكّنُ من التأثير عليها، وتطويره إلى شكل من أشكال الاستيعاب و"الترويض"، ولذلك حرصت على المحافظة على علاقات جيدة مع الحركة.([62])

ومع توالي فرض حماس للوقائع السياسية في الأراضي الفلسطينية، انعكس ذلك إيجاباً في القاهرة، ومنحها مكانة ذات اعتبار لم تحصلها في الماضي، فمندوبوها تلقوا الدعوات مرات عديدة لمحادثات فيها، وهي مكانة لم تحظ بها جماعات إسلامية كبيرة كالإخوان المسلمين.([63])

علماً بأن علاقة مصر بحماس ارتكزت على مجموعة من العوامل لضبط إيقاعها، منها:

أ- النظر للقضية الفلسطينية من خلال دورها الإقليمي والعربي.

ب- الالتزام بمسار التسوية، الذي أدى لاختلال موازين القوى لصالح "إسرائيل".

ت- عدم الراحة للتعامل مع تنظيم ينتمي للإخوان المسلمين، لكنها مضطرة لذلك لقوة أدائها، واتساع شعبيتها.

ث- إدراك رغبة "إسرائيل" بإلقاء تبعات إدارة قطاع غزة على كاهل مصر، وما يشكله ذلك من خطر على الدولة الفلسطينية المقبلة.

ج- مهما كان الخلاف مستحكماً بين حماس ومصر، فإن إمكاناتها البشرية والمادية الهائلة يبقيها ذخراً للقضية الفلسطينية، ومظلة مقبولة لا يمكن الاستغناء عنها في ضبط نسق العلاقات الفلسطينية الداخلية.([64])

2- العلاقة مع سوريا

محكمة12....jpg
 

لعبت عدة عوامل دوراً أساسياً في تطوّر واستمرار علاقة الطرفين، أهمها:

  1. وجود قواسم مشتركة بينهما، كعدم الاعتراف بـ"ـإسرائيل"،
  2. التوافق حول نهج المقاومة كخيار استراتيجي، وحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ورفض وصفها بالإرهاب،
  3. رفض سوريا المشاركة بمؤتمر شرم الشيخ المنعقد في آذار/مارس 1996، وحضرته أكثر من ثلاثين دولة، وأطلق حملة دولية ضد المقاومة الفلسطينية.

وقامت دمشق عام 1995 باستقبال د. موسى أبو مرزوق، رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، والمهندس عماد العلمي عضو المكتب السياسي بعد طردهما من الأردن، وكررت ذلك عام 1999 حين استقبلت أربعة من قادة الحركة وعلى رأسهم خالد مشعل؛ رئيس المكتب السياسي، بعدما أبعدتهم السلطات الأردنية، فيما ساهم سلوك حماس بتعزيز العلاقات معها، حيث اعتمدت الشفافية والمصداقية معها، ولم تتدخل في شؤونها الداخلية، أو تهاجمها حين أجرت مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل"، لكنها أعلنت موقفها الرافض بوضوح لها، وربما ما ساعد على تنامي العلاقة بينهما، أن سوريا لم تمارس ضغطاً على حماس للاعتراف بـ"إسرائيل".([65])

وقد عبر خالد مشعل أواخر العام 2005 عن علاقة الحركة بسوريا بقوله أنها تملك حلفاء أقوياء، بعد الإدراك أنّ الدافع الحقيقيّ للسياسة الأمريكية تجاهها هو معاقبتها على مواقفها القومية المناهضة للسياسة الأمريكية والصهيونية في فلسطين ولبنان والعراق، والرغبة بتطويع الموقف السوري ليسير في الفلك الأمريكي، والخضوع لبرنامجه وأولوياته في المنطقة، مشيراً إلى أن قوى المقاومة في المنطقة، فلسطين ولبنان والعراق مع سوريا، تقف بجانبها في خندق المقاومة والصمود والممانعة، وهي ليست وحدها بمواجهة هذه المعركة، بل نحن جميعاً معها، ولن نسمح لأحدٍ بالاستفراد بها، ولا بأيّ طرفٍ من أطراف جبهة المقاومة والممانعة الممتدة.([66])

وبعد تجاوز حماس لمجموعة من الإشكاليات في العلاقة مع سوريا، أهمها أنها حركة إسلامية ذات امتداد لجماعة الإخوان المسلمين التي خاضت صراعاً دموياً مع النظام السوري بداية الثمانينيات، أخذت مظاهر تزايد تحالفها مع دمشق مظاهر شتى، ومؤشرات عديدة، منها:

