العلاقات السياسية الإقليمية والدولية لحركة حماس وأثرها على اندماجها في النظام السياسي الفلسطيني

  • الأربعاء 17 يناير 2018 12:23 ص

 

العلاقات السياسية الإقليمية والدولية لحركة حماس

وأثرها على اندماجها في النظام السياسي الفلسطيني

  • مقدمة

شكلت حركة حماس منذ نشأتها في ديسمبر عام 1987، وحتى حوار الفصائل وإعلان التهدئة في مارس عام 2005 في القاهرة، قوة معارضة مانعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، ولنهج التسوية الذي اتخذه الرئيس الراحل ياسر عرفات وقيادة حركة فتح منذ اتفاقيات أوسلو في أيلول عام 1993، وصولاً إلى أول انتخابات تشريعية فلسطينية في يناير عام 1996، ورفضت المشاركة بها.

إلا أن انتفاضة الأقصى التي انطلقت أواخر أيلول سبتمبر عام 2000 شهدت منعطفات سياسية وعسكرية حتى أوائل عام 2006، ألقت بظلالها على حركة حماس في المستويين العسكري والسياسي، وكانت حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وبدا أنها في حالة صعود متوالي على الساحة، ما يطرح تساؤلات جادة حول طبيعة العلاقات التي ربطتها بمكونات المشهد الفلسطيني.

ولذلك تسعى الدراسة للبحث في هذه العلاقات من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:

هل تمتلك حماس القابلية السياسية والأيديولوجية، والاستعداد الفعلي للتعايش مع النظام السياسي؟

المحددات التي ترتكز عليها مواقفها في نظرتها تجاهه، هل هي سياسية متغيرة أم أيديولوجية ثابتة؟

ما الذي حدا بها لمقاطعة الانتخابات التشريعية عام 1996، والمشاركة فيها عام 2006، وهل مثّلت بداية للاندماج في النظام السياسي، أم أنها مجرد خطوة للانقلاب عليه، واستبداله بنظام آخر؟

هل حماس سائرة نحو "التشدد" أم "الاعتدال"؟ وما المؤشرات الدالة على وجودهما؟ وأي منهما سيطغى على المواقف والرؤى السياسية للحركة إزاء النظام السياسي حاضراً ومستقبلاً؟

كيف نظرت الحركة لمنظمة التحرير والسلطة اللتان تشكلان بمجموعهما النظام السياسي القائم؟

كيف يمكن تقييم تجربة علاقاتها في مرحلة بعد الحكم، هل اتسم نهجها بالتضمينية والتوافق، أم بالإقصائية والتباين؟ هل الآخر السياسي شريك يمكن التعاون معه، أم خصم ينبغي التوجس منه ومعاداته؟([1])

إلى أي مدى يمكن أن تؤثر علاقات حماس على مختلف الأصعدة: عربياً وإسلامياً ودولياً، في انخراطها داخل النظام السياسي الفلسطيني، وهل أن الدعم الذي قدم لها، إلى جانب الحراك الدولي والشعبي لصالحها، أدى إلى تشددها فيما يتعلق بالمصالحة مثلاً، أو موقفها من القوى الفلسطينية؟

هل بالإمكان اعتبار برنامج حركة حماس وطني فلسطيني، أم أنه تابع لجماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي مدى حقيقة امتلاكها لرؤية إستراتيجية تتعلق بالحكم والدولة؟

على أي نحو أثرت علاقات حماس الإقليمية والدولية على مدى انخراطها في النظام السياسي الفلسطيني، وكيف استفادت من علاقاتها تلك في تحقيق رؤيتها السياسية؟

والحقيقة أنه يصعب الإجابة عن تلك التساؤلات وسواها دون الأخذ بعين الاعتبار أن المشهد الفلسطيني شديد التعقيد، وصبغ حماس أيضاً بتعقيدات مختلفة من أبرزها:

أنه يتشابك مع كونها حركة ذات رؤى دينية.

كونها حركة تحرر وطني كباقي حركات التحرر، تنتقل من "الثورة" إلى "السلطة" بكل ما يستلزمه من تغييرات تنظيمية وسياسية داخلها، وداخل الهيكل الذي تحكمه اعتبارات العمل السري، والمقاومة المسلحة، والتعبئة السياسية...الخ.

وجاء فوزها كرهان على وقف التدهور السياسي، وقطع الطريق على محاولات تقويض القدرة المتمثلة في تنامي الوطنية الفلسطينية، وترسيخ الكيانية الناشئة، والحفاظ على زخم التعاطف الدولي ودعمه، والتخلص من مظاهر الفرقة والفساد والفلتان والفوضى.

وقد تمثلت استجابة حماس عبر دخولها بوابة النظام السياسي على مستويين:

الأطروحات والشعارات والمواقف المعلنة.

الأفعال والممارسات العملية.

وبات من المنطقي أن تقارن أفعال حماس وأطروحاتها بما سبقها من منطق حاكم لسيرورة الكفاح الوطني، وبإستراتيجيتها المعلنة والمعروفة قبل وصولها سدة الحكم، خاصة في سلوكها كبديل سياسي، ولا ينتقص من ذلك إخفاقات القيادة الفلسطينية، وأخطائها ورهاناتها الخاسرة.

علماً بأن الحقل السياسي الفلسطيني يشهد منذ سنوات عديدة جدلاً غير معهود، يمس قضايا إستراتيجية تتعلق ببنية النظام، وآليات اشتغاله ومستقبله، وشكل الحكومة ومرجعيتها، وهي قضايا "مقحمة"([2]) على شعب يعيش تحت الاحتلال.

أولاً: موقع حماس من النظام السياسي الفلسطيني

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين وقفت حماس بالقياس لنظيراتها على الساحة الفلسطينية من النظام السياسي؟ وهل عارضت النظام بعينه، أم عارضت مؤسسات وجهات وأفكاراً وقيماً فقط؟ هل مارست سلوكها وأداءها من داخله أم من خارجه؟ وكيف عارضته؟

تدفع هذه الأسئلة بالضرورة لدراسة السلوك والاعتبارات التي حكمت العلاقة بين حماس ومنظمة التحرير، ولاحقاً السلطة الفلسطينية، لمعرفة الأساليب والأدوات والوسائل التي استخدمتها في ضبط هذه العلاقات، بوصفها تختلف عن المنظمة والسلطة في الجوانب الفكرية، والمواقف السياسية.([3])

وعليه فإن حماس، ومنذ نشأتها عام 1987 كحركة مقاومة تمارس العمل السياسي بجانب العمل المقاوم ضد الاحتلال، ويمكن وصفها بأنها حركة تحرر وطني، لأنها لم تكن جزءاً من ذلك النظام بحكم معارضتها الفكرية والعملية لمنظمة التحرير، ورفضها الدخول تحت إطارها.([4])

وقد أثبتت وقائع السنوات الماضية أن هناك مجموعة من المعوقات الداخلية والخارجية حالت دون اتسام العلاقة بين حماس والنظام السياسي الفلسطيني بـ"السلاسة والانسجام"، مع ميلها نحو التوتر والندية.

وتتمثل المعوقات الداخلية بـ:

تمسك حماس بخطاب وبرنامج سياسي، يمثّل بالنسبة لها هويتها، لا يتقاطع إلا جزئياً مع برنامج السلطة، وما تمثله من توجهات إزاء الحالة الداخلية، والصراع مع إسرائيل،وفضاء علاقتها الإقليمية والدولية.

ليس من المتوقع أن تتنازل حماس -على الأقل في المدى المنظور- عن "ثوابت" سياسية وأيديولوجية، استطاعت عبرها أن تحصل على دعم وتأييد قطاعات هامة من الجمهور، وتصل لما هي عليه اليوم، وُتميز نفسها عن فتح، وتثبت أقدامها بقوة في الحياة السياسية.

أي مرونة لحماس في القضايا الكبيرة والهامة المسماة بـ"الثوابت" سيعني للكثيرين داخلها وخارجها تنازلاً غير مبرر، وتراجعاً ليس عن ميثاقها التأسيسي فحسب، بل عما وعدت به جمهورها في برنامجها الانتخابي، ما يعني فقدان ثقته بها وبما تمثله، وما قدّمت نفسها على تميزها عن الحركات السياسية الأخرى.

تعتبر أوضاع فتح المتسمة بالضعف والتآكل الداخلي من بين العوامل الداخلية الهامة غير المحفِّزة لحماس على تغيير مواقفها ورؤاها السياسية، فأحوال الأولى المتردية وما بلغته من ضعف، مؤشر ذو دلالة على مصير أي حركة سياسية تقدّم التنازلات المتلاحقة دون مقابل، وهو مصير لا تريده الثانية، خاصة أنها ما زالت تنظر لنفسها على أنها في أوج شبابها وقدرتها على العطاء.

فيما تتمثل المعوقات الخارجية الكثيرة والمتنوعة بـ:

الصراع مع إسرائيل، وعدم استعدادها للدخول فعلاً في عملية سياسية ايجابية جادة مع الفلسطينيين.

حالة التفكك والتشرذم الإقليمية، والتحالفات التي تربط حماس إقليمياً مع إيران وسوريا وحزب الله، ما يجعل إسرائيل والولايات المتحدة تُصر على رؤيتها كحركة راديكالية تضعها في قائمة المنظمات والكيانات المعادية، وينبغي محاربتها بدلاً من استيعابها، وقبولها كلاعب سياسي مشروع.

في إطار "دعم" المجموعة الدولية للسلطة الفلسطينية، تجد حماس نفسها أمام صعوبة كبيرة في الاندماج فعلياً في النظام السياسي، في ضوء أن ما يكسبه جزءاً هاماً من مقبوليته وشرعيته يكمن في مناصبته العداء لحماس، والرضوخ للرغبات الإسرائيلية، وليس عبر فاعلية أدائه، ورشادة سياساته.

وبالتالي، تميل مجموع هذه المعوقات الداخلية والخارجية بتأثيرها إلى عدم تشجيع حماس على تقديم "التنازلات" السياسية المطلوبة، لتتحول إلى عنصر "إيجابي وبنّاء" وفق التوصيفات الدولية في الحياة السياسية الفلسطينية، وإلى قوة سياسية "شرعية" في النظام السياسي الفلسطيني القائم.

وبجانب تلك المعوقات، هناك إشكاليات معقدة في الحالة الفلسطينية:

الإشكالية الأولى: أن النظام السياسي أصبح يعيش علاقة ملتبسة وشائكة بين منظمة التحرير والسلطة، وتفاقمت مع تزايد وتعزيز نفوذ حماس خلال انتفاضة الأقصى، واتسمت الإستراتيجية الفلسطينية بالعديد من التباين، اتضحت معالمه في الافتقار لرؤية موحدة في الهدف، وغياب التوافق حول الوسيلة، وبات النظام يعمل في ظل سياسات متعددة بعدد الفصائل والأحزاب في غياب واضح للتنسيق بين الرؤى والاستراتيجيات، بل بات الأمر أشبه بأن تهدم كل منها ما تبنيه الأخرى.([5])

الإشكالية الثانية: أن حماس عارضت الطرفين معاً، فقد بقيت في حالة مقاومة للاحتلال وترفض وجوده أصلاً، وتصعد من عملياتها العسكرية ضده داخل أراضي أو في إسرائيل، وعارضت السلطة وتوجهاتها وأفكارها وممارساتها، على خلفية اتفاق أوسلو والاتفاقات المكملة له، وما نشأ عنه، ومعارضتها لعملية التسوية عبر المفاوضات مع إسرائيل من جهة أخرى.([6])

الإشكالية الثالثة: من الصعب فهم موقف حماس من النظام السياسي دون الانتباه لبنيته المشوهة، فموقفها من اتفاق أوسلو حدّد موقفها من النظام ذاته، وجاء عدم اعترافها بشرعية إسرائيل، وتحفظها الشديد على منظمة التحرير، سياسياً وأيديولوجياً ليجعلها تتعامل مع النظام بدرجة عالية من الحذر والتوجس، بعد أن اتضحت انكشافيته للإملاءات الإسرائيلية والغربية، وضعف ومحدودية استجابته لرغبات وتطلعات الفلسطينيين، وجاء اعتماده وتأثره الشديد بمعطيات الصراع مع الإسرائيليين، والعملية السلمية، وضعف بنيته ومحدودية سيادته، ليجعل من الصعب عليها التعاطي معه دون ملاحظة هذه الشبكة المعقدة من المؤثرات.([7])

الإشكالية الرابعة: الطبيعة المشوشة لبنية النظام السياسي الفلسطيني، وعدم وضوح العلاقة بين القطبين التنفيذيين له المتمثلين بمؤسستي: الرئاسة والحكومة، فرغم وجود الضوابط والمواد الدستورية التي نظمت العلاقة بينهما، إلا أن ما وقع فعلاً جعلها تميل إلى التوتر والصراع، بحيث خضعت لاعتبارات سياسية لا دستورية، خاصة وأن استحداث منصب رئيس الوزراء أتى تتويجاً لرغبة الأطراف الدولية لتهميش سلطات الرئيس عرفات، عبر انتزاع بعض صلاحياته، وإيداعها بيد منصب رئيس الحكومة المستحدث.([8])

وهذا يعني أن مجموع المعوقات الداخلية والخارجية الكثيرة والمعقّدة جعل حماس تتعاطى مع النظام السياسي القائم بحذر شديد، يقوم على:

قدر من الايجابية لا تتجاوز حدوده تمكينها من الحفاظ على تماسكها الداخلي أولاً،

تحقيق مكاسب سياسية تخدم برنامجها السياسي ثانياً،

منحها مزيد من القبول السياسي في الشارع الفلسطيني لممارسة الحكم ثالثاً.

ولا يبدو أن حماس على استعداد لإضفاء الشرعية على نظام سياسي ليس من صنعها، قبل أن يعترف النظام ذاته بها، ويصبح قادراً على التعايش معها، ومع شرعية ما تمثله من توجهات واجتهادات "إسلامية" تجاه المشروع الوطني، التي تتضمن إقامة دولة في حدود عام 1967، دون التخلي عن بقية البلاد، ودون الاعتراف بشرعية إسرائيل، ومن غير المتوقع تعايش حماس مع النظام السياسي دون إصلاح جذري يشمل المنظمة والسلطة والأحزاب السياسية، وهو أمر لا يبدو سهل التحقق في المدى المنظور على الأقل.([9])

وتمحورت طبيعة العلاقة بين المؤسسات المكونة للنظام السياسي الفلسطيني على النحو التالي:

الطرف الأول: منظمة التحرير: وعمرها أكثر من أربعة عقود، وتعتبر الإطار الموحد للقوى السياسية، وبمثابة النظام السياسي الفلسطيني.

الطرف الثاني: السلطة الفلسطينية: باعتبارها نظاماً فرعياً للأولى، أسست بقرار منها ليتعامل مع استحقاقات سياسية مرتبطة بالتسوية التي ألزمت نفسها بها.

الطرف الثالث: حركة حماس: التي أصبحت الحكومة ومسيرة السلطة من بوابة الانتخابات، دون أن تكون جزءاً من الأولى.

وباتت هذه المكونات الثلاثة تعيش حالة من الجدل المحتدم لتحديد العلاقات بينها بما لا يخل بوحدة وشمولية النظام السياسي، وهو جدل -وإن كان متواجداً قبل إجراء الانتخابات وفوز حماس بالأغلبية- إلا أنه وصل لدرجة تأزمه، ووضع الفلسطيني في حالة ترقب وقلق على مستقبله.

لذلك، يحتاج الأمر إلى معالجة متأنية لسيرورة العلاقة بين هذه المكونات الثلاث، حتى نتلمس سبل الخروج من المأزق بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، خاصة أننا في حالة تحرر وطني، ويجب أن تتوحد كل القوى السياسية لمواجهة العدو المشترك.

ثانياً: حماس ومنظمة التحرير

مع نشأة حركة حماس أواخر العام 1987، ظهرت عدة مؤشرات تؤكد أن لها لوناً أيديولوجياً وسياسياً مغايراً لمنظمة التحرير، فهي لم ترفض المشاركة في إطار "القيادة الوطنية الموحدة" خلال سنوات انتفاضة الحجارة، بل قامت بفعاليات ميدانية منفصلة عما دعت إليها.([10])

وفي فترة لاحقة، باتت حماس تشكل مكوناً رئيساً في النظام السياسي في فترة ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو عقب مؤتمر مدريد في أكتوبر تشرين أول عام 1991، وعاملاً مؤثراً في القرار السياسي، وبالتالي في مرحلة ما بعد قيام السلطة الفلسطينية أواسط عام 1994، على الرغم من بقائها خارج إطار المنظمة، ورفضها الانخراط في مؤسسات السلطة، وأخذت العلاقة بين الجانبين أشكالاً متعدّدة من التنافس الميداني، والأطروحات المتباعدة، والرؤى المتباينة.([11])

فبعد سنين طويلة من تفرّد المنظمة، وفصيلها الأساسي فتح في الساحة السياسية الفلسطينية، دون منافس يُذكر، ظهرت حركة سياسية لديها مشروعها "الإسلامي الجهادي والبنائي" لتهدّد تفرّدها بتمثيل الشارع، ووقفت فصائل المنظمة من انطلاقة حماس في البداية وقفة "المخوّن والخائف" على تآكل تمثيله الشعبي، وما لبثت أن فرضت المكانة المتقدمة التي حققتها في قيادة فعاليات الانتفاضة والمقاومة، أن تتعاطى المنظمة معها عبر محاولات احتوائها، وأحياناً ضربها أو شق صفوفها.

وهكذا اتسمت العلاقة بين حركة حماس ومنظمة التحرير بالتنافس الشديد، وأحياناً بالصراع العنيف، حتى في غياب الخلاف حول المسألة الوطنية، عاش الطرفان صراعاً أيديولوجياً، وتنافساً اجتماعياً، ولا يقلل من هذه الحقيقة أن أطرافاً في المنظمة مالت بهذا القدر أو ذاك إلى تحييد نفسها عن دائرة الصراع، وربما لعبت دوراً في تأجيجه والاستفادة منه، ولم يبق أمام القيادة المتنفذة فيها أخيراً سوى الاعتراف بتمثيل حماس الشعبي، وحضورها على الساحة، وهذا لا يعني أن الأصوات التي كانت تدعو لاستبعادها غابت تماماً.([12])

حماس من جهتها، سعت منذ البداية لطمأنة المنظمة على أنها لا تسعى لضرب تمثيلها أو الصدام معها، فورد في المادة السابعة والعشرون من ميثاقها: "منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه؟ فوطننا واحد ومصابنا واحد وعدونا مشترك... فموقف حركة المقاومة الإسلامية من منظمة التحرير هو موقف الابن من أبيه والأخ من أخيه والقريب من قريبه، يتألم لألمه إن أصابته شوكة ويشد أزره في مواجهة الأعداء ويتمنى له الهداية والرشاد".([13])

وقد يؤخذ على ميثاق حماس عدم وضوحه في تحديد العلاقة مع المنظمة، فهو لم يعترف صراحة بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كما تطرح نفسها، وفي نفس الوقت حددها بأنها لا تخرج عن إطار علاقة الابن بأبيه والأخ بأخيه.

وعلى رغم المرجعية الفكرية لمنظمة التحرير القائمة على العلمانية، والمناقضة لمرجعية حماس الإسلامية، إلا أنها طرحت في وقت مبكر مسألة تطويرها، فذكر الميثاق "ومع تقديرنا لمنظمة التحرير، وما يمكن أن تتطور إليه، وعدم التقليل من دورها في الصراع العربي الإسرائيلي، لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لتبني الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا..".([14])

فميثاق الحركة شجب علمانية المنظمة، رغم تأكيده على الأخوة، وثقته بأن القيادة الفلسطينية ستكتشف في النهاية خطأ مسلكها، وأنه "في اليوم الذي تلتزم فيه منظمة التحرير بالإسلام كمنهج حياة فإننا سنكون جنودها المخلصين".

