تطور المقاومة الشعبية الفلسطينية ...انتفاضة الحجارة 1987-1993

  • الأحد 08 ابريل 2018 01:19 م

 

دراسة حالة

تطور المقاومة الشعبية الفلسطينية...

انتفاضة الحجارة 1987-1993

  • مقدمة

منذ السنوات الأولى للقضية الفلسطينية، وبدء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، شكلت المقاومة الشعبية إحدى ركائز العمل الجماهيري، وبرزت تشكيلاتها التي تفاوتت في تأثيراتها على مجريات الأحداث السياسية العاصفة في فلسطين.

فقد وضع الفلسطينيون منذ الأيام الأولى لاحتلال بلادهم تقاليد المقاومة المدنية الطويلة، التي امتدت إلى يومنا هذا، وشملت الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات.

وأجادوا استعمال الرموز التي تعتبر من مقومات المقاومة الشعبية، واستخدموا الأعلام السوداء وشارات الحداد وإغلاق الدكاكين ومصاريع النوافذ وإخلاء الشوارع من الجمهور، ورفعوا الأعلام الوطنية، وغيرها من أساليب المقاومة المختلفة.([1])

ومثلت هذه المقاومة المدنية تحولاً في معادلة الصراع، مع اندلاع انتفاضة الحجارة أواخر عام 1987، وحتى نهاياتها أواخر عام 1993، كونها نبعت من الداخل المحتل، من خلال نهوض جماهيري شامل للشعب الفلسطيني، التحم مع الطليعة التي تزايدت قدراتها وخبراتها على مدى عقود طويلة فور احتلال عام 1948، في وحدة وصفها مراسل صحفي ياباني بأنها "تضم جميع الأجيال ابتداءً من ابن السابعة حتى ابن السبعين".([2])

وإن كانت النظرة الموضوعية لأحداث المقاومة الشعبية تشير إلى أنها كانت جمعاً للرؤى السابقة، بحيث جاء انتقالها من مرحلة لأخرى، طبيعياً ومتوقعاً في ضوء قناعة الفلسطينيين المتزايدة، بأن ما هم فيه يسرع من تحقيق هدفهم المتمثل بالتحرر من الاحتلال.

وقد شهدت سنوات الانتفاضة تطوراً في أساليب المقاومة المتلاحقة، وسجلت انتصارات مهمة على الصعيد الشعبي، ووثقت إنجازات مهمة مكنتها من تحديد أشكال النضال المناسبة، وفقاً للمعطيات والظروف الخاصة بكل مدينة وقرية ومخيم، وعلى مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة ككل، وتفادت السقوط في وهم النجاح السريع والحلول السهلة.

وفي إستراتيجية المقاومة الشعبية البيضاء، توزع عبئها على قطاعات الشعب المختلفة، فشارك طلبة المدارس والجامعات في التظاهرات والمواجهات، ونظمت اعتصامات للمثقفين والمعلمين والعمال والنساء، وشكلت الخيار الأول للفلسطينيين بداية المرحلة، أما إستراتيجية المواجهة المرتكزة على المقاومة المنظمة المسلحة والمقاومة الدفاعية، فأتت في وقت لاحق بعد نضوج ظروفها وتهيئتها، وتوجيهها ضربات موجعة في خاصرة الاحتلال.([3])

ولم تعد المياه "تجري هادئة تحت جسر الاحتلال"، فالمقاومة الشعبية "ارتفعت مياه نهرها" يوماً بعد يوم، ولم يكن بوسع الإسرائيليين سوى الشعور بالمباغتة حين دمر الطوفان جسر احتلالهم.

كما نجح هذا اللون من المقاومة في قلب الوضع كلياً، وتواصل مراكمة إنجازاتها الصغيرة المتفرقة، وطورتها انسجاماً مع معرفتها الدقيقة بقوانين المقاومة الشعبية والمدنية، وسعت لتطوير فعلها المقاوم وتركيزه في عدة اتجاهات، فيما تواصل سياقها "الروتيني" الحافل باستخدام كافة وسائل وأدوات المقاومة التقليدية.([4])

وساعد في انتقال صدى المقاومة لكل حارة وشارع، ومخيم وقرية، اتساع نطاق فعالياتها يومياً، وانتقالها من مرحلة لأخرى، مما اقتضى تصاعد حركة الجماهير الهادفة لتحقيق التحرير، وقدرة قواها على تعبئتها بمفاهيم ثورية، واستخدام التكتيك والإستراتيجية، والعمل بشكل دءوب لزيادة فعالية الجماهير وعطائها، وإضعاف جبهة المحتل وتفكيكها.

ويمكن الحديث عن أبرز محاور المقاومة الشعبية من خلال النقاط التالية:

  • أولاً: ثقافة المقاومة

يشير تطور الأحداث في الأراضي المحتلة إلى أسبقية اندلاع الانتفاضة الطلابية قبل الانتفاضة الشعبية، ويمكن الإشارة إلى سقوط عدة شهداء في العام الذي سبق اندلاعها أواخر 1987، كما شنت سلطات الاحتلال حملات اعتقالات كبيرة في أوساط الطلاب، وإغلاق الجامعات، وفرض الإقامات الجبرية على القيادات الطلابية البارزة.

وأقرت المصادر الأمنية الإسرائيلية بالدور الطليعي الذي اتخذته الحركة الطلابية، وشكل الطلبة الجامعيون القوة المحركة والدافعة للتنظيم في أماكن عديدة في سياق الانتفاضة، بحيث أصبحوا رأس الحربة في مواجهة الاحتلال بشكل يومي على مدار العام كله، لاسيما وأن التعليم أصبح خارج سيطرة الإدارة العسكرية.

وهكذا شغلت الحركة الطلابية في الوطن المحتل دوراً بارزاً في الانتفاضة، وصدرت قرارات عسكرية تعدّ الكتل الطلابية أطراً خارجة عن القانون، ومن ينتمي إليها يتعرض للعقوبة بتهم أمنية، وبالفعل أبعد عدد من القيادات الطلابية المختلفة.([5])

 

ويمكن رؤية أشكال المقاومة الثقافية في المجالات التالية:

      1. القصة والرواية: وقف المثقف مع الانتفاضة منذ اندلاع شرارتها الأولى، كإنسان مطارد يشعر بالقمع مثل غيره، وانخرط في جوها العام بفكره ورأيه، وقدم ما أمكنه وما أملاه عليه دوره الوطني، وانعكست المقاومة بمفرداتها على صفحات القصائد والقصص التي كتبت في ظلها، وهنا يكرر الكاتب ألفاظ "الحجر، الشهيد، الإطار المشتعل، الرصاص، المظاهرة، الغاز، الشوارع"، وأصبح أدب الانتفاضة وإنتاجها الثقافي أحد المصادر المهمة لدراسة حركة المقاومة، وعكس الأدب والمسرح والفولكلور والفن التشكيلي بؤر الانتفاضة ومنطلقاتها.

وبرز كتاب القصة والروائيون والشعراء والفنانون التشكيليون وفرق الفنون الشعبية والزجالون، الذين حملوا الوطن بين أعمالهم، وعلى ألسنتهم، وفي مداد قصصهم وقصائدهم وأعمالهم الفنية، وفي أزجالهم وحلقات دبكاتهم، فأرخوا للانتفاضة والمقاومة، وتغنوا بالوطن والثورة، ومجدوا الوجدان الثوري الرافض للضيم والهزيمة.([6])

وربما قراءة متأنية لعينات من الإنتاج الثقافي والأدبي الذي زخرت به سنوات الانتفاضة، تشير إلى أن نهايات قصصها ورواياتها اكتسبت أهمية كبيرة، حيث يكتب الكاتب فيما المقاومة مستمرة ومتفاعلة، وهو ما أشار إليه معظم من كتبوا القصص في ظلها، وإذا كانت الانتفاضة عززت الثقة بالغد القادم، فإن الكاتب المطالب بهذا من قبل ومن بعد، وجد ما يعزز موقفه، ليكتب وسط جو ثوري مقاوم ذي معنويات عالية، فتجد كلماته صدى أوسع.([7])

وجاءت أبرز سمات القصص والروايات الأدبية خلال الانتفاضة على النحو التالي:

أ- التحدي والاستمرار رغم القمع الاحتلالي.