    • تحول سوريا لتصبح المقر شبه الدائم لقيادة حماس، عقب ترحيلها من الأردن،
    • الترحيب بفوز حماس في الانتخابات التشريعية، واعتبار الرئيس بشار الأسد "أن انتصارها سيخفف الضغوط على سوريا"،
    • استقبالها لعدد من مسئولي ووزراء حكومة حماس في قطاع غزة، أبرزهم رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وزيري الداخلية والخارجية سعيد صيام ومحمود الزهار،
    • وعدها بتقديم الدعم المالي واللوجستي للحكومة الفلسطينية، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، ودخول حاملي جوازات سفر السلطة الفلسطينية إلى أراضيها، وإدخال 400 فلسطيني عالقين على الحدود السورية العراقية إلى حدودها.([67])

وقد انقسم المراقبون في توصيف علاقة حماس بسوريا على النحو التالي:

أ- علاقة التبعية والارتهان، ولعل ما يريح حماس ونهجها السياسي تجاه علاقتها بسوريا، إدراكها واقتناعها بأن هذه الاتهامات تستند لأدلة غير منطقية، وتقوم على اتهامات باطلة، ويراد من خلالها إظهار تبعيتها لجهات خارجية لنفي الصفة الوطنية عنها، والزعم بأنها تابعة للنظام السوري، كجزء من خطة لتشويه سمعتها، وهو ما دفع بممثلها السابق في دمشق عماد العلمي للقول: "رؤيا حماس واضحة، الموقف الدولي المعارض لها ليس بسبب علاقاتها بسوريا، بل لرفضها الاعتراف بـ"إسرائيل"، ورفضها الاتفاقيات الموقعة معها، وتمسكها بمسيرتها الجهادية، وعرقلتها لاتفاق أوسلو وخارطة الطريق".

ب- وضعهما في خانة واحدة كحلف سياسي استراتيجي، ففي حين وجدت حماس في سوريا حاضنة جغرافية سياسية حين عزت عليها العواصم، فإن الأخيرة استفادت من علاقتها الوثيقة بها، لأنها أظهرت اهتمامها بالقضية الفلسطينية من منطلقات قومية ووطنية، وحصدت مكاسب شعبية وعربية وإسلامية كثيرة بدعمها لها، وازداد حجمها في المجتمع الدولي من خلال مصالحها الحيوية التي تمتد إلى دول الجوار كفلسطين.

وفي إطار صراعها مع "إسرائيل"، استفادت سوريا من دعم حماس، بتعزيز وضعها السياسي في مواجهة الأطماع والتهديدات الإسرائيلية، بما ينسجم مع موقعها الجيوسياسي وتاريخها.([68])

ج- علاقتهما إستراتيجية على قاعدة الموضوعية، وتبادل المصالح، والتوازنات القائمة على قواسم مشتركة.

وللتدليل على التوصيف الأخير، هناك تباينات جوهرية في مواقف حماس وسوريا، منها:

1- تعارض الحركة النهج السوري القائم على أن السلام مع "إسرائيل" خيار استراتيجي، وقبولها بالاعتراف بها، وتوقيع اتفاقية سلام معها، وقبولها بدولة فلسطينية نهائية على حدود عام 1967، ضمن الرؤية العربية الرسمية للصراع، لكن رؤية حماس تذهب إلى أن إنهاء الصراع يكون بعد تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.

2- لم تعترف حماس حتى اليوم بالمبادرة العربية للسلام التي أقرت في القمة العربية في بيروت في آذار/مارس عام 2002، وهذا مخالف للرأي السوري الذي يتبنى الموقف العربي، وصولاً إلى اجتماع أنابوليس في الولايات المتحدة نهاية عام 2007.

3- تعارضت وجهتا نظر حماس وسوريا في الموقف من الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث شاركت الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية في حلف واحد، حين جاءت الأساطيل الأمريكية لضرب الجيش العراقي، رغم معارضة الحركة للاحتلال العراقي للكويت، لكن موقفها هذا ناشئ من حرصها على مقدرات الأمّة، وتجنيب العرب الخلافات الداخلية.

4- تباينت مواقف الطرفين حول الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، فقد اعتبرت الأولى أنه إضعاف للأمّة، واستهداف للمنطقة، ركز السوريون على إزالة خطر الرئيس العراقي صدام حسين، عدو دمشق التاريخي في المنطقة.([69])

وهو ما دفع بالباحثة الإسرائيلية د."عنات كورتس" للقول: "حماس قبل كل شيء حركة وطنية وفلسطينية، وأي اقتراب مبالغ فيه مع سوريا يمكن أن يُفقدها موقعها الثابت على الساحة السياسية الفلسطينية"، فيما يشكك رجل الاستخبارات الإسرائيلية السابق "عاموس غلبوع" بتبعيتها لسوريا قائلاَ: "حماس حافظت على استقلالها، وبرنامج عملها خالف برنامج سوريا مخالفة تامة".([70])

في المقابل، فقد اضطرت سوريا لدفع أثمان باهظة لعلاقتها مع حماس، على النحو التالي:

    • بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر/أيلول 2000، واتساع دائرة العمليات الاستشهادية التي نفذتها قوى المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطيني المحتلة عام 1948، وعلى رأسها حماس، تصاعدت التهديدات الإسرائيلية لسوريا، وحملتها مسؤولية إيواء قادة المنظمات الفلسطينية، والترويج بأن أوامر تنفيذ عمليات المقاومة تصدر منها.
    • في رسائل واضحة للضغط عليها، نفذت "إسرائيل" تهديداتها المباشرة بشن غارات على سوريا، رداً على ما تقدّمه من دعم وحماية لحركة حماس، كما اغتالت عز الدين الشيخ خليل؛ أحد المسئولين العسكريين الأساسيين فيها.
    • تصاعدت التهديدات والضغوط الأمريكية والأوروبية على سوريا، ففي شهر أيار/مايو 2003 زارها وزير الخارجية الأمريكية آنذاك "كولين باول"، وطلب إغلاق مكاتب حماس.
    • صدر أكثر من قرار دولي بمقاطعة سوريا إثر عدة قضايا، منها دعم حماس، ووجهت وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندوليزا رايس" انتقادات لها، واعتبرت أنها "ليست مشكلة للعراق فقط، بل أيضاً للبنان وللأراضي الفلسطينية"، وشددت لهجتها التحذيرية ضدها، ودعتها لوقف دعمها للمسلحين الإسلاميين الذين يريدون "تدمير عملية السلام" في الشرق الأوسط، إذا رغبت في تجنّب أن تصبح معزولة.([71])

ومع ازدياد توتر علاقة حماس وسوريا من جهة، بالولايات المتحدة، وارتفاع التهديدات الإسرائيلية من جهة أخرى بشنّ حرب جديدة في المنطقة، واتساع سياسة الحصار والعزل المفروضة عليهما، سيجد الطرفان بأن مصلحتهما تبقى بالتفاهم والتعاون والتنسيق، وتبادل المصالح، مع انعدام أي إشارة في الأفق لأي تحوّل غربي على الأقل تجاه سوريا.([72])

كما تشير المعطيات المتوفرة إلى أن بقاء علاقة حماس بسوريا على ما هي عليه اليوم من أهمية وتبادل مصالح، لا توجد في الأفق إشارات لتراجعها، أو فتورها، إلى ما قبل اندلاع الأحداث الداخلية في سوريا في الربع الأول من عام 2011، لأنهما يدركان أهمية العلاقة ومكانتها، وهما حريصان في الوقت نفسه على عدم السماح لأي تباين في المواقف، أو اختلاف في وجهات النظر يمكن أن ينعكس سلباً عليها.

3- العلاقة مع الأردن([73])

محكمة12...........jpg
 

يعتبر الأردن أكثر الدول العربية عرضة لتقلبات القضية الفلسطينية، والضغوط الإسرائيلية والأمريكية، خاصة بعد أن ضاقت المسافة بين القرار الأردني والتصور الأمريكي للأمور، لكن سياسته تجاه حماس عكست في أغلب الأحوال ميزان القوى في المنطقة العربية، وفي حال وجد أن المواقف المصرية والسعودية والسورية، أظهرت تماسكاً في وجه الضغوط الأمريكية، فمن الصعب أن يخرج بسياسة منفردة، كما لعب التيار الإسلامي فيه ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين دوراً بارزاً في حماية حماس ومواقفها السياسية، قبل القرار التاريخي بطرد الحركة من البلاد.([74])

لكن التطور التاريخي الأبرز في علاقة الجانبين، ما حصل مع خالد مشعل عام 1997، عندما حاولت "إسرائيل" تسميمه لاتهامه بالتورط في نشاطات معادية ضدها، حيث هدّدها الأردن زمن الملك حسين بقطع علاقاته معها، مما دفعها لتوفير العلاج اللازم لإنقاذ حياته، وأطلقت سراح زعيم الحركة الشيخ أحمد ياسين مقابل الإفراج عن عميلي الموساد اللذين حاولا تسميم مشعل، وعودتهما لـ"إسرائيل".([75])

وبعيداً عن الغوص في تفاصيل التطورات التاريخية، وحالات التوتر وشبه القطيعة التي أحاطت بعلاقة الطرفين، فإن حماس لم تكن الوحيدة المستفيدة من شكل العلاقة السابق مع الحكومة الأردنية، لأن الأخيرة استفادت أيضاً منها، وبالتالي ليس من مصلحتها أن تفرط بكل ما حققته من علاقتها معها.([76])

في ذات الوقت، هناك جملة من الكوابح والعوائق التي قد تعترض عودة العلاقات الأردنية الحمساوية إلى سابق عهدها، ومنها:

أ- رعاية الأردن لعملية السلام، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي جاءت بإيعاز أميركي، بهدف إعطائه دوراً إقليمياً، في ظل انشغال مصر "ما بعد مبارك" بترتيب أوراقها الداخلية، رغم نجاحها في ترتيب صفقة تبادل الأسرى بين "إسرائيل" وحماس.