ومع ذلك، فإن مسيرة العلاقة بين الطرفين بوصفهما التجسيد المؤسساتي للنظام السياسي الفلسطيني، أعقد من اختزالها بالموقف الوارد في الميثاق، الذي طرأ على سلوك حماس السياسي أكثر من مؤشر ومتغير تجاوزها في الكثير من الأحيان خلال السنوات الأخيرة!([15])

كان لابد من هذه المقدمة التاريخية الموجزة عن علاقة الطرفين للدخول في محاولات دمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني من خلال بوابة منظمة التحرير، بعد أن فشلت الاتصالات الأولية التي تمت في دول عربية متعددة، وفضلت حماس العمل من خارج المنظمة، والتنافس معها على جبهة التمثيل الفلسطيني، فيما لم ترغب قيادة المنظمة حقاً في دخول شريك ومنافس قوي يتمثل بحماس التي أخذت في التمدد رويداً رويداً على حساب القواعد الشعبية التي احتكرتها المنظمة ردحاً من الزمن امتد قرابة الثلاثة عقود.

والمفارقة ذاتها تحدث اليوم حين ينصب الخلاف الأساسي حول المسألة الوطنية، فثمة أطراف من المنظمة تقترب بهذا القدر أو ذاك من أطروحة حماس، وإذا كان من الطبيعي أن تتنافس التنظيمات السياسية وتتصارع فيما بينها، بل وتتحالف وتأتلف حول هذه القضية أو تلك، فما يستحق التفسير حقاً، أن حماس حرصت دائماً على تمييز نفسها عن المنظمة، وليس فقط عن فصائلها المشكلة لها، وبدا أنها تطرح نفسها بديلاً لها، وليس تبديلاً لميزان القوى داخلها باعتبارها كيانية رمزية ومنظومة سياسية.([16])

ويحتم الحديث عن علاقة حماس بالمنظمة التطرق إلى المحاور الهامة التالية:

إنجازات المنظمة

نجاحها في تشكيل قيادة سياسية معترف بها دولياً للشعب الفلسطيني، بحيث أصبح للشعب الفلسطيني كينونة سياسية دولية تدعم حقه في الاستقلال والسيادة.

إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22/11/1974، القرار 3236، الذي منح المنظمة صفة مراقب، وأصبح من حقها أن تشترك في مناقشة بنود جداول الأعمال وتبدي آراءها فيها، وتتمتع بالحقوق التي تتمتع بها الدول الأعضاء باستثناء حق التصويت والانتخاب وتقديم مشاريع القرارات.

اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1988 قراراً بتغيير اسم وفد منظمة التحرير إلى وفد فلسطين، وعام 1989 اعترفت بحق المنظمة في إقامة دولة فلسطينية.

اتخاذ الأمم المتحدة في تموز عام 1998 قراراً برفع الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير، بحيث تكون أقل قليلاً من ممثل دولة، وسمح هذا القرار للمنظمة بحضور اجتماعات مجلس الأمن، وتقديم التوصيات بشأن الأمور ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية.

تشكل المنظمة أعرق حركات التحرير وأكبرها في العالم، ومنذ عام 1988 تعتبر لجنتها التنفيذية بمثابة حكومة لدولة قيد التكوين، حيث اعترف بالدولة الفلسطينية ما يزيد على 150 دولة في العالم.

تمكنت المنظمة من الاستمرار على الرغم من التحديات الداخلية والإقليمية العربية والدولية التي تعرضت لها، واستطاعت انتشال القضية من النسيان، وتحويلها مع مرور الأيام إلى أبرز قضية دولية، ليس على صعيد المنطقة العربية فحسب، بل على الصعيد العالمي.

تحديات المنظمة:

1- استقلالية القرار الوطني، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية العربية، والضغوط الدولية.

مجال الوحدة الوطنية، وتلك مسألة شائكة واكبت مسيرة المنظمة منذ تأسيسها.

التوصل إلى تسوية تنتهي بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1967.

التقارب والتنافر بين حماس والمنظمة

عوامل التقارب

اعتراف الأولى بالثانية كإطار يمثل الهوية الفلسطينية، وهي لا ترفضها بحد ذاتها، بل ترفض النهج الذي قيدت نفسها به، فهي كإطار وطني يستوعب الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم، ويقودهم نحو التحرير الشامل والكامل لفلسطين هي موضع احترام الجميع بمن فيهم حماس.

محافظة المنظمة على بنية وكيان الشعب الفلسطيني، مما فوت على العدو فرصة تحقيق حلمه في تفتيت وحدته، لكنها ترفض أن تكون هذه الإنجازات لتبرير التخلي عن ثوابتها نفسها.([17])

عوامل التنافر:

علمانية المنظمة الذي أدى لافتراق أيديولوجي منذ اللحظة الأولى، على اعتبار أن حماس أكدت منذ انطلاقتها الأولى أن الإسلام منهجها، ما فرض عليها العمل من خارج المنظمة.

التنازلات السياسية للمنظمة التي اختارت الحلول السلمية، وطالبت بعقد مؤتمر دولي للسلام، ثم أعلنت عن استعدادها للصلح مع إسرائيل والاعتراف بها، متوجة ذلك بإلغاء الميثاق الوطني الذي ضم مجموعة من القواسم المشتركة التي أمكن الالتقاء حولها، مما ساهم في حدوث الاختلاف والتنافر بينهما.

هيكلية المنظمة، حيث وجدت حماس في تركيبة المؤسسات وآليات صنع القرار داخلها عائقاً كبيراً أمامها، كما رأت أنها ببنيتها القيادية القائمة لا تمثل حقيقة القوى الفاعلة في الشعب الفلسطيني.

ورغم وصول الأطراف الفلسطينية مجتمعة في اتفاق القاهرة في آذار مارس 2005 على ضرورة إعادة بناء المنظمة، إلا أن حماس قدمت رؤيتها لإعادة بنائها وتطويرها استناداً لبروز تطورات ثلاثة أثرت مباشرة على وجود المنظمة وفعالية تمثيلها للشعب، ودورها من أجل القضية الفلسطينية، وهي:([18])

إنشاء السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وانتقال مركز القرار إليها، لأن هدفها تحدد بالعمل على إنشاء دولة فلسطينية في نهاية العملية التفاوضية، وحصرت وظيفة المنظمة في التوقيع على الاتفاقيات مع إسرائيل.

محاولات تذويب المنظمة وإنهاء دورها الإقليمي والدولي لصالح السلطة، وجاء أبرزها في تحويل جيش التحرير إلى قوات أمن وطني، وتحويل أعمال الدائرة السياسية إلى وزارة خارجية، وإنهاء مجلس إدارة الصندوق القومي وجعله بنداً من بنود الصرف في وزارة المالية، وتراجع دور اللجنة التنفيذية إلى حد التجاهل لصالح مجلس وزراء السلطة.

بروز حركات فلسطينية كحماس والجهاد، وتصاعد دورها، وتعاظم شعبيتها، واتساع نفوذها، فيما لا زالت خارج إطار المنظمة، بالرغم من إعرابها عن استعدادها للدخول ضمن شروط محددة.([19])

إلى جانب ذلك من أهمية في نقاش مستقبل دخول حماس للمنظمة، فإن لكلا الجانبين نقاط قوة وضعف في الجدل الدائر حول هذه القضية، على النحو التالي:

إن دعوة فتح لاحترام قرارات المنظمة صحيحة، لكن يجب التوقف عند مجموعة من الملاحظات:

يجب الاعتراف أن فتح، من خلال سيطرتها على السلطة ومؤسساتها، عملت على إقصاء الآخرين، وتهميش المنظمة، بحيث لم نعد نسمع بها في العقد الأخير، قبيل الاستعانة بها و"استخدامها" لمواجهة حماس.

قامت السلطة بالسيطرة على كل الأمور، وأخفقت في توظيف وإصلاح المنظمة، خاصة مع اعتراف إسرائيل بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب، استنادا للرسائل المتبادلة بين عرفات ورابين عام 1993.

المنظمة أكبر من السلطة، حيث قام الفلسطينيون بإنشائها بدعم من دول عربية مؤثرة، أما السلطة فقد أقيمت بناء على اتفاق مع إسرائيل لم تعترف به حماس لغاية الآن، رغم فوزها في الانتخابات، وتشكيلها للحكومة بناء عليه.

هنا يبرز التناقض في موقف حماس؛ إذ كيف يبدو من الممكن عدم الاعتراف بشرعية منظمة قادت النضال الفلسطيني، وربحت معركة التمثيل للفلسطينيين، وانتزعت اعترافاً من إسرائيل والعالم بالحقوق الفلسطينية المشروعة، ومن ثم التماهي مع مؤسسات هي نتاج لاتفاقية أوسلو التي لم تدخر حماس جهداً لتقويضها، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟!

المشكلة هنا مزدوجة؛ إذ يبدو أن فتح لم تعترف بهزيمتها في صناديق الاقتراع، وتلجأ بالتالي لإحراج حماس وإفشالها في مسعاها المضي في برنامجها الذي حظي بدعم أكثرية الشعب الفلسطيني، لكن لم تعد تنفع أعمال وأقوال "البلطجة"، لأن الشعب قال كلمته، وعلى الجميع احترامها، ولا يجوز لفتح التستر خلف منظمة قامت بتهميشها من أجل التغطية على خسارتها المدوية.

لحماس الحق في القول أن موازين القوى السياسية تغيرت، وأن المنظمة لم تعد تعكسها بالتالي، لكن عليها في ذات الوقت أن تعمل على تغيير التمثيل عبر العمل بموجب قوانين المنظمة ولوائحها، وليس بالتمرد عليها، ومحاولة فرض رؤيتها حول كيف يجب أن تكون.

أخيراً، فإن الاستعراض السياسي التاريخي لأبرز مراحل العلاقة بين الجانبين يشير إلى أن حماس أدارت معارضتها للمنظمة وفقاً لرؤيتها وأسبابها الخاصة، ويمكن أن تصنف هنا على أنها رؤية تكتيكية مرحلية تنقلت من الرفض الكامل للمشاركة فيها حتى تغير من أفكارها ومناهجها وتتبنى المنهج الإسلامي، ما أوحى بوجود البديل المناقض لسياستها، إلى التفكير في دخولها وفقاً لشروط معينة أبرزها اشتراط حصولها على 40% من مقاعد المجلس الوطني، وسحب اعترافها بالقرار 242، ما أوحى بوجود الشريك الكامل لها.

إلا أن اللافت للنظر أن جميع التفاهمات، ومحاولات رأب الصدع السابقة لا تنفي حالة الصراع الأيديولوجي القائم بين الطرفين، إذ لا يمكن إغفال دور منطلقات حماس وأفكارها في التأثير على تفاهمات ومبادرات إصلاح المنظمة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من جديد.

كما يبدو جانب موازين القوى وصراع الإرادات جلياً عندما تطرح حماس رؤيتها لإعادة بناء المنظمة على أساس التغيرات الحادثة على الساحة الفلسطينية، بمعنى أن تكون حسب ميزان القوى الجديد الذي أفرزته تداعيات الانتفاضة الأولى 1987، وما تلاها من صعود المد الجماهيري والشعبي للحركة، وهو ما أثر على شعبية وجماهيرية المنظمة وفصائلها، وبات في لحظة ما منافساً قوياً لها، وبالتالي ترى الحركة أنه من الضروري الأخذ بعين الاعتبار هذه التغيرات، وإسقاطها على الجانب التمثيلي في منظمة التحرير.

وربما من الموضوعية القول أن مختلف الأطراف الفلسطينية كان بإمكانها التقدم بخطوات جدية حول مسألة التمثيل على النحو التالي:

تعديل حماس لموقفها إزاء المنظمة بشكل لا يفرط بحقها، في ألا تتمثل فيها بحجمها الطبيعي، ويحفظ في الآن نفسه رمزيتها وشرعيتها، وهي أهم من السلطة، وتعتبر المخزون الاستراتيجي للشعب برمته في الداخل والخارج.

في المقابل، كان بإمكان فتح أن تلملم جراحات هزيمتها في الانتخابات، واعتماد مبدأ الشراكة والتفاوض حوله بجدية، عوضاً عن التمسك بموقف مسبق "موغل" في الحسابات الحزبية، وتتمترس منذ اليوم الأول حول فكرة ترك حماس لوحدها تواجه الفشل.([20])

بقية الفصائل كان عليها تقديم مبدأ الوحدة الوطنية على المناكفة الحزبية، و"توهان" البوصلة بشكل عام، خاصة وأن حجمها الشعبي بدا "متواضعاً" كما أظهرت الانتخابات.

الكل الفلسطيني عليه الآن وغداً الإدراك أن منظمة التحرير مكسب تاريخي ووطني ودولي للشعب الفلسطيني، والحديث عن ترهلها وهامشيتها السياسية، وعدم انطباق المحاصصة الفصائلية فيها على تمثيل بوجود تلك الفصائل في أوساط الفلسطينيين، أمور تستوجب من حماس الاندفاع نحو تعديلها وتفعيلها.

خيارات حماس تجاه المنظمة:

بعد فوزها في الانتخابات التشريعية أوائل عام 2006، وجدت حماس أمامها ثلاثة خيارات بالنسبة لتمثيل منظمة التحرير، بعد أن وضع فوزها في انتخابات الداخل علامة استفهام كبيرة حول مشروعية تمثيل المنظمة لعموم الفلسطينيين، في الداخل والخارج، وجاءت الخيارات على النحو التالي:

الاعتراف بتمثيلها الأوحد للشعب الفلسطيني، وقد علمت حماس منذ اللحظة الأولى، أن هذا الخيار يمكن أن تُجيّره قيادتها للتسويق للاتفاقيات التي وقعتها، ولأية تنازلات يمكن أن تُقدم عليها، والتعديلات التي أقرّها المجلس الوطني عام 1998، التي حذفت الكفاح المسلح من ميثاقها، وما يمكن أن يُعتبر تغطية للفساد الذي ينخر جسمها ومؤسساتها.

إسقاط هذا الاعتراف، والسعي لإبراز نفسها كبديل للمنظمة، ويمكن الإشارة هنا إلى محاولاتها لخلق أجسام بديلة لها، لاسيما مبادرة خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، الذي نادى من دمشق بإيجاد مرجعية وطنية بديلة، حيث حملت "جغرافيا الإعلان" إشارات إلى فرضية وجود دعم عربي بشكل أو بآخر لحماس للتوجه في هذا الطريق.

وبغض النظر عما إذا كان تهديد حماس بمرجعية جديدة، جهد حقيقي، أو أريد به التلويح بخيارات بديلة في وجه السلطة في رام الله، فإنه خيار كانت –وما زالت- تحفه عقبات، من أهمها:

يضعها وجهاً لوجه مع المنظمة، ويفجّر صراعات ربما تتجاوز إطارها الفكري.

تعتقد حماس أن المنظمة لديها بعض الإنجازات التي يمكن تطويرها، وتحظى باعتراف دولي، ومنها امتلاكها لصفة "المراقب" في الأمم المتحدة، فلا يمكن لحماس أن تتحمّل نسف المنجزات، وإن كان بعض أبناء المنظمة تجرأوا على ذلك، وبات من الصعوبة أن تطرح حماس نفسها بديلاً للمنظمة في المحافل الدولية بعد الاعتراف الدولي بها.

الاعتراف بتمثيلها، وليس الأوحد، والسعي للاتفاق على إصلاح مؤسساتها ودخولها، وهو كما بات واضحاً بات الخيار المرجح لحماس بالسعي لتصحيح مسار المنظمة، والسعي لدخولها بعد الاتفاق بين فصائلها على إعادة بنائها وتفعيلها، وظهر هذا الاتجاه في عدد من بياناتها خلال السنوات الأخيرة.

وقد شكل إعلان حركة حماس قرار المشاركة في العملية السياسية والانتخابية تحولاً سياسياً هاماً على صعيد مواقفها التاريخية والتقليدية من النظام السياسي، الذي طالما عارضته ورفضت المشاركة في مكوناته، فحماس التي تمتد جذورها في الساحة الفلسطينية إلى ما قبل إعلان تأسيسها عام 1987، بحكم ارتباطها بحركة الإخوان المسلمين، رفضت الانضمام لمنظمة التحرير لأسباب أيديولوجية، ونتيجة لذلك، أصبحت أبرز الحركات المعارضة والمعبرة عن الخط الأيديولوجي في الساحة الفلسطينية.

وبالتالي فقد انتقل الخلاف حول مشاركة حماس في المنظمة من الرفض الأيديولوجي إلى النزاع على النسب والحصص داخلها، ما أشار بوضوح إلى تبنيها للمذهب البراغماتي في عملها السياسي.

محاولات الانضمام

حدثت عدة محاولات لإدخال حماس إلى المؤسسات القائمة في منظمة التحرير، لكنها كانت تخشى أن لا تُعطى النسبة التي تمثّلها في الشارع الفلسطيني، وتكون مجرّد "ديكور" لمزاعم التعددية داخل المنظمة، فلا تستطيع تغيير في قرار واحد تتبناه القيادة أو الفصيل المهيمن فيها، ولما دُعيت حماس للانضمام إليها خلال عدة مطالبات شهدتها أكثر من عاصمة عربية في السنوات الأخيرة، تلخّصت شروطها في:

ضرورة وقف مسلسل التنازلات، وعدم الإقرار بالوجود الإسرائيلي على أي جزء من فلسطين.

تحقيق مصداقية التمثيل لمختلف الفصائل حسب أحجامها الحقيقية، وممارسة الديمقراطية الحقيقية، سواء في إبداء الرأي أو تسلّم المسؤوليات القيادية.

رأت حماس في مناسبات عديدة أن تمثيلها الشعبي الذي تحقق في الانتخابات التشريعية يقترب من تمثيلها في منظمة التحرير ومؤسساتها الدستورية، لاسيما المجلسين الوطني والمركزي.

علماً بأن حماس تعرف جيداً حقيقة أن تجربة فتح في دخول المنظمة، ومن ثم قيادتها، تختلف عن موقعها وظروفها كلياً، من حيث الحصار الذي تعانيه، ومنعها من مضاعفة شرعيتها عبر التقدّم داخل المنظمة، كما أن المنظمة نفسها قد تغيّرت، ولم تعد الأطر الدستورية المؤهلة لحركة تغييرية هي نفسها، فعدد أعضاء المجلس الوطني على سبيل المثال غير معروف بتاتاً، ويتراوح بين 400 و850 عضواً، وفقد منذ زمن دوره التشريعي والرقابي، ولم يجتمع بين عامي 1993 و2009 سوى مرة واحدة لتعديل الميثاق!([21])

ومنذ قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، ضعف دور المنظمة إلى حدّ كبير، فتحوّل جيش التحرير إلى قوات أمن وطني، والدائرة السياسية إلى وزارة الخارجية،ومعظم مؤسساتها التي غدت جزءاً من السلطة.