ب- حب الشهادة دفاعاً عن الوطن والحياة المتجددة في ربوعه.

ت- الدموع المكابرة، والأطفال في الميدان.

ث- الإشارة للمستقبل الذي يحل فيه التغيير.

ومن روائيي الانتفاضة: عزت الغزاوي، حليمة جوهر، زكي العيلة، جميل السلحوت، وغيرهم.

      1. الشعر والنشيد: الذي لعب دوراً مهماً في حالات المواجهة، لذا تم كتابتها، وتحويل ما يصلح من كلماتها لتتلاءم مع مرحلة المقاومة، ومن المميزات التي ميزت شعر الانتفاضة:
  • أكثر حدة ومواجهة وتعبيراً وثقة.
  • أقرب إلى الخطابية والمباشرة والتحريض.
  • يعبر عن صوت جمعي ونفس نضالي صادق ومؤثر.

وقد تمركزت لغة شعر الانتفاضة حول قاموس طغى بكلماته وامتد، وباتت مفرداته تتكرر بكثرة وتنوع مثل: "الحجر، الإطار، المتراس، الشباب، الهتاف، العلم، الملثم، السجن، الجنود، المقلاع، الشهيد، العرس، الأطفال"، وهو أمر طبيعي لأنه يتحدث عن الواقع المقاوم الذي يعج بالكلمات والمصطلحات والصور.([8])

وأصبح الشعر رويداً رويداً هو المقاومة بعينها، ويصح القول: إن الانتفاضة الشعبية أحدثت انتفاضة شعرية، كما أن إعلام المقاومة استفاد كثيراً من الرصيد الشِّعري، الفصيح منه والشعبي على حد سواء، وتحول جزء لا بأس منه إلى أناشيد وأغان، بفعل البساطة والوضوح والقصر والجمال الذي يشد الانتباه، ويسهل التذكر.

وغدا الرصيد الشعري لقوى المقاومة متضمناً للعديد من أشعار الفلسطينيين والعرب، والأناشيد الفلسطينية والسورية والأردنية في الوطن والمهجر، والنشيد الكويتي والبحريني واليمني، فضلاً عن أناشيد الأعراس ومهرجانات الفن.

وأصبح في مخزون الشعر ما يسمى "قصيدة المقاومة"، التي جاءت من قلب الانتفاضة، وتحدثت من داخلها وعنها ولها، بلغة خطابية عالية التوتر، حماسية، تحكي عن تفاصيل أحداثها العارمة الدامية، وتحمل شعاراتها وروحها كمضمون أساسي لها، وتحمل سمات المرحلة بالضرورة والفعل، وقصيدة غاضبة وفاعلة وذات أثر مباشر، وعملت على توسيع بعض المظاهر التي وجدت قبل الانتفاضة، كالتغني بالشهداء وتمجيدهم، والإشادة بالمظاهرات وصمود المعتقلين والأسرى.

ونستطيع التدليل على عدد من هؤلاء الشعراء أصحاب "قصيدة المقاومة": كمحمود درويش، المتوكل طه، سميح فرج، عبد الناصر صالح، وسيم الكردي، وسميح القاسم، كما صدر عدد كبير من الدواوين الشعرية خلال سنوات الانتفاضة.([9])

      1. السينما والفن: شكلت الانتفاضة حافزاً قوياً للمصورين الصحفيين للحضور إلى الأراضي المحتلة لتسجيل فعالياتها اليومية، سواء بهدف نقلها عبر وسائل الإعلام، ونشرات الأخبار كمادة إخبارية إعلامية، أو من أجل صياغة أفلام تلفزيونية أو سينمائية، تتناول الحدث الانتفاضي المقاوم.

          واستطاعت الجهود السينمائية داخل الوطن المحتل عند مطلع التسعينات، تأسيس العديد من الوحدات والمؤسسات والشركات العاملة في مجالات الإنتاج السينمائي المتخصصة بتقديم خدمات التصوير، ومنها: مؤسسة القدس للإنتاج السينمائي، مركز الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، طيف للإنتاج، فيزيون أكاديمي، مارسيا فيلم، وغيرها.

          ومن أهم الأفلام والمسلسلات الصادرة في تلك المرحلة، وعالجت بعمق أحداث الانتفاضة: "أطفال الحجارة" للمخرجين "جورج خليفي وزياد فاهوم"، و"صيف فلسطيني حار" لـ"ناظم شريدي"، وقدم "محمود سوالمة" فيلماً بعنوان "الانتفاضة"، و"نشيد الحجر" لـ"ميشيل خليفي"، و"أطفال جبل النار" لـ"مي المصري"، و"جند الله" لـ"حنا مصلح".([10])

ووصل الفنانون والسينمائيون إلى قناعة مفادها أن "الصورة الواحدة تعادل عشرة آلاف كلمة"، ومن هنا برزت أهمية منتج الصورة وفي أي سياق يقدمها، وهي القناعة التي دفعت بالكثير من المؤسسات الفنية والسينمائية لتؤكد أن العالم يعيش في زمن "ثقافة الصورة".

      1. الأغنية الشعبية: بحكم طبيعتها، وسهولة حفظها، وسرعة انتشارها، وقرب كلماتها من لغة الخطاب الشعبي، فقد انتشرت خلال الانتفاضة بصورة هائلة، وراح الشبان يغنونها في المواجهات والمعتقلات، ووظفوها لاستفزاز جنود الاحتلال، وتحقيق بعض أهدافهم.

ووجدت مصطلحات الانتفاضة والمقاومة طريقها للأغنية الشعبية، فأغنتها بالزخم الثوري الحماسي، وفعلت فعلها التحريضي في التشجيع وإلهاب الأفئدة، وانتقل فن "المهاهاة" الشعبي من أسلوبه التقليدي إلى أسلوب انتفاضي يمجد الشهداء والمقاومين، ويحث على مقارعة الاحتلال والاستمرار في المقاومة والانتفاضة.([11])

كما برزت ملامح الانتفاضة، وتم تسجيل انطلاقتها، ومظاهر السلوك اليومي للفلسطينيين خلال الأحداث، فضلاً عن تسجيلها لأسلحة المقاومة البدائية التي تستخدم ضد أعتى الجيوش وأكثرها تسليحاً في المنطقة، كالحجارة التي تناظر "الكلاشنكوف"، وأصواتها تشبه أصوات الطلقات النارية، بل تغلبت عليها، ومن أبرز شعراء الأغنية الشعبية: نمر سرحان، أبو فراس العنبتاوي، حسن وهدان.([12])

  • ثانياً: إعلام المقاومة:

عكست الصحافة الوطنية قدرة عالية ومهمة في تعرية الاحتلال، وفضح أساليبه المختلفة في قمع مرتكزات الكيانية الفلسطينية، والكشف عن حقيقة السياسة العنصرية التي يمارسها، خاصة في مجال قمع الحريات الديمقراطية والصحافية، وفي أشكال التهميش التي يتبعها كيلا تظهر وقائع العمل الانتفاضي بها، وطمس حقائقه الناصعة والمشرقة.

ويكفي أن نشير للدلالة على حجم اهتمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية بالانتفاضة، إلى ارتفاع عدد الصحافيين الذين غطوا وقائعها بشكل ميداني إلى 1300 صحفي.([13])     

          وكثف الإعلاميون نشاطهم بشكل كبير، وعملوا بكل جهد وطاقة لزيادة ساعات عملهم، بالرغم من ضعف إمكانياتهم المادية في تغطية الحوادث ووصفها، والتقاط الصور وكتابة التقارير السريعة، وساعدوا الإعلام الأجنبي ورجال الصحافة الغربيين الذين حضروا خصيصاً لتغطية أحداث الانتفاضة.

          وعرف الفلسطينيون كيفية توظيف وسائل الإعلام، خاصة الأجنبية منها، لصالح قضيتهم، ونجحوا في تخصيص رجال منهم لتقديم خدمات للصحفيين الأجانب: مرشدين، مرافقين، سائقي سيارات لنقلهم إلى أماكن متنوعة، مترجمين، ترتيب لقاءات في الميدان، ونشر أنباء عن الأحداث بسرعة فائقة.