ب- محاولة احتواء حماس وفقاً للظروف الجديدة في المنطقة، في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وتحديداً لمرحلة ما بعد النظام السوري الذي احتضنها طويلا، في ضوء رهانات أمريكية وإقليمية على أنها بفقدها للتحالف مع دمشق، قد تنخرط في عملية السلام.

ج- حالة الدفء في العلاقة الأردنية مع السلطة الفلسطينية تشير لعمق انخراط عمان في ترتيب المشهد الفلسطيني، حيث تريد حماس "ورقة" بمعركتها ضد الطرح الإسرائيلي بخصوص الوطن البديل، ومواجهة الصعود الإسلامي في الداخل، وكلها حسابات تجعلها حريصة على فتح صفحة جديدة معها،فيما هي تتعامل معها بمنطق الحسابات والمصالح.([77])

ولم تكف أصوات أردنية وفلسطينية في الحديث عن إعادة العلاقة بين الأردن وحماس من بوابة إستراتيجية تفرضها مصالحهما، في ضوء المستجدات الضاغطة, ومن أهمها:

  1. تطورات الربيع العربي،
  2. الحضور التركي القوي والمؤثّر في المنطقة,
  3. فشل مسار التسوية والسلام، وازدياد التعنت الإسرائيلي,([78])
  4. ظهور تغيير ملحوظ في موازين القوى الإقليمية المؤثرة في الشرق الأوسط, والآثار الناجمة عن الأوضاع الاقتصاديّة العالميّة,
  5. وجود حماس كقوة سياسية ذات حضور شعبي كبير في الضفة الغربية وقطاع غزة, وما كرّسته كقوة حاكمة في قطاع غزة لمدة خمس سنوات,
  6. الأزمة المتعاظمة في صفوف حركة فتح, وتراجع قوتها, وضعف تأثيرها في غزة.([79])

وما يزيد من أهمية العلاقة بين الأردن وحماس، عدم قدرتهما على بناء إستراتيجية منفردة للتعامل مع القضية الفلسطينية بعيداً عن الطرف الآخر, ودون توافق على قواسم مشتركة, ولذلك فليس من مصلحة الأردن التعامل بسياسة التهميش أو العداء مع حماس, خاصة مع وجود الكثير من القواسم المشتركة الثنائية.

وبالتالي فإن الإبقاء على حالة القطيعة بينهما المستمرة منذ 1999, يعدّ أمراً مضراً بالمصالح الأردنية العليا، والقضية الفلسطينية معاً، مع العلم أن طبيعة برنامج حماس السياسي، ورؤيتها للصراع مع "إسرائيل" تحقق مصالح الأردن العليا برفض الوطن البديل و"الترانسفير"، والحلول التي تأتي على حسابه ومصالحه الإستراتيجية، وتشكل تهديداً لمستقبله ومكونات استقراره والنظام فيه، كما تسهم عودة العلاقة معها بخدمة الأهداف السياسية والأمنية الأردنية.([80])

في المقابل، تتمتع حماس بشعبية كبيرة في أوساط الأردنيين, والنظام معني بتفهم ومسايرة التوجهات الشعبية لديهم, فيما لم يسبق لها تاريخياً أن تصارعت الحركة مع الأردن، أو فيه، أو تدخلت بشؤونه الداخلية، مع بعض الملاحظات, التي لا تتجاوز سوء الفهم، ويمكن تجاوزها.

مع العلم أن طبيعة العلاقة المستقبلية بين الأردن وحماس يمكن أن تنحى نحو واحد من السيناريوهات التالية:

1- ترسيم علاقة إستراتيجية: بما يحقق مصالحهما الإستراتيجية ويخدمها، وهناك ثمة عوامل يعتمد عليها هذا السيناريو, أهمها:

  • قدرة حماس على المحافظة على استقرار فلسطينيي الأردن، والإبقاء على مكانتها في تمثيلهم داخله,
  • إحداث اختراقات في علاقاتها الدولية والعربية لصالح برنامجها, وتغيير المنظار القديم للأردن; الذي يرى حماس من زوايا غير إيجابية,
  • دوافع النسبية لانفتاح الطرفين, وجدية الحوار بينهما بالتقدم نحو علاقات مستقرة, وتجاوز صغائر الأخطاء، وتعظيم المصالح العليا.([81])

2- التوصل لتفاهمات مرحليّة: بما يشكل سقفاً متدنياً لحجم وطبيعة ونمط العلاقة الناظمة بينهما, ضمن المعطيات والمتغيرات السياسية، في ضوء التقاطعات المشتركة في رؤيتهما السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بموضوعي الوطن البديل وحق العودة.

3- تواصل حول المصالح: وهو الحد الأدنى المعقول من العلاقة بينهما، لإقامة حوار وتواصل مشترك، وتشاور حول القضايا التي تهمهما.