وخشي كثيرون أن يكون ذلك بداية تصفية لها تمهيداً لإنهاء قضية اللاجئين، لذا كان سعي حماس الدائم لإعادة بناء المنظمة وفق أسس تحفظ استمراريتها، وهو ما توّج باللقاء الذي جمعها مع فتح في القاهرة في آذار/مارس 2005، حيث تعرض الاتفاق لضربة قوية، بتراجع قيادة الثانية عنه بعدما استطاعت حماس عبر الانتخابات تحقيق نجاح منقطع النظير، وانتقلت مرة واحدة من المعارضة إلى السلطة، ومن التنظيم الثاني إلى الأول، وحصلت على 74 مقعداً، 56% من مقاعد المجلس التشريعي الـ132، في حين حصلت فتح على 45 مقعداً، 34% فقط، وأخافت هذه النتيجة القيادة المتنفّذة في المنظمة، وتخشى من فقدان ما تعتبره حصنها الأخير، ما أدّى لتشبّثها بها، والتراجع عن استعدادها لإدخال إصلاحات جدية في بنيتها ومسارها.([22])

ولعل السؤال الأكبر الذي يطرح على قيادة حماس في هذه المرحلة، ويتبادر إلى الذهن كلما طرحت علاقتها بالمنظمة: في حال سيطرتها عليها: كيف ستتعاطى مع الاتفاقيات الدولية التي وقعتها؟ وهل بالأصل أن عدم اعترافها بها، كاتفاق أوسلو، يسمح لها بدخول منظمة لا تعترف بالتزاماتها؟

نبدأ من السؤال الثاني، فالمنظمة هي الكيان المعنوي للفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها، وكل فلسطيني عضو تلقائي فيها، كما ينص ميثاقها "الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقتهم وكفاءاتهم، والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة".([23])

معنى ذلك أن المنظمة، من الناحية النظرية، لا تحدّد الخيارات السياسية للمنتمين إليها، ويحق لحركة حماس، كغيرها من الأعضاء والفصائل، أن تكون جزءاً منها دون الحاجة لتغيير جوهري في سياساتها، ولكن في الوقت نفسه، فإن الدخول للمنظمة شيء، والسيطرة عليها شيء آخر، فهي تختلف عن السلطة، لأن الأولى تعتبر المرجعية السياسية للمفاوضات منذ مؤتمر مدريد 1991، بينما الثانية أداة لتنفيذ الاتفاقيات على الأرض، وإن كانت قد تغوّلت على الأولى في الكثير من المراحل.([24])

من هنا، اعتبرت بعض الأوساط أن دخول حماس للمنظمة، يتطلّب حكمة عالية، بحيث تتحكّم بقراراتها، دون أن تنفرد بها، حتى لا تضطر لاتخاذ قرارات تُحرج نفسها أمام العالم أو أمام شعبها، ويبدو حصولها على نسبة الـ40%، يسمح أكثر من غيره باتخاذ قرارات مبدئية ومرنة في ذات الوقت، فلا تُلغى الاتفاقيات التي نالت المنظمة الكثير من الاعترافات على أساسها، ولكن تحدّ حماس من خطورتها، وتتفرّغ لقضايا الفساد داخلها وإصلاحها، ما يسمح بتطوير المسار الفلسطيني، واستعادة الجسم جناحه في الخارج والمهمل منذ اتفاق أوسلو، وجناحه في الداخل الذي سلّمته المنظمة لفساد السلطة.([25])

مستقبل العلاقة بين حماس والمنظمة

خضع الطرفان في علاقتهما إلى الفلسفة التي انتهجاها، المتباينة في طبيعتها الفكرية والعملية، حيث تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية واتخذت الكفاح المسلح وسيلة لمواجهة الاحتلال، بينما تبنت حماس النهج الإسلامي كفكرة، واعتمدت على التربية والإعداد وسيلة مبدئية، وصولاً إلى المقاومة المسلحة.

وبعد قدوم السلطة الفلسطينية إثر اتفاق أوسلو، بدأت حماس مرحلة جديدة في علاقتها مع المنظمة، بعد أن رفضت الاتفاق، والدخول والمشاركة في السلطة، وظلت ترفع خيار المقاومة ضد الاحتلال.

ورغم أن العلاقة بينهما سادها التوتر في معظم الأحيان، إلا أن هذا لم يمنع من وجود عناصر قيادية في الطرفين لإيجاد قنوات مشتركة لتجاوز أي أحداث قد تطرأ، والبحث عن نقاط الالتقاء وتعزيزها، ومحاولة تجاوز نقاط الخلاف والابتعاد عنها.

وخلال أكثر من عشرين عاماً اتسمت العلاقة بينهما بالمنافسة والندية، ولم تشهد تطوراً إيجابياً يدلل على التناغم والفهم والتقارب بينهما إلا في منتصف سنوات انتفاضة الأقصى، وتحديداً عند توقيع اتفاق القاهرة في آذار مارس 2005، الذي نص على دخول حماس المنظمة وفق آليات متفق عليها.

وبعد أن باتت حماس معنية بأسئلة "ما بعد الفوز" أواخر يناير كانون ثاني 2006، وبالتحديات الداخلية والتبعات الخارجية التي يرتبها عليها موقعها الجديد في قيادة السلطة، والساحة الفلسطينية، فقد كان عليها كونها على رأس الحكومة أن تصبح معنية على الصعيد الذاتي والداخلي بتكييف ذاتها للتعامل بمرونة ومسؤولية وجدية مع التحديات المهمة التي تواجهها، كالتعاطي مع واقع منظمة التحرير.

فثمة مشكلة تتعلق أولاً بكونها تعمل من خارج مؤسساتها، وثانياً، بحكم هيمنة فتح عليها، وثمة نوع من "الفيتو" من قبلها على قيادة حماس وتوجهاتها السياسية في المؤسستين القياديتين، رئاسة السلطة والمنظمة، حيث يترأس الرئيس محمود عباس هذين الإطارين.([26])

علماً بأن حماس تعلم جيداً أن منظمة التحرير هي المرجعية القيادية للسلطة، وبدون دخولها فسيكون من الصعب عليها إدارة الوضع الفلسطيني، والتحكم بتوجهاته السياسية، وتكريس ذاتها باعتبارها قائد للشعب.

حماس والمنظمة وأزمة التمثيل

منذ قيام منظمة التحرير عام 1964، تم التعامل معها كجسد للكيانية السياسية الفلسطينية من حيث وجود قيادة ومؤسسات: اللجنة التنفيذية،المجلس المركزي، المجلس الوطني، القضاء الثوري، القوات المسلحة.

وشغلت المنظمة بمثابة البيت لكل الفلسطينيين، والنظام الذي استوعب كل الفصائل والأحزاب والجمعيات، بغض النظر عن أيديولوجيتها وسياستها ما دامت تلتزم بالإستراتيجية الوطنية، ممثلة بالمقاومة.

وهذا ما نص عليه الميثاق الوطني، وجاء فيه: "المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين، ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض السياسي فيما بين الصهيونية والاستيطان من جهة، وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفراداً جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح".([27])

وبقيت المنظمة منفردة بتمثيل الشعب الفلسطيني حتى ظهور حماس كقوة شعبية جهادية أثبتت وجودها خلال الانتفاضة الأولى 1987، وتأكد حضورها كمنافس قوي، وربما بديلاً عنها، حين نشرت ميثاقها في آب أغسطس 1988، وتشابه كثيراً مع ميثاق المنظمة، مع إضفاء "مسحة دينية" عليه.

وحيث أن تأسيس السلطة جاء في إطار تسوية مرفوضة من طرف حماس، فقد رفضت الاعتراف بالسلطة بداية، دون أن تواجهها بالرفض الميداني المسلح، ثم قبلت بها كأمر واقع دون تعاون يذكر، ولم تكن أساساً راغبة بالانضواء في النظام السياسي الذي تمثله المنظمة، وما لبثت أن غيرت موقفها من المشاركة في النظام السياسي والسلطة حين دخلت الانتخابات التشريعية الثانية، وحظيت بنسبة عريضة من ثقة الناخبين.([28])

وما من شك، أن هناك أزمة سياسية وبنيوية في العلاقات بين حماس والمنظمة تفجرت بصورة تدريجية عقب فوز الأولى في الانتخابات التشريعية، آخذة بإلقاء ظلالها على العمل الفلسطيني، وجاء آخر تجلياتها بمحاولة فتح استغلال سيطرتها على مؤسسات المنظمة لإجبار حماس على تغيير الكثير من مواقفها، ورفضها شرعية المنظمة التي يعترف بها كل العالم كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

وربما من الموضوعية القول أن مختلف الأطراف الفلسطينية كان بإمكانها التقدم بخطوات جدية حول مسألة التمثيل على النحو التالي:

تعديل حماس لموقفها إزاء المنظمة بشكل لا يفرط بحقها، في ألا تتمثل فيها بحجمها الطبيعي، ويحفظ في الآن نفسه رمزيتها وشرعيتها، وهي أهم من السلطة، وتعتبر المخزون الاستراتيجي للشعب برمته في الداخل والخارج.

في المقابل، كان بإمكان فتح أن تلملم جراحات هزيمتها في الانتخابات، واعتماد مبدأ الشراكة والتفاوض حوله بجدية، عوضاً عن التمسك بموقف مسبق "موغل" في الحسابات الحزبية، وتتمترس منذ اليوم الأول حول فكرة ترك حماس لوحدها تواجه الفشل.([29])

بقية الفصائل كان عليها تقديم مبدأ الوحدة الوطنية على المناكفة الحزبية، و"توهان" البوصلة بشكل عام، خاصة وأن حجمها الشعبي بدا "متواضعاً" كما أظهرت الانتخابات.

الكل الفلسطيني عليه الآن وغداً الإدراك أن منظمة التحرير مكسب تاريخي ووطني ودولي للشعب الفلسطيني، والحديث عن ترهلها وهامشيتها السياسية، وعدم انطباق المحاصصة الفصائلية فيها على تمثيل بوجود تلك الفصائل في أوساط الفلسطينيين، أمور تستوجب من حماس الاندفاع نحو تعديلها وتفعيلها.

ثالثاً: حماس ومعركة الشرعيات

معركة حقيقية لكنها خفية، وأحياناً تبدو علنية تدور بين حماس وفتح حول المرجعيات الوطنية، تضاف إلى الجبهات المفتوحة بينهما.

وقد شكل فوز حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية مفاجأة لكل أطراف الساحة الفلسطينية، بما في ذلك قيادات فتح وحماس نفسها، ولم يتوقّف مسلسل المفاجآت والتحوّلات السياسية، لأن الحركة أجرت بعد هذا الفوز مراجعة شاملة لحساباتها ومقولاتها، وأعلنت تمسّكها بتشكيل حكومة السلطة، ولو منفردة، في الوقت الذي توقع بعضهم مناهضتها للسلطة والاتفاقات التي وقّعتها مع إسرائيل، وبدا الأمر وكأنها تتمسّك بالسلطة، وتعتبرها أداة لتأكيد شرعيتها في الشارع الفلسطيني والأوساط العربية والدولية.([30])

ومنذ فوز كتلة التغيير والإصلاح ممثلة حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير كانون ثاني 2006، ازداد الجدل حول مسألة الشرعيات في النظام السياسي الفلسطيني، مما أدى لظهور عدة أسئلة لم يعهدها الفلسطينيون في الفترة السابقة على تلك الانتخابات.

ولعل السبب في ذلك هو إنفراد فتح بالكيان السياسي ممثلاً بـ"السلطة"، وتفردها من قبل في الإطار السياسي السابق ممثلاً بـ"منظمة التحرير"، دون شريك يخالفها في الرؤية والأدوات تجاه الصراع مع إسرائيل، كما حدث عقب فوز وصعود حماس إلى واجهة العمل السياسي.

ولعل الأحداث التي عصفت بالساحة الفلسطينية عقب فوز حماس، ودخولها طرفاً أساسياً في المعادلة السياسية الفلسطينية والإقليمية, وانتهت بسيطرتها على قطاع غزة في يونيو حزيران 2007، ساهمت في طرح تساؤلات وعناوين كبيرة حول مضمون الشرعيات في النظام السياسي الفلسطيني، وتسلسلها من الناحية القانونية, وهي تساؤلات لم تجد الجواب الشافي لها.

خاصة وأن هناك أسئلة كبيرة تطرح نفسها انطلاقاً من كون حماس تحتل 60% من مقاعد المجلس التشريعي المنتخب، وهو الذي يعتبر رأس هرم الشرعيات في النظام السياسي الفلسطيني.([31])

وربما يأخذ طابع الخلاف والنزاع مداه الواسع بالنظر إلى المناسبات والأحداث الهامة التي تعصف بالقضية الوطنية الفلسطينية بين الحين والآخر، لاسيما حين تريد السلطة، وفتح تحديداً، الإعلان عن مؤتمر صحفي أو خطاب للرئيس محمود عباس، ولكل مؤتمر أو خطاب شكله وطابعه الذي يحرص على أن يأخذه متمثلاً بصيغة "الإجماع"، للإيحاء بـ"الشرعية الوطنية والشعبية والمرجعية".

في المقابل، فإن حماس التي حازت على الشرعية الانتخابية عبر صناديق الاقتراع، وهددت بإقامة جسم يضم فصائل المقاومة في الخارج، ويشكل مرجعية وطنية، ولا تكون بديلاً عن المنظمة، لا يبدو أنها جادة في هذا المسعى، وللتذكير فما إن سمعت السلطة وقيادة فتح في حينه بالأمر، حتى ذهبوا إلى القاهرة للتواصل مع حماس، لثنيها عن هذا التوجه، خوفاً من حلول هذا الجسم بديلاً عن المنظمة.

حماس من جهتها، قابلت خطوة السلطة فيما يتعلق بالمرجعيات بخطوة مماثلة في الخارج، لكنها شكلية، فجمعت في مؤتمراتها قادة الفصائل وأمنائها العامين وعدداً كبير من الشخصيات السياسية الاعتبارية والوطنية والكتاب، لإقامة نوع من التوازن بين الفريقين.([32])

علماً بأن حماس، ورغم نجاحها في التفاهم مع قادة فصائل المقاومة، وإفلاحها في جمعهم مع عدد كبير من الشخصيات السياسية الوطنية والاعتبارية والمثقفين في الخارج لحضور مؤتمراتها، إلا أنهم سرعان ما ينفضون بعدها، ولم تفلح حتى اليوم في خلق جسم وطني شرعي مرجعي يجمعهم في الخارج، ويعبئ الفراغ الذي تركته السلطة في الخارج.

أكثر من ذلك، فلم تصل لمرحلة التوازن الحقيقي بين الأجسام الوطنية التي تماهت مع السلطة، وتم "حشرها" في الداخل، وبين هذا الجسم الذي يجمع قادة الفصائل المقاومة والشخصيات الوطنية والمفكرين.

ورغم أن المجلس التشريعي، أكثر الأجسام الوطنية شرعية على الصعيد الفلسطيني، إلا أن حماس التي واصل نوابها في غزة، بعد أن غيب الاحتلال نحو ثلثي نوابه خلف القضبان، عقد الجلسات لإقرار القوانين والموازنات، والقيام بمهمة الرقابة على السلطة التنفيذية، ولم تعمل على دفع نوابها في الضفة المحتلة الذين أفرج عنهم من سجون الاحتلال لأخذ مواقعهم كنواب شرعيين منتخبين وممثلين حقيقيين للشعب.

في حين، فاجأت الدعوة التي أطلقها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس لإيجاد مرجعية بديلة لمنظمة التحرير، الكثير في الداخل والخارج، ولقيت معارضة من قبل الفصائل والقوى المنضوية تحت لوائها، باعتبارها دعوة متسرعة، يمكن تصنيفها ضمن القرارات والتصورات السياسية الخاطئة لحماس.

وهي دعوة اتفقت بالتأكيد مع فكرة رأت بأن نقطة الانطلاق الحقيقية لطرح موضوع المرجعيات والشرعيات قد يتطلب بناء وتفعيل أسس جديدة، واستناداً للتطورات الحادثة على الأرض وموازين القوى الجديدة في الساحة الفلسطينية، ووصلت حد الدعوة إلى إنشاء مؤسسة أو إطار جديد يبنى من الصفر، بالقول: "هل من الضروري أن نبحث في إعادة بناء المنظمة نفسها أم بناء غيرها، طالما أننا متفقون على مشروع منظمة التحرير فيمكن أن يكون هناك مؤسسة تبنى من الصفر؟".([33])

في ضوء أن حماس باتت ترى أن شرعية منظمة التحرير لم تعد موجودة، لأنها تنازلت عن جزء كبير منها، ونازعتها فيها أطراف أخرى، فبعد اتفاق أوسلو فقدت المنظمة شرعية التمثيل الفلسطيني الكامل، حيث فقدت شرعية تمثيل اللاجئين لأنهم أصبحوا خارج السياق، وفقدت شرعية تمثيل فلسطينيي 1948، بل فقدت شرعية تمثيل الفلسطينيين الذين هم خارج نفوذ مناطق السلطة.

صحيح إن منظمة التحرير تعيش اليوم وضعاً بائساً، بفعل تعطيل ميثاقها وأدواتها النضالية التي عرفت بها منذ إنشائها، لكن هذا لا يبرر الدعوة لإلغائها، خاصة وأنها المنظمة الوحيدة التي يعترف بها العالم أجمع، وأصبحت ذات ثقل سياسي لا يستهان به.

في المقابل، فإن الحديث عن الشرعيات يلزمنا بقراءة تطوّرات الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والجزم بأن هذه الحرب أدت فعلاً إلى ترميم ما تصدّع من شرعية حماس، وسحبت ما تبقّى من شرعية من تحت أقدام السلطة، حيث يرى الكثيرون في حرب غزّة إعادة لمعركة الكرامة عام ١٩٦٨ التي انتزعت بعدها فتح المبادرة في قيادة المقاومة بعد هزيمة ١٩٦٧، وأكسبها شرعية عالية في الأوساط الفلسطينية، مكّنتها من إعادة صياغة منظمة التحرير كائتلاف بين مختلف القوى السياسية المسلّحة، الأمر الذي احتكرت معه فيما بعد حق التمثيل الحصري للشعب الفلسطيني.

وبالتالي جاء الصمود الذي حقّقته غزّة، ليعطي حماس فيها شرعية إضافية، وانتزع ما تبقّى من شرعية السلطة، واستتبع المطالبة بإعادة صياغتها مرّة أخرى، بعد أربعين عاماً على معركة الكرامة.

وإذا كان هذا المنحى طبيعياً، فلا يقتصر إعادة تشكيل الشرعية الفلسطينية على المواقف المتعارضة، بل يتجاوزها للمرجعيّات الفلسطينية، العربية، وغير العربية، التي تدعم السلطة وحماس على حد سواء.

في حين ترى أوساط أخرى، أنه يمكن القول إن حرب غزّة عمّقت الانقسام الفلسطيني وبلورته بصورة لم يعد معها مقبولاً أن تستمرّ المؤسّسات القائمة على ما هي عليه، ومعروف أن حماس منذ قيامها رفضت الانخراط في النظام السياسي القائم، منظمة التحرير ضمناً، ورفضت الاعتراف بالشرعية القائمة، وطرحت نفسها بديلاً.

مع العلم، بأنه يبدو من الصعوبة بمكان اعتبار هذه التطوّرات بمثابة تحوّلات فرضتها الظروف الموضوعية، أو نوعاً من النضج السياسي لحركة باتت في موقع المسؤولية والسلطة، لكن الأمور لم تكن على هذا النحو، فثمّة مستويان في خطاب حماس في مسألة المرجعيات والشرعيات:

مستوى الخطاب الأيديولوجي ويتعلّق بالثوابت والأساسيات.

المستوى السياسي أو التكتيكي.

وبالتالي ترى بعض الأوساط السياسية المراقبة لسلوك حماس المتعلق بالمرجعيات الوطنية، أن المسألة هنا لا تتعلّق بنوع التعامل، أو المزج العقلاني بين الأيديولوجي والسياسي، والثابت والمتحوّل، المسألة في النهاية أن حماس، كما ترى تلك الأوساط، لا تولي أهميّة للمرجعيّات أو الشرعيات الدنيوية، شرعية منظّمة التحرير لا تعني لها شيئاً، وبطبيعة الحال شرعية السلطة المرتبطة باتفاقات أوسلو مع إسرائيل!

وفي النهاية، فإن حماس، بأجندتها الإسلامية، ليست معنيّة بالكيانية السياسية، ولا بمدلولات الهويّة الوطنية الفلسطينية، بقدر ما هي معنيّة بأيديولوجيّتها العقائدية.

والذين يعرفون حماس من الداخل يقولون أن الحركة تعيش اليوم في تقييمها لمسألة المرجعيات بين مسارين، لكل منهما مستلزماته:

المسار السياسي: محدود في المكان والزمان.

المسار الديني: أعمق من المكان والزمان.

والمشكلة الأساسية تتعلّق بمرجعية الحركة بين كونها حركة وطنية فلسطينية مرتبطة بمتطلّبات النظام السياسي "السلطة والمنظّمة"،وكونها حركة إسلامية ذات مرجعيّات أبعد أيديولوجياً وتنظيمياً وإقليمياً.([34])

وفي نهاية المطاف، فإن حماس حركة تتطلّع لأن تصبح "أم المرجعيات الوطنية الفلسطينية"، وتؤمن بالصعود إلى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية، دون أن تتخلّى عن ثوابتها كحركة إسلامية ذات مرجعيّات تتناقض مع مرجعيّات السلطة، واستطراداً منظمة التحرير.

وهذا قد لا يتعارض مع مساعي حركة حماس لإحياء فكرة إنشاء مرجعية جديدة للفصائل المسلحة، لا تتعارض مع مرجعية منظمة التحرير، وهي فكرة تمت مناقشتها خلال اجتماع لجنة المتابعة العليا للمؤتمر الوطني الفلسطيني الذي استضافته دمشق أواسط عام 2009، بمشاركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة.