وما كان لانتفاضة الحجارة أن تمتد وتنتشر، وتحقق الإنجازات السياسية والأخلاقية والإنسانية، لولا الدور النشط والفعال الذي لعبته وسائل الإعلام، وهنا امتازت قدرة قيادة المقاومة في استثمارها لخدمة الانتفاضة، بحيث جاء دورها شاملاً وفعالاً إلى أبعد الحدود.

وما كان ليترسخ تأثير الانتفاضة، لولا استمرار المقاومة وشموليتها الجغرافية والسكانية أولاً، ورسالتها السياسية والإنسانية ثانياً، والدور الذي لعبته وسائل الإعلام وأجهزة الاتصال المحلية والدولية في إيصالها إلى معظم البيوت والمنابر والساحات ثالثاً.

  • عناصر البنية الإعلامية للمقاومة:

قبل الحديث عن أبرز هذه العناصر، يجب التأكيد على أبرز المهام الوطنية التي قامت بها وسائل الإعلام لخدمة برنامج المقاومة من خلال:

  1. إلقاء الضوء على مسيرة الانتفاضة بكافة تفاصيلها وأحداثها، من حيث الإجراءات الإسرائيلية والمواقف الكفاحية.
  2. توضيح الأهداف التكتيكية والإستراتيجية، القريبة والبعيدة، لبرنامج المقاومة.
  3. ممارسة دور توعوي وتثقيفي أسهم في إنضاج أفكار وأهداف الانتفاضة في أذهان الجماهير، بواسطة الخبر، التقرير، المقالة التحليلية، التقارير التلفزيونية.
  4. الكشف إلى حد كبير عن الوجه الحقيقي لسلطات الاحتلال، وفضح الممارسات القمعية التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني، عبر أدواتها ممثلة بالجيش والشرطة والمخابرات.

وجاءت عناصر البنية الإعلامية للانتفاضة على النحو التالي:

العنصر الأول: الصحافة المكتوبة: الصادرة عن تنظيمات المقاومة، وعبرت عن وجهة نظر التنظيم الرسمية، والناطقة باسمه في المحافل الفلسطينية والعربية والدولية، ومنها:

  • مجلة الهدف: الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ عام 1969،
  • فلسطين الثورة: المجلة المركزية لمنظمة التحرير، وصدر عددها الأول عام 1972،
  • فلسطين المسلمة: صدرت عام 1983، ومقربة من حركة المقاومة الإسلامية حماس،
  • الطليعة الإسلامية: مجلة شهرية تصدر منذ 1982 وهي لسان حال الجهاد الإسلامي،
  • إلى الأمام: تصدر باسم الجبهة الشعبية- القيادة العامة منذ عام 1970.

وهناك العشرات من الصحف والمجلات الدورية وغير الدورية، أصدرتها تنظيمات وقوى طلابية ونقابية، لكنها لم تأخذ ذات الصدى والأثر الذي أحدثته المذكورة آنفاً، ومن أهمها: "فلسطيننا، نداء الحياة، ملحق المحرر، الوطن المحتل، أخبار فلسطين، جبل الزيتون، نداء الأرض، نداء الثأر، صوت فلسطين، حصاد العاصفة، الحقيقة، الحرية، الشرارة، الصاعقة، الثائر العربي، المقاتل الثوري، الطلائع، صوت الفقراء، الفلسطينية الثائرة، شؤون فلسطينية، صدى الثورة، عائدون      ، القواعد الثورية، الكرامة، المقاومة الشعبية، صامد، صت الوطن، لتعميم، الإسلام وفلسطين، المجاهد".

          واكتسبت هذه الصحف والمجلات صفة الحيوية الدائمة والقابلية المستمرة للتطور والتحديث المتماثل مع تطورات الواقع وفق وتائر تطور الانتفاضة المتصاعد في خطواته، والمتنوع في أشكال واتجاهات وتعدد فعالياته.

العنصر الثاني: البيانات والمنشورات: اختلفت طبيعة منشورات الانتفاضة عن سابقاتها من الثورات الشعبية، وتنوعت أساليب توزيعها، وتتابع صدورها، ما يشير إلى نجاحها في التحول إلى عامل مركزي في حياة الفلسطينيين.

عموماً، فقد امتازت بيانات الانتفاضة وفصائلها المقاومة، بعدد من السمات أهمها:

  1. اتسمت بيانات القيادة الموحدة وحركة حماس، بأنها طبعت ووزعت بكميات كبيرة، أما التنظيمات الأخرى فلم تكن لديها القدرة المالية والبشرية والتنظيمية لعملية توزيع شامل، حيث وزعت حماس في العام الأول من الانتفاضة 33 بياناً، والقيادة الموحدة 31، وما أصدرته المنظمات اليسارية 20 فقط، ولم تتجاوز بيانات الجهاد الإسلامي عدد أصابع اليدين.([14])
  2. القدرة الفنية الفائقة في توزيع البيانات، رغم إجراءات القمع الإسرائيلية الشاملة والموجه بعض منها لمنع توزيعها، ما خلق صعوبات حقيقية.
  3. اختلف حجم التوزيع من منطقة لأخرى، وهنا تستحضر معوقات الاحتلال، التي تم تلافيها بقراءة النداءات عبر مكبرات الصوت، وإلصاق وتعليق نسخ محدودة من البيانات على أبواب المساجد والمحلات التجارية، وعلى أعمدة الكهرباء، وأحياناً كتبت أجزاء منها على شكل شعارات ملونة على الجدران.
  4. حرصت البيانات على أن تشمل مجالات حياتية متعددة: العمل، الصحة، المواصلات، التربية والتعليم، الزراعة والتجارة، ومتى يتم الإضراب الشامل والإضراب الجزئي، وكيف ينظم التعليم رغم إغلاق المدارس، ومن يجوز له التنقل على الشوارع أيام الإضراب.
  5. غدت البيانات أكثر وسائل الاتصال انتشاراً على الصعيد الوطني العام، وترقب الناس صدروها، وتداولوا محتوياتها، وتناقشوا في مضامينها، وتجاوز الأمر الفلسطينيين إلى الصحفيين الأجانب الذين نظموا برامج عملهم اليومية في ضوء التحديدات المتضمنة في البيان، خصوصاً حين حققت قيادة الانتفاضة مبادرة جريئة بترجمة البيانات المركزية إلى اللغة الإنجليزية، وتوزيعها على مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية.

العنصر الثالث: النشرات والتعميمات: لجأت القوى السياسية للتعبير عن نفسها من خلال هذه النشرات السرية لملء الفراغ الذي لم تملأه البيانات والشعارات، واحتوت على مقالات ذات تحليل أعمق نسبياً، ومعلومات أكثر تفصيلاً، وتقديم مقالات أكثر تنوعاً، لكنها لم تنتظم في كثير من الأحيان، فضلاً عن قلة التوزيع وضيق الانتشار، ومنها: "صوت الانتفاضة، ضمير الانتفاضة، النفير، راية الاستقلال، المواجهة، الحقيقة، جيل النار"، وقد امتازت بالندرة، ووزعت على أعضاء التنظيمات.

ويمكن اعتبار صيغة النشرات السرية والتعميمات متقدمة جداً في مخاطبة شرائح التنظيمات، وباتت تشكل عنصر أمان واطمئنان لأفراد المقاومة، وتمنحهم شعوراً بالقوة والقدرة على البقاء والاستمرار في مواجهة أساليب القمع "الإسرائيلية"، وتميزت بعدة مميزات:

  • رفع معنويات عناصر التنظيمات، الذين فتحوا عيونهم على حراب الاحتلال تلسع جلود أهاليهم، فرضعوا حليب الرفض والتحدي لهذا الواقع.
  • بروز لغة التحدي المرتكز على قاعدة المقاومة، فالنشرات الموزعة على عناصر المقاومة، لم تخل من تعرية الاحتلال ووصفه بالنازية والفاشية،وفي ذات الوقت الاستهانة به.
  • عدم إغفال دور كل عنصر من المقاومة، بل سجلت لكل واحد مهمته، ولكل شريحة دورها، وخصصت في مخاطبتها كل شرائح التنظيم، وحرصت على إبراز دور اللجان المحلية في المدن والقرى والمخيمات، لتعزيز دورها القيادي ومسئوليتها الوطنية.
  • تمجيد عناصر المقاومة، وكوادر الانتفاضة، لتعزيز الثقة بين القيادة والقاعدة، ووصفهم بأجمل العبارات، كما خصت عناصر اللجان الضاربة بمزيد من الثناء والمديح، وإبراز دورها لتشجيع الانتماء إليها.
  • الحرص على صدورها وتوزيعها في المناسبات الوطنية كـ:يوم الأسير، يوم الأرض، وحث عناصر المقاومة على تجديد أنماط النضال والمقاومة طوال أيام الأسبوع.

