السلوك الإسرائيلي إزاء الثورات العربية

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 12:03 م

 

السلوك الإسرائيلي إزاء الثورات العربية

  • مقدمة

لا يمكن الاستخفاف بالأهمية الفائقة لتطورات المنطقة العربية، على "إسرائيل"، فقد تواصلت متابعاتها الحثيثة لتطورات الموقف الميداني في العواصم العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، وطغى المشهد العربي، على مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية، الداخلية والخارجية.

ولم يبد ما يحصل في شوارع القاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء ودمشق شأناً عربياً داخلياً، وإنما إسرائيلياً بامتياز! بحيث تواصلت المتابعات الإسرائيلية لتطورات المشهد العربي: سياسياً وعسكرياً وأمنياً واستراتيجياً.

  • تساؤلات الدراسة

- لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية التطورات العربية؟

- كيف نظرت "إسرائيل" لهذه التغيرات، ومدى تأثيرها على الواقع الإسرائيلي؟

- إلى أي حد تدخلت "إسرائيل" في بعض هذه التطورات، لتجييرها خدمة لمصالحها الإستراتيجية؟

- ما هي طبيعة التقدير الإسرائيلي لأثر هذه التغيرات على واقع القضية الفلسطينية؟

  • أهمية الدراسة

تنطلق أهمية الدراسة بإظهار عدم الاستخفاف بالأهمية الفائقة لتطورات المنطقة العربية على "إسرائيل"، حيث ستجتهد في إيراد الشواهد السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية الدالة على هذه الأهمية، ولعلها تأخذ أبعادا أكثر جدية، بتطرقها للقضايا التي شغلت صانع القرار الإسرائيلي، من جهة:

  1. تقييم الموقف الإسرائيلي للتطورات العربية الحاصلة،
  2. أثر الحراك السياسي والميداني في المنطقة العربية على القضية الفلسطينية،
  3. التخوفات الإسرائيلية من تحول الدول العربية من حالة "دول الجوار إلى دول السوار"!
  4. آفاق الحرب في المنطقة، والاستعداد الإسرائيلي لها، بفعل الثورات العربية، وتراجع العملية السلمية.
  • أهداف وأغراض الدراسة

ترى الدراسة أن الموقف الإسرائيلي من تعاظم "كرة الثلج" رويداً رويداً، وتغير الأنظمة العربية المقربة منها، سيسفر عنه تغير جذري في الموقف الإقليمي، وستظهر الدراسة أنه لن يكون بوسع تلك الأنظمة تجاهل مشاعر جماهيرها فيما يتصل بالعلاقة مع تل أبيب، حتى الدول التي قد لا تتغير أنظمتها بالكامل لاعتبارات معينة، ستضطر لتغيير موقفها من القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي.

وستجتهد الدراسة في تحقيق هذه الأهداف بتركيزها على الجوانب التالية:

أ‌-    تأثير الثورات العربية على واقع الصراع العربي الإسرائيلي.

ب‌-  استراتيجيات "إسرائيل" المتوقعة للتعامل مع الواقع العربي الجديد.

ت‌-  مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء التطورات الثورية في المنطقة.

  • الدراسات السابقة

في ضوء أن المنطقة العربية ما زالت تعيش هذا المخاض التاريخي، الذي لم تنتهي فصوله بعد، فليس هناك من دراسات علمية موسعة، تناولت هذه التطورات بالشرح والتفصيل الكاملين، باستثناء مقال هنا وتحليل هناك، على أهميتها بالتأكيد، فيما غصت المنتديات العربية ومراكز الدراسات بالتعليق والتحليل لهذه التطورات، في حين عاشت الساحة العلمية والبحثية الإسرائيلية نقاشات مستفيضة نشرت أوراقا علمية معمقة حول هذا الحراك العربي.

  • منهج الدراسة     

ستلجأ الدراسة إلى الأسلوبين الوصفي والتحليلي، في محاولة منها لتتبع الموقف الإسرائيلي من التطورات العربية، وتحليل أبعادها وتداخلاتها المحلية والإقليمية والدولية، مستعينة بجميع ما صدر في مراكز البحث الإسرائيلية من دراسات وتقييمات وتقديرات موقف باللغة العبرية، في ضوء إتقان الباحث لها.

 

  • المبحث الأول: التبعات السياسية للثورات على "إسرائيل"

عقدت المحافل السياسية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي سلسلة طويلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الاستخباراتية للحراك العربي، بمشاركة أعضاء مجلس الوزراء المصغر للشؤون السياسية والأمنية، وكبار ضباط هيئة الاستخبارات العسكرية، وجميع الجهات والمراجع المختصة في شؤون تقديرات الموقف.

وقد أكدت جميع التوصيات الصادرة عن تلك الجهات على نتيجة خطيرة مفادها أهمية اتفاق السلام مع الدول العربية المجاورة، لاسيما مصر، أكبر دولة عربية، كونه أخرجها من دائرة الصراع، وغيّر قواعد اللعبة.

كما طالبت أوساط سياسية ودبلوماسية بوجوب قيام حكومة "بنيامين نتنياهو" بخطوة دراماتيكية تؤدي إلى حل النزاع مع الفلسطينيين، لتقوية ما توصف بـ"الدول المعتدلة" في المنطقة أمام "المخاطر المحدقة"، في ظل التخوف من تداعيات هذه الثورات، باعتبار أن الأنظمة العربية الجديدة ستكون منشغلة بتحقيق استقرار شعوبها وتطلعاتها، مما قد يؤثر على استقرار "إسرائيل" في المنطقة.([1])

ولذلك طرحت تخوفات من فرضية انسحاب مصر، ولو نسبياً، من محور "الاعتدال العربي"، وتحولها إلى محور ممانعة، ما يُشكّل خطراً أمنياً وجغرافياً وسياسياً كبيراً على "إسرائيل"، لأنها ستعيش في منطقة غير مستقرة، وستحاول الجهات المعادية استغلال الوضع الناشئ لزيادة نفوذها، ومن شأن هذه الخطوات والتطورات أن تعزّز صحة ما يقال أن حاجاتها الأمنية ستزداد، مما يقتضي زيادة ميزانيتها.

ورغم أن التونسيين بدؤوا مسيرة الثورات العربية، وينسب إليهم قصب السبق، لكن الثورة المصرية تبقى عنوان التغيير الإقليمي والدولي، نظراً لوزنها في التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا، وهو ما من شأنه أن يفاقم العزلة والحصار الدولي اللذين تعزّزا ضد "إسرائيل"، ويعكس التحول الذي بدأ يظهر في توازن القوى الإقليمية عقب سقوط نظام مبارك، خصوصاً وأنها قد ترسل إشارات فحواها أنها لم تعد ملتزمة بالحلف الإستراتيجي معها كما كان في عهده، وأنها أصبحت مستعدة للتعاون مع دول معادية لها كتركيا على سبيل المثال.([2])

ولفتت بعض الأوساط الدبلوماسية الإسرائيلية إلى أنه منذ اندلاع الثورة المصرية، ازدادت "برودة السلام البارد أصلاً" مع القاهرة، ويمكن ملاحظة المؤشرات الدالة على ذلك من خلال توقفها عن تزويد تل أبيب بالغاز الطبيعي، وعودة الشيخ يوسف القرضاوي إليها بعد نفي دام عشرات الأعوام، وتزامن ذلك مع سياسة "إسرائيل" الرافضة لتجميد الاستيطان لاستئناف العملية السياسية، والمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية لإعادة تعزيز مكانة إدارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في المنطقة.