4- البعد عن الخلافات: ويقوم على الاحترام والبعد عن الخلافات لطرفين يمكن أن تربط بينهما مصالح متعددة, فلا أقلّ من الحفاظ على علاقة تحترم الآخر, وتفهم قراراته, والإبقاء على نهجٍ يراوح بين التفهم والاحترام, وتجنب الاحتكاك والصدام, أو الدخول في محاور، وإقامة علاقات تضر بمصالح الطرف الآخر, أو الانحياز لصالح جهة ترتبط بعلاقة تنافسية أو خلافية مع الآخر; كدعم الأردن لحركة فتح وقيادة السلطة والمنظمة.

5- الفشل والعداء: وهو من أخطر التوجهات التي يمكن انتهاجها; لأنه يغيّب تطوير المصالح العليا, ويخشى أن يشجع الطرفين على الذهاب للخيار الأسوأ, وهو حالة التربص والخصومة، لأنها تعني وصفة لعلاقة قامت ردحاً من الزمن، وكانت عنوان العلاقة الحاكمة بينهما، رغم وجود قناعات أردنية تؤكد أنه ليس من مصلحة عمان، وسمعتها، واستقرارها الداخلي، أن تذهب بعيداً في مقاطعتها لحركة تحرر وطني كحماس، بما تلاقيه من احترام وتأييد وشعبية لدى القوى العربية والإسلامية والشعب الأردني والفلسطيني.([82])

وربما ساهمت التطورات الإقليمية والعربية المتلاحقة باسترخاء صانع القرار الأردني قليلاً، وتشجيعه على إقامة نوع من الاتصال مع حماس، وهو ما دفع بمصادر أمنية وسياسية إسرائيلية للإعراب عن خشيتها من هذه الخطوة، بعد بحث الطرفين في إعادة العلاقات بينهما لمسارها الطبيعي.

وللتأكيد على هذا الموقف الراسخ، يرى رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل أن الأردن وفلسطين في الخندق نفسه، وقد آن أوان تنسيق المواجهة ضد "إسرائيل".([83])

4- حماس ولبنان

محكمة12.............jpg

 

 شهدت الأراضي اللبنانية خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حرباً أهلية طاحنة، بين مختلف الطوائف اللبنانية، تورط الفلسطينيون فيها لأسباب كثيرة، مما جعل حماس في علاقاتها اللبنانية حذرة ومتنبهة من استدراجها في الكثير من مفاصل الأزمات اللبنانية الداخلية، التي تبدأ ولا تنتهي.

وجاء الوجود الرسمي للحركة في لبنان مبكراً، مع أواخر العقد الثامن من القرن الماضي، وتحديداً عام 1989، حين أبعدت "إسرائيل" عددا من قادتها إلى الجنوب اللبناني، واختلطوا بالفلسطينيين المقيمين هناك، ونسجوا علاقات متينة مع مختلف القوى الفلسطينية واللبنانية.

وما لبث أن أبعدت "إسرائيل" هناك أكثر من 400 من قيادات الحركة منتصف ديسمبر كانون أول 1992، وفي حين عاد الجزء الأكبر منهم إلى الأراضي المحتلة، بقي عدد منهم هناك، وبدأت إقامة البنية التحتية التنظيمية للحركة، واستقطاب الفلسطينيين اللبنانيين، وتمكنت من إقامة علاقات أقل ما يقال أنها "مرضية" مع القوى اللبنانية على اختلاف انتماءاتها الفكرية والسياسية والمذهبية، وتركزت لقاءاتها مع ممثلي الحكومة اللبنانية والقوى السياسية على ملفات هامة:

  1. حماية حق العودة للاجئين الفلسطينيين في لبنان،
  2. الحرص على الأمن والسلم والاستقرار في لبنان،
  3. مستقبل السلاح الفلسطيني عبر تفاهم فلسطيني لبناني، في إطار سياسي متكامل.([84])

وتمكنت حماس في لبنان، حيث عادة ما يبلغ الصراع الداخلي ذروته في الكثير من الأحيان، نظراً للتباينات الطائفية، والحساسيات المذهبية، من البقاء على مسافة واحدة من أطرافه، وإن أعلنت بوضوح أنها مع مشروع المقاومة لمواجهة المخطط الأمريكي – الإسرائيلي للمنطقة، وأبقت خطوط الاتصال والتواصل مفتوحة مع المعارضة والحكومة على حد سواء، وأسهمت بتحصين الساحة الداخلية من نزاع لبناني – فلسطيني قد يشكل تهديداً حقيقياً للسلم الأهلي في البلد.([85])