العنصر الرابع: الشعارات الجدارية: رافق اندلاع الانتفاضة منذ يومها الأول، تطور نوعي هام في الإعلام المقاوم، حيث انتشرت ظاهرة الكتابة على الجدران لتوجيه رسائل تعبوية للشعب، في ذات الوقت الذي وجهت فيه رسائل تحدٍ للمحتل، ومثل الشعار السياسي المكتوب على الجدران دوراً فائق الأهمية في الانتفاضة ومسار المقاومة ضد الاحتلال.

 وأضحى الشعار الجداري أداة للإعلام والتعبئة، ومدخلاً لمواجهة دائمة مع القوات المحتلة، إضافة لكونه تعبيراً عن التنوع والديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، وكان من النادر أن تنقل وسائل الإعلام صور المواجهات مع جنود الاحتلال، دون أن تكون في خلفيتها شعارات ممسوحة أو مكتوبة، فهي موجودة في كل مكان، وغدت وسيلة للتعبير الشعبي.

وتميز الشعار عن البيان المكتوب بميزة مهمة جداً، فالبيان الذي اعتادت قوى المقاومة على إصداره كل أسبوعين، احتاج إلى أيام من التنسيق المسبق والمشاورات بين القوى السياسية المختلفة، إضافة للصعوبات المتعلقة بإعداده الفني وطباعته، وضمان توزيعه في أوضاع بالغة السرية والتعقيد، فيما الشعار لا يحتاج من الناحية الفنية إلا لتوجيهات كادر أعلى أو مبادرة فردية، وعلبة دهان، ليكون متجسداً على الجدار.

وقد حرضت الشعارات على تحدي الاحتلال، وعدم الاستجابة لأوامره، وذكرت الجماهير بواجبهم تجاه الانتفاضة، وأقل مستلزماتها الإبقاء على كتابات الجدران وعدم مسحها، وسمح أحياناً بمسحها بعد وقت قصير من قراءتها، حيث اعتادت لجان المقاومة الشعبية على مسح شعاراتها لكتابة أخرى جديدة، وفي أحيان أخرى يقوم تنظيم معين بمسح شعارات تنظيم آخر على أرضية خلافاتهما.

وهناك العديد من الملاحظات الخاصة بشعارات الانتفاضة، أياً كان مصدرها التنظيمي، ولونها السياسي، ومنها:

1- غدت أسلوب مقاومة تمارسه الفصائل الوطنية في أدائها الكفاحي، مما يعني أن مدلولاتها شكلت الصورة الفعلية للواقع السياسي والاجتماعي في فلسطين.

2- استقراء مواقف الإجماع الوطني، وقضايا التصالح الاجتماعي، وانعكاساتها تنظيمياً وسياسياً في الانتماء إلى منظومة التشكيلات الحزبية الفصائلية القائمة تحت الاحتلال.

3- عكست الاختلاف بين مواقف التيارين العلماني والديني، الوطني والإسلامي، والتمايز بين مواقف القوى التنظيمية في كل تيار.

4- شكلت منظومة سياسية واجتماعية، اتسمت ببعض المظاهر الأيديولوجية ذات الخصوصية الوطنية المستمدة من الإرث الحضاري القومي.

5- للتغلب على العامل الأمني، بحث كاتبو الشعارات عن جدران في مكان أقل خطراً وأكثر أمناً، في حال وجود دوريات الجيش توخياً للسلامة، وعدم التعرض للاعتقال.

6- التركيز على الكتابة في الأماكن الأكثر استقطابية: أبواب المحال التجارية، لافتات السير، جدران البيوت، الحدائق العامة، شواخص إشارات المرور، واتجاهات مواقع القرى.

7- عكست تعددية فكرية لافتة، أتاحت حرية العمل السياسي في الساحة الفلسطينية، ولم يعمد أي تنظيم إلى محو شعارات تنظيم آخر، باستثناء حالات نادرة، حتى لو تناقضت جذرياً مع مواقفه السياسية، ما يعكس أن التعددية السياسية خلال الانتفاضة كانت قناعة وممارسة، وليست شعاراً فحسب، وهو ما يجسد الديمقراطية الحقة في العمل الوطني.([15])

العنصر الخامس: هتافات المسيرات: أشارت الهتافات التي أطلقت في المسيرات الشعبية والتظاهرات الجماهيرية، إلى درجة انخراط قوى المقاومة في الانتفاضة، ودورها في توجيهها وقيادتها، وتفعيلها لمبدأ "الوحدة الميدانية" والتنسيق العملي المناطقي.

ولما كان الشعار أحد الأشكال الإعلامية الأكثر مباشرة، والأوسع مشاركة، والأصرح تعبيراً عن هذا المطلب، فقد تنوع بالضرورة بتنوع الأفكار التي انتمت إليها أطر العمل الوطني، وأظهر استخداماً للمناسبات الخاصة، المرتبطة تاريخياً بحركات المقاومة.

وبالرغم من تنوع نكهتها الفصائلية والمهنية والعقائدية، فقد اتخذت الشعارات صفة وحدوية في أكثر الأحيان، وامتزج الديني بالوطني في التظاهرات الشعبية الحاشدة، دون بروز أي حساسية تنظيمية، أو شعور بالتناقض، خصوصاً خلال مسيرات الانتفاضة.

وجاءت الهتافات نتيجة لتطور آليات الانتفاضة التي شاركت فيها مختلف قطاعات الشعب وفئاته، وعكست تعددها طبيعة المهمات الكفاحية المطروحة على مختلف الاتجاهات الفكرية، وحين تم ابتداعها بغرض التفرد لدى بعض قوى المقاومة، فقد حرصت على التساوق مع الهتافات المطروحة في الإطار الذي يمكن التعبير فيه عن مظاهر الوحدة الوطنية.

العنصر السادس: الصور والملصقات: واستخدمت في الانتفاضة بكثرة ملحوظة، وأخذت بعداً كمياً ونوعياً، ووزعت عشرات الآلاف منها، وما لبثت أن انتشرت إلى المخيمات والقرى، خصوصاً صور الشهداء والمبعدين والأسرى، كما وزع العلم على شكل ملصق، وتصدرت خارطة فلسطين، وشعار "لا إله إلا الله" أماكن مهمة في العديد من الملصقات التي تنوعت ألوانها وأساليبها، وأصبحت واحداً من أشكال التعبير الفني للانتفاضة.([16])

ويمكن قراءة بعض الملاحظات لصور ولملصقات الانتفاضة، على النحو التالي:

    1. التحدي المكشوف للاحتلال، مقترناً بالتهديد الذي وجهته الرسومات لقواته.
    2. شحذ همم الشباب باتجاه المقاومة، ورفع معنوياتهم، لأنهم يواجهون جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، ويتحركون بالسيارات المدرعة، وبالطائرات المروحية.
    3. تأكيد الانتماء العربي والقومي والإسلامي لفلسطين، واعتبار الانتفاضة بداية النهوض العربي، وأن رجالها هم الأمل في تصحيح المسار.

وعبرت الصور والملصقات عن ضمير الفلسطينيين، وانتمائهم القومي، وأن سنوات الاحتلال لم تستطع طمس هويتهم الإنسانية، والشبان والشابات الذين وجدوا داخلهم ذلك الاستعداد لرسم لوحة فنية أو تصميم ملصق معبر، لا يكمن مبعثه فيما لديهم من موروث أواصر انتماء عائلية أو مناطقية، بل في مستوى التأصيل الذي بلغه انتماؤه للوطن.