وقد أقرت محافل سياسية في تل أبيب أنها تعيش فترة من انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن الجيش هو ركيزتها الأكثر أهمية، في ضوء الزلزال الذي يضرب العالم العربي في الوقت الحالي، خاصة وأنها لا تعرف كيف ستنتهي الأمور.([3])

ومن الطبيعي ألا ينظر الخبراء والمسئولون الإسرائيليون إلى كل الثورات العربية بالقدر ذاته من القلق، إذ بدا بعض القلق مما جرى في تونس، لكنه تحول إلى نوع من الخوف بعد نجاح الثورة الشعبية في مصر، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى إدراك تغير وزن الشارع في القرار السياسي الرسمي العربي، فقد كان يتشكل بفعل عوامل عديدة أقلها أهمية رد الفعل الشعبي، أو موقف الرأي العام، غير أن الثورات الأخيرة جعلت موقفه أكثر وزناً في حسابات الأنظمة، وترافق مع قلق الحكام العرب من تخلي أمريكا عنهم على غرار التخلي عن بن علي ومبارك وصالح والقذافي، مما سيجعلهم أكثر استجابة لتطلعات شعوبهم.([4])

ولعل ما جعل هذه الثورات تشعل المزيد من الأضواء الحمراء لدى صناع القرار في تل أبيب أنها أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن سلامها كان مع أشخاص الحكام، وليس مع الشعوب العربية، لأنها أدركت أن موقف الرأي العام العربي أبعد كثيرا عن التطابق مع رأي الأنظمة، وبدأت تتحسس الآثار المحتملة على تسارع تدهور العلاقات العربية الإسرائيلية، واحتمالات تراجعها، ما يعني أن وتيرة التطبيع ستتراجع، كما أن أي علاقة معها ستكون محفوفة بالمخاطر في المدى الزمني المنظور.([5])

وذهب بعض الإسرائيليين للاعتقاد بأن تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها قد يتكرر معهم إذا كان هناك ضغط عليها، وهو ما دعاهم للقول أن على "إسرائيل" أن تصبح أكثر اعتمادا على ذاتها، لأن هناك دليلا متزايدا على أن  بعض الأمريكيين يرونها عبئاً([6])، وهو ما سبق وأن عبّر عنه الخبير الاستراتيجي الأمريكي، "أنتوني كوردسمان".([7])

وتعمّق الخوف الإسرائيلي من التداعي السريع للأنظمة، وانتقال الثورات من منطقة لأخرى، لأن انتقالها من بلد عربي لآخر بهذه السرعة، وبقدر من الإيقاع المتشابه، يؤكد من وجهة نظر بعض الباحثين الإسرائيليين أن فكرة العروبة والإسلام بالمعنى الثقافي والأيديولوجي ما تزال حية، خاصة من إمكانية استفادة الإسلاميين من التغيير الحاصل، لأنهم الأكثر تنظيماً وخبرة في العلاقة مع المجتمع العربي، بفعل امتلاكهم للجمعيات والمستشفيات والنوادي، وأغلب استطلاعات الرأي تعطيهم الوزن الأكبر قياساً بغيرهم.

وهنا تبرز إشكالية الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، لأن آلة دعايته قامت على فرضية أن مشكلة "إسرائيل" مع الدول العربية في طبيعة نظمها الديكتاتورية، لكن الثورات المتلاحقة جعلتها أكثر قلقاً من احتمالات تحرر العرب من هذه الأنظمة، وتبين أن أنسب الأوضاع لـ"إسرائيل" تكمن في استمرار تلك الأنظمة، كما أن اتساع قاعدة التحرر العربية سيفقدها شعار أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

وبعد نجاح الثورة المصرية، بدأت "إسرائيل" تعد العدّة لتغير السلطة، وطلبت من الولايات المتحدة ودول الغرب رهن تأييد النظام الجديد بالاحترام الكامل لاتفاق السلام معها، وعدم المساس به مطلقاً، وأن توضح الأسرة الدولية للسلطة المصرية الجديدة تنفيذ بضعة شروط لتحصل على الشرعية في الغرب، أهمها احترام الاتفاقات كلها التي التزمت بها السلطة السابقة.([8])

في الوقت نفسه، جرت اتصالات مكثفة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة بشأن ما قد يحدث في مصر بعد الثورة، وأوفدت وزارة الخارجية عدداً من دبلوماسييها إلى بعض العواصم الغربية لعقد سلسلة من اللقاءات العاجلة مع مسئوليها، للإعراب عن أملهم بأن تتحقق السيناريوهات "المتفائلة" الموضوعة بشأن تطورات الأحداث في مصر، وليس "المتشائمة"، ويشير أحدها إلى أن حالة عدم الاستقرار فيها ستتيح لعناصر إسلامية السيطرة على السلطة، ما من شأنه أن يلحق ضرراً كبيراً باتفاقية "كامب ديفيد".

ورغم أن أوساطاً إسرائيلية نافذة استبعدت قيام النظام المصري الجديد بإلغاء اتفاق السلام، لكنه في المقابل سيتوقف عن لعب "دور النجاة" لـ"إسرائيل" في محاولاتها للخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها، في حين أنه سيقوم بتحسين علاقاته مع الفلسطينيين عموماً، بمن فيهم أعداء "إسرائيل".([9])

وقد وصفت التحليلات السياسية الإسرائيلية ما يحدث في العواصم العربية، بأنها "مأساة" ستحل بهم نتيجة تغيير أنظمة الحكم فيها، ما يعني ترجيح عودة العلاقات الثنائية لما كانت عليه قبل عدوان عام 1967، ويطرح تخوفاً إسرائيلياً كبيراً، لاسيما بالنظر لتبعاته بعيدة المدى، حين تتوجه الشعوب العربية لصناديق الاقتراع، وانتخابها للقوى المعادية لـ"إسرائيل".