كما خطت حماس في لبنان خطوة جادة ومسئولة في حمل مطالب اللاجئين الفلسطينيين فيه، ونقل معاناتهم للحكومة اللبنانية، عبر حرصها على إنجاح عمل لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، لخدمة العلاقة بين الشعبين، ودعم حقوق اللاجئين، وإقرارها، وإصدار قوانين تسمح للاجئين بحقّ التملّك والعمل، وتذكير الحكومة بمسؤوليتها عن مخيم نهر البارد، وتوفيرها المبالغ اللازمة لاستكمال عملية إعماره، وإزالة الحالة العسكرية والأمنية من محيطه، واعتراف الدولة اللبنانية بالأوراق الرسمية والوثائق المصادرة عن السلطة الفلسطينية، بما يسهل على اللاجئين في لبنان تسجيل الولادات والوفيات، وتسهيل إقامة زوجاتهم أو أولادهم المولودين في مناطقها.([86])

  • الخاتمة

لم تنشغل الدراسة بسرد تاريخ علاقات حماس العربية، وتطوراتها على مدى السنوات الماضية، لكنها سلطت الضوء على أسسها، وتقييم مستقبلها، لاسيما بعد انتقال حماس من موقع المعارضة في النظام السياسي الفلسطيني، إلى إدارة السلطة، ولو على جزء من الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة.

وأكدت الدراسة أن الحركة عبرت عن رؤيتها لطبيعة علاقاتها مع الأطراف العربية الرسمية، والقوى الشعبية، وأوضحت أساس بنائها لها، وسعيها لإقامة علاقات طيبة وقوية وسليمة مع جميع الأطراف، آملة منها أن تقف مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وفي ذات الوقت تحرص على عدم التدخل في أي شأن من شئونها، وتسعى لتوطيد العلاقات مع كل الدوائر الهامة والفاعلة تجاه القضية الفلسطينية، دون أن تضطر لدفع أثمان لها كالتخلي عن الثوابت والأفكار والمبادئ والحقوق.

 

* الهوامش

1) ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، 18/8/1989، بلا ناشر أو مكان نشر، المادة 15 منه.

2) المرجع السابق، المادة 28.

3) المرجع السابق، المادة 29.

4) أحمد فهمي، لماذا يكرهون حماس؟ (الرياض، مجلة البيان، 2009)، ص19.

5) وثيقة داخلية لحركة حماس بعنوان: سياسة الحركة المرحلية في العلاقات السياسية، 1995، ص15.

6) سمير سعيد، حركة المقاومة الإسلامية حماس، (المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، 2002)، ص19.

7) خالد الحروب، الوطنية والإسلاموية في فلسطين: وحدة أو الانقسام؟ جريدة الحياة، لندن، 3/10/2009.

8) زكي شهاب، حماس من الداخل، (بيروت، الدار العربية للعلوم، 2008)، ص187.

9) عدنان أبو عامر، الحركة الإسلامية في قطاع غزة بين الدعوة والسياسة، (القاهرة، مركز الإعلام العربي، 2006)، ص75.

10) خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية، الدوحة، 5/3/2006.

11) إياد البرغوثي، الإسلام السياسي في فلسطين ما وراء السياسة، (القدس، مركز القدس للإعلام والاتصال، 2000)، ص65.

12) جواد الحمد وآخرون، دراسة في الفكر السياسي لحركة حماس، (عمان، مركز دراسات الشرق الأوسط، 1997)، ص225.

13) أحمد فهمي، مرجع سابق، ص24.

14) خالد الحروب، حماس..الفكر والممارسة السياسية، (بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996)، ص154.

15) عبد الستار قاسم، الفكر السياسي لحركة حماس، (نابلس، مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، 1995)، ص56.

16) خالد الحروب، مرجع سابق، ص159.

17) جواد الحمد، مرجع سابق، ص229.

18) غسان شربل، حركة حماس وتحرير فلسطين، (بيروت، دار النهار، 2006)، ص65.

19) جواد الحمد، مرجع سابق، ص235.

20) خالد فياض، حركة حماس ومستقبل التطورات السياسية في فلسطين، (الرياض، وزارة الإعلام، 2007)، ص15.

21) تركي الدخيل، حركة حماس، (دبي، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2008)، ص67.

22) المرجع السابق، ص76.

23) زكي شهاب، مرجع سابق، ص187.

24) جريدة المستقبل، بيروت، 25/10/ 2005.

25) صحيفة الغد الأردنية، 1/3/2008.

26) تركي الدخيل، مرجع سابق، ص78.

27) ياسر قدورة، علاقات حماس في الإقليم العربي، (بيروت، مجلة فلسطين المسلمة، ديسمبر 2007)، ص28.

28) عماد الفالوجي، درب الأشواك: حماس- الانتفاضة- السلطة، (رام الله، دار الشروق للنشر والتوزيع، 2002)، ص70.

29) ناهض زقوت، خبرات الحركة السياسية الفلسطينية في القرن العشرين، (غزة، المركز القومي للدراسات والتوثيق، 2000)، ص422. ويمكن القول أن حرب الخليج الثانية 1991 أثرت على مجمل الأداء السياسي للحركات الإسلامية العربية، ومنها حماس، فقد رأت في غزو العراق للكويت أمراَ مستنكراً شائناً، لكن غزو قوات أجنبية لبلد عربي أمر لا يمكن السكوت عنه، وقد تم تفصيل الموقف في كتاب: الحركة الإسلامية في ظل أزمة الخليج، بمشاركة 25 من قادة الحركات الإسلامية، إصدار المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث، شيكاغو، 1991.