وتتلخص الفكرة بتشكيل جبهة تعد مرجعية لجميع قوى وحركات المقاومة، دون أن تكون بديلاً أو منافساً لـ"منظمة التحرير"، بعد أن باتت هذه المرجعية ضرورية ما دامت المنظمة "مختطفة" لدى قوى تعارض المقاومة، وتحاول عرقلة أي تطوير أو إعادة هيكلة لها.

وهنا ربما أن مشكلة حماس الحقيقية تتمثل في أن "اختلاق" مرجعيات جديدة، لابد أن يواجه بمعارضة عربية إقليمية، في ضوء أن هناك ثمة إشكاليات تحكّمت في درجة انفتاحها على الأنظمة العربية أهمها أن حركة هذه الأنظمة تخضع لمحددات وعوامل داخلية وخارجية من بينها:

التوافق الرسمي العربي على المضي في عملية التسوية كخيار استراتيجي.

الحملة الأمريكية على "الإسلام السياسي" وقوى المقاومة عموماً، تحت ذريعة "محاربة الإرهاب".

بعض النظم العربية، وهي تقارب حماس، تأثرت بخصومتها السياسية المزمنة مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل المرجعية التنظيمية الأولى للحركة.([35])

رابعاً: حماس والسلطة الفلسطينية

بالرغم من افتقار حماس لنموذج مسبق للحكم، فلا ينتقص من أصالتها كحركة سياسية واجتماعية فلسطينية تعبر عن سيرورة تاريخية، ونتاج تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ولا يقلل من كونها باتت لاعباً أساسياً في كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، بجانب أهمية تطورها ونضوجها السياسي، واكتسابها خبرات عملية في كل المجالات ذات الصلة.([36])

علماً بأن حماس بنت موقفها لتشكيل الحكومة العاشرة في مارس آذار 2006 انطلاقاً من أربع فرضيات أساسية:

لا يزال الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة تحرر وطني، مما يتطلب مشاركة الجميع في جهوده لمواجهة مشروع الاحتلال الإسرائيلي، وأن مشروع التسوية لم يعد له مكان، والخيار الماثل الآن هو كيفية إدارة الصراع مع الاحتلال، ويكون من واجب الحكومة القادمة تضافر جهودها وطاقاتها لإدارة هذا الصراع.

قناعتها بأن فوزها في الانتخابات، وفرصة تشكيل الحكومة منفردة، لا يعني أن التاريخ سيبدأ من فوزها، وهي بالتالي مطالبة بأن تلغي كل ما سبق من جهود، لأن المسيرة يجب أن تستمر قدماً إلى الأمام، بناء على ما بني من إيجابيات، وتصويباً لما ترى أنه سلبيات.

السلطة القائمة ليست ذات سيادة حقيقية، وبالتالي فـ"حماس" ترى أنها بحاجة لمشاركة الجميع لمواجهة الاحتلال الذي ما زال ينتزع السيادة الحقيقية.

تدرك حماس أنه لا وجود فعلي لنظام سياسي فلسطيني حقيقي طوال العقود الأربعة الماضية، بقدر ما كان هناك حالة سياسية يقودها تنظيم بعينه، ممثلاُ بـ"فتح"، ويريد من الآخرين، بمن فيهم حماس، ملحقاً له ولسياساته، وبالتالي أتت نتائج الانتخابات لتعطي فرصة للجميع لبناء النظام السياسي الجديد للمشاركة في صناعة القرار وتحمل المسئوليات.([37])

وهو ما تجلى في برنامج الحركة الانتخابي تحت عنوان: التغيير والإصلاح، حيث جاء شاملاً وتفصيلياً لقيادة السلطة الفلسطينية، من خلال حديثه عن إدارة المجالات المعيشية الحياتية للفلسطينيين:

فمن حيث المنطلقات الفكرية أو المرجعيات العقيدية، أكد استلهام المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، باعتبارها المصدر الأساسي للتشريع، وأن الإسلام نظام شامل يحترم الإنسان ويحفظ له حقوقه ويلزمه بتأدية واجباته بالتوازي مع حقوق المجتمع، وتكريس ثقافة الحوار واحترام كل الآراء، شرط عدم تعارضها مع العقيدة، وعدم تجاوزها للمعروف والمألوف.

في الجانب الاقتصادي، دعا لبناء نظام اقتصادي فلسطيني مستقل عن إسرائيل في الوقت المناسب، والعمل على توجيه الموارد المتاحة لتعزيز مقومات الصمود وتشجيع الإنتاج، مع تأكيد الحرص على بناء علاقات اقتصادية مع الدول العربية والإسلامية، والانفتاح على باقي دول العالم.

في مجال التربية والتعليم، شدد على تطوير المناهج بما يواكب التطور التقني الحديث ويحافظ على قيم الشعب وأخلاقه، وتبني استراتيجيات تعليمية تركز على الكفاءة والنوعية، والاهتمام بالعلوم الإنسانية وتنقيتها من "اللوثات الفكرية"، وضمان تناسب مخرجات التعليم العالي مع احتياجات المجتمع من حيث الكوادر المتخصصة ونوعية الأبحاث.

في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، دعا إلى سن تشريعات تراعي خصوصيات الشعب الفلسطيني وقيمه وتراثه، وتحقيق أجندة الإصلاح الإداري بتبني مفهوم الإدارة الرشيدة، والإصلاح السياسي على أساس مبدأي الشورى والتداول العملي للسلطة، وإجراء إصلاحات دستورية تشكل مدخلاً لتنمية سياسية شاملة، والإصلاح القضائي الشامل.([38])

في مجال السياسات الثقافية والإعلامية، شدد على مبدأ التعدد وحرية التفكير والتعبير وحق الاختيار، وإتاحة فرص الوصول للمعلومات، ووقف تدخلات الأمن في الشأن الإعلامي، ورفع الوعي المدني بالحقوق والواجبات والمسؤوليات، وتحصين الشباب من الإفساد والتغريب والغزو الفكري والتطبيع.

في السياسات الاجتماعية، تبنى إستراتيجية مكافحة الفقر كمدخل للتنمية الشاملة، مع تشجيع المشاريع التنموية وخبرات المجتمع لتلبية بعض احتياجاته، والنهوض بالمستويات المختلفة للمرأة والرجل وحماية الطفولة ورعايتها، والاهتمام بالمؤسسات الشبابية وتشجيع الرياضة والفن الملتزم.

ما يتعلق بالموقف من المرأة، أكد على حقوقها الشرعية والمدنية، ودعا لإعادة وضع قانون أحوال شخصية واحد مستنبط من النصوص الشرعية والمذاهب الفقهية المعتمدة، واختيار ما يتناسب مع تطور المجتمع الفلسطيني المسلم، وفي إطار الحفاظ على النسيج الاجتماعي والأخلاقيات العامة وعدم انتهاك الثوابت الاجتماعية يجري تعزيز مكانة المرأة بعيداً عن العادات الوافدة والتقاليد الغربية الجامدة، والتأكيد على دور المرأة في القيادة الاجتماعية، وشراكتها في الجهاد والمقاومة في البناء والتنمية وتحصينها بالثقافة الإسلامية من عفة واحتشام والتزام، وتفعيل دور المنظمات النسائية وتوظيف الطاقات النسوية في العمل العام وبناء المجتمع.([39])

ورغم "مثالية" هذه البنود ورقيها، فقد وضعت الفترة التي انفردت فيها حماس بإدارة قطاع غزة أسئلة كثيرة بدون إجابة حول مدى التزامها بها!

إلى جانب أن حماس لم تقدم برنامجاً واقعياً يجمع بين مقتضيات الحكم في سلطة مقيدة ومنقوصة السيادة، ومحصورة في رقعة جغرافية محدودة، ومتحكم في منافذها، وبين متطلبات الاستمرار في برنامج المقاومة المسلحة.

كما اكتشفت الحركة أن النظام السياسي الفلسطيني، بالرغم مما بدا عليه من وهن، يمتلك تقاليد عريقة، ويضم قوى سياسية ومجتمعية متعددة، ويقوم على أسس وقواعد وآليات من الصعب تغييرها، وغاية ما حدث في المشهد الفلسطيني هو تعرض نظامه السياسي إلى حالة من "عدم الاستقرار".

وربما القاعدة السياسية القائلة أن "تجربة يوم في السلطة أغني من سنين في المعارضة"، تصلح لأن تعطي وصفاً للعلاقات الجدلية الصراعات المتشابكة التي دخلت فيها حماس منذ تشكيلها للحكومة، فهناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا من موقع كرسي السلطة.

فـ"حماس" التي ظلت 18 عاماً في صفوف المعارضة لـ"فتح"، وخارج منظمة التحرير وجدت نفسها في خضم صراعات وتشابكات داخلية وإقليمية وخارجية، تعاطت معها بمنطق الخطاب السياسي وفعل المقاومة، وجاء اليوم الذي تتفاعل مع هذه التشابكات من منطلق القابض على جمرة القرار السياسي.([40])

وإذا وضعنا صورة استعراضية للتحديات التي واجهتها حماس وما زالت تواجهها، نجدها موزعة بين مواقف القيادة السياسية داخل الحركة بين قيادات الداخل في غزة والضفة، وقيادات الخارج، وبين ضغوط القاعدة المتحمسة والأكثر أيديولوجية وأقل وعياً بالسياسة من جهة، ومن جهة أخرى تشابك صراعاتها مع فتح والسلطة ممثلة بالرئيس عباس حول الصلاحيات، ومن جهة ثالثة استيقاظ حماس على وضع غريب لم يشهده النظام السياسي الفلسطيني من قبل ممثلاً بوجود سلطة ذات رأسين: حماس في غزة، وفتح في الضفة!

وفي حين أخذت حماس على السلطة عدم شرعيتها بحكم أنها نتاج اتفاقيات مرفوضة مع الاحتلال، وفسادها، بحكم ما ظهر من ممارسات ومظاهر، فإنها قبلت عملياً بوظيفة حصرية لها، مرتبطة بإدارة الخدمات والرعاية وتأمين الأموال.

وفيما سار جدل حماس الداخل على خطى الفوضى الأمنية والاشتباكات المتقطعة، وبين حرب الشوارع والحرب الكلامية بين قيادات حماس وفتح، سارت اشتباكاتها الإقليمية بين محاولة خلق محور جديد مع سوريا وإيران على خط المواجهة مع الولايات المتحدة، وبين محاولة عدم خسارة الفاعلين الأكثر نفوذاً في القاهرة والرياض.([41])

فخطاب حماس ومواقفها العملية تعاطى مع أكثر من جمهور:

هناك الفلسطينيون المتطلعون للقمة العيش التي باتت صعبة المنال.

مؤسسة الرئاسة وفتح التي تضغط من أجل مواقف أكثر براغماتية واعتدالاً.

الأطراف الإقليمية التي تضغط حيناً لإعادة إحياء خارطة الطريق وتغيير خطاب حماس السياسي الرافض لمشروع التسوية، ويخشى حيناً آخر من اندلاع فوضي شاملة في الأراضي الفلسطينية في حال كسر حكومة حماس مما قد يقود لحالة فوضي إقليمية يخشى عقباها.

الموقف الإسرائيلي، فـ"تل أبيب" التي أعلنت عدم وجود شريك فلسطيني في التسوية منذ 2001، وجدت في صعود حماس دافعاً أكبر للسير قدماً في خطة الفصل الأحادية دون نقد أو إدانة دولية.

الموقف الدولي الذي يواجه معضلة مع حماس، لاسيما في سعيها نحو القبول بمساحة غير مرئية لاجتيازها تلك الضغوط الدولية، فرغم أنها ذات مرجعية دينية، إلا أنها غير صلبة، ولم يكن ممكناً التكهن أنها يمكن أن تحدث تغييراً استراتيجياً لثوابتها التقليدية التي أكسبتها الشرعية.([42])

ومع ذلك، فإن سلوكيات حماس وتكتيكاتها منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ومواءمتها للتغييرات الحاصلة، رأت بعض الأوساط المحلية والإقليمية والدولية بأن لديها القدرة على إتيان السياسة العملية دون خسائر جسيمة، وأن لديها قابلية لمزيد من المرونة إذا ما حصلت على "استحقاقات" كبيرة تعزز به مصداقيتها في الشارع، وداخل النظام السياسي، وبالتالي يمكن أن تتعامل مع الضغوط الخارجية من هذا المنطق.

وطالما أن الانتخابات التشريعية لعام 2006 جاءت –على الأقل في الناحية العلنية- آلية لتوسيع مشاركة حماس في النظام السياسي، وتصحيح أوضاعه الداخلية، بما يضمن أداءً فلسطينياً أكثر انسجاماً وتوحداً، وتنعكس آثاره على الحالة الداخلية، وعلى العلاقة مع الأطراف الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بملف التسوية السياسية مع إسرائيل.

لذا تنصح بعض الأطراف أنه كان يجب أن يتم احتواء حماس تزامناً مع نهجها "التغيير التدريجي طويل الأمد"، ودخولها النظام السياسي الفلسطيني من موقع المعارضة الفاعلة، وليست المانعة، إلا أن نتائج الانتخابات جاءت مربكة للقوى الفلسطينية المختلفة، وللأطراف الإقليمية والدولية.

على الرغم من أن حماس حاولت في العديد من المراحل التاريخية والسياسية المفصلية في مسيرتها، المواءمة بين العديد من التوجهات والسياسات، منطلقة من مرجعيتها الإسلامية، وإقامة دولتها من النهر إلى البحر، عبر أدوات أسلمة المجتمع في زمن الانتفاضة الأولى، ثم المقاومة المسلحة في زمن التسوية حتى انتفاضة الأقصى، ولاحقاً المزاوجة بين السياسة والمقاومة.

وعبر كل مرحلة من تلك المراحل، انطوى سلوك حماس السياسي على قدر عال من المرونة أهلها للصعود إلى قمة الهرم السياسي الفلسطيني، حامية بذلك وجودها من المخاطر الداخلية والخارجية، ولا يطيح بمنطلقاتها ذو المرجعيات الدينية.

وفي الوقت الذي شددت فيه حماس على سعيها لإنشاء كيان إسلامي، فهي لم تقدم سوى القليل من الأفكار المحددة حول الكيفية التي تعتزم بها تحقيق "فلسطين الإسلامية"، والشكل الذي ستكون عليه.

وما كانت الانتخابات التشريعية التي فازت بها الحركة بغالبية المقاعد، إلا أحد تكتيكاتها نحو التغيير، وهي المرحلة الانتقالية للعبور إلى النظام السياسي، وتعمل من داخله، فهل أمكن لها مواجهة تلك التحديات؟ وكيف تمكنت من مواءمة سلوكها السياسي في ظل تبعات واستحقاقات الانتقال من موقع المعارضة إلى ترؤس النظام ممثلاً بالحكومة، وفي ذات الوقت الحفاظ على شعاراتها وبرنامجها وثوابتها ومرجعياتها التي حصلت بموجبه على هذا التأييد الشعبي في الأراضي الفلسطينية؟([43])

وبالتالي، اعتبر وصول حماس إلى قلب النظام السياسي وقيادته، تحولاً دراماتيكياً هائلاً في بنيته وخطابه وطبيعته، وبالتأكيد لم يحدث هذا التحول فجأة، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمجموعة من العوامل والمؤثرات، وبنفس القدر، سيكون لقيادة حماس النظام السياسي أثرها البالغ على مستقبله، وسيشهد بالضرورة مزيداً من التحولات، لاسيما وأن العديد من القراءات المستقبلية لمرحلة ما بعد فوز حماس في الانتخابات، وتشكيلها للحكومة، وسيطرتها على قطاع غزة، قدرت بأن السمة الأبرز للنظام السياسي في ظل قيادة حماس سيكون "انعدام الاستقرار"، رغم أن السيناريو المطلوب لحالة العلاقة التي ستسود بين حماس والسلطة، أن تستقر على حالة من التعددية والشراكة وقبول الآخر، باعتماد الحوار والتوافق.([44])

فلم يكن من المرجح أن يستقر النظام على وضع جديد خلال السنوات التالية على الأقل، ومن المرجح كذلك، أن يتحول عدم الاستقرار هذا إلى أزمة شاملة للنظام من حيث الهوية والشرعية، والمؤكد أيضاً، أن إسرائيل معنية، خلال السنوات التالية للانتخابات، وفوز حماس، وتصدرها للمشهد السياسي الفلسطيني باستمرار حالة "عدم الاستقرار".([45])

هنا بالذات يمكن الحديث عن سلسلة من الخطوات الإسرائيلية بدأت ولما تنتهي بعد، للمساهمة الكبيرة في "إرباك" المشهد السياسي الفلسطيني، ونجحت في ذلك في بعض المحطات، وأخفقت في بعضها الآخر، وقد تمثل ذلك -كما سيأتي لاحقاً- بدءً برفض الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ورفض الحصار المطبق على قطاع غزة تحديداً، ومروراً باعتقال غالبية نواب حماس المنتخبين لتوهم، وانتهاءً بشن حرب دموية على الحركة في قطاع غزة، أواخر 2008 وأوائل 2009، وكل ذلك بموافقة أو تواطؤ أو غض طرف إقليمي ودولي مكشوف.([46]

وكان من المتوقع أن يتحدد النظام السياسي الفلسطيني، لاسيما علاقة حماس بالسلطة في ضوء عوامل متعددة، داخلية وخارجية:

العوامل الداخلية: والتي تتعلق بمشروع حركة حماس في شقيه السياسي والاجتماعي، بجانب التحولات الحاصلة في المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

العوامل الخارجية: لاسيما تلك المرتبطة أساساً بالفاعلين في المجال الإسرائيلي والإقليمي والدولي، وحجم المساهمة المؤثرة لهم في إرباك الساحة الفلسطينية.

ولعل ذلك تطلب بالأساس، ومنذ اللحظة الأولى، بل اشترط، تسليم فتح بهزيمتها الانتخابية، وانكفائها على ذاتها لترميم ما تصدع من بنيانها وهيبتها ومصداقيتها، وممارسة المعارضة الرسمية من قلب النظام، والكف عن إتباع إستراتيجية المناكفة، ودخولها بشراكة حقيقية مع حماس لتمكين الجبهة الداخلية وتحصينها، وهو ما حصل فعلاً، وبدأت حالة المناكفة ووضع العصي في دواليب حكومة حماس منذ اللحظة الأولى.([47])

وهو ما تم تفسيره على أنه إبداء من حماس على قدرة عملية للتحول إلى حركة سياسية ناضجة، تتحلى بالمرونة والعقلانية والرغبة في الشراكة الحقيقية، والامتناع عن فرض برنامجها الاجتماعي والسياسي بالإكراه على المجتمع والسياسة، وهو ما حصل فعلاً، حيث قدمت حماس مرونة وصياغات لغوية وسياسية كبيرة في خطابها السياسي لاستقطاب أكبر عدد من النواب والكتل البرلمانية إليها في حكومتها العاشرة، إلا أن وقائع الأيام والأشهر والسنوات التالية، أشارت إلى تفاقم الخلاف بين حماس ممثلة بالحكومة، وفتح ممثلة بالرئاسة، إلى الحالة التي أصبح معها لدينا نظامان منفصلان ومتعارضان، ونظام برأسين ومرجعيتين، وهي حالة تذكر مع الفارق، بالوضع الذي كانت عليه العلاقة بين حماس وتنظيمات المنظمة إبان الانتفاضة الأولى وما سبقها.

وبالتالي، استدعى هذا الواقع البائس تعميق حالة الاستقطاب، والانقسام العمودي في المجتمع، وفي السياسة والإستراتيجية، ما نجم عنها عدم استقرار وتعطيل قدرة النظام السياسي على القيام بوظائفه، وتلبية تطلعات الجمهور، وهنا بالذات، حصل التراجع في الاهتمام بالأجندة الوطنية لدى الطرفين معاً، حماس والسلطة، مع فارق أنها حضرت كموضوع للخلاف والمزايدة، وتسجيل المواقف وتبرير السلوك.

كما أسفرت هذه الحالة عن عجز النظام السياسي برأسيه عن القيام بخطوات جدية في موضوع الإصلاح، وتلبية حاجات الجمهور ومكافحة الفقر، وتحقيق نهوض تنموي حقيقي.