العنصر السابع: الأهازيج والأغاني: التي اعتبرت النمط الأبرز الذي استخدمته الانتفاضة، نظراً للدور المؤثر المباشر الذي قامت به في تعبئة الجماهير، ورفع وتيرة حماسها، واندفاعها للعطاء والعمل، وشكلت المجال الأكثر خصوبة للمشاركة، وأخذت جانب المبادرات الفردية، بحيث تم استنهاض موروث التراث الشعبي كالراوي، الحكاء، المحدث، الذين انتقلوا من بيت لبيت، ومن منطقة لأخرى، يروون قصص الانتفاضة البطولية، ووقائع المواجهات، وحكايات الناس عن حياتهم ومعيشتهم، ومشاهداتهم عما يحل بقوات الاحتلال.

وبالإمكان التطرق لأهم وظائف الأغاني الوطنية خلال الانتفاضة:

  1. التعبئة التي اقتضتها ضرورة التواصل بالمقاومة، ولعب دور ناظم الإيقاع في حركية التظاهرات والمسيرات.
  2. تأجيج الروح المعنوية، وكسر حواجز التردد والخوف، وإعطاء حوافز للتضحية، وتوسيع حجم المشاركة في العمل الكفاحي، فضلاً عن إسقاط رهبة المحتل.
  3. ضمت المكونات الأخلاقية الوطنية الفلسطينية: من تمجيد للمقاتلين الحاملين السلاح، واحترام الفلاحين المتمسكين بأرضهم، والسعي للحرية والاستقلال، والتوق للوطن.
  4. استفاد الفلسطينيون من الأغاني بحصولهم على أجهزة تسجيل، وتولى أهل الحي بث الأناشيد الحماسية، مما مكنها لأن تحل بجدارة محل الأغاني التقليدية، وأمكن للجميع أن يفهموها ويطربوا لها، ولم تتطلب مستوى ثقافياً محدداً، لأنها ذات امتداد تراثي عميق، فالشعر الغنائي هو النوع الأدبي الذي أبدعه الفلسطينيون، وحفظوا جزءاً كبيراً من ذاكرتهم التاريخية.
  5. برزت فرق فنية قدمت أداءً فنياً وغنائياً خلال الانتفاضة، ومنها: "صابرين، الجذور، أم النور، نجوم الليل، الأنوار، سنعود"، وقدمت الأناشيد والأغاني والألحان الثورية البديعة.
  • ثالثاً: الالتحام الشعبي وحرب الشوارع:

في ضوء الوقائع اليومية للمقاومة، وارتباطاً بملامحها الجديدة، وما حملته من تغيرات جذرية في أدوات الكفاح اليومي المشتقة من معاناة وآلام المقاومة وجماهيرها، ومن خلال المقاربة بين المفاهيم النظرية المجردة ومعطيات الحياة بألوانها المختلفة، جاءت النتيجة الأقرب للواقع تتمحور في نقطة ارتكاز واحدة، تحت عنوان الالتحام الشعبي وحرب الشوارع، فماذا عنى ذلك في يوميات الانتفاضة:

  1. تنوعها في بناء الأجهزة الإدارية والتنظيمية، وارتباطها مباشرة بالهدف السياسي، فضلاً عن دور القيادة السياسية في توجيه الجماهير، نحو بناء الأجهزة والأطر واللجان.
  2. اختلافها عن حرب الشوارع الكلاسيكية في عدم الاستخدام الشامل للأسلحة النارية.
  3. حجم مشاركة الجماهير الشعبية، التي غدت مشاركتها رئيسة في المقاومة.

وكان من أصعب المعادلات في مسيرة المقاومة في تلك المرحلة التاريخية احتفاظها بوحدتها، وتحقيق خطواتها التصعيدية في المجابهة والعصيان المدني، دون التحول إلى مقاومة مسلحة، ولم يكن عدم اللجوء للسلاح في بداية الأمر خوفاً أو جبناً، بل انضباطاً منسجماً مع نهجها وتخطيطها وأهدافها، وشكلت هذه المسلكية الانضباطية علامة فارقة، وهي من أصعب العلامات التي أثبتت مدى الوعي الجماهيري، والتطور الجديد في وسائل المقاومة.

  • رابعاً: التظاهرات الشعبية:

شهدت الانتفاضة نمطاً معيناً من المقاومة الشعبية، تمثل بالمظاهرات الجماعية، والمهرجانات الحاشدة، وسارت أكبر المسيرات في تشييع الشهداء، وكثيراً ما ترافقت معها الهتافات المدوية ورفع الأعلام، لتعبر الإرادة الشعبية عن نفسها بأبسط الوسائل، وتنوعت أسباب التظاهرات من القضايا الوطنية العامة، لتلك الأكثر خصوصية، بلدياً وفئوياً، ولم يمر أسبوع واحد دون وقوعها، على النحو التالي:

      • فالتظاهرات تندلع في منطقة ما تحدياً لمنع التجول.
      • أو احتجاجاً وغضباً لاستشهاد أحد أبنائها.
      • ويتظاهر الطلاب رفضاً للسياسة التعسفية بإقفال معاهدهم التعليمية وجامعاتهم.
      • والنساء يتظاهرن لإطلاق سراح أبنائهن.
      • والأطفال يتظاهرون وهم يحملون أعلام فلسطين، ويلفون أعناقهم بالكوفيات.
      • والفرق الضاربة يسير شبابها متلفعين بألوان العلم.

ومنذ الأسابيع الأولى للانتفاضة، أصبح تقليداً ثورياً أن يخرج المصلون من دور العبادة في تظاهرات حاشدة، واعتادت قوى المقاومة الدعوة للصلاة وقرع الأجراس أيام الجمعة والأحد، وخشي الاحتلال منها، ودأبت على محاصرة المساجد تحسباً من انفجار الوضع عقب الصلاة، وتضع الحواجز العسكرية أمامها، لاسيما المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، بينما تمتلئ الشوارع بآلاف الجنود المسلحين، ولم تتمكن في الحيلولة دون تحويلها لأماكن يتوحد فيها المسلمون والمسيحيون بإيمان واحد، تحت شعارات واحدة.([17])

ولم يمر حدث تاريخي أو ديني، ولا ذكرى وطنية أو قومية، ولا مناسبة نضالية أو محلية، إلا أحيتها المقاومة عبر التظاهر وتوعية الجماهير حول المناسبة وأهميتها، ومن أهمها: ثورات القسام، البراق، القسطل، مجازر كفر قاسم، وصبرا وشاتيلا، ومن أهم المناسبات التي شهدت تصعيداً في المواجهات إحياء الفلسطينيين لذكرى يوم الأرض، إعلان منظمة التحرير الفلسطينية لوثيقة الاستقلال، انطلاقة حركة فتح، اغتيال أبو جهاد، انطلاق حركة حماس.

ثم انتقلت التظاهرات الجماعية إلى مرحلة أكثر دقة واختياراً، وتم استبدالها بمجموعات من الشباب والفتية، المتميزين بلياقتهم البدنية وجرأتهم النوعية، وخبرتهم في الكر والفر ونصب الكمائن، وتوزعت هذه المجموعات بعد انتهاء التظاهرة لـ"اصطياد" الدوريات العسكرية، الراجلة والمحمولة، في الأسواق وعلى مداخل المخيمات وأطراف الحارات.

واقترنت المظاهرات الشعبية بالهجوم والإعداد للاشتباك الشعبي مع قوات الاحتلال ودورياته العسكرية، لاسيما بعد خروج التلاميذ من مدارسهم، حيث تتزايد الإطارات المشتعلة على قارعة الطريق، وتهرع سيارات الاحتلال ومركباته لتلقي بحمولاتها من الجنود الموزعين على محاور المخيمات والأحياء السكنية في المدن، بحيث لا يأتي المساء إلا وتحولت شوارع المخيمات وأزقة الحارات إلى ساحات حرب حقيقية، وكمائن للتصيد بين الجنود المدججين بأسلحتهم وهراواتهم، والشباب الممتلئة أيديهم بحجارة متوسطة الحجم.

واتخذ الاحتلال إجراءات متنوعة لقمع التظاهرات، من الضرب الجسدي المبرح، إلى إطلاق النار والرصاص بأنواعه المطاطي والبلاستيكي والحي، وقنابل الغاز المسيلة للدموع، إلى اعتقال العشرات، وكثيراً ما تحولت التظاهرات إلى اشتباكات مع الجنود والمستوطنين.