30) صحيفة الاتحاد، أبو ظبي، 1/3/ 2006.

31) جواد الحمد، مرجع سابق، ص287.

32) فهمي هويدي، فتش عن المؤامرة في توتير علاقة حماس بالدول العربية، جريدة الخليج، أبو ظبي، 6/2/2006.

33) إياد البرغوثي، الأسلمة والسياسة في الأراضي المحتلة، (رام الله، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، 2003)، ص42.

34) فيصل دراج وجمال باروت،الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية،(بيروت،المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، 2000)، ص235.

35) الحروب، مرجع سابق، ص171.

36) محمد جمعة، حماس والدائرة العربية، (بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2008)، فصل من كتاب قراءات نقدية في تجربة حماس في الحكم، ص84.

37)  بشير نافع، اتفاق مكة.. مؤشر على القدرات الذاتية للسياسة العربية، جريدة القدس العربي، لندن، 15/2/2007.

38) علي الجرباوي، حماس: مدخل الإخوان المسلمين للشرعية السياسية، (بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1993)، ص72.

39) بشير نافع، مرجع سابق.

40) محمد السعيد إدريس، حماس والعرب والطريق الخامس، صحيفة الخليج، أبو ظبي، 1/7/2007.

41) خالد الحروب، مرجع سابق، ص166.

42) علي الجرباوي, موقف الحركات الإسلامية الفلسطينية من الاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي, المستقبل العربي, فبراير 1994, ص 53.

43) محمد جمعة ، مرجع سابق، ص85.

44) عدنان أبو عامر، مرجع سابق.

45) شاؤول مشعال وأفرايم سيلا، حماس الفلسطينية: الرؤية والعنف والتعايش، (كولومبيا، جامعة كولومبيا، 2000)، ص143.

46) موجز البرنامج الانتخابي لحركة حماس:

http://www.islah.ps/new/index.php?page=viewThread&id=128

47) رأفت مرة، حماس وإيران وسوريا..مصالح في مناخات متوترة، فصل في كتاب مركز المسبار، مرجع سابق، ص67.

48) كان هذا الأمر صحيحاً إلى فترة أوائل العام 2000، حين استقرت حماس في سوريا، وأقامت هناك هيكليات تنظيمية وقواعد حركية، اقتربت من الوصول إلى تنظيم قائم بذاته يشمل الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، مما شكل عليها عبئاً كبيراً، أمنياً ومالياً.

49) صبري حجير، أهداف العلاقات العربية مع حركة حماس وتوظيفاتها، العربية للصحافة، 14/2/2006.

50) ميثاق حماس، مرجع سابق.

51) فيصل دراج، مرجع سابق، ص237.

52) يمكن الحديث بكثير من التفصيل والإسهاب عن موقف حماس من أحداث الربيع العربي، والتزامها الصمت تجاهها، رغم ما كلفها ذلك من انتقادات من كلا الجانبين، الشعوب والأنظمة، لكنها أدركت أن الإفصاح عن موقف صريح واضح قد تكون كلفته أكبر وثمنه أفدح.

53) عبد الستار قاسم، حماس والدوران في فلك الأنظمة العربية، إسلام أون لاين، 18/3/2007. على الرابط التالي:

http://ww2.onislam.net/arabic/newsanalysis/analysis-opinions/palestine/89083-2007-03-18%2016-57-23.html

54) عبد إلاله بلقزيز، وهن في علاقة القرار الفلسطيني بالمضيّ في الوضع العربي، 14/3/2009، على الرابط التالي:

http://infobelkzizabdelillah.over-blog.com/article-29272926.html

55) مجلة القدس، (القاهرة، مركز الإعلام العربي، أبريل 2004)، ص16.

56) خالد الحروب، مرجع سابق، ص194.

57) أصدرت حماس العديد من البيانات الموجهة للمستوى الشعبي العربي، منها: بيان ضد العقوبات على ليبيا عام 1992، وآخر تعزية للشعب المصري في ذات العام عقب الزلزال الذي ضرب مصر، وبيانات أخرى تجاه العديد من المشكلات والقضايا والأزمات التي تعرض لها الشعب العراقي عام 2006.

58) د. عدنان ملحم، حماس: قراءة في أدواتها التنظيمية والفكرية والسياسية، جريدة الأيام، رام الله، 21/2/2006.

59) رأفت مرة، مرجع سابق.

60)  د. حسن نافعة، مصر وحماس.. والحاجة لصياغة جديدة لأسس العلاقة، صحيفة الحياة، لندن، 27/12/2006.