يبدو هنا من السطحية بمكان عدم التوقف عند طبيعة مشروع السلطة الفلسطينية من أساسه، باعتباره مشروع ممول دولياً، ومقبول إسرائيلياً، وبالتالي فعندما اجتمع الرفض الإسرائيلي مع وقف الدعم الخارجي، انكشفت سوءات هذا النظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد فوز حماس في الانتخابات، حيث تبين أن الأمر يتجاوز بكثير التداول السلمي للسلطة، إلى ما هو  محاولة لإدخال حماس في "بيت الطاعة الإسرائيلي"، وقد لعب النظامان الإقليمي والدولي دوراً خطيراً في دفع الأمور إلى هذا المستوى المتدهور.

بالطبع، أشارت كل الشواهد إلى أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، فإما أن ينهار النظام السياسي، ويدخل في فوضى عارمة، وإما أن ينصاع للضغوط التي تمارس عليه لدخول رأسيه في حوار جدي، و"توليد" شكل من التوافق وحل التناقضات والوصول لاستقراره، والاحتمال الآخر أن يتمكن طرف ما من الاستئثار بالسلطة وقيادة النظام السياسي، وهو ما وقع في حزيران 2007، حين سيطرت حماس على قطاع غزة.

في كل الأحوال، سيبقى النظام السياسي الفلسطيني هشاً وقابلاً للتغيير بتأثير عوامل داخلية وخارجية، في ظل تحولات مجتمعية مضطربة، مع انعدام السيادة الفعلية واستمرار حالة الانكشاف السياسي، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

حالة الاستقطاب التنظيمي الداخلي على الساحة الفلسطينية، بحيث لا تبدو الساحة المحلية تقليدية أسوة بغيرها من الساحات السياسية والحزبية.

وضع التراجع المتسارع لحركة فتح، تنظيمياً وسياسياً وإدارياً، وهي التي تقود – أو هكذا يفترض- مشروع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحالة التجاذبات الداخلية التي أعقبت وفاة المؤسس ياسر عرفات.

حجم التورط الإقليمي والدولي في الملف الفلسطيني الداخلي، أمنياً وسياسياً بالدرجة الأولى، ما يجعل الوضع الفلسطيني نهباً لمصالح متعارضة، وأحياناً متناقضة.

ويمكن القول أن التحولات البنيوية الحقيقية المحتملة في النظام السياسي تنحصر في أمور ثلاثة:

تحقيق هيمنة مطلقة لحماس على النظام.

انهياره بالكامل، وفرض الوصاية الخارجية.

إعادة إنتاج لذات النظام القديم الذي اتسم بالهشاشة والتعدد الشكلي، والاستناد على حالة توافقية أو تناحرية فصائلية، وليست مجتمعية، مع ضعف شديد في القدرة على تلبية المتطلبات الأساسية منه، وسيظل رهيناً العامل الخارجي المقرر، وتحديداً الإسرائيلي.

 

أخيراً، لابد من تسجيل بعض الملاحظات:

هذه النقلة الهائلة في موقف حماس من السلطة لا يُفسر إلا بنجاحها في تبوأ سدتها، وليس بتغير طبيعتها ومحدداتها، فالسلطة، لا زالت مقيدة السيادة، وملزمة بالاتفاقيات المبرمة.

لم تعط حماس توصيفاً مختلفاً للسلطة، ما يعني قبولاً مبدئياً بجوهرها ووظيفتها، ولو امتلكت بديلاً حقيقياً لطرحته، واستبدلت به مسيرة أوسلو وإفرازاتها.

إعلانها إمكانية عقد هدنة طويلة مع الاحتلال، وهو ما قد يتنافى للوهلة الأولى مع مواقفها وسلوكها قبل الانتخابات، ومع ضرورة استمرار الكفاح الوطني بأشكال مختلفة وملائمة طالما بقي الاحتلال.

"إن أخطر ما تعرضت له القضية الوطنية من انحراف وتشويه وما أفضى بمنظمة التحرير إلى الإفلاس هو تسرب منطق الدولة واستيلاؤه عليها، وهي لمّا تتحول إلى نصف دولة، كما لا تزال أرض فلسطين ومياهها وبحارها وكل شيء فيها تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو ما يحتم على حماس إعادة الأمور إلى نصابها، ووضع القضية في إطارها الصحيح بأنها تحرير وطن محتل، وإعادة صياغة كل شيء ولو بتدرج، ووضع السلطة في موضعها الصحيح، بالنزول بها إلى حقيقتها الفعلية أنها مجرد "إدارة خدمات تعليمية وصحية".

أخيراً، فإن القراءة الإدارية والميدانية لعلاقة حماس بالسلطة خلال السنوات الأخيرة الماضية تشير إلى ما يمكن أن يوصف بـ"قصور واضح" في تجربتها، يكمن في عدم تهيئة قواعدها ومناصريها لعملية التحول السياسي، وتجربة الحكم التي بدأت عام 2004، وتوجت بالفوز في الانتخابات التشريعية عام 2006.

حيث لم تتحدث أدبيات الحركة حول هذا التوجه، ولا خطابات القادة والزعماء، إلا قليلاً، ما انعكس على أرض الواقع بعدم تجهيز الإمكانات والطواقم المؤهلة لقيادة عملية التغيير هذه، بعكس التجارب الإسلامية الأخرى كالسودان وتركيا التي أعدت العدة لاستلام زمام الأمور في بلادها يوماً ما، وهو ما لا يعني الحكم بالفشل على تجربة حماس، فهي وإن شاب تجربتها السياسية قصور في جانب ما، فقد أنجزت في جوانب أخرى لعل أبرزها موضوع المقاومة الذي تبوأت فيه الحركة الصدارة بين نظيراتها.([48])

هنا يمكن الإشارة بصورة واضحة إلى إخفاق الحركة في الجمع بين حالتي السلطة والمقاومة في آن واحد، وهو الأمر الذي حذره منها جهات كثيرة، فيما بقيت الحركة ترفع شعارها المؤكد على الجمع بينهما، وقد جاءت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة 2008-2009 لتؤكد مصداقية تلك التحذيرات، وعدم تحقق شعار حماس، فقد انتهت الحرب ضمن حالة وقف إطلاق نار من طرف واحد، ودون ثمن، مع بقاء الحصار على حاله.

خامساً: حماس والانتخابات

تفردت السلطة الفلسطينية ومؤسساتها بالقرارات والموارد مستثنية إلى حد كبير جميع القوى والفصائل، وهو ما دفع بحماس لمقاطعة الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1996، مؤكدة على عدم شرعية السلطة من ناحية، والاستمرار في نهج المقاومة من ناحية ثانية.

واتبعت الحركة إستراتيجية المواجهة المسلحة مع الاحتلال من جهة، والمواجهة السياسية مع السلطة من جهة ثانية، مما شكل إحراجاً متواصلاً للأخيرة وقيادتها.

علماً بأن مقاطعة الحركة للانتخابات التشريعية الأولى عام 1996 استندت إلى رأي سياسي صرف، تحكمه مسوغات سياسية بالمقام الأول، ويستند لمصلحتها والمكاسب أو الخسائر التي ستعود عليها في حال قررت المشاركة أو المقاطعة، ولم يكن هناك من دور للإطار الفقهي القائم على مبدأ الحلال والحرام، لكن ذلك لا يعني إغفال أن سلوك الحركة آنذاك انتابه شيء من الارتباك والتردد فيما يتعلق بمسألة الانتخابات، والعلاقة مع السلطة.

وإلا كيف نسوغ فعل الحركة آنذاك بإرسال تعميمات داخلية لجميع أفرادها عشية الانتخابات، تترك لهم حرية المشاركة في عملية الاقتراع، بل والطلب منهم دعم بعض المرشحين دون غيرهم، رغم سابق إعلانها مقاطعة العملية برمتها!([49])

وخلقت انتفاضة الأقصى التي اندلعت أواخر العام 2000، مناخاً عزز التفاهم المبدئي بين الجانبين، وتجاوزه إلى ما يمكن تسميته بـ"التعاون التنافسي"، كما ساهم الرد الإسرائيلي ضد الانتفاضة في تقارب الأطراف المتنافسة، وتبني خطاب مشترك امتزجت فيه التعبيرات الوطنية بالدينية، وفي الوقت الذي أُنهكت فيه السلطة بالفساد وسوء الإدارة وباستهدافها من قبل الاحتلال، وبدا أن مشروعها وصل طريقاً مسدوداً، تعززت شعبية حماس.

وإذ أصبحت السلطة غير قادرة على مواصلة الحكم، بدت حماس راغبة بالمشاركة، وبالحصول على دور أكبر فيه، لكن قيادتها تمهلت في اتخاذ خطوات عملية باتجاه دخولها النظام السياسي، لرغبتها في تحقيق ذلك بطريقة تضمن لها قوتها وتحفظ كرامتها، وبحصولها على ضمانات، والأهم لخشيتها من أن تكون قيادة السلطة تسعى لاحتوائها، والسيطرة عليها عبر إدماجها بالنظام.

وقد خلقت وفاة ياسر عرفات، واختيار محمود عباس لرئاسة المنظمة، وانتخابه لاحقاً لرئاسة السلطة، ظروفاً جديدة لمزيد من التقارب، حيث قامت فرضية الأخير على أن تحقيق برنامجه السياسي يقتضي بالضرورة التعاون مع حماس، فعرض عليها المشاركة في السلطة، والاندماج في مؤسساتها، وبات واضحاً أنه يراهن على واحد من أمرين:

إما انصياع حماس لمنطق السلطة، مقابل حصولها على مظلة شرعية تحميها من عنف الإسرائيليين، وملاحقة الإدارة الأمريكية في حربها ضد "الإرهاب".

وإما توفير المبررات اللازمة لاتخاذ إجراءات رادعة ضدها.

وقد تهيأت الحركة لاستلام قطاع غزة بعد انسحاب قوات الاحتلال منه وتفكيك مستوطناته أواخر العام 2005، وكرست شعار أن "المقاومة نجحت في بضعة سنوات فيما فشلت المفاوضات في تحقيقه"، وخاضت انتخابات الحكم المحلي بكفاءة عالية فحققت فوزاً كبيرا، وتهيأت للانتخابات التشريعية، حيث التقطت هذه الفرصة التاريخية بحساسية فائقة من خلال تحسس نبض الشارع الفلسطيني وتوجهاته، وفيما بدا أنه تغير في مواقفها، راهن البعض على إمكانية ترويضها واحتوائها، وتبين لاحقاً أنه مجرد تكتيك، وذكاء عملي براغماتي.

وإلى جانب الاعتبارات الداخلية لحركة حماس في ترجيح قرار المشاركة في الانتخابات هذه المرة، لا يمكن إلى حد كبير تجاهل الاعتبارات الخارجية، من حيث تشجيع الأطراف الإقليمية والدولية على المشاركة في الانتخابات، والالتزام بتوفير الضمانات الدولية على نزاهتها، والإشراف عليها، مما كان له تأثير كبير في تشجيع حماس على المشاركة، التي أرادت لها تلك الأطراف أن تسفر نتائجها عن تواجد محدود للحركة في المجلس التشريعي، يمكن احتواؤه وتدجينه وترويضه في وقت لاحق.

وأصبح بوسع حماس دخول النظام السياسي وهو في أضعف أوقاته، من خلال الشواهد التالية:

أزمة السلطة الفلسطينية.

وهن القيادة وترهل فتح.

تمتع حماس بشعبية جارفة.

انسداد أفق العملية السياسية.

تصاعد وتيرة العنف الإسرائيلي غير المسبوق.

انشغال دولي عن الملف الفلسطيني، وتراجع أولويته أمريكياً في عهد الرئيس الجمهوري "جورج بوش" الابن، ولم يعد أحد شواغل سياسته كما كان الأمر في عهدي سلفه وخلفه الديمقراطيين "بيل كلينتون"، و"باراك أوباما".

ولم يعد أمام الحركة ما تخشاه من دخولها النظام السياسي دون أن يغير إستراتيجيتها وطبيعتها، فالظروف تهيأت لها أن تحقق ما تريده من داخل النظام نفسه، دون الخوف من تأييد عملية ستحدث انقساماً عميقاً فيها، أو ترغمها على إعادة النظر في مبادئها الأساسية.([50])

وأدركت الحركة، أن ثمة تصادف بين مجموعة من الأحداث مكنها من دخول النظام السياسي، والسيطرة عليه من الداخل بتكلفة زهيدة، قد لا يتحقق مرة أخرى في المدى المنظور.

علماً بأن الواقع السياسي الجديد بعد اتفاق أوسلو، فرض مرحلة مختلفة من العلاقات بين حماس والنظام السياسي، إذ اضطرت للتعامل فيه مع الوجود الفعلي للسلطة بحكم الاحتكاك اليومي المباشر، لكنها لم تقبل المشاركة فيها أو المشاركة الانتخابات الأولى عام 1996، حتى لا تضفي مزيداً من الشرعية على اتفاقات التسوية، لاسيما اتفاقية أوسلو.

وأمام جملة المتغيرات السياسية الكبيرة التي شهدتها الساحات الفلسطينية والإقليمية والدولية، بدءاً من انهيار عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، ومروراً بوقوع أحداث 11 أيلول 2001، وما نتج عنها من احتلال للعراق، وانتهاءاً برحيل الرئيس ياسر عرفات وتغيير النظام السياسي الفلسطيني، تغير موقف حماس لتقبل المشاركة في ذلك النظام.

وبمشاركتها في الانتخابات التشريعية الثانية، حققت حماس فوزاً كاسحاً على فتح التي حكمت النظام على مدار أكثر من 35 عاماً، وتمكنت من تشكيل الحكومة منفردة، وفقاً لبرنامجها السياسي الخاص المتباين مع برنامج فتح، ولا يعترف بأوسلو سقفاً للانتخابات التشريعية.([51])

 وقد دفع ذلك بإسرائيل والولايات المتحدة وغالبية أعضاء المجتمع الدولي لأن يفرضوا حصاراً اقتصادياً وسياسياً على هذه الحكومة الوليدة.

وكان من تداعيات ذلك، وجود سلطة برأسين، الرئاسة والحكومة، متباينتين في البرامج والمواقف، ومتنازعتين على الصلاحيات، وبهذا، دخل النظام السياسي أزمة سياسية خانقة، هددت جدياً بتجاوز الخطوط الحمراء ووقوع الاقتتال الفلسطيني الداخلي، علماً بأن مرحلة الانتخابات التشريعية وما تبعها، تعتبر من أعقد المحطات في سياق العلاقة بين حماس والنظام السياسي، ووضعت جميع الأطراف أمام تحديات لم يكن من السهل الفكاك منها.

فخيار المشاركة بتلك الانتخابات بالنسبة لحماس لم يكن الأكثر دقة، لأنه كان واضحاً منذ البداية ضرورة أن تُليّن من خطابها، وأن تُدخِل نفسها إلى صيغة سياسية تحفّظت في الماضي على أسس تكوينها، واتضح لاحقاً أنها لم تكن كاملة الجاهزية للاشتباك السياسي البنّاء معها.

أما خيار مقاطعتها بالمقابل، فكان صعباً، خاصة بعد أن رأت أنها بلغت شأناً من القوة والحضور يصعب معه التراجع للخلف، والبقاء خارج النظام القائم، لأن من شأن ذلك خدش مصداقيتها بعيون جمهورها.

وبات من الواضح أن أيا من خياريْ المشاركة أو المقاطعة لم يكونا الأمثل لحماس، لأنه ترتب على كليهما تغيير هام في فكرها وسلوكها، فإما التعايش مع الآخرين وفق قواعد لم تشارك بصياغتها، وإما الخروج من العلنية والعودة إلى السرية، ما يعني الميل مجدداً نحو الراديكالية والتراجع إلى الوراء.

ولكي لا تُضَحّي الحركة بأي منهما، فقد ابتدعت ما أسمته بـ"المشاركة المُقاوِمة"، وأنتجت لاحقاً ما أسمته بـ"الحكومة المقاومة"، وصولاً إلى ما باتت تعلن أنه "مزاوجة بين السياسة والبندقية"، أو ما كان يعرف في عقود سابقة في تاريخ القضية الفلسطينية بـ"الاقتصاد المقاوم".([52])

سادساً: حماس وفصائل منظمة التحرير.. فتح نموذجاً

أسفرت انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 عن حسم التنافس الحقيقي بين حركتي فتح وحماس، بتغلب الثانية بنسبة كبيرة من المقاعد البرلمانية، ما عبر بصورة أو أخرى عن اختلاف موازين القوى الداخلية على الساحة، إلا أن ذلك لم يأخذ طريقه الطبيعي والمتوقع في الأيام التالية، حيث سعت حماس لإشراك فتح، كما باقي الفصائل، في الحكومة العاشرة، ودارت حوارات كثيفة معها، لمدة خمسة أسابيع، قدمت فيها مرونة سياسية في برنامجها الحكومي، لكن هذه الحوارات لم تخلص إلى نتيجة إيجابية.

وتعتقد حماس، أن الأزمة الحقيقية التي عصفت بالنظام السياسي فور فوزها في الانتخابات، وتشكيلها للحكومة، أن فتح بنت السلطة كمؤسسة فتحاوية، وليس كمؤسسة وطنية، فالأجهزة الأمنية والموظفون المدنيون غالبيتهم الساحقة من الفتحاويين، وشكلت السلطة ما عرف بـ"لجنة السلامة الأمنية" تركزت مهمتها في حظر توظيف أي من الفلسطينيين ممن لهم ارتباطات تنظيمية أو فكرية بحماس!

أكثر من ذلك، باتت فتح فعلاً "مستفزة" نتيجة للانتخابات، وأعلنت "نظرياً وإعلامياً" اعترافها بنتائج الانتخابات، لكنها "عملياً وميدانياً" أتقنت "وضع العصي في دواليب حماس"، وجاء تكتيكها متمثلاً بـ:

"كسب الوقت"، لوضع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة في مأزق دستوري وقانوني، يفشل بموجبه في مهمته، وبالتالي يحال تشكيلها لشخص آخر.

أعلنت مباشرة أنها لن تشارك في أي حكومة، وطالبت خلال الحوار أن يتضمن برنامج الحكومة شروط الرباعية، وانسجم خطابها مع برنامج الحصار الذي فرض على الأراضي الفلسطينية.

أوصلت رسائل للقوى والفصائل والشخصيات التي حاورتها حماس للمشاركة في الحكومة، بأن مشاركتها في حكومة وحدة وطنية مع حماس يعني أن الولايات المتحدة ستعاملها كما تعامل الحركة، وأنها ستدرج على قائمة "الإرهاب".

رفض رئيس السلطة، محمود عباس، اصطحاب رئيس حكومته اسماعيل هنية في حينه، إلى القمة العربية في آذار مارس 2006.([53])

سحب الرئاسة لصلاحيات واسعة هي في الأساس من مهام الحكومة، كالإعلام، المعابر، والأمن.

الوصول بالحالة الفلسطينية إلى مؤشرات فوصى عارمة ممثلة بظاهرة "الفلتان الأمني المبرمج"، والإضرابات المسيسة، وإغلاق الشوارع، وحالات القتل المنتشرة في قطاع غزة والضفة الغربية.

            وهكذا أخذت كرة الثلج تتدحرج رويداً رويداً إلى أن وصلت إلى يونيو حزيران 2007، وما وقع خلاله من أحداث دامية أسفرت عن سيطرة حماس على قطاع غزة حتى كتابة هذه السطور، وهي سنوات اتسمت علاقة الجانبين، فتح وحماس، بالعداء المستحكم.

            فقد شعرت فتح أنها أصيبت بانتكاسة ثانية، بعد الانتكاسة الأولى الممثلة بهزيمتها في الانتخابات التشريعية، وجاءت سيطرة حماس ميدانياً على قطاع غزة لتعتبر هزيمة أمنية عسكرية، مما ولد لديها ردود فعل قاسية باتجاه عناصر حماس وكوادرها في الضفة الغربية.([54])

            وجاءت الحرب الإسرائيلية على حماس في غزة، بما خلفته من دمار وشهداء بين يومي 27/12/2008- 18/1/2009، لتدفع من جديد جهود المصالحة الداخلية بين الحركتين، بوساطة مصرية.