بصورة أكثر تفصيلاً، تفترض "إسرائيل" أنّ القوى المعادية، خاصة الإخوان المسلمين، سيسيطرون على مقاليد الحكم، وبعد مرور فترة زمنية سيمتدون للجيوش العربية، لتشكل تهديداً لجيشها، وهنا تكمن مشكلتها الكبيرة، لأن ذلك سيعني بصورة أو بأخرى تحديدها في العقود القادمة القريبة للأجندة السياسية في المنطقة.([10])

 

  • المبحث الثاني: الإخفاقات الأمنية والفشل الاستخباري

اعترفت "إسرائيل" بأن التطورات العربية جاءت بمفاجأة تامة لما يعرف بـ"مجتمع المخابرات"، مما يتطلب الحاجة لمراجعة عميقة للأحداث التي قد تؤثر على مفهوم الأمن الإسرائيلي، خاصة أنها لم تتوقع شدة هذه الثورات، وقدرت بأن قوات الأمن في تلك البلدان، ستعرف كيف توقفها، مما شكل مفاجأة غير سارة لها، ما يعني أن أجهزة الاستخبارات سجلت في غير مصلحتها "قصوراً مجلجلاً".

كما عبرت أحداث هذه الثورات عن "أضغاث أحلام" لقادة ومسئولي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، مما دفع للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق بشأن فشلها في تقدير الموقف في العواصم العربية، ولفتت وسائل الإعلام إلى ضرورة "محاسبة الذات، وإعادة التقييم والإمعان" بعملها، خاصة فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية لمدى استقرار الأنظمة العربية، حيث غيبت "إسرائيل" الجماهير العربية عن دائرة الصراع والمواجهة، واعتبرتها جبهة ضعيفة ومهزومة، وجاءت الثورات لتغير هذه القناعات.([11])

ومنذ انطلاق الثورات العربية، عبرت التصريحات الرسمية الإسرائيلية، عن مخاوف أمنية واستخبارية، في حالة انهيار الأنظمة الموالية لها، ومع تسارع وتيرة الأحداث، وسقوطها، عملت مراكز تفكيرها الإستراتيجية على دراسة هذه المخاوف، وأثارت نقاشا داخليا واسعا، أدى إلى انقسام الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية إلى ثلاث اتجاهات:

  1. الأول يعتقد بوجود مخاطر حقيقية أمنية للثورات العربية على "إسرائيل"،
  2. يرى الثاني بأنه لا شيء جوهري على الصعيد الأمني سيتغير،
  3. فيما يؤكد الاتجاه الثالث وجود هذه المخاطر الأمنية، لكنه يستبعد أن تظهر آثارها على المدى القريب.

ورغم هذا الانقسام، إلا أن الاتجاه الإسرائيلي الغالب، رأى أن الثورات العربية ستكون لها تداعيات أمنية خطيرة، بعضها سيكون آنياً، بينما ستظهر آثار بعضها الآخر على المدى البعيد، ومن أهم هذه المخاوف:

  • الخوف من قوة الجيوش العربية، لاسيما المصري، الذي سيتحول إلى أداة بيد الإسلاميين، بعد أن تم تحييده طيلة فترة حكم مبارك،
  • فقدان الثقة بإمكانية استمرار إدارة الوضع الأمني على الحدود المصرية، بنفس الأسلوب الذي ساد خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث ظل الاعتماد الأكبر على الجيش المصري لضبط الأمن،
  • التخوف من تقليص الضمانات الأمنية التي قدمها النظام السابق لإحكام الحصار على قطاع غزة، ومنع تهريب الأسلحة إليه، مما قد يستدعي إعادة الجيش الإسرائيلي لاحتلال الشريط الحدودي المعروف بـ "محور فيلادلفيا" بين قطاع غزة وسبه جزيرة سيناء،
  • القلق من انتقال عدوى الثورات إلى الأردن والسلطة الفلسطينية، مما سيؤدي في حال حدوثه إلى تداعيات خطيرة على الأمن الإسرائيلي.([12])

وكجزء من استخلاص الدروس والعبر، باشرت الاستخبارات الإسرائيلية بهيكلة منظومتها من جديد، بشكل يتلاءم مع الحراك الجماهيري العربي، وساحات النضال التي يخوضها الشباب العربي ضد الأنظمة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع بمسئولين أمنيين إسرائيليين للقول أن التكنولوجيا وشبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي أصبحت تسرع بإحداث تغييرات سياسية واجتماعية في بعض الدول، وعليه فإن قواعد اللعبة تغيرت، مما استدعى تخصيص 20% من طواقم جهاز الاستخبارات والقوى العاملة، واستثمارها للعمل في قسم المعلومات والتكنولوجيا التابعة للجيش.

وكانت هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وقبل أسبوع من اندلاع الثورة المصرية، قدمت للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، مذكرة خاصة أكدت من خلالها أنه لا يوجد أي خطر يتهدد استقرار نظام مبارك، وجاءت الثورة خلافاً للتوقعات والتقييمات، مما دفع أعضاء اللجنة للمطالبة بإقامة لجنة تحقيق لفحص "إخفاق الاستخبارات"، لأن أحداث مصر فاجأتها، ووجدتها غير مستعدة، وما حصل من أخطاء في التقييمات، أمر مقلق وضاغط، يلزمها بإجراء حساب للذات، وإعادة التفكير.

ومع تدحرج الأمور بصورة متسارعة، انتشرت فرضية مفادها أن الأوضاع الأمنية حول "إسرائيل" باتت "هشة"، وأن الهدوء الذي تشهده حدودها قد يتغيّر في أي لحظة، كما حذرت المحافل المقربة من جهاز الأمن العام "الشاباك" أن 25% من عرب الـ48 قد يخرجون على مؤسسات الدولة في حال لم تلب حاجياتهم.([13])

لكن التخوف الأساس في "إسرائيل"، نبع من الآثار الخطيرة للتطورات الأخيرة على الأمن في الحدود المصرية، مع التشديد على تهريب السلاح في الأنفاق إلى قطاع غزة، وتعزز قوة حركة حماس، وآثارها على الأمن الإقليمي، مع تعزز الميول الإسلامية المعادية لها.

وكل ذلك دفع بمصادر أمنية إسرائيلية مطلعة للإعراب عن خشيتها من أن يُؤثر الوضع في مصر على "إسرائيل"، كون انصراف جيشها لتفريق المتظاهرين، والسيطرة على الشارع، ما من شأنه أن يدفع حركات المقاومة في غزة لاستغلال ذلك لتهريب السلاح والذخيرة إلى عبر سيناء، وإمكانية وصول "خلايا مسلحة" إليها للقيام بعمليات ضدها.

ومع غياب التقديرات الاستخبارية عن توقع مثل هذه الثورات، يضع خبراء إسرائيليون أيديهم على مكمن الإخفاق الأمني، مستنكرين ما أسموه ظاهرة "محو المعلومات" التي تجمعت طوال السنين عن الميدان العربي، ويعتبرونها "جريمة لا تُغتفر"، مستدلين على نقدهم الشديد بالقول: أعفت الجهات الإسرائيلية نفسها من جمع المعلومات الاستخبارية عن الدول العربية المجاورة، حتى المعلومات الأساسية، مع العلم بأن إخفاقها لا يقاس بالميزانيات الضخمة، والفرق العسكرية، والطائرات الجوية.