  • خامساً: الإضرابات والعصيان المدني:

برزت الإضرابات كأهم مظاهر المقاومة الشعبية، وجاءت حداداً على الشهداء كرد فعل عفوي من الجماهير في منطقة الشهيد والمناطق المجاورة، واعتادت البيانات على تحديد تاريخ الإضراب ومناسبته وسببه.

ومنذ اندلاع الانتفاضة، ارتفع الإضراب، ليصبح سلاح التحدي الأول، وبات من هموم سلطات الاحتلال فتح المحلات التجارية بالقوة، وإقفالها في ساعات العمل التي تحددها المقاومة، حيث مورس الإضراب على عدة أصعدة:

  1. الإضراب الشامل وهو الأبرز، ويستمر ليوم أو لأيام متتاليات.
  2. الإضراب الجزئي الذي يبدأ بعد منتصف النهار حيث تغلق الأسواق، ويسمح بفتح المحلات التجارية لأوقات محددة، غالباً ما تكون ثلاث أو أربع ساعات يومياً.
  3. فيما يعم الإضراب منطقة ما، تفتح المحلات بمنطقة أخرى لتسهيل حياة السكان، حيث نظمت المقاومة ساعات الدوام والإغلاق في القرى بما يتناسب مع خصوصياتها.
  4. هناك إضراب المواصلات وإضرابات العمال والإضراب التعليمي.

وتفنن الاحتلال بأساليبه لإجبار أصحاب المحلات التجارية على فتحها، وكثيراً ما كانت تنتهي المحاولات باشتباكات واعتقالات، وفي ليلة 22/9/1991 حطم الجنود في مدينة نابلس أقفال أربعين محلاً، وعمدوا لربط أبوابها بسيارات الجيب العسكرية، ثم خلعها.

ويمكن التطرق إلى عدد من العوامل المحفزة للجوء للعصيان المدني أهمها:

  1. انتشار الإضرابات الشاملة، واستمرارها فترة طويلة، إضافة للتظاهرات الحاشدة.
  2. مقاطعة العمال للمصانع والمزارع والمستوطنات، وأثره على اقتصاد المحتل.
  3. محاولة إيقاف الاستيراد والتصدير من وإلى الكيان الإسرائيلي، بما تسمح به الظروف الوطنية، والسعي لشق طريق الاستقلال النسبي في العلاقة التبادلية الاقتصادية مع الدول الأوروبية، والمقاطعة الجزئية للبضائع الإسرائيلية عموماً.
  4. ازدياد وتيرة الدعوة للعودة إلى الأرض، وتطوير الاقتصاد البيتي، و"حاكورة" المنزل، والآثار الإيجابية الأولية التي حققها النضال الوطني على الأصعدة المختلفة.
  5. البلورة النسبية لهيئة قيادية وطنية داخل الأراضي المحتلة، توجه وتقود المقاومة الوطنية، والبدء بتشكيل اللجان الشعبية والقوات الضاربة.

واستندت المقاومة في عصيانها المدني على خطوات أساسية:

    1. اعتماد أسلوب التدرج البطيء لإنجاز خطوة ما على طريق المقاومة، على مدى زمني طويل نسبياً، كالدعوة لاستقالة أعضاء المجالس البلدية والقروية، وحث الجماهير على اللجوء لتطبيق مفهوم "الاقتصاد البيتي" في سد الاحتياجات الرئيسة.
    2. تبني المبادرات الذاتية الصادرة عن الجماهير الشعبية، باعتبار اندفاع المواطنين نحو خطوة ما يعدّ مؤشراً على نضج الظروف العامة للإقدام عليها، كدعوة أصحاب العقارات لإعفاء السكان من إيجاراتها لفترة معينة، أو تخفيض قيمتها بنسب معقولة.
    3. أخذت بعض المظاهر المعبرة عن العصيان المدني أشكالاً أكثر وضوحاً، كتسليم الهويات والبطاقات الشخصية الصادرة عن الاحتلال وتمزيقها، للإعلان عن الرفض الرسمي له، وهياكله وأدواته المختلفة، لتمثل المرحلة العليا في العصيان الشامل.
    4. تنامي الخطوات المنجزة من جانب شعب المقاومة وقيادتها، باتجاه ترسيخ الصراع حول تدمير هياكل السلطة الاحتلالية المتمثلة بالإدارة المدنية، والدوائر المتفرعة عنها، وإنشاء الهياكل الإدارية القادرة على تسيير كافة مناحي الحياة.
  • سادساً: "الأسلحة" الشعبية:

زخرت الانتفاضة بأنواع متعددة من الأسلحة التي استخدمها مقاتلوها، وشهدت تطوراً ملحوظاً فيها بدءً بالحجر والمقلاع، مروراً بالسكين والأسلحة الحادة، وانتهاءً باستخدام السلاح الناري والعمليات الفدائية.

ومنحت الأسلحة البدائية حق المقاومة لكل أفراد الشعب، فهذا يرفع متراساً، وذلك يشعل إطاراً، وثالث يصنع المولوتوف، ورابع يحفر خندقاً، وخامس يرش الأرض بالمسامير، بحيث تحولت الانتفاضة إلى ورشة شعبية، يشارك بها الجميع.

ويمكن حصر أسلحة الانتفاضة في سنواتها ومراحلها المتعددة على النحو التالي:

السلاح الأول: الحجارة والمقلاع: انتهج شبان الانتفاضة استخدام الحجارة طيلة سنواتها، ومثلت في العموم 85% من فعالياتها، وتمثلت الطريقة الأكثر شهرة باستخدامها في تجميعها وتجهيزها في كل حي وشارع وزقاق، وكل بيت وفوق كل سطح، وغدت في متناول كافة أيدي الشبان.

كما لعبت المرأة دوراً نشطاً في توفيرها، بحيث جمعت النساء والفتيات والصبايا، وحتى الطفلات الصغيرات، الحجارة في أطباق وسلال يضعنها غالباً فوق رؤوسهن، ليزودن بها رجال وشباب وأطفال الحارة، علاوة على مشاركتهن أنفسهن في قذفها، إما بعفوية، أو كلما اقتضت الحاجة.

وقد احتلت الانتفاضة مكانها بين ثورات العالم الحديثة باسم "ثورة الحجارة"، ولم يكن يعقل قبلها أن يصدق أي ثائر أو مقاوم، أن يتصدى الحجر بأيدي الفتيان للجيش الذي يحاصرهم بدباباته ومدافعه ونيرانه، فما الحجر بسلاح قاتل، ولا حامله بمقاتل مدرب، ومع ذلك جاءت ثورة الحجر، أول ثورة في التاريخ ذات سلاح غير قابل لأن ينتزع أو يصادر، لأنه بقاء الأرض والإنسان، وبالتالي فلا خوف من نزعه، أو من نقص العتاد والذخيرة.

وسجلت الإحصائيات التي اعتاد الناطق العسكري إصدارها صعوداً مطرداً في استخدامها خلال المواجهات مع قوات الجيش، حيث بلغ عدد حوادث رشق الحجارة خلال الأعوام الأربعة الأولى للانتفاضة 184,445 حادثة، توزعت على النحو التالي: 39 ألف، 72 ألف، 37 ألف، 36 ألف حادثة.([18])

وربما عاد استخدام الحجارة كأحد أبرز أسلحة الانتفاضة، للمزايا التي امتلكها، ومنها:

  • توفرها في كل مكان، وعدم استيرادها من الخارج، وهي في متناول الجميع.
  • قادرة على تلبية طبيعة المرحلة، وأمكن لجميع الفلسطينيين من كل الأعمار استخدامها، وارتجال طريقة إلقائها بالشكل الذي يريحهم، ويضمن إصابة الهدف.
  • إمكانية استخدامها عدة مرات، وربما إلى ما لا نهاية، ولا يمكن نزعها أو مصادرتها.
  • لا تتطلب دورات تدريبية أو حلقات توعية، وبوسع المقاوم أن يلقيها ويفر.
  • استخدمت بداية الانتفاضة بتقدير سياسي مبدع، أدرك أن أي ارتقاء بها إلى مستوى الأسلحة النارية التقليدية، يشكل "أمنية" إسرائيلية تمكنها من اعتبارها حالة حرب، بحيث تبيح للجيش اعتماد أساليب القتال، وفي مقدمتها الأسلحة الثقيلة، لدفع أكبر عدد ممكن من السكان للنزوح، وهو أمر طالما حلم به الاحتلال، ودعا لتنفيذه.
  • إن لجوء الانتفاضة في المرحلة الأولى إلى الحجارة، والحجارة فقط، ضد الاحتلال، جنوداً ومستوطنين، وضعها للمرة الأولى في مأزق المحتل المهاجم، قاتل الشيوخ والنساء والأطفال، وازداد مأزقها تعقيداً كلما استمرت وتواصلت.