وشهدت الشهور الثمانية التي تلت انتهاء الحرب انطلاقاً للحوارات الثنائية بينهما، إلى أن اقترب الجانبان مما بات يعرف بـ"الورقة المصرية للمصالحة"، التي وقعت عليها فتح وامتنعت حماس بسبب تغييرات قالت أنها أدخلت على الورقة الخاصة بالتوقيع، ما أدى بدوره إلى توتر حقيقي في علاقتها بمصر هذه المرة.([55])

حماس وفصائل من خارج المنظمة.. الجهاد الإسلامي نموذجاً

نظم ميثاق الحركة علاقاتها مع الحركات الإسلامية العاملة على الساحة الفلسطينية بالقول: "تنظر حركة المقاومة الإسلامية إلى الحركات الإسلامية الأخرى نظرة احترام وتقدير، فهي إن اختلفت معها في جانب أو تصور، اتفقت معها في جوانب وتصورات، وتنظر إلى تلك الحركات إن توفرت النوايا السليمة والإخلاص لله بأنها تندرج في باب الاجتهاد، ما دامت تصوراتها في حدود الدائرة الإسلامية، ولكل مجتهد نصيب، وحركة المقاومة الإسلامية تعتبر تلك الحركات رصيداً لها، وتسأل الله الهداية والرشاد للجميع، ولا يفوتها أن تبقى رافعة لراية الوحدة ، وتسعى جاهدة إلى تحقيقها على الكتاب والسنة".([56])

وبالرغم من هذا التجريد النظري، فإن البرود السياسي ظل ملازماً للعلاقة بين الحركتين، ويصعب فهمه وإدراكه دون اللجوء لتفسير النشوء التاريخي، حيث انبثقت الأنوية الأولى للجهاد من تنظيم الإخوان المسلمين في غزة، بسبب رفضها البقاء على خط الجماعة الهادئ تجاه مقاومة الاحتلال في حينه.([57])

ومع ذلك، يمكن القول إن الحركتين متقاربتان ليس في الأيديولوجيا الإسلامية فحسب، بل في الأهداف الإستراتيجية أيضاً، كتحرير كامل التراب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية، والمواقف السياسية الأساسية كرفض مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، والاستمرار في المقاومة.

ويمكن رصد العلاقة بين الحركتين خلال السنوات الأخيرة عبر جانبين مهمين:

المستوى الميداني المؤسسي.

نشاطهما العسكري في الداخل.

إذ يلاحظ أنهما لم تدخلان مرحلة التنسيق أو التقاطع المشترك على هذا المستوى، بل استطاع كل منهما تنظيم علاقاته مع القوى الأخرى المختلفة معها أيديولوجياً، وأن تدخل معها في نشاطات ميدانية مشتركة، دون أن يحدث مثل هذا الاشتراك بين الحركتين الإسلاميتين، إلا ما ندر!([58])

 أما عن العلاقات السياسية، فقد تغير خط بيانها صعوداً وهبوطاً بحسب الواقع السياسي الفلسطيني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أدنى نقطة وصلت إليها هذه العلاقة هي "التنافس التنظيمي"، وأقصى نقطة هي "المناصرة ووحدة الموقف"، خصوصاً في المسائل السياسية الكبرى، دون أن يعني ذلك التنسيق المشترك فيما بينهما في هذه الرؤى والمواقف.

ويبدو أن نتائج العلاقة في جانبها السياسي متأثرة إلى حد كبير بمستوى جانبها الميداني، لذا لم يكن من المتوقع حصول تغيير جذري في واقع العلاقة بينهما ما دامت البنى التحتية والقاعدية معزولة ومنفصلة عن بعضها البعض، أو ما دام التنسيق الميداني محدوداً ومتباعداً.([59])

وقد شكلت السنوات الأخيرة بداية توجه نحو إعادة صياغة العلاقة بينهما استناداً لما يمكن تسميته بـ"الوحدة الفكرية والسياسية والإستراتيجية"، سواء على صعيد "إسلامية المعركة" مع الاحتلال، أو رفض التنازل والتسوية السلمية للقضية الفلسطينية، أو المواجهة بالمقاومة المسلحة لجيش الاحتلال.([60])

            وهنا يمكن الحديث بإيجاز عن أهم عوامل التقارب بينهما:

النظرة إلى التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وما يتعلق بطبيعة العلاقة مع السلطة.

نمط إدارة الصراع مع الاحتلال عبر التأكيد على المقاومة، والعمليات المسلحة، بالرغم من عقد عدة اتفاقيات للتهدئة مع إسرائيل، وقدرة حماس على "إقناع" حركة الجهاد بها.

دور العلاقة المشتركة للحركتين بإيران وسوريا وحزب الله في التقريب بينهما، والتعاطي الإيجابي لحماس مع إيران وحزب الله، وقيام علاقات بينهم قائمة على المصالح المشتركة، وتوحيد العدو، مما انعكس إيجاباً على العلاقة مع الجهاد، لما له من ارتباط وثيق بتلك الأطراف، سواءً على الصعيد السياسي أو الإعلامي، أو الدعم المالي والمادي.([61])

سابعاً: حماس والمفاوضات مع إسرائيل

منذ اليوم الأول لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، أشعلت الأضواء الحمراء داخل أروقة مؤسسات صنع القرار الإسرائيلي، السياسية والعسكرية منها على حد سواء، ففوز الحركة لم يعد شأناً فلسطينياً داخلياً، بل يصب في صميم طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما استدعى عقد العديد من اللقاءات والحوارات داخل مؤسسات البحث والدراسات الإستراتيجية لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور داخل الساحة الفلسطينية التي غدت تسيطر عليها حماس.

وجاءت مسوغات التخوف الإسرائيلي من فوز حماس، على النحو التالي:

تعزيز البيئة المعادية لـ"إسرائيل": فقد أفضى صعود حماس لسدة الحكم إلى حدوث ارتباك في العقل الإستراتيجي الإسرائيلي، خصوصاً بعدما أصبحت البيئة الإستراتيجية الأمنية المحيطة بالدولة العبرية غير مريحة خلال عام 2006، عبر عدد من الشواهد، والعلاقة بين صعود حماس واحتمالات تغير موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط، ومدى استقلالية الحركة أو تبعيتها للسياقات الإقليمية، وفي المقابل، سبل تجنيد التأييد الدولي لتدعيم سياسة عزل حكومتها، ومن أهم هذه الشواهد:

العدو الداخلي ممثلاً بحماس، التي غدت تكتسب شرعية دستورية، وخاضت معها حرباً أسمتها "أمطار الصيف"، بعد أسر مقاتلي الحركة للجندي "شاليت" في عملية الوهم المتبدد،

الانتكاسة التي مني بها الجيش الإسرائيلي خلال حرب تموز أمام حزب الله، التي أطلق عليها "تغيير الوجهة"، رداً على عملية "الوعد الصادق" التي نفذها الحزب وأسر اثنين من الجنود الإسرائيليين،

تنامي الخطر الإيراني ممثلاً بالمشروع النووي، وافتتاح عهد جديد من العلاقات الفلسطينية الإيرانية بعد الزيارات التي قام بها نواب حماس ووزراؤها لطهران، وما قيل عن مساعدات مالية، وتدريبات قتالية لعناصر الحركة هناك،([62])

تزايد الحديث بصورة مركزة أكثر من أي وقت مضى، عن قرب المواجهة بين تل أبيب ودمشق، وهي أكثر المستفيدين والمرحبين بفوز حماس في الانتخابات،([63])

ربط مسيرة المقاومة الفلسطينية ببعض التيارات الإسلامية التي تناصبها إسرائيل والعالم الغربي العداء، خاصة تنظيم القاعدة، فلم تتورع عن وضع صور الشيخ أحمد ياسين إلى جانب صور أسامة بن لادن، من قبيل رسم وتشكيل الصورة الذهنية والنمطية للرأي العام العالمي.

بل إن فوز حماس وتسلمها لمقاليد السلطة جاء فرصة لأن تعلن تل أبيب أن السلطة الفلسطينية غدت توازي سلطة طالبان، وبدأنا نسمع نغمة دولة "حماستان"! كما روجت إسرائيل لمقولة أن السلطة غدت مكوناً رئيساً فيما يعرف بـ"قوس الشر" المكون من إيران وسوريا وحزب الله وحماس!

وهكذا تنامت البيئة المعادية لـ"إسرائيل" بصورة متسارعة أعقبت فوز حماس، وأسفرت عن دخول متغيرات جديدة مؤثرة لم تستعد لها بالقدر الكافي، أو لم تتوقع حدوثها أصلاً.

وقف التفاوض والحل أحادي الجانب: فقد دعم انتصار حماس الانتخابي الشكوك الإسرائيلية بشأن انسداد آفاق تجديد الشراكة مع الفلسطينيين، وأكد على فك الارتباط أحادي الجانب، كما زاد من التشكيك في أن الانسحاب من الضفة الغربية سيتيح لحماس فرصة السيطرة على مناطق شديدة القرب من قلب إسرائيل.

وبالرغم من عدم وضوح ما إذا كان باستطاعة حماس التغلب على جميع المعوقات التي تواجهها، إلا أنها ستلعب دوراً رئيساً في تطوير التفكير الإسرائيلي، وبالرغم من عدم تصديق معظم مفكري الأمن الإسرائيليين لإمكانية أن تصبح حماس شريكاً لـ"إسرائيل" يوماً ما، فإن هناك من يرى أنه آجلاً أم عاجلاً سيكون من المحتم إجراء محادثات مع حماس، لأنها قد تصبح موثوقاً بها أكثر من الشركاء الآخرين.([64])

وتزايدت القناعة الإسرائيلية وترسخت حالة الفصل مع الفلسطينيين تحت سيطرة حماس، وشعرت إسرائيل أنها في حالة تأييد لمبدأ إنهاء السيطرة على الفلسطينيين عبر اتخاذ خطوات تفاوضية أو أحادية، وتنتقل بموجبها السلطات والصلاحيات منها للسلطة، شرط أن تتولّى المسؤولية الكاملة عن أراضيها وسكانها.

بمعنى أكثر وضوحاً، فقد ساد مبدأ "الجمود السياسي" من خلال لجوء الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة حدة "المشكلات البنيوية" المتأصلة في العملية السياسية، عبر تفعيل خيار عدم التفاوض، والزعم بعدم وجود شريك تفاوضي، وعجز الجانبين -حتى قبل وصول حماس للسلطة- عن ردم الهوة بين خلافاتهما السياسية والتفاوضية، وجاءت الأيديولوجيا التي تؤمن بها حماس لتزيد من صعوبة تنفيذ الاتفاقيات القائمة، أو إحراز تقدم في العملية السياسية.

ومع ذلك، فإنه من المفارقات أن الصدمة التي عمت الأوساط الإسرائيلية بفعل فوز حماس، أسفرت عن شيوع اعتقاد مفاده أنها قد تكون الشريك المناسب لفك ارتباط أحادي من الضفة الغربية، لأن رفضها إجراء مفاوضات حول وضع دائم يجعله خياراً أكثر فاعلية.([65])

وهو فضلاً عن اعتباراته السياسية والإستراتيجية والأمنية، سيمنح الجانبين الوقت اللازم، بالنسبة لحماس لتوحيد حكومتها وإثبات نفسها، وبالنسبة للإسرائيليين لدراسة حماس كحزب حاكم!

حتمية رفع السقف السياسي الفلسطيني: رجع منبع القلق الإسرائيلي بالأساس من فوز حماس، إلى نفوذها المتصاعد في الشارع الفلسطيني، بفعل تبنيها خطاباً سياسياً وانتهاجها سلوكاً ميدانياً أكثر تعبوية في وجه الاحتلال، وبعد الفوز مباشرة زاد منسوب القلق في ظل المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي دخول حماس للنظام السياسي لإبداء المزيد من التعنت والصد أمام ما تطرحه من شروط وحلول جزئية للقضية الفلسطينية.

وتبدى ذلك في ميدانين اثنين: السياسي والميداني، بحيث حافظت حماس، حركة وحكومة، على مواقفها الثابتة، رافضة التسليم "الواضح والصريح" بالشروط التي رفعتها الرباعية الدولية، وإن حاولت الاستعانة بالمفردات اللغوية من إيحاءات واستعارات([66]) حاولت من خلالها عدم تحميل الشعب مسئولية مواقفها وثوابتها، ما جعل إسرائيل تزداد قناعة بتصلب الموقف الفلسطيني، أو على الأقل رفع سقفه السياسي.

خيارات إسرائيل تجاه علاقتها مع حكومة حماس

بعد الصدمة التي أصيبت بها الأوساط السياسية والعسكرية تجاه فوز حماس، كان على إسرائيل أن تختار بين عدة طرق وخيارات للتعامل مع الواقع الجديد، مضطرة مكرهة، وهي: 

سياسة الحصار، من خلال السماح للسلطة بأداء دورها في الحكم، حتى وإن كانت حماس تسيطر عليها، أو تشارك فيها، وإدارة الصراع ضدها باستخدام الوسائل السياسية، بحيث تضع حاجات الفلسطينيين في مواجهة أيديولوجية الحركة، والأمل بأن يرتقي الاعتراف بها، من المستوى العملي الواقعي إلى المستوى الخطابي الرسمي،

إدارة الظهر، وكأن شيئا لم يتغير في الخارطة السياسية، والتعامل بمنطق "فك الارتباط"، واقتصار العلاقة مع "الجيران الجدد" على إدارة الشؤون اليومية، وما يتطلبه من اتصال هنا ولقاء هناك، ليس أكثر،

اعتماد إستراتيجية مؤقتة تقوم على عنصرين: عدم التسبب في كارثة إنسانية خلال فترة رئاسة أبو مازن، والسماح بتحويل قدر ضئيل من عائدات الضرائب لمؤسسة الرئاسة، وإظهار الصلابة مع الفلسطينيين، حتى لو كان الضرر الذي سيلحق بهم كبيراً، خصوصاً أن الموقف الدولي يساند هذه الإستراتيجية،

الحاجة لمراجعة السياسة الأمنية وبلورة سياسة جديدة مبنية على نظرية الردع، واستعمال القوة العسكرية من داخل الحدود والمناطق الإسرائيلية، مع منع حماس وعناصرها من السيطرة على معبر رفح حتى لا تتمكن من نقل وإدخال الأسلحة،

سياسة المواجهة، من خلال افتعال أحداث داخلية بين الخصوم المتنافسين، لاسيما بتحريض "أصدقائها" الذين خسروا السلطة، ولم تجد تل أبيب حرجاً في إمكانية توجيه ضربة قوية ضد حماس، بالتعاون مع فتح ومصر والأردن، مستفيدة من العلاقات المأزومة بين هذه الأطراف من جهة، وحماس من جهة أخرى، بهدف ضمان إضعافها بالقدر الذي يمكن خصمها، في الضفة الغربية على الأقل، لتصبح قادرة على حل المجلس التشريعي والحكومة، ودعم أبو مازن، وتثبيت استقرار النظام السياسي.

وقد نبع المنطق الذي يقف خلف هذه السياسة من إدراك إسرائيل أنها عاجزة عن إسقاط حكومة حماس سواء عبر الوسائل الديمقراطية المتاحة، أو بإجبارها على تغيير إيديولوجيتها، وهو ما حصل في سلسلة المواجهات العسكرية، والتي كان آخرها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.([67])

ومع ذلك، حذر خبراء إسرائيليون عديدون من نقاط ضعف رئيسة تكتنف "سياسة المواجهة" أهمها:

السلوك الإسرائيلي تجاه حكومة حماس: في ظل القراءات "السوداوية" التي قدمتها مختلف الأوساط الإسرائيلية، الرسمية منها والإعلامية والبحثية، لفوز حماس في الانتخابات، ودخولها النظام السياسي الفلسطيني من بوابته الدستورية، آن الأوان لإلقاء نظرة فاحصة على الأداء السياسي والميداني تجاه الحركة، وقد تركز السلوك الإسرائيلي في هذه النواحي:

الصعيد السياسي:

تعاملت إسرائيل مع صعود حماس للحكم من خلال استخدام مصطلحات تاريخية في الذاكرة الجماعية اليهودية ذات صلة بالمرحلة النازية، بغرض تحشيد الرأي العام خلف السياسة الرسمية للحكومة، حيث اعتبر فوزها مشابهاً لفوز النازيين في ألمانيا، وبمثابة "هزة أرضية" و"كارثة جديدة"، مما دعا عدداً من السياسيين لمعاملة قادة حماس كما قادة النازية! وشبهوا ميثاقها بكتاب "كفاحي" لهتلر، مما وجد طريقه في استطلاع للرأي أجري بين الإسرائيليين ورأى 55% منهم أن فوز حماس يشكل خطراً وجودياً على الدولة، وقال 42% منهم أن سياستها تجاه حكومة حماس متساهلة جداً!!([68])

اعتبر هذا الموقف السياسي تمهيداً لتقبل العالم لأي سلوك ميداني قد تقدم عليه إسرائيل ضد الحكومة "الحمساوية"، التي أعلنت أنها ليست شريكاً في أي مفاوضات، بحيث أنها حين أقدمت على الكثير من التهديدات والإجراءات الميدانية، لم تقابل بردود فعل حقيقية باستثناء تصريحات إعلامية خجولة.

إرهاق الحكومة "الوليدة" بالعديد من المقترحات السياسية بين الحين والآخر، لاسيما إعلان الثالوث غير المقدس في وجه حماس وهو: الاعتراف بـ"إسرائيل"، الالتزام بالاتفاقات الموقعة، نبذ "الإرهاب"! وتبنتها لاحقاً الرباعية الدولية، مما جعلها تدير "اشتباكات" سياسية عديدة مع أطراف فلسطينية وعربية ودولية، ووقوعها بالتالي في دائرة رد الفعل على ما يمارس بحقها من ضغوط سياسية تشتد بين يوم وآخر.

الصعيد العسكري:

التصعيد الميداني غير المسبوق الذي اعتبر "هدية" إسرائيلية لحكومة حماس، من خلال تصعيد سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات، وقد استبقت المصادقة على الحكومة في منتصف مارس/آذار 2006 بالعملية العسكرية التي استهدفت إلقاء القبض على أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات المعتقل في سجن أريحا، كما سقط العشرات من الشهداء وأصيب المئات واعتقل الآلاف خلال عام كامل من عمر حكومة حماس، وهي السياسة المسماة "إبقاء الأرض مشتعلة" تحت أقدامها.

خطا الجيش الإسرائيلي خطوات متقدمة حين بادر إلى شن حملات اعتقال بحق العشرات من نواب ووزراء حكومة حماس، تفسيراً لما أعلنه سابقاً من أنه لا حصانة لها ولممثليها، والتهديد بتصفية رئيس الحكومة ووزرائها لاتهامهم بـ"تلطخ أيديهم بالدماء الإسرائيلية"! وزادت التهديدات حدة وتطبيقاً في الحرب الأخيرة على غزة، حين اغتالت إسرائيل وزير الداخلية سعيد صيام.

مواصلة برنامج الفلتان الأمني "المنظم"، عبر افتعال حوادث القتل والاختطاف والسطو، هادفة من ذلك لإشغال حكومة حماس بالملفات الطارئة بين الحين والآخر، بدلاً من التفرغ لتطبيق برنامجها الانتخابي "التغيير والإصلاح"، وهو أمر نجحت فيه إسرائيل وحلفاؤها إلى حد بعيد.([69])

الصعيد الاقتصادي:

أولت إسرائيل اهتماماً بالغاً للحصار الاقتصادي والمالي الذي فرضته على حكومة حماس، عبر تعطيل اتفاقية العائدات الجمركية، في ظل وجود ما يزيد عن 125 ألف موظف في صفوف السلطة الفلسطينية الذين يحتاجون ما قيمته 150 مليون دولار كرواتب شهرية،

بثت إسرائيل دعاية إعلامية موجهة بالأساس للرأي العام الدولي والمؤسسات المالية المانحة، مفادها أن الأموال التي تأتي لـ"سلطة حماس" لن تذهب لرواتب الموظفين ومشاريع البنى التحتية وتحسين ظروف الفلسطينيين، بل ستجد طريقها لمخازن السلاح وتصنيع المتفجرات التي تملكها الحركة، مما منع الكثير من الدول الغربية من دفع مستحقاتها، وتلكؤ الأطراف العربية عن الإيفاء بوعود قطعتها في قمم عربية حتى في ظل رؤيتها للفلسطينيين يتضورون جوعاً.. خشية اتهامهم بالمساهمة في تمويل "الإرهاب" من جهة، ومن جهة أخرى قطع "الأوكسجين" عن حكومة حماس المتمثل بالأموال، وهو الموقف الذي سارعت بعض دول أوربا والولايات المتحدة على سبيل المثال للالتزام به، بعد أن هددت بوقف الدعم عن السلطة الفلسطينية في حال فوز حماس،

استخدمت إسرائيل سيطرتها على المعابر التجارية من وإلى الضفة الغربية وقطاع غزة للضغط على الحكومة في إعاقة وصول البضائع والسلع الأساسية والأدوية، وشل حركة البناء وشيوع الركود الاقتصادي، بمعنى أنها مارست عليهم حصاراً غذائياً، فضلاً عن الحصار المالي، مما أوقع حكومة حماس في حرج أمام جماهيرها يتعلق بـ: توفير لقمة العيش!