كما أن الحديث يدور عن أشخاص وجماعات عمل يحتفظون بقدرات كالنظريات القتالية والمعلومات الاستخبارية، لأن مراكز المعلومات بمثابة الأركان التي يمكن البدء اعتماداً عليها حين يُعطى فيه إنذار لبناء القوة، لكن زمناً طويلاً مر منذ تلك الأيام التي عرف جهاز الاستخبارات العسكرية الضباط المصريين والتونسيين والليبيين معرفة حميمة.([14])

وأشار "المنتدى الإسرائيلي للمخابرات" إلى أن الثورة المصرية أثبتت خطأ الاعتقاد السائد لدى الاستخبارات العسكرية لسنوات طويلة، وسار عليها "افيف كوخافي" الرئيس الجديد للجهاز، كسلفه "عاموس يادلين"، ودار الحديث حينها عن تصور تبسيطي جداً برسم سيناريو يتمثل في أن إدارة مبارك ستنقل السلطة بصورة منظمة إلى مسئولين كبار في جهاز الأمن برئاسة عمر سليمان، فينقلها بسلاسة إلى جمال مبارك.

وقد خالفا بذلك رئيس الشعبة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع "عاموس غلعاد"، وقائد المنطقة الجنوبية السابق "يوآف غالانت"، وتبين لاحقاً أن هذا الإخفاق المعلوماتي والفشل الاستخباري له نتائج "كارثية" على الصعيد العسكري، تتمثل بـ"بناء قدرات ميدانية، وتحديث النظرية القتالية، وتنظيم تعاون بين الأذرع، وإنشاء قيادة سيطرة، واستكمالات قادة، وحشد معلومات".([15])

وبات واضحاً أن "إسرائيل" تخشى من الناحية الأمنية والاستخبارية ما يحصل من تحولات وثورات في الدول العربية، وترى فيها تهديداً وجودياً لكيانها، ولذلك تكن العداء لها، ويمكن رصد عاملين جوهريين يتحكمان في التقييم الإسرائيلي لهذه الثورات، هما: النظرية الأمنية، والثقافة الاستعمارية، اللذان يدفعان بها وبالغرب لمعاداة الحراك الشعبي، وسيرورة الحراك العربي.

فـ"إسرائيل" القائمة على أسس استعمارية احتلالية، لا تؤمن بمنظومة الديمقراطية وحكم الشعوب، مما يجعلها تسعى لتجنيد الإدارة الأميركية للضغط على القيادات العسكرية في العالم العربي عموماً، لضمان استمرار العلاقات والاتفاقيات والتعاون الأمني، بما يؤدي في نهاية الأمر لإفشال الثورات العربية، والتحريض عليها، والاستخفاف بالشعوب، لأنها على قناعة أن الحراك الشعبي العربي غير المسبوق سيكون له تداعيات وتأثيرات على مستقبلها، وهي التي فقدت أنظمة حليفة، وبالتالي ابتعدت، وقد تغيب كلياً عن العمق العربي.

وربما ما قد يفسر هذا الاختلال الأمني في خارطة "الجغرافيا السياسية" للمنطقة، أن "إسرائيل" رأت في سقوط مبارك، وفقدانها لحلفائها العرب، نقطة تحول جوهرية أحدثت خللاً في التوازن، مما سيؤدي لفقدان التفوق الإسرائيلي، والهيمنة الغربية على منطقة الشرق الأوسط.([16])

لكن المشكلة من وجهة نظر الاستخبارات الإسرائيلية تكمن في أنها لا تمتلك أي ميزة على مصادر أخرى في تحديد العاصفة الثورية التي تقترب، أو تقدير فرص نجاحها، ومن يستطيع القيام بذلك جيداً هو من يستشعر نبض المجتمع السائر نحو ثورة، ويعرف جيداً ثقافته، ويمكنه تحديد الفوارق الدقيقة التي تميز بين موجة احتجاج من شأنها أن تتحول إلى "تسونامي"، وبين احتجاج شعبي ينتهي بصوت خافت.

ومما يؤخذ على ضباط الاستخبارات الإسرائيلية طبيعتهم البيروقراطية، وميلهم للتوصل إلى توافقات في مجال التقديرات الأمنية، خاصة حين يحدث خلاف جوهري في الرأي، فإنك تجد صعوبة بصورة واضحة في تحديد التطورات الثورية.([17])

كما قاد تفجّر الثورات في الوطن العربي النّخب الأمنيّة الإسرائيلية إلى الاتجاه لزيادة موازنة الأمن، والتأكيد على ضرورة إحداث تغييرات جوهريّة في بنية جيشها، لأنها تفرض إعادة صياغة عقيدتها الأمنيّة من جديد، والمبادرة لعمل تجديد في طابع استعداداتها، وإعادة صياغة مركباتها، لتستجيب للتّهديدات المتوقّعة، في ضوء أن أهم "ضحايا" هذه الثورات معاهدتيْ السلام (كامب ديفيد، ووادي عربة) مع مصر والأردن، اللتان ساهمتا في تحقيق "إسرائيل" لإنجازات أمنية هائلة.([18])

مع العلم أن تراجعُ مستوى التهديدات الأمنيّة على الجبهتين الجنوبية والشّرقية مكن صنّاع القرار الإسرائيلي من تقليص النّفقات الأمنيّة كثيرا، بحيث وجّهت هذه الموارد للاستثمار في مجال البنى التحتيّة المدنيّة والتقنيات المتقدّمة، وأدّى إلى تراجعٍ كبير في حجْم الحصّة التي تشغلها حصة الأمن في الموازنة العامّة للدولة، والناتج المحلّي الإجمالي.

كما وجّه جزء من التقليص إلى الصحّة والتعليم والإسكان، مما جعل الثورات العربية تثير المخاوف لدى صنّاع القرار الإسرائيلي من أن تمثّل تهديداً لكلّ الإنجازات التي حقّقتها "إسرائيل" بفعل عوائد التّسوية.

وهو ما قد يشير إلى "الدور الخفي" لـ"إسرائيل"، بهدف إجهاض الثورات، واغتيال براعم التحول الشعبي والجماهيري، بحيث يرمي في النهاية إلى رسم واقع عربي جديد يتماشى مع مصالحها، بما قد يعطي إجابة عن التحركات التي تقوم بها، لاستغلال مشهد الثورات، وخلق واقع عربي يبقي التبعية لها، وانعدام السيادة للأنظمة الجديدة، بما يضمن عدم استفادة الحركات الوطنية من مكتسباتها.

وطالما أن "إسرائيل" مسكونة بالمخاوف الأمنية المتواصلة، فإنها ستبقى تعادي كل التحركات الثورية العربية، من خلال استمرارها بالتلويح بما تسميه "فزاعة الإسلاميين".

ومع توالي الأحداث في الشرق الأوسط، وتداعي الأنظمة العربية مثل أحجار "الدومينو"، استيقظت "إسرائيل" على واقع جديد يتشكل في المنطقة، فاتسمت ردود مسئوليها بالتخبط حيناً، وبإظهار اتزان مفتعل حيناً آخر، وتبادل الاتهامات بين المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية حيناً ثالثاً.