كما نجحت الحجارة، في إفقاد المحتل لميزته الإستراتيجية في "الحرب الخاطفة"، التي تتلاءم وبنية مجتمعه، وتقوم عقيدته العسكرية على أساس من التقنية العالية والقوة العسكرية، وتؤدي إلى نصر سريع يسمح له بالخلود للراحة، وشعور بالأمان لسنوات.

وأشارت سنوات الانتفاضة إلى أن الاستخدام الصحيح والدقيق والمنظم للحجارة وفق الأشكال السابقة، حولها إلى سلاح قاتل، وبحد أدنى قادرة على إيقاع الإصابات العميقة والمؤلمة، وإحداث تشويهات كبيرة في جنود الاحتلال ومستوطنيه.

ونجحت من خلال الحجر بصورة أساسية في استدراج المحتل رغماً عنه إلى "قلعتها"، حيث فقد فيها ميزة التفوق العسكري والتقني، واضطرته إلى مقابلة الحشود الجماهيرية الشعبية الثائرة بحشود الجنود المسلحة بأدوات القمع، لا أدوات الحسم! من خلال فنها المتقن في إدارتها لحركة الصراع على صعيد جبهة حرب الخصائص المتناقضة مع المحتل، ولم يعد يفيد معها استخدام الطائرات الحربية الحديثة، ولا التشكيلات النظامية للفرق والألوية المدرعة، وجاء استخدامها عملاً عبقرياً استمد عناصر قوته من الوضع الراهن.([19])

أما سلاح النقيفة والمقلاع، فيمكن اعتباره من "تكنولوجيا" حرب الانتفاضة، مكونة من مقبض على شكل حرف V أو رقم 7، يربط بها حبلان مطاطيان، بهما قطعة من الجلد، يوضع فيها الحجر، ثم يطلق بعد شدهما، وتستخدم في قذف الحجر لمسافة أكبر، ومن يجيد فن التصويب ينجح بإحداث إصابات بين صفوف الجنود، وكثيراً ما تُشاهد دماؤهم تسيل، ويصرخون من الألم.

وقد استخدمت في عمليات القنص ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه، وتكمن أهميتها في الاستخدام غير المرئي، ورغم أن إصابتها ليست قاتلة، إلا أنها تصيب بجروح قد تكون قوية، إذا كانت من مسافة قريبة وكان الحجر قوياً، فضلاً عن قوة الشخص الرامي، حيث يتراوح مداها بين 70-120 متراً.

السلاح الثاني: الحرائق المشتعلة: مع بداية شهر حزيران 1988، ابتدعت قيادة الانتفاضة أسلوب الحرائق في مواجهة المحتل، وللرد على طريقة التدمير المتعمد التي قام بها للاقتصاد الوطني، حيث أتلفت حقول القمح، واقتلعت أشجار الزيتون والحمضيات من مساحات شاسعة من الأراضي، وأحرقت المرافق والمنشآت الزراعية والصناعية، والغابات والمراعي في دولة الكيان، واعتمدت فتح جبهة واسعة طالت إحدى الخاصرات الرخوة للوجود الاستيطاني في المناطق المحتلة.

وفي الوقت الذي زادت استفزازات المستوطنين، صعدت الجماهير المنتفضة من هجماتها عليهم، من خلال:

  1. إحراق الغابات والأحراش والحقول التي سبق أن صودرت لصالحهم.
  2. تدمير المنشآت الزراعية والصناعية، واقتلاع كروم العنب، وإتلاف بساتين الأشجار.
  3. تدمير خطوط الكهرباء والمياه التي تغذي المستوطنات.
  4. مهاجمة وسائل نقل المستوطنين بالقنابل الحارقة.

وشملت حرب الحرائق طول فلسطين المحتلة وعرضها، واجتازت ما يسمى "الخط الأخضر"، ووصلت تل أبيب ومناطق الوسط والشمال، مما جعلها تنال الاهتمام الأوسع لدى مختلف قادة الاحتلال، فـ"دان شومرون" رئيس هيئة أركان الجيش تمثل أمره اليومي لجميع وحداته بإبداء اليقظة والحذر الدائم، والإبلاغ عن أي حريق يشب في أي منطقة، وصدرت التعليمات إلى الطيارين عند التحليق في الجو بتدقيق المراقبة والملاحظة، وإبلاغ الجهات المختصة في الجيش فوراً عن وجود أية حرائق في أي مكان.

وانتشرت الحرائق في جميع المناطق، أبرزها إحراق مصنع بمدينة "أسدود" الذي نتج عنه القضاء على آلاف الأطنان من العصائر، وقدرت خسائره بآلاف الدولارات، ومصنع ثان للمراوح الالكترونية بمدينة "يافا"، وحرق جزء كبير من قاعدة عسكرية شمال فلسطين، وعدّ يوم 22 حزيران 1988 "يوم الحرائق"، حيث شب 22 حريقاً في فلسطين.

ودعا تطور الحرائق بالمحلل العسكري "زئيف شيف" للقول: "بواسطة الحرائق، نجح الفلسطينيون أكثر في نقل الانتفاضة إلى داخل الخط الأخضر، وفي تكبيد إسرائيل خسائر مادية كبيرة، لأنها غدت ظاهرة جديدة وقاسية جداً، فهي عملية من السهل تنفيذها، وفي ذات الوقت من الصعب اكتشاف مرتكبيها، ووصلت خلال الأشهر التي تلت اندلاعها إلى مستوى يمكن وصفه بـ"ضربة شديدة"، بعد أن بلغ مجموع المساحات الزراعية المحروقة أكثر من 170 ألف دونم خلال أربعة أشهر فقط، وقدرت خسائرها بأكثر من 80 مليون دولار".

واعترف المسئولون الإسرائيليون بالخسائر الكبيرة الناتجة عنها، ودعوا لاتخاذ إجراءات سريعة وقائية ردعية، بعد اعترافهم بأن الحرائق طالت في خمسة أسابيع من بداية العام الثاني للانتفاضة أكثر من مجموع المساحات المحترقة خلال أربعة عشر عاماً، وقارنت مصلحة حماية الثروة الزراعية بين الحرائق الناجمة عن أسباب طبيعية، والحرائق "المفتعلة"، لتصل إلى نتيجة مفادها أن الحرائق "الفلسطينية" تساوي خمسة أضعاف الحرائق الطبيعية.

وبلغة الأرقام، سجل العام 1988 ارتفاعاً متزايداً في حرائق الانتفاضة، وارتفعت من 24% في نيسان إلى 51% في أيار، ثم إلى 80% في تموز، ووصل عددها خلال ستة أشهر من ذات العام إلى 340 حريقاً، وأتى يومي 11-12حزيران 1988 على 100 ألف دونماً.

كما شبت خلال أسابيع قليلة من ذات العام في أكثر من 400 موقع في الغابات والأحراج، بنسبة تزيد على مجمل الحرائق خلال العشر سنين الماضية، وتلقت الشرطة ورجال الإطفاء ما يزيد عن 1170 بلاغاً عن وجود حرائق خلال ثلاثة أيام فقط من شهر أيار 1988.([20])

وتشير المعطيات التي نشرتها الجهات الرسمية الإسرائيلية إلى أن الحرائق استهدفت إلى جانب الأراضي الزراعية والحقول والأحراش: السيارات العسكرية، المركبات الشرطية، ناقلات الدبابات، صهاريج الوقود، الجرارات العسكرية، السيارات المدنية التابعة للبلديات، سيارات المستوطنين.