سياسة حماس إزاء العلاقة مع إسرائيل

الاحتفاظ بمواقفها السياسية المعلنة، رغم ما شابها في الآونة الأخيرة من "تمييع" واضح أنه مقصود من قبل قيادتها، كتصريح رئيس مكتبها السياسي من أن حماس تتجه حاليا لما وصفه بـ"الجهاد المدني"،([70]) فيما أكد رئيس وزرائها في برنامج حكومته أن الحكومة تدعم المقاومة بكل أشكالها، وعلى رأسها "المقاومة الشعبية"، وهي مفردة غابت كثيراً في مفردات القاموس السياسي للحركة،([71])

رفض وقف المقاومة، بجميع أشكالها ومستوياتها، واتضح ذلك من خلال:

تصعيد موجة صواريخ القسام، لاسيما في المواجهة الأخيرة التي انطلقت في ديسمبر 2008 ويناير 2009، وتنفيذ عملية الوهم المتبدد في أواخر يونيو حزيران 2006، وأسرها للجندي "جلعاد شاليت" واحتفاظها به قرابة الأربعة أعوام كاملة مما شكل مفاجأة حمساوية لـ"إسرائيل" من العيار الثقيل،

استمرار حماس في تخزين السلاح والعتاد والتدريبات الميدانية لعناصرها([72])، بل وإنتاجه وتصنيعه، وتحسينها لفعالية صواريخها وقدرات قذائفها لتتمكن من ضرب مدن أساسية مثل عسقلان وأسدود وغيرها، حيث تشير التقديرات إلى أن غزة تحتوي على مائة ألف رشاش حربي، مما يجعل سكان غزة الأكثر تسلحاً في الشرق الأوسط، وخلال عهد حكومة حماس تمكنت فصائل المقاومة من إدخال ما يقارب عشرات الأطنان من مادة TNT، إلى داخل القطاع،([73])

السعي للحصول على أنظمة مضادة للدبابات والطائرات، يمكنها أن تشل قدرة الجيش الإسرائيلي الحالية على الدخول إلى غزة بسهولة، عبر استخدام النوع الجديد من الصورايخ المستخدم في لبنان.

تقييم السياسة الإسرائيلية تجاه العلاقة مع حكومة حماس

منذ اللحظة الأولى لإطلاق وصف "الانقلاب" على فوز حماس، واعتباره تحدياً جديداً لمفهوم الأمن الإسرائيلي، وعلى وجه الخصوص الموقف من الجيران الجدد، فقد استدعى من إسرائيل التعامل مع حماس "السلطة"، بمنطق لا يقل شدة من تعاملها مع حماس "الحركة"، في الوقت الذي توقع العديدون تغير الموقف بالعكس، في محاولة لاستدراجها لمواقف أكثر ليونة ومرونة، وتساوقاً مع مطالب إسرائيل وشروطها.

لذلك جاءت السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه سلطة حماس معلنة صراحة عن هدفين أساسيين: إما التسبب في إسقاط حكومتها، أو في إحداث تحوّل أيديولوجي يوازي "الانقلاب" الذي فوجئت إسرائيل به، ممثلاً بالاعتراف بها، والمصادقة على الاتفاقيات السابقة، ووقف العمليات المسلحة.

ومع ذلك، يمكن تقييم العلاقة مع حماس التي أرادتها إسرائيل تصعيدية وصدامية، من خلال:

إدراك أوساط إسرائيلية عديدة حقيقة مفادها أن الدولة تواجه ما تطلق عليها "دونية" في إستراتيجية مواجهة حركة حماس وحكومتها في آن واحد، فالأدوات التي تستخدمها لكي تضع حداً لسيطرتها على الفلسطينيين، أقلّ فاعلية من الأدوات التي تستخدمها حماس لمنع إسرائيل من إحداث اختراق على الجبهة السياسية.

فشل سياسة الإعاقة بعد مرور أربعة أعوام على تطبيقها، حيث لم تظهر حماس أي إشارات "جدية" تفيد بأنها ستفي بـ"شروط الرباعية"، وبدأ الحصار الاقتصادي الذي فرضته إسرائيل والمجتمع الدولي يتصدع، وأصبحت السلطة الفلسطينية على شفير حرب أهلية، وهناك خطر متزايد من احتمال انهيارها وحدوث أزمة إنسانية، إضافة لتراجع إسرائيل عن هدفها بإنهاء السيطرة على الفلسطينيين وتحقيق اختراق سياسي، في حين تُعزز حماس من روابطها بالمحور الإقليمي الذي تحدثت عنه الأوساط الإسرائيلية وزاد اعتمادها عليه، ومع ذلك فإن قراءة متأنية لمواقف حماس المعلنة في العام الأخير الذي تلا الحرب الإسرائيلية على غزة، بدا كما لو كان-تغييراً طفيفاً- في "اللاءات" التقليدية للشروط الدولية، رغم ما ذكره قادة حماس في مهرجان انطلاقتها بتاريخ 14 ديسمبر 2010، من تأكيد على ما أسموه بـ"الثوابت الوطنية".

وصول إسرائيل إلى قناعة "متأخرة" بعدم تصديق إمكانية تغير حماس التي تنتهج سياسة وصفتها بـ"الملتوية" القائمة على تقديم خطاب إعلامي مرن ومهادن عندما يتحدث مسئولوها لوسائل إعلام غربية، وخطاب آخر متشدد موجه للداخل الفلسطيني، كما نفت وثيقة مؤتمر هرتسيليا السادس المنعقد أواخر عام 2007 إمكانية تغير حماس بسبب مشاركتها في الانتخابات؛ نظراً لميل ميزان القوى لصالحها وضعف النظام السياسي الفلسطيني، ووصولها لمواقع القوة والنفوذ دون أن تغيِّر قيد أنملة من مواقفها، مما جعل صعودها يمثل تحدياً إستراتيجياً من الدرجة الأولى لـ"إسرائيل"،

القناعة التي بدأت تترسخ في بعض الأوساط السياسية والنخب الثقافية –ولو في حدودها الدنيا- من ضرورة أنه لا مفر من الدخول في حوار مع حركات "الإسلام السياسي"، وحماس كمثال، أما النبذ والمقاطعة، فهما وصفة للكارثة، وبالتالي يأتي فتح المجال للنشاط السياسي الشرعي لها، بما في ذلك الاعتراف بحقها في الحكم، أفضل السبل لتشجيع اعتدالها، وعليه تنصح هذه النخب بأن تتجنب إسرائيل وأصدقاؤها سياسة السحق والإبادة لحماس، بل بتثبيت انتقالها الهش مما تسميه "الجهاد الثوري" إلي "سياسة المساومات".([74])

رغم أن أصحاب هذه القناعات ما زالوا في أقلية من أمرهم، عدداً ونوعاً، في ضوء الموقف الإسرائيلي الطاغي الذي يعتبر حماس عدواً لا حل معه سوى الاستئصال على المدى البعيد، وإبقاؤها في حالة استنزاف وإرباك على المدى القريب والمتوسط.

استخلاصات في الموقف من التفاوض مع إسرائيل

من الواضح أن حماس، حركة وحكومة، اتفقتا في المحور السياسي على أن تصل آخر القراءات السياسية الخاصة بحل الدولتين إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة في الخامس من يونيو حزيران 1967، وتبدى ذلك بصورة واضحة وجلية فيما أعلنته الحركة عقب اتفاق مكة أنها بصدد تقديم لغة سياسية جديدة، عنوانها الأساسي: القبول بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ولذلك ليس ثمة ما يلوح في الأفق القريب والمتوسط والبعيد أن هناك "تنازلا" آخر قد تقدمه حماس في هذا الملف،

تجربة أربعة أعوام، عاشتها حماس وحكومتها في ظل ضغوط متواصلة ومتلاحقة، وأزمات مالية وأمنية متفاقمة، واستدراجات واستقطابات إقليمية ودولية، جعلتها في "عجلة من أمرها"، بحيث تمكنت تلك الضغوط وأصحابها، والأزمات ومفتعلوها، من أن تحدث في حماس تغييرات ذات قيمة وأثر كبير، على الأقل في مظهرها الخارجي، وإن لم تغير كما يبدو في المواقف السياسية التاريخية للحركة، فمن كان يتصور للحظة ما أن يغيب خطاب التعبئة الشعبية الممهور دائما بعبارة "فلسطين من النهر إلى البحر، واستبداله بدولة على حدود الـ67؟

دون الدخول في تفاصيل ماهية التنازلات التي أقدمت عليها حماس، شكلية كانت أو فعلية، فقد أسفرت عن عدد من المفاعيل، الداخلية والخارجية، على النحو التالي:

مسيرة أربعة أعوام من الحراك السياسي الذي خاضته الحركة قدم خطاباً سياسياً إسلامياً جديداً لحركة مقاومة، لاشك أنه فاجأ المحيط الدولي والإقليمي، لكنه في ذات الوقت "فتح شهيتهم" على مزيد من التنازلات، حتى لو كانت شكلية ولفظية لا تقدم ولا تؤخر،

 لوحظ أن هناك تسارعاً واضحاً من قبل الحركة في التجاوب مع ما يطرح محلياً وإقليمياً ودولياً، بدءاً بوثيقة الأسرى، مروراً بالمبادرة العربية، وربما انتهاءاً باحترام الاتفاقيات التي كان رفضها بالجملة معلماً بارزاً من معالم الخطاب السياسي التاريخي لحركة حماس طوال خمسة عشر عاماَ،

القراءة الدقيقة لطبيعة الخارطة السياسية في إسرائيل، الحالية والمستقبلية، تشير بصورة لا تقبل التأويل، إلى انسداد أي أفق سياسي "تفاوضي" مع الفلسطينيين، مما يعني –وهو كلام موجه لحماس وباقي القوى السياسية- التوقف عن طرح أي تصورات أو مبادرات أو مشاريع، لأنها ستصطدم بجدار الرفض الإسرائيلي، على كل الأحوال.

أخيراً.. فإن علاقة حماس بـ"إسرائيل" والعكس، التي امتازت بضغوط شديدة مورست عليها، وصعوبات واجهتها أول حكومة تقودها، كشفت عن فشل أو نجاح إسرائيلي نسبي في جانب، يرتفع حيناً، وينخفض حيناً آخر، وفقاً لطبيعة الميدان الذي حوربت فيه حماس وحكومتها، سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً.

وبالتالي فإن المؤثرات الخارجية، وتحديداً تعنت وتصلب إسرائيل إزاء الحل مع الفلسطينيين، وعدم مؤازرة البيئتين الإقليمية والدولية للفلسطينيين فهي سلبية أيضاً، فقياساً على التجربة الماضية لا يبدو أن انعكاساتها على إمكانية التعايش بين حماس والنظام السياسي ستكون أكثر إيجابية من السابق، بسبب انكشاف النظام السياسي الشديد لهذه المؤثرات وتأثره العميق بها، والتي تقضي بإبقاء حركة حماس خارجه، ليتسنى له تعزيز وتكريس السلم مع إسرائيل، ليتفرّغ الجميع لمناهضة ما أصبح يعرف بـ"الإرهاب والتطرف الإسلامي"، إقليمياً وعالمياً.

عموماً، فقد حافظت حماس على خطابها السياسي الرافض للمفاوضات مع إسرائيل، حتى بعد فوزها في الانتخابات وترؤسها للمشهد السياسي الفلسطيني، ومع ذلك، فقد صدرت بعض الإشارات اللافتة من قبل حماس، واعتبرت "إفرازاً" طبيعياً لدخولها بوابة النظام السياسي الفلسطيني، ومنها:

الإعلان صراحة عن قبولها بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران، دون أن تعتبر ذلك تراجعاً "أيديولوجياً أو سياسياً"،

التوصل إلى تهدئة مع إسرائيل أواسط 2008، واستمرار التهدئة غير المعلنة من طرفها حتى الآن،

إجرائها لجملة حوارات سياسية معمقة مع أطراف إقليمية ودولية غربية وازنة، سواء قريبة من أصحاب القرار، أو بإيعاز منهم،

صدور تصريحات دولية باتت ترى فيها شريكاً ضرورياً لأي عملية سياسية في المنطقة.([75])

ومع ذلك، فإن حماس أعلنت رفضها لإستراتيجية التفاوض مع الإسرائيليين، وما ينجم عنها من اتفاقيات، وتؤمن بأن خيار المقاومة وحده هو ما يجب التمسك به.

وإذا كان من المنصف القول، أن حماس لا زالت، بعد مرور أشهر على حكومتها، ترفض ما كانت ترفضه سابقاً وهي في المعارضة، إلا أنه لم يتضح بعد ماذا تريد حماس وهي في السلطة؟

الافتراض هنا ينحصر بين أمرين:

إما أنها بوغتت فوقعت في الشرك الناجم عن التناقض الكبير بين أيديولوجيا الحركة ونهجها السياسي الذي أوصلها إلى السلطة، وبين التواجد في سلطة مقيدة موضوعياً في ظل الاحتلال.

وإما أنها تمتلك رؤية مختلفة، بعيدة المدى، ولحسابات ورهانات أكبر من حجم السلطة الحالية، وأهم من استحقاقات المقاومة الآنية، ولا يمكن أن تكون، سوى الرغبة المبررة في كسب الوقت لتكريس سلطتها وسيطرتها على مجمل الحقل السياسي الفلسطيني، وانتزاع الاعتراف الإقليمي والدولي بذلك.

ولذلك، أقبلت الحركة منذ البداية على فكرة الحوار، وقبلت مبدأ المشاركة ودعت إليه، ومارست الممانعة والرفض بصورة أعادت إلى الأذهان مواقف منظمة التحرير في السبعينيات والثمانينيات، وأخيراً، قبلت الحركة بتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس وثيقة الوفاق الوطني.

وحماس اليوم لا تفاضل بين إستراتيجية وأخرى، فهي لا تغيب المقاومة المسلحة لصالح التفاوض مثلاً، أو لصالح الكفاح الشعبي السلمي كما هو في بلعين أو الانتفاضة الأولى، وإنما، وهو ما يبدو الأقرب للفهم، تسعى حماس للحفاظ على بقائها، واستكمال سيطرتها السياسية على الحالة الفلسطينية.

حتى لو كان ذلك في إطار كيان مجزوء السيادة، أو مساحة جغرافية مقلصة، وهو أمر لا يمنع من الإعلان المتكرر عن التمسك بخيار المقاومة، وممارستها بطريقة أو بأخرى كلما سنحت الفرصة لذلك، ولاعتبارات راهنة وسياسية أساساً.

وهكذا يتبين لنا أن مدى مشاركة حماس في النظام السياسي الفلسطيني يؤثر بدوره على مواقف وأفعال الحركة تجاه عملية التسوية بدفعها نحو مزيد من البراغماتية تجاه مجموعة من القضايا المرتبطة بها، وأهمها الالتزام بحل الدولتين والاعتراف بإسرائيل والاتفاقيات التي وقعت معها، والموقف من منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي، بالإضافة إلى الشرعيتين العربية والدولية والمقاومة المسلحة. 

ويمكن تقييم مواقف وأفعال حماس تجاه عملية التسوية والمفاوضات بعد دخولها النظام السياسي الفلسطيني من زاويتين:

الزاوية الأولى: كحركة أيديولوجية، حيث أكدت الأحداث في السنوات الأربعة الماضية أنها ترفض المساومة على مبادئها وأفكارها، وترتكز على عوامل دينية أيديولوجية تدعم مواقفها ورؤاها الفكرية والسياسية، وهو ما أدى إلى رفض حماس الاعتراف بإسرائيل، ورفض الاتفاقيات التي وقعتها المنظمة معها، ورفض نبذ العنف.

الزاوية الثانية: وتتعلق بأفعال الحركة، حيث تبين أنها تميل نحو البراغماتية التي تلزمها التعامل مع الواقع بعيداً عن مواقفها الأيديولوجية، وهو ما دفعها لطرح الهدنة مقابل إقامة دولة فلسطينية على أراضي عام 1967، واعترافها بإسرائيل كأمر واقع، و"احترامها" للاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية، والتعاطي الإيجابي مع المحيطين الإقليمي والدولي، بالإضافة لتهدئتها للعمل العسكري المقاوم ضد أهداف إسرائيلية. 

وقد أثرت في تلك الزاويتين مجموعة من الاعتبارات السياسية، دعمت النظرة الأيديولوجية لدى الحركة عوامل دينية وتنظيمية داخلية، بعد أن أدركت خطورة التحولات والانعطافات السريعة على نواتها الصلبة، وتركيبتها الداخلية، وشعبيتها في الساحتين الفلسطينية والإسلامية.

وكما بدا واضحاً، فإن حماس كحركة عقائدية أيديولوجية لا يمكنها التحول بشكل سريع تجاه هذه القضايا الإستراتيجية، ولذلك ولجأت لمراكمة تحولات تدريجية هامشية، اعتقدت أنها تحافظ على تمايزها الاستراتيجي والأيديولوجي في الصراع العربي الإسرائيلي.

أما تحولات الحركة الواقعية، ومدى ارتباطها بتطور مواقفها تجاه عملية التسوية والمفاوضات، فقد تأثرت بتطلعها للاعتراف الدولي بها كطرف فاعل ومؤثر في القرار الوطني الفلسطيني، وتهيئة الأجواء لتطبيق برنامجها الداعي للإصلاح والتغيير، وإمكانية سيطرتها على المفاصل الرئيسة في النظام السياسي الفلسطيني، والمتشكلة بالأساس من المجلس التشريعي والحكومة، ومن ثم م.ت.ف بعد إصلاحها.

وهنا يمكن لنا أن نلقي نظرة فاحصة على أهم القضايا ذات الصلة:

بالنسبة للاعتراف بإسرائيل والموافقة على حل الدولتين، القضية المركزية والأعقد، والمرتبطة بها كافة القضايا الأخرى كالاتفاقيات وم.ت.ف والشرعيتين العربية والدولية والمفاوضات المتضمنة في ثناياها اعترافاً بإسرائيل، أبدت الحركة مرونة تجاهها تمثلت باستعمالها لغة دبلوماسية للإفلات من هذه الزاوية، بالقول أنها تعترف بإسرائيل كأمر واقع، رغم وجود من يرفض بداخلها لذلك، في حين أن هناك من لا يبدي معارضة لاعتراف حكومة تكنوقراط بها في ظل أغلبية حماس في المجلس التشريعي.

أما على صعيد الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية، فقد بدا واضحاً أن هناك تيار داخل حماس لديه مواقف براغماتية تجاه الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية ولديه الاستعداد لتطوير هذه المواقف في حال تم التوصل لاتفاقية عادلة تضمن قيام دولة فلسطينية على أراضي عام 67 وحل كافة القضايا العالقة.

لكن، سيبقى من الصعوبة بمكان أن يعبر هذا التيار البرغماتي داخل حماس عن مواقفه بشكل علني في الوقت الراهن، إذ لا يزال ضعيفاً مقارنة مع التيار الرئيس داخل الحركة، كما أن انفصال حماس عن النظام السياسي وسيطرتها على قطاع غزة، أضعف هذا التيار مقابل تعزيز قوة ومكانة التيار المتشدد داخلها.