وربما طبيعة التناول الإسرائيلي لمجريات أحداث الثورة السورية، تشير إلى أنها تعاملت معها بشكل حذر، لأنها تختلف عن باقي الثورات التي اجتاحت وتجتاح العالم العربي لعدة أسباب:

  1. فسورية أولا في حالة حرب مع المؤسسة الإسرائيلية، ومحسوبة على دول الممانعة، ولو بالاسم،
  2. جغرافية الأحداث؛ فسوريا تقع على طول الحدود الشمالية الشرقية، مما يشير إلى حساسية وأهمية الموقف، لذلك تتابع "إسرائيل" أدق التفاصيل وأهم المتغيرات على الساحة السورية،
  3. تشغل الثورة السورية السياسيين والمراقبين والباحثين والمحللين الإسرائيليين، ويمكن إجمال دورهم في وصف الأحداث السورية من خلال التطرق إلى محورين:([19])
  • الموقف الرسمي: فقد حاول بعضهم في السنوات الماضية الترويج لفكرة احتمال حدوث مواجهة عسكرية قريبة مع السوريين، ولم يستبعدوا قيامهم بخطوات عسكرية للحفاظ على وضعهم من خلال تصعيد عسكري في الجولان أو الحدود اللبنانية، لذلك هناك حاجة لضبط الحدود الشمالية، وتشديد الرقابة، ورفع حالة الاستعداد، خوفا من أن يستغل نظام الأسد الفوضى وعدم الاستقرار، وصرف النظر إلى الحدود الشمالية، وفتح جبهة ساخنة مع تل أبيب عن طريق إحدى المنظمات، أو حزب الله.([20])

ولذلك فإن أجهزة المخابرات الإسرائيلية تتابع بقلق وعن كثب ما يجري في سوريا، لكنها تستبعد فكرة تسخين الجبهة الشمالية، وفي الجانب السياسي كانت معظم التصريحات السياسية للمسئولين المختلفين تحذر من قيام النظام السوري بحرف أوراق اللعبة من خلال تحريض حزب الله للعمل ضد تل أبيب لصرف الأنظار عن المشهد الثوري، ولذلك جاءت مشاركة عناصر إيرانية وحزب الله في قمع المتظاهرين، حيث سمعت اللغة الفارسية بين أعضاء الكتائب الأمنية التي دخلت لتفريق التظاهرات السلمية في المدن السورية.

  • تداعيات إقليمية لسقوط الأسد: أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة إلى نقاط هامة جدا من خلال تغطيتها وتحليلها لمجريات الثورة السورية، ولابد من الإشارة إلى الدور الكبير للمحللين ومراكز الأبحاث المختلفة المهتمة بشكل غير مسبوق بتداعياتها.([21])

وهكذا أوجدت الثورة السورية وضعاً أمنياً هو الأكثر خطورة بالنسبة لـ"إسرائيل" منذ نهاية الحرب الباردة، وجواً هو الأسوأ مما كانت عليه في أي وقت مضى من العقدين الماضيين، بعد أن بات لديها القليل من النفوذ الإقليمي، وطموحات قليلة للانخراط فيما تسميه بـ"الهندسة السياسية"، وكل ما يمكنها القيام به هو الدفاع عن نفسها بشكل أفضل، ليس أكثر!

وللخروج من الأزمة، يجب على "إسرائيل" زيادة الاستثمارات العسكرية بشكل كبير، والحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، لأنه ليس لديها خيار سوى مواصلة تعزيز شراكتها الإستراتيجية معها.([22])

وترى المحافل الأمنية الإسرائيلية أن المشهد الإقليمي الجديد بعد الثورات العربية يحمل معه مخاطر لا تعد ولا تحصى، ومنها:

  1. مزيد من عدم اليقين حول سلوك قادة الدول المجاورة تجاه "إسرائيل"،
  2. زيادة الأنشطة المسلحة المعادية،
  3. انخفاض قوة الردع الإسرائيلية، والعزلة الإقليمية المتنامية،
  4. التهديدات المتصاعدة في شرق البحر المتوسط.

وهو ما دعا لتقديم توصيات لصناع القرار في السياسة الإسرائيلية للتعامل مع هذه التغييرات، وتشمل:

  • زيادة نفقات الدفاع،
  • زيادة حجم الجيش النظامي،
  • رفع قيمة الاستثمار في مجال الدفاع الصاروخي، وقوة سلاح البحرية، والبحث والتطوير،
  • البحث عن حلفاء إقليميين جدد، والحفاظ على علاقتها الخاصة مع واشنطن، والإصرار على حدود يمكن الدفاع عنها في أي مفاوضات سلام مع سوريا أو الفلسطينيين.

ووصل الأمر إلى اتهام الحكومة الإسرائيلية بأنها تنتهج ما وصف بـ"سياسة النعامة" تجاه الثورات العربية، فتخفي رأسها في الرمال، ولا تبادر بإطلاق مسيرة سياسية.

فيما طالبت محافل سياسية مطلعة إلى ضرورة استغلال فرصة الأحداث في المنطقة العربية المحيطة بها لتوسيع دائرة السلام مع الدول المجاورة، والحفاظ في المقام الأول على ما يسمى "الذخائر الإستراتيجية" كالسلام مع مصر والأردن، والعمل على توسيعها، وإخراج مزيد من الدول المجاورة من دائرة النزاع، في تلميح واضح إلى سوريا.

 

  • المبحث الثالث: الترتيبات العسكرية والاستعدادات الميدانية

شعرت "إسرائيل" منذ اللحظة الأولى للثورات العربية أنها بصدد ما وصفته بـ"هزة أرضية" تضرب منطقة الشرق الأوسط لم يشهد لها مثيل منذ عشرات السنين، مما جعل صناع القرار فيها يحثون الخطى لفهم المعاني الناشئة عن التطورات في المنطقة، مع منح التغيرات الحاصلة في الدول المجاورة حيزاً أكبر من البحث والتحليل.

وتعلقت مخاوفها العسكرية من تبعات الثورات، لاسيما المصرية، بفرضيات أساسية رافقتها في الـ32 سنة الأخيرة، تتمثل بأنه في كل سيناريو محتمل، من غير المتوقع مواجهة عسكرية مع مصر، مما سمح لها بالخروج إلى حربين في لبنان، وتنفيذ عمليتين واسعتين في الأراضي الفلسطينية، ممثلة بالسور الواقي في 2002، ورصاص مصبوب في 2008، انطلاقاً من المعرفة بأنها لن ترد بصورة عسكرية.([23])

كما أن ميزانية الحرب الإسرائيلية بقيت في حالة من الثبات الحقيقي منذ عام 1974 وحتى 2011، وازداد الإنتاج بقدر بارز في هذه الـ37 سنة، وبالتالي انخفض نصيب الأمن في الإنتاج، من 30% عام 1974، إلى أقل من 7% عام 2010، لكن عبء الأمن فيها لا يزال عالياً بتعابير أوروبية، وانخفاضه الكاسح منذ 1974 هو أحد العوامل الأساسية التي سمحت بازدهارها الاقتصادي.