61) علي بدوان، مصر وحماس والتباسات العلاقة بينهما، 6/11/2009، على الرابط التالي:

http://www.arrasid.com/index.php/main/index/10/9/contents

62) د. محسن صالح، مصر وحماس.. طبيعة العلاقة ومسارها، الجزيرة نت، 15/1/2009، على الرابط التالي:

 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B4CB7A98-CB61-44C3-A2AE-465AEC8EAC13.htm

63) ديفيد سكاينكر، تدهور العلاقات بين مصر وحماس، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، 10/1/2009.

64) تقرير معلوماتي حول علاقة مصر وحماس، (بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2009) ص45.

65) ماثيو ليفيت، حماس: السياسة والعمل الخيري والإرهاب في خدمة الجهاد، جامعة ييل للنشر، بدون تاريخ، ص136.

66) رضوان السيد، حماس والعرب والمستقبل، صحيفة المستقبل، بيروت، 3/2/2006.

67) رأفت مرة، مرجع سابق.

68) سلمان سلمان، العلاقة الحائرة بين حماس وسوريا، موقع الركن الأخضر، 9/9/2011، على الرابط التالي: http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=23837

69) شاكر الجوهري، ماذا يقف خلف تطورات علاقات دمشق بواشنطن؟ 17/9/2006، موقع الصفصاف على الرابط التالي:

http://www.safsaf.org/01-09-06news/articels+news/shakerjuhari.htm

70) صحيفة هآرتس، تل أبيب، 22/12/2009.

71) جميل النمري، مبادرة إنسانية تفتح نافذة سياسية.. لم لا؟ صحيفة الغد، عمان، 25/7/2011.

72) علاقة حماس بسوريا..لماذا؟ 3/2/2003، شبكة فلسطين للحوار، على الرابط التالي:

http://www.paldf.net/forum/showthread.php?t=7423

73) لعل كتاب "اقتل خالد" للصحافي الكندي "بول ماغوو" قام بتشخيص غير مسبوق لعلاقة الأردن بحماس، لاسيما حين تناول محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان، (بيروت، الدار العربية للنشر والعلوم، 2009) ص181-199.

74) محمد خالد الأزعر، حماس والعرب.. علاقة على حد السيف، صحيفة البيان، أبو ظبي،30/06/2007.

75) أحمد منصور, الشيخ أحمد ياسين شاهد على عصر الانتفاضة, (القاهرة, المكتب المصري الحديث, 2004)، وقد أُذيعت حلقات الكتاب على قناة الجزيرة، خلال شهري أبريل ومايو عام 1999، والحلقات الثمانية متوفرة على الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3FFE7011-6735-40DB-968A-8FBF2B78C4BE

76) خالد ذويب، العلاقة بين حركة حماس والأردن 1987 – 2007، رسالة ماجستير غير منشورة، (جامعة الخليل, 2010) ص142.

77) عمر كايد، حماس والأردن.. جدل الحسابات والمصالح، موقع إيلاف الإخباري، 15/1/2012، على الرابط التالي: http://www.elaph.com/Web/opinion/2012/1/709371.html

78) منذ صدور الميثاق عام 1988 وحتى كتابة هذه السطور 2012، لم يختلف موقف حماس كثيراً في رفض الحلول السلمية رغم المطالب المتعددة من جميع الأطراف بضرورة ذلك، وفيما يخص المفاوضات مع إسرائيل، فهي ما زالت ترفضها، وإن انتقلت في موقفها من البعد المبدئي والديني والأيديولوجي إلى عدم الجدوى السياسية. ثابت العمور، مستقبل المقاومة الإسلامية في فلسطين.. حماس نموذجاً، رسالة ماجستير منشورة، (القاهرة، مركز الإعلام العربي، 2009)، ص220.

79) رامي ملحم، نحو علاقة إستراتيجية بين الأردن وحماس ..دراسة استشرافيّة، العرب اليوم، عمان، 30/10/2011.

80) محطات في تاريخ العلاقة بين حماس والأردن، الجزيرة نت، 14/6/2001، على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/news/archive/archive?ArchiveId=10346

81) مهند المبيضين، الحوار مع حماس وراهنية التغيير، جريدة الغد، عمان، 25/7/2011.

82) محمد أبو رمان، الأزمة بين الأردن وحماس.. أبعادها وتداعياتها، الجزيرة نت، 25/4/2006، على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/00548C78-FD89-42C7-9C4D-A0356F3401E6.htm

83) جريدة الخليج، أبو ظبي، 27/10/2006.

84) لقاء صحفي مع أسامة حمدان، ممثل حركة حماس في لبنان، بتاريخ 8/10/2010، على المركز الفلسطيني للإعلام:

http://www.palestine-info.info/arabic/hamas/hewar/2005/7amdan05.htm

85) جريدة الحياة، لندن، 26/10/2006.

86) مجلة العودة، بيروت، يناير 2012، ص24.