وهكذا يتضح أن موقف حماس من عملية التسوية مر بتطورات وانتقالات متعددة، ففيما عارضت الحلول السلمية مستندة لموقف مبدئي عام كما عبر عنه ميثاقها باعتبار المفاوضات والمشاريع المطروحة تتضمن تنازلات واستحقاقات تتناقض مع رؤيتها مبدئياً وواقعياً على المديين المرحلي أو الاستراتيجي، تحولت بعد ذلك للقبول بالحل المرحلي، دون المساس بثابت عدم الاعتراف بإسرائيل، وربما لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فيتطور الموقف من جديد، تبعاً للظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي تمر بها.([76])

الخلاصة

بعد مرور أربعة أعوام على تجربة حركة حماس في السلطة، يمكن القول أنها لم تتمكن من تقديم رؤية متكاملة وإستراتيجية واضحة لطبيعة موقعها من النظام السياسي الفلسطيني، في ضوء حملة الأحداث الداخلية والخارجية التي كادت تعصف بتجربتها السياسية.

ولعل الأمر الأكثر وضوحاً في سلوك الحركة السياسي في هذا الشأن هو تثبيت أركان سلطتها في قطاع غزة، والحصول على شرعية عربية ودولية، وإصرارها على إعادة ترتيب أوضاع منظمة التحرير أملاً في أن تحصل على مساحة كبيرة من النفوذ والسيطرة عليها.

علماً بأن حماس ربما تعتقد، أنه من المشكوك فيه، أن يشكل صعودها قمة الهرم السياسي في السلطة، (وربما لاحقاً في المنظمة، وفي ظل تفرد تجربتها على مستوى الإقليم، وعدم وجود نماذج حكم لحركات إسلامية في دول الجوار تحديداً) مساهمة نوعية في إحداث اختلال في موازين القوى مع إسرائيل لصالح الفلسطينيين، بل ربما على العكس تماماً، ما لم تسارع حماس للتمسك بمنطق العملية الكفاحية الوطنية وتظهيره وممارسته والبناء عليه.

منذ اللحظة الأولى لدخول حماس بوابة النظام السياسي الفلسطيني، طرحت أمامها خيارات عديدة، وربما كان بمقدورها أن تلجأ إلى أفضلها من منظور المصلحة الوطنية العليا للفلسطينيين في ذلك الظرف التاريخي المعقد.

والحال، أن الأزمة الراهنة لا تعود إلى حماس وحدها، ولا إلى طبيعة برنامجها وسلوكها السياسي فحسب، ويبدو أن ما طرح سابقاً من تشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة التقسيم الوظيفي للأدوار بين السلطة بمؤسستيها من جهة، وبين السلطة والمنظمة من جهة ثانية، يؤشر على إدراك، لطبيعة "الشرك" الذي وقعت فيه، وعلى تسليمها بعدم قدرة أي طرف فلسطيني وحده على تحمل مسؤولية قيادة الشأن الفلسطيني، وهو ما يسجل لها.

لقد آن الأوان لأن تدرك حماس أنه لا يمكن تفهم التلويح بأوراق القوة التي تملكها لمواجهة الضغوط والحصار بمعزل عن إستراتيجية اشتباك سياسي معلنة وهادفة، إذ لا يكفي أن تعلن عن نقاط قوتك، بل المهم أن تدرك مدى قوتك حقاً، وقدرتك على تحقيق أجندة سياسية محددة، وهي أجندة وطنية بالضرورة وليست فئوية، وكما هو معروف، غالباً ما تسقط القلاع والحصون من داخلها، إما بسبب:

أ- نقص في عوامل البقاء والصمود،

ب- وإما لانقسام الجماعة على نفسها، وبالتالي اختراقها من قبل أعدائها،

ج- أو أن قوة عاتية خارجية يمكن أن تهدمها.

اليوم، وفي غياب الإستراتيجية والرؤية الموحدة، القلعة الفلسطينية مهددة من الخارج والداخل، وحماس مطالبة كما فتح وباقي القوى السياسية بتقديم إجابات فاعلة قد تؤخر أو تؤجل ذلك التهديد الخارجي.

لقد هدفت الدراسة إلى التعرف على محددات واتجاهات علاقة حركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني الناشئ، ومدى قدرتها على تطويعه ليتماهى معها، ومع ما تعبر عنه من توجهات إزاء الحالة السياسية الفلسطينية بشكل عام، وخلصت إلى أن علاقة حماس بالنظام السياسي مرت بثلاثة مراحل سعت الحركة في كل منها إلى تحقيق أهداف محددة:

أ- ففي المرحلة الأولى "معارضة النظام ومقاومته من الخارج" التي بدأت منذ تأسيس الحركة عام 1987 حتى عام 2005، سعت الحركة لتعزيز مكانتها السياسية عبر الانغماس المباشر بالكفاح الوطني والمقاومة المباشرة للاحتلال، خاصة المسلحة، ومعارضة السلطة الفلسطينية، ومقاطعة مؤسساتها، ونقد سياساتها في الداخل ونهجها التفاوضي السلمي مع الإسرائيليين.

ب- في المرحلة الثانية "الدخول إلى النظام والبحث عن دور"، التي امتدت منذ 2005 حتى صيف 2007، سعت الحركة خلالها للحصول على شرعية "دستورية" لبرنامجها السياسي والاجتماعي داخلياً، ولإستراتيجيتها في التعاطي مع الاحتلال خارجياً.

وقد اختارت الحركة لتحقيق تلك الشرعيات أداة المشاركة في الحياة السياسية الرسمية، بما فيها تبوأ السلطة، وتوظيف ما يتاح من موارد وسياسات عامة وتشريعات وقوانين بغرض التأثير على النظام القائم، وإعادة توجيهه أو صياغة ليتماهى ويتفق مع ما تمثله الحركة من قيم ومُثُل، ترى أنها ضرورية لتعميق إسلامية السياسة والمجتمع الفلسطيني، ولتحصينهما بوعي وفكر "مقاوم" .

ج- المرحلة الثالثة "مرحلة السيطرة المسلحة على النظام" والممتدة من صيف 2007 حتى يومنا هذا، أرادت عبرها الحركة أن تنتزع "حقها" في الحكم، وهو "الحق" الذي حصلته عبر الانتخابات التشريعية عام 2006 وفازت بها، لكن الآخرين تنكروا له ولم يسمحوا لها بأن تحكم من الناحية الفعلية، وجاءت السيطرة المسلحة على النظام بعد إدراك الحركة أن الأبواب أوصدت بوجهها كلاعب سياسي، وبأن النظام السياسي بحالته الراهنة غير قادر على استيعابها وإشراكها به بعدل وإنصاف، إضافة إلى أنها لم تعد مستعدة لتحمل مزيد من الإقصاء والتهميش، ومثلت هذه المرحلة ترجمة فعلية، وتجسيداً مادياً لحجم الهوة بين حماس والنظام السياسي وللمسافة الشاسعة التي تفصل بينهما.

ولم تتأثر حماس كثيراً بمنطلقاتها الأيديولوجية في مواقفها تجاه النظام السياسي الفلسطيني، فهذه المنطلقات بقيت على درجة من الرحابة والسعة لِتُسَوِّغَ لمواقف سياسية متباينة تصل حد التناقض أحياناً كرفض الانتخابات التشريعية عام 1996 وقبولها عام 2006، وممارسة العمل المسلح ضد الإسرائيليين تارة، والدخول معهم في هدنة تارة أخرى.

ومن الواضح أن حركة حماس احتكمت في مواقفها تجاه النظام السياسي إلى قاعدة الربح والخسارة، وليس الحلال والحرام، وجاءت لتخدم رغبتها في امتلاك الشرعية الوطنية، ومن ثم الشرعية الدستورية، وبعدها شرعية تقويض النظام عند "فساده" وفق تعبيرها.

* الهوامش

1) باسم الزبيدي، حركة حماس والنظام السياسي الفلسطيني: دخول إلى النظام أم خروج عنه! ورقة عمل بتاريخ 16/4/2009.

2) عدنان أبو عامر، حين تحولت السلطة عبئاً على القضية، الجزيرة نت،30/5/2009. aljazeera.net/NR/exeres/20BA43AD-80DA-47CF-A00A-CCCC78DCDC8C.htm   

3) إبراهيم أبراش، العلاقة الملتبسة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس، المجلة العربية للعلوم السياسية،ع12،خريف 2006،ص115.

4) أحمد يوسف، حركة المقاومة الإسلامية:خلفيات النشأة و آفاق المسير، شيكاغو،المركز العالمي للدراسات والبحوث،1989، ص8.

5) أبراش، مرجع سابق، ص120.

6) وائل المبحوح، المعارضة في الفكر السياسي لحركة حماس، دراسة تحليلية، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، 2010، ص56.

7) أخذت تتسع هذه "الكوابح" أمام حماس بصورة أكثر وضوحاً مع ردة الفعل الأولية: محلياً وإقليمياً ودولياً، بعد إعلان نتائج الانتخابات، حيث انقلبت الصورة، وباتت الحركة "الفائزة" في صندوق الاقتراع مطالبة بالانقلاب على برنامجها الذي انتخبت وفقه.

8) العودة إلى أوائل سنوات الـ2003، و2004، تشير بما لا يدع مجالاً للشك كم بلغت الصراعات في قلب النظام السياسي الفلسطيني أوجها بين الرئيس الراحل ياسر عرفات، ورئيس حكومته محمود عباس، حول تنازع الصلاحيات، في الوقت الذي تحول فيه عباس رئيساً للسلطة، ويريد استرداد صلاحيات رئيس الحكومة الحالي ممثلاً بإسماعيل هنية.

9) الزبيدي، مرجع سابق.

10) جواد الحمد وآخرون، دراسة في الفكر السياسي لحركة حماس، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمان، ط2، 1998، ص264.

11) خالد أبو العمرين، حماس: جذورها، نشأتها، فكرها السياسي، القاهرة، مركز الحضارة العربية، 2000، ص176.

12) إياد البرغوثي، الأسلمة والسياسة في الأراضي المحتلة، 1988، القدس، مركز الزهراء، ص89.

13) ميثاق حماس، المادة 27.

14) زياد أبو عمرو، حماس: خلفية تاريخية سياسية، مجلة الدراسات الفلسطينية،ع13، شتاء 993، ص78.

15) نعيم الأشهب، حماس من الرفض إلى السلطة، دار التنوير للطباعة والنشر، رام الله، 2007، ص26.

16) تيسير محيسن، بعد عام على تشكيلها: حكومة حماس بين الفكر والممارسة، 13/4/2009.

17) خالد أبو العمرين، مرجع سابق، ص327.

18) محسن، صالح، منظمة التحرير: تقييم التجربة وإعادة البناء، بيروت، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2007، ص187.

19) المبحوح، مرجع سابق.

20) العلاقة الملتبسة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس، الحياة الجديدة، 25/3/2006.

21) صحيفة الرسالة، غزة، 22/9/2007.

22) صحيفة فلسطين، غزة، 29/11/2008.

23) المادة الرابعة من الميثاق الوطني الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية.

24) بالإمكان العودة بالتفصيل أكثر للحديث عن "تغول" السلطة على المنظمة، في الكتاب الهام: النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية، لـ"جميل هلال، مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2007، ص97.

25) مجلة فلسطين المسلمة، العدد 11، نوفمبر 2009، ص54.

26) عماد جاد، الفصائل الفلسطينية من النشأة إلى حوارات الهدنة، مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، القاهرة 2005، ص 88.

27) المادة الثامنة من الميثاق الوطني الفلسطيني.

28) خالد الحروب، فلسطين ومنظمة التحرير، القدس، 30/3/2006.

29) الحياة الجديدة، 25/3/2006.

30) هاني المصري، حماس تتغير ..كيف ولماذا، 18/6/2006.

31) مجموعة الأزمات الدولية، مشاركة حماس: تحديات الاندماج السياسي، تقرير الشرق الأوسط، رقم 49، يناير 2006.

32) راشد الغنوشي، نجاح حماس ومآل القضية والمنطقة، الجزيرة نت، 15 /3/2006.

tp://www.aljazeera.net/NR/exeres/2EA9E121-5AEC-45BE-9075-448353B8AF1E.htm

33) أسامة حمدان، في مداخلة له ضمن حلقة نقاشية حول إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، ص101.

34) أكرم ألفي، متى حماس تحسم ترددها لصالح الفلسطينيين، الاتحاد الإماراتية، 30/1/2006.

35) تجربة حماس وآفاق الخروج من المأزق الوطني الفلسطيني، حلقة نقاش لمركز الزيتونة، بيروت، 27/7/2007.

36) عبد الإله بلقزيز، أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من فتح إلى حماس، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص76.

37) هذه الفقرة مقتبسة من محاضرة لأسامة حمدان، مسئول العلاقات الدولية لحركة حماس في بيروت، بتاريخ 25/7/2007.

38) برنامج كتلة التغيير والإصلاح الانتخابي، يناير 2006.

39) برنامج كتلة التغيير والإصلاح الانتخابي، يناير 2006.

40) هاني المصري، حماس وأزمة الصراع على السلطة، موقع أمين، 25 أيريل 2006.

41) بيسان عدوان، حركة حماس بين إجراءات التأقلم والانتقال المفاجئ للسلطة، مجلة الحوار المتمدن.

42) نيفين سليمان، مستقبل العلاقة بين حكومة حماس ورئاسة أبو مازن، السياسة الدولية، عدد 164، ابريل 2006.

43) كراسات إستراتيجية، مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أكتوبر 2006.

44) مصطفى الصواف، حماس وفتح شراكة أم صدام، إسلام أون لاين، 30 يناير 2006.

45) محمد داود، حماس والسلطة: من يغير من؟ مركز الزيتونة، بيروت، 2007.

46) ربما يكون من حسن الطالع أن تكشف وثائق "ويكيليكس" التي تم تسريبها مؤخراً عن جزء من هذه التفاهمات الإسرائيلية مع دول الإقليم وبعض عواصم صنع القرار في العالم للإطاحة بتجربة حماس في الحكم في الأراضي المحتلة.

47) محمد خالد الأزعر، معنى فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، شؤون عربية، ربيع 2006، عدد 125.

48) صقر أبو فخر، حماس وفتح ومنظمة التحرير: شقاء الأخوة، ورقة عمل منشورة في: قراءة نقدية في تجربة حماس وحكومتها، 2006-2007، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، 2007.

49) المبحوح، مرجع سابق.

50) محيسن، تيسير، مرجع سابق.

51) برنامج قائمة التغيير والإصلاح- حماس انتخابات المجلس التشريعي 2006.

52) باسم الزبيدي، حماس والنظام السياسي، مركز البحوث والدراسات المسحية، رام الله، 2008، ص36.

53) محاضرة أسامة حمدان، مرجع سابق.

54) تشير تقارير المنظمات الحقوقية بالتفصيل لظاهرة الاعتقال السياسي التي قامت بها الأجهزة الأمنية في الأراضي الفلسطينية، وما زال هناك ما يقرب من ألف من عناصر حماس محتجزون في سجون الأمن الفلسطيني، ومما يقرب من مائة من عناصر فتح في سجون غزة.

55) تمثلت شواهد هذا التوتر في الكثير من المسلكيات المصرية العلنية مثل: منع قيادة حماس من مغادرة غزة، وما قيل أنه وضع للعديد من العصي في دواليب الحوار الفتحاوي الحمساوي في دمشق، وما تخلل ذلك من حملات إعلامية قاسية قامت بها وسائل الإعلام المصرية ضد حماس، واتهامها برهن قرار المصالحة مع عواصم إقليمية كدمشق وطهران.

56) ميثاق حماس، المادة الثالثة والعشرون.

57) خالد الحروب، حماس: الفكر والممارسة السياسية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1996، ص87.

58) ثابت العمور، مستقل المقاومة في فلسطين: حماس نموذجاً، رسالة ماجستير، مركز الإعلام العربي، القاهرة، 2009، ص276.

59) عدنان أبو عامر، حماس والجهاد الإسلامي ..أي علاقة؟ مركز المسبار للدراسات، أبو ظبي، 2009، ص89.

60) مقابلة مع رمضان شلح، مجلة الدراسات الفلسطينية، ع 37،شتاء 1999، ص100.

61) جميل حمامي، التيارات الإسلامية في فلسطين، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشئون الدولية، القدس، 2001، ص3.

62) مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب، تل أبيب، 15/10/2009.

63) من الجدير ذكره أن من الأسباب الأساسية في فوز حماس عاد إلى قناعة الفلسطينيين بالدور الذي لعبته الحركة في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بتاريخ 7/9/2005 أن 84% من الفلسطينيين يرون أن الانسحاب الذي تم جاء انتصاراً للمقاومة المسلحة التي تقودها حماس: http://www.pcpsr.org/arabic/survey/polls/2005/p17a1.html

64) برزت هذه التحليلات والتخوفات عقب الاشتباكات الدموية بين فتح وحماس في شهري يناير ومايو 2007، حيث حذر الشاباك في تقارير رسمية من تفوق واضح لحماس، وأكد ذلك بعض الكتاب "آفي سخاروف، وعميت كوهين، وعميره هاس".

65) قراءات إسرائيلية في فوز حماس الانتخابي، مجلة قضايا إسرائيلية، آذار مارس 2006، ص16.

66) بدا ذلك واضحاً في ما أطلق عليه "تراجع" من حماس في وثيقة الأسرى التي عرفت باسم وثيقة الوفاق الوطني، واعتبرتها حماس السقف السياسي الذي يمكن أن تتفق عليه مع باقي القوى، في الوقت الذي أبدت فيه سابقاً اعتراضاً كبيراً عليها، ثم جاء "تراجع" آخر بصورة أكثر جلاء في نصوص اتفاق مكة الذي أعلنت من خلاله "احترامها" للاتفاقيات الموقعة.

67) التصريح الأخير لرئيس الحكومة الإسرائيلي السابق، "إيهود أولمرت" تضمن اعترافاً بالفشل في إسقاط حكومة حماس في غزة، وهو الهدف الذي كان متضمناً حين شنت إسرائيل الحرب الأخيرة. هآرتس، 26/2/2010.

68) تضمنت العديد من مقالات الصحافة الإسرائيلية فور فوز حماس مصطلحات بهذا الاتجاه، ومن أبرز كتابها: بن درور يميني، أرييه إلداد، بنيامين نتنياهو، عوزي أراد، دوري غولد، سيفر بلوتسكر، الذين عنونوا مقالاتهم بمثل هذه العبارات: الخميني وكاسترو في دولة حماس، فوز حماس.. في خدمة الإسلام العالمي، انتصار حماس يشكل خطراً على إسرائيل، حماس اللاشريك القادم.

69) شهدت الأعوام الأربعة من عمر حكومة حماس تعطيلاً للمجلس التشريعي عن العمل، وعدم الانعقاد أشهراً متواصلة، وعلى صعيد الحكومة انشغلت الوزارات بالملفات الطارئة والمستجدة، وكان أهمها التعيينات التي رفضها الرئيس، والشلل الذي دب في أروقة وزاراتها بسبب ما قالت عنه سحباً لصلاحياتها من قبل هيئات وسلطات أنشأها مكتب الرئاسة بصورة موازية لها، وازدياد الوضع تعقيداً في مرحلة ما بعد سيطرة حماس على غزة.

70) مركز الإعلام الفلسطيني، 27/3/2007، على الرابط التالي: http://www.palestine-pmc.com/arabic/inside1.asp?x=2230&cat=4&opt=1

71) الأيام الفلسطينية، 18/4/2010.

72) بدا ذلك في دراسة بعنوان "حماس تبني حماس ستان في غزة" للجنرال شالوم هراري الصادرة عن مركز القدس للعلاقات العامة، في11/3/2007، وتقرير موسع للمحلل العسكري "اليكس فيشمان" بعنوان: حماس تطور الصواريخ وتعد العدة لما بعد الانتخابات.

73) مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب، مرجع سابق.

74) يتضح ذلك من مقال وزير الخارجية الأسبق "شلومو بن عامي"، هآرتس، 20/4/2007، وتجلت هذه القناعات في تحليل موسع لـ"أفرايم ليفي" مدير مركز تامي شتاينمتس لبحوث السلام والباحث في مركز دايان التابع لجامعة تل أبيب، في هآرتس 1/4/2007.

75) تصريح للدبلوماسي البريطاني "أوليفر مايلز" في مقال له بصحيفة "الغارديان" البريطانية، 15/2/2010.

76) المبحوح، مرجع سابق.