ويطرح الخبراء الإسرائيليون على صناع القرار ما يقولون أنه "سؤال الأسئلة" على جدول الأعمال بقولهم: هل ما يحصل في الدول العربية يشكل "تغييراً استراتيجياً" يستدعي فحص ميزانية الدفاع، حجمها، وتركيبيتها، وهو الأمر المتعلق أساساً بمتغيرات عسكرية كبيرة للغاية، كحجم القوة المقاتلة: في البحر والجو والبر، ومستوى المخزون من الذخيرة، كقطع الغيار والوقود، وهو ما ستتضمنه خطة "حلميش"، متعددة السنوات للجيش.

مع العلم أن الجيش الإسرائيلي وجد نفسه فجأة أمام ثلاث جبهات عسكرية جديدة: لبنان شمالاً؛ مصر جنوباً؛ وحماس في غزة، ما يعني أن وضعه الاستراتيجي والعسكري في الشرق الأوسط سيتغيّر، بما يحمله ذلك من تقدير بالقضاء على المسيرة السياسية، والإساءة لوضع الأمن الإسرائيلي، ودفع به لأخذ إجراءات عسكرية أكثر تتعلق بالنواحي التالية:

  1. بناء القوة، ومستوى المخزون من الذخيرة،
  2. رفع ميزانية الحرب، وإحداث تغيير في تركيبتها،
  3. التوجه قدماً نحو مواجهة التحديات الجديدة، والتعهد بملاءمة الجيش للتحديات الماثلة أمامه، والقيام بمهماته على أحسن وجه، وتعزيز قوته، وتحسين جهوزيته،([24])
  4. إدخال تعديلات هيكلية جذرية على الجيش، تمثلت بحلّ فرقٍ نظامية في قيادة المنطقة الجنوبية، وتحويل أخرى إلى فرق احتياط،
  5. حدوث انقلاب تاريخي في الظروف العسكرية السابقة، تمركزت حول:

أ‌- خفض موازنة الحرب، وتحويل قيمة الخفض إلى أهداف اجتماعية واقتصادية،

ب‌- تخفيف أعباء الجهوزية الحربية عن كاهل الجيش،

ت‌- خفض سن الإعفاء من الخدمة الاحتياطية، ونقل مركز الثقل العسكري للجبهة الشمالية.

كما أعلن سلاح الهندسة إغلاق عدة طرقات على الحدود الدولية مع مصر، بواسطة جدران ذات فتحات شبكية دقيقة، يتعذر دخول الأصابع من خلالها، سيضع على حافتها زوايا حديدية حادة، لا تسمح لأحد وضع يده عليها، وسينقل هذا الجدار النموذجي بمروحيات ضخمة، لتركيبه على الأرض، وتقوم أجهزة المراقبة والتحكم الأرضية بإنشاء مراكز للإشراف عليها، لكنه لن يكون بديلا عمّا تقوم به وزارة الحرب من بناء جدار على الحدود مع مصر، المكون من سياج ومنظومات إنذار ومراقبة.([25])

وفي الوقت الذي اعتبرت "إسرائيل" السلام مع مصر مكسباً استراتيجياً، سرت مخاوف من تعزز المعسكر المعادي لها، ما يحتم على الجيش أن يكون مستعداً، ويقاتل على جبهات عدة في وقت متزامن، في ظل خشية حقيقة من تحول الجيش المصري إلى مناوئ لها، وألا تتمكن من الاعتماد عليه في أوقات الأزمات، ما يجعلها تبحث عن بدائل له، لتعزيز استقرارها، باعتبار أن ما شهدته المنطقة من تغيرات كبيرة تحدث حولها، تزيد "سحب الضباب المتلبدة في سمائها"، ما يتطلب منه أن يجعل واجبه الأساس الحفاظ عليها قوية وجاهزة.

وهو ما يعنيه الجنرالات بالإشارة إلى أن "جبهات المواجهة" في الشرق الأوسط اتسعت في الآونة الأخيرة، مما يتطلب من الجيش أن يكون على أهبة الاستعداد للحرب المقبلة الشاملة في بضع جبهات، معترفين بأن الاستخبارات لا تملك القدرات الكافية للتنبؤ بوقوع ثورات كما حدث في مصر وتونس وليبيا.([26])

ويمكن اعتبار الانعكاس الفوري لنجاح الثورة المصرية أشبه بـ"قطار تحت الأرض لتهريب وسائل قتالية"، لتوسيع قوى المقاومة في غزة، وتحول "الجبهة الجنوبية إلى نقطة ذات خطورة عالية جداً، أكثر من القطاع اللبناني، ويكفي أن المصريين سينقلون الجيش إلى سيناء بشكل دائم، فيما سيعود الإسرائيليون لوطأة أيام الاحتياط كما السنوات السابقة لحرب الأيام الستة عام 1967، وليس معروفاً إلى أي مدى سيكون المجتمع الإسرائيلي قادراً على البقاء في وطأة كهذه".([27])

كما أن مستجدات الواقع المحيط بـ"إسرائيل"، وتعزّز قوة المعسكر المعادي لها في المنطقة، تنطوي على مخاطر جمة، مما يتعين عليها أن تكون مستعدة في أكثر من جبهة، ما يحمل دلالات مهمة بالنسبة للجيش، وفي الوقت نفسه تجهيز الجبهة الداخلية لتصبح أفضل مما كانت عليه أثناء حربي لبنان الثانية في صيف 2006، وغزة في شتاء 2008-2009، مما يستلزم قيامها باستعدادات سياسية وعسكرية لمنع هذه التغيرات من التحوّل إلى تهديدات إستراتيجية.

وحذرت وزارة الخارجية الإسرائيلية من تبعات وآثار نفوذ الإخوان المسلمين في مصر جيداً، وحماس جزء منهم، وهم يريدون القضاء على "إسرائيل"، وحرقها، وإبادة شعبها، ما يعني أن المنطقة برمتها تتوجه نحو صفحة جديدة، مما يحتم عليها أن تحافظ على قوتها، والسعي لإيجاد الطرق الملائمة لدفع المسيرة السياسية، ولذلك التأم المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية عشرات المرات منذ اندلاع الثورات العربية للاستماع إلى تقارير حول مستجدات الأوضاع في بعض الدول العربية، وانعكاساتها العسكرية.([28])

وطرحت محافل عسكرية وأمنية في تل أبيب خمس خطوات على المدى القريب يجب أن يتخذها الجيش، هي:

  1. إعادة احتلال محور صلاح الدين الحدودي بين غزة ومصر؛
  2. بناء قوة الجيش بمنأى عن الفرضية السائدة منذ 30 عاماً، وفحواها أن مصر لم تعد عدواً عسكرياً؛
  3. تسريع عملية بناء الجدار في منطقة الحدود المصرية؛
  4. زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي من حقول الغاز الموجودة في مياه إسرائيل الإقليمية،
  5. تعزيز المحور المعتدل المتبقي في الشرق الأوسط، وهو المحور الإسرائيلي- الأردني-الفلسطيني.([29])
  • المبحث الرابع: "الأثمان" الاقتصادية والخسائر المادية