السلاح الثالث: الحواجز الميدانية: أسلوب لجأت إليه الانتفاضة لإغلاق المداخل والشوارع في المدن والقرى والمخيمات أمام عربات جيش الاحتلال، مما ساعد شبانها ولجانها الضاربة في توزيع مهمات الهجوم على القوات العسكرية، ناهيك عن الانسحاب في الوقت المناسب، مع ضمان عدم نجاح مطاردتهم، وتعددت المتاريس على النحو التالي:

  1. المصيدة: وهي حفرة واسعة قليلاً وعميقة كثيراً، يتم إعدادها في مساحة ما من ثلث الشارع، الذي يعتقد بأن الدوريات العسكرية ستمر منه، ويتم تمويهها بشكل دقيق، بعد تغطيتها بالقش وأعواد البوص، وفي الثلثين المتبقين من الشارع تقام الحواجز، بحيث يصبح المرور من الثلث الذي تتواجد فيه الحفرة المموهة "إجبارياً"، وفي منطقة قريبة منها تكمن مجموعة من القوات الضاربة بانتظار مرور السيارة العسكرية، والوقوع فيها، حيث ينهالون عليها بالزجاجات الحارقة والحجارة والكرات الحديدية، لتحترق ويصاب من بداخلها.

كما اعتاد شبان الانتفاضة على ربط أسلاك دقيقة بين أعمدة الكهرباء، بحيث تقطع هذه الأسلاك الشارع، ويمر الجنود دون رؤيتها، فتلطمهم برؤوسهم، ويبدأ الأطفال والشبان بالضحك على ما يشاهدوه من نجاح الكمين الذي وضعوه للجيش.

  1. المسامير: استخدمت خصيصاً ضد عجلات العربات العسكرية لإعطابها وعرقلة سيرها، وقام الشبان يومياً بعد الخامسة مساءً، بعد توقف حركة سيارات المواطنين، بنصب المسامير في أماكن معينة من الطريق العام المستخدم من عربات الاحتلال، وأعطت نتائج أولية لا بأس بها، من خلال الوسائل التالية:
    • غرسها في الطرق مباشرة بعد نزع طبعاتها.
    • زرعها في حبات "البطاطا"، ونشرها على الطرق.
    • دق الكبيرة منها في قطع خشبية، وتوزيعها على مسافات متفاوتة من الطريق.
    • وضعها في قطع أنابيب الري البلاستيكية السوداء.

وقادت هذه التجربة المنتفضين لإمكانية توظيف المسامير مع الإطارات المشتعلة وبقع الزيت للقيام بعملية مقاومة واحدة، وفق ما اصطلح على تسميته "سلاح العوائق"، المستخدم ضد دوريات الجيش وسيارات المستوطنين.

    1. المتاريس: حاجز معيق لحركة آليات الجيش وسيارات المستوطنين خلال عمليات المطاردة، ولإغلاق بوابات المدن والمخيمات والقرى في وجههم، والمتراس ليس جديداً، لاسيما وأن الانتفاضات السابقة استخدمته في الدفاع والتحصن خلفها لحماية أفراد المقاومة من جهة، ومنع تقدم قوات الاحتلال من جهة أخرى.

وقد تعددت أشكال وأنواع المتاريس، وأدخلت الانتفاضة أشكالاً جديدة لها طابع التطوير على ما استخدم سابقاً، منها: المتراس العادي، المتراس الطويل المتقطع، المتراس المترافق مع كمين، المتراس المخفي، المتراس المقطوع.

  • خاتمة

لقد تميزت فعاليات المقاومة الشعبية خلال مرحلة الانتفاضة، بتزاوج عدد من العوامل حددت مسارها إلى حد بعيد: داخلياً وخارجياً، والعمل المنظم والمبادرة الجماهيرية والعفوية، وأشكال المقاومة السلمية والعنيفة، وتمخض عنها موجات متتالية، تفاوتت في حدتها واتساعها واستمراريتها، تبعاً لعوامل إطلاقها.

وفي فترة لاحقة من الانتفاضة، تم تأهيل الكوادر والعناصر التي قامت على أكتافهم، لأن ميدان المقاومة هو المدرسة الرئيسة الأولى للإعداد النضالي، والأشكال الواجب استخدامها لخوضها، والأدوات التي يجب استعمالها في كل مواقعها، وفي ظروف كالتي عاشتها الأرض المحتلة، لهذا اقتضى الأمر أن يتعلم الشباب فن المقاومة بممارستهم لمختلف أشكالها المطلوبة، وأن تستخدم الجماهير كل سلاح ضد المحتل، مهما كان مستوى بدائيته.

ومع ذلك، فقد اختارت الانتفاضة في جانبها المدني السلمي، أن تجعل سلاح المحتل وقوته العسكرية محيدة، بالرغم من دباباته وطائراته، ويغدو "عملاقاً" عديم القوة في وجه الأحداث التي سطرت أحلك فترة في تاريخه! وغدت الانتفاضة للمرة الأولى في حروب إسرائيل جبهة متحركة تنتقل من شارع إلى مدينة، ومن مخيم إلى حي.


* الهوامش:

1) خلف، ص35.

2) الجرباوي، ص54.

3) غياظة، ص105.

4) وايتلي، 31/3/1988.

5) سوداح، 22/1/1989.

6) البرغوثي، ص76.

7) سرحان، ص78.

8) سليمان، ص25.

9) حافظ، ص14.

10) الخليلي، ص21.

11) عبد الجواد، ص165.

12) مشعال، ص186.

13) ستاينبرغ، ص4.              

14) عبد الجواد، ص76.

15) فرقطي، ص76.

16) جرار، ص115.

17) أبو عمشة، ص76.

18) الغبرا، ص59.

19) الشنار، ص38.

20) منصور، ص3.

* المراجع

البرغوثي، عبد اللطيف، دور الأغاني الشعبية في الانتفاضة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1990.

جرار، حسني، قصائد وأناشيد للانتفاضة، دار الفرقان، عمان، ط1، 1991.

الجرباوي، علي، الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، دار الطليعة، بيروت، 1989.

حافظ، صلاح الدين، صحافة تحت الاحتلال، مجلة الدراسات الإعلامية، القاهرة، العدد 46، كانون ثاني 1987.

خلف، عبد الهادي، المقاومة المدنية مدارس العمل الجماهيري وأشكاله، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1988.

الخليلي، علي، الانتفاضة والصحافة المحلية، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، القدس، ط1، 1989.

ستاينبرغ، بول، أوليفر، آن ماري، كتابة الجدران في الانتفاضة، الجمعية الأكاديمية للشؤون الدولية، القدس، ط1،1990.

سرحان، نمر، الانتفاضة في الفولكلور الفلسطيني، مؤسسة التراث، عمان، 1988.

سليمان، محمد، إعلام الانتفاضة: تكاملية الأداء وفاعلية النتائج، النهضة برس، نيقوسيا، 1991.

سوداح، سعاد، جسر الاحتلال وفيضان الانتفاضة، فلسطين الثورة، العدد 733، 22/1/1989.

الشنار، حازم، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الانتفاضة، الجمعية الفلسطينية للشؤون الدولية، القدس، 1989.

عبد الجواد، صالح، المصادر الأولية المكتوبة للانتفاضة، الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 4، خريف 1990.

عبد الجواد، صالح، الحركة الوطنية الفلسطينية وشعارات الجدران، الدراسات الفلسطينية، العدد 7، صيف 1991.

أبو عمشة، عادل، دراسة تحليلية نقدية لشعر الانتفاضة، اتحاد الكتاب الفلسطينيين، 1990.

الغبرا، شفيق، الانتفاضة أسبابها واستمرارها، المستقبل العربي، مركز الوحدة العربية، بيروت، العدد 113، تموز 1988.

غياظة، عماد، الحركة الطلابية الفلسطينية الممارسة والفاعلية، مؤسسة مواطن، رام الله، 2000.

فرقطي، فيصل، نشأة وتطور الملصق الفلسطيني، شؤون فلسطينية، بيروت، العدد 205، نيسان 1990.

مشعال، شاؤول، وأبراهام سيلع، عصر حماس، دار يديعوت أحرونوت، تل أبيب، ط1، 1999.

منصور، سيلفي، جيل الانتفاضة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط1، 1990.

وايتلي، أندرو، المهمة الحالية للانتفاضة إنهاء الاعتماد على الاحتلال، فايننشال تايمز، 31/3/1988.

 

المصدر مجلات الجامعة الإسلامية

http://journals.iugaza.edu.ps/
index.php/IUGJHR/article/viewFile/835/779