يرى الباحثون الاقتصاديون الإسرائيليون أن خروج مصر من الصراع منذ 1977 قلّص الإنفاق الدفاعي من 24% من إجمالي الناتج المحلي في ثمانينات القرن الماضي إلى 7% حاليا، لكن الثورات الحاصلة غيرت المناخ السياسي للمنطقة بشكل قد يقود إلى "كارثة اقتصادية"، لأن إسرائيل ستعيد توزيع مواردها بين الدفاع والاقتصاد السلمي، وهو ما سيؤدي إلى "إعادة هيكلية الموازنة" الإسرائيلية بشكل كامل، مما سينعكس على مستوى الرفاه العام للمجتمع، وقدرة الدولة على تسوية المشكلات الاجتماعية.([30])

وقد سرت مخاوف ومشاعر بالقلق في الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية من إمكانية إغلاق قناة السويس أمام حمولاتها، خاصة وأن ثلث الاستيراد والتصدير يوجه للشرق عن طريقها، لتشكل "أنبوب الأوكسجين" لاقتصادها.

كما عبرت وزارة البنى التحتية الإسرائيلية عن مخاوفها من إقدام القاهرة على إلغاء اتفاقية تصدير الغاز، لأن 40% من كهربائها يُنتج عبر الغاز الطبيعي المصري، ما دفع بالجيش الإسرائيلي للإيعاز لنظيره المصري لحراسة خطوط إمداد الغاز والنفط البعيدة عن مناطق الفوضى، في حين تجني "إسرائيل" مليار دولار سنوياً جراء بيع الغاز المصري في المناطق الفلسطينية.([31])

وأبدت شركات إسرائيلية مخاوف من تراجع الميزات الحسنة المقدمة من النظام السابق، حيث جنت أرباحاً سنوية من اتفاقية "الكويز" مع مصر عام 2005، بـ2 مليار دولار، وقررت شركة "دلتا" وقف مصنعها القريب من القاهرة بسبب الثورة، ونقلت عدة مصانع إسرائيلية عملها هناك بسبب رخص الأيدي العاملة.([32])

وبعد خفض الحكومة الإسرائيلية أسعار المحروقات ومشتقات البترول بسبب أحداث احتجاجية جرت داخل "إسرائيل", سجلت أسعار الوقود ارتفاعاً جديداً، لأنها تتأثر بأسواق حوض البحر المتوسط، وأغلب كميات النفط في العالم تأتي من دول لا تقيم معها علاقات سلمية، وإلى حين إيجاد البدائل ستبقى مرهونة بالواقع الحالي، مما دفع برئيس الحكومة "نتنياهو" لإبداء اهتمامه بإيجاد الطاقة المتجددة والبديلة للحد من ارتهانه للنفط العربي.([33])

ومن المخاوف التي تقضّ مضاجع النّخبة الاقتصاديّة الإسرائيلية أن تُسفر الثورات العربية عن فرْضِ قيودٍ على تجارتها الخارجيّة، لأنّ 98% منها ينقل عبْر البحار، وثلث الاستيراد والتّصدير يوجَّه نحو الشرق عبر قناة السويس، وهي لا تتخوف من إغلاقها أمام سفنهم التجاريّة فحسب، بل من إقدام المصريين على إغلاق مضائق تيران، وتهديد الملاحة البحرية عبر ميناء إيلات، ممّا يعني خنْق "إسرائيل" تماماً.

وهو ما دعا الخبراء الاقتصاديين الإسرائيليين للتحذير من التداعيات المباشرة وغير المباشرة للثورات العربية، لاسيما  المصرية، على الاقتصاد الإسرائيلي، نظرا للتغييرات التي طرأت، وقد تطرأ مستقبلا، على طبيعة العلاقات المتشابكة بين البلدين، إضافة لبعض الخسائر الآنية التي ستصيبه، وتمثلت في النواحي التالية:

  1. الخسائر التي تكبدتها "إسرائيل" أثناء الثورة بفعل "التشويشات" التي تعرضت لها الموانئ المصرية، خصوصا الإسكندرية وبورسعيد ودمياط، حيث يتم نقل الكثير من البضائع منها وإليها،
  2. تباطؤ العمل في قناة السويس، التي يمر عبرها 20% من حجم التبادل التجاري البحري الإسرائيلي مع العالم، وبتكلفة تصل 200 مليون دولار أسبوعياً،
  3. التوقعات بارتفاع أسعار القمح عالميا، نتيجة للثورة المصرية وعوامل عالمية أخرى، مما سيؤثر على المستهلك الإسرائيلي مباشرة،([34])
  4. الزيادة المتوقعة في حجم الإنفاق على الدفاع والتسليح، لمواجهة التغييرات الإستراتيجية المحتملة لسقوط الأنظمة الموالية، مما أدى إلى رفع موازنة الحرب من إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي، رغم أنها تخوفات مبالغ فيها، وتهدف لتبرير زيادات غير واقعية في ميزانية الأمن، إلا أن لجنة الموازنات أقرت فعلا طلب الجيش بزيادة إضافية لميزانيته بـ200 مليون دولار،
  5. الخسائر الناتجة عن توقف تصدير الغاز المصري إلى "إسرائيل"، والإلغاء المتوقع للصفقة المجحفة المبرمة عام 2005، ويتم بموجبها إمدادها بـ40% من حاجتها للغاز، لأنها توفر سنويا ملياري دولار من استيراده بأثمان مخفضة عن السعر العالمي، كما تكسب مليار دولار سنويا من بيعه في أراضي السلطة الفلسطينية والسوق الإسرائيلي.

وقد مكّن تقليص موازنة الحرب الإسرائيلية، عقب توقيع معاهدات "كامب ديفيد" مع مصر، وأوسلو مع الفلسطينيين، ووادي عربة مع الأردن، "إسرائيل" من توجيه الموارد لسداد فوائد الديون، وتوجيهها لقطاعات الصحّة والتعليم والإسكان، ما يعني أنّ السّلام والاستقرار ساهما بتمكين صنّاع القرار في تل أبيب، من اتّباع سياسة اقتصادية- اجتماعية ضمنت تكريس أسس دولة الرّفاه، لتكون "إسرائيل" بيئةً جاذبة للهجرة اليهوديّة.

وكان لهذا التطوّر دورٌ كبير في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي، ما أدّى لتعاظم التصدير والنموّ بشكل كبير، وقفزت نسبةُ أصحاب الكفاءات العلميّة من 10-20% من إجمالي عدد السكّان.([35])

لكن ما حدث من ثورات في العالم العربي، مثّل تهديداً للاتّفاقيات التي أتاحت لـ"إسرائيل" تقليص نفقات الأمن، ومضاعفة الاستثمار في المجالات المدنيّة التي تعزّز النموّ، وتبعد شبح الرّكود الاقتصادي، وبالتالي فإن تّهديدات الثّورات العربية فرضت إدخال تغييرات جذريّة على حجم ميزانية الأمن وبنيتها، علاوة على إعادة صياغة سلّم الأولويّات بشكلٍ جذري، ومنها المجال الاقتصادي.([36])

ويتّضح أنّ هناك مخاوف حقيقيّة لدى الخبراء الإسرائيليّين، من أن تسفر الثورات العربية عن بيئة إستراتيجية جديدة تعيد الاقتصاد الإسرائيلي إلى نفس المربّع الذي وُجد فيه بعيْد حرب 1973، وهو ما بات يُطلَق عليه "متلازمة 73"، ويمكن القول أنّ حالة الضبابيّة وانعدام اليقين التي أسفرت عنها الثورات، دفعت بـ"إسرائيل" للقيام باحتياطات أمنيّة كبيرة تُرْهق خزانتها، مما سيفضي إلى جملة من النتائج أهمها:

  1. تقليص الخدمات المدنيّة، والمسّ بركائز سياسة الرّفاه الاجتماعي؛ ممّا يعني تقليص مخصّصات الضمان الاجتماعي،
  2. استنفاد الموارد الماديّة للوفاء بالمتطلّبات الأمنيّة، سيصيب المرافق الاقتصادية بالشّلل،
  3. تراجع معدّلات النموّ، وتعاظم مظاهر الرّكود الاقتصادي، وتراجع إجمالي النّاتج المحلّي.([37])
  • المبحث الخامس: التحديات الإقليمية والدولية

يمكن تحديد أبرز ملامح الإستراتيجية الإسرائيلية في معالجتها للثورات العربية في كونها شكلت فشلاً ذريعاً في توقع حدوثها، ومسارها، وشمل ذلك مراكز دراساتهم واستخباراتهم، وتقديرات مفكريهم على اختلاف توجهاتهم، وتمثل بالارتباك الشديد في تقدير التيارات الفكرية للنتائج المترتبة على هذه الثورات، رغم أن السمة العامة أكثر ميلاً للتشاؤم.([38])

ومع ذلك، هناك جملة من الضوابط والمحددات انتهجتها "إسرائيل" إزاء الثورات العربية، ركزت على الجوانب التالية:

  1. في حال إتاحة المجال أمام قوى معادية لاستغلال عمليات ديمقراطية للسيطرة على السلطة، فإن النتيجة ستكون إلحاق أضرار بعملية السلام مع العرب،
  2. ستحاول القوى المعادية تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، بعد أن يحظى "أعداء إسرائيل" بالسلطة، ولئن كانوا لن يستعجلون بخرق اتفاقية السلام معها، لكنهم سيُساعدون قدر الإمكان حركات المقاومة الفلسطينية على تعزيز وضعها وقدراتها،
  3. حاجات "إسرائيل" الأمنية ستزداد، مما يقتضي زيادة الميزانية الحربية، وإجراء تعديلات على جاهزية الجيش الإسرائيلي.([39])

وتتهم "إسرائيل" الثورات العربية بالتسبب بإحداث "خلل استراتيجي" أصاب المنطقة، بفعل تنامي الحركات الشعبية، وانتكاس العلاقات الإسرائيلية العربية، والتململ من "الرعونة" الإسرائيلية في مجال التسوية السياسية، وتمحورت المناقشات حول فترة ما بعد هذا الحراك العربي في عدة أبعاد أساسية على النحو التالي:

  1. تسعى أوساط سياسية إسرائيلية نافذة للتأكيد على أن ما تصفها بـ"الاضطرابات" في العالم العربي تعزز الفكرة القائلة بأن القضية الفلسطينية ليست السبب بعدم حالة الاستقرار في الشرق الأوسط، بل هما الاستبداد السياسي والفقر، مما يستدعي أن تتوجه دبلوماسيتها لتكريس هذه الفكرة، لاسيما أن الموضوع الفلسطيني لم يكن بارزاً في شعارات الثورات العربية.
  2. طرحت هذه الثورات بعض الاحتمالات التي تاه الفكر الإسرائيلي في ملابساتها، واتضح ذلك في قدر كبير من عدم التوافق حولها مثل:
  • تراكم الضغوط الدبلوماسية على "إسرائيل" للتعجيل بالتسوية مع سوريا ولبنان، وهو الرأي الذي يتبناه العسكر ودوائر الاستخبارات، لأن الثورات ستجعل الأنظمة السياسية العربية أقل خضوعاً لمطالبها بفعل تنامي وزن الشارع في القرار السياسي، ما قد يخلق حالة من الاضطراب الواسع في المنطقة، بشكل يؤثر على الولايات المتحدة وأوروبا في ظل أوضاع اقتصادية دولية خانقة،([40])
  • ما حدث يشير لمرحلة عنف وعدم استقرار ستعم الشرق الأوسط، مما قد يدفع بالولايات المتحدة وأوروبا للضغط على "إسرائيل" للتجاوب مع الجهود الدولية لتسوية الصراع على أساس حل الدولتين، باعتبار أن التسوية مع سوريا ستساعد على إضعاف إيران من خلال فك التحالف بينهما، وبالتالي إضعاف القوى الدينية في المنطقة، مع ضرورة التنبه إلى أنها فقدت تركيا بعد إيران، وهي الآن قلقة من فقدان الدور المصري ككابح لحركة حماس.([41])
  • تيار يرى أن الثورات العربية سيخطفها الإسلاميون، مما يجعل "إسرائيل" أكثر حذرا في موضوعات التسوية، لأن المنطقة مقبلة على حالة من عدم الاستقرار، وهو ما أكده ويسانده بعض الكتاب الإسرائيليين بالمطالبة بالانتظار لعل موجة "الدمقرطة" العربية تطال سوريا وإيران، مما يفتح مجالاً أوسع للدبلوماسية الإسرائيلية، ويجعل الضغط عليها أقل حدة.
  • تبدي محافل أمنية واستخبارية في تل أبيب أن مخاطر الثورات العربية يستدعي خطوات استباقية منها، كالدعوة لإعادة احتلال قطاع غزة، بزعم أن الإخوان المسلمين في ظل المناخ السياسي الجديد في مصر، سيمدونه بالعون، بشكل يهدد أمنها.([42])
  1. يحاول تيار فكري إسرائيلي استثمار الثورات العربية للتأكيد على أنها جاءت نتيجة لأوضاع داخلية فيها كالفقر والقهر السياسي والفساد، وليس لدوافع خارجية كالصراع العربي الإسرائيلي.

4- تُمثل الثورات في نظر قطاع واسع من المثقفين الإسرائيليين فصلاً آخر في تاريخ المنطقة لم يصل نهايته، وهناك المزيد في "طابور الثورات"، وبالتالي بات "عامل الوقت" العدو الأكبر لمن تبقى من الأنظمة الدكتاتورية، لكن ما تصفها بـ"الأصولية الإسلامية" ستبقى العقبة والخطر الكبير لـ"إسرائيل" وللدول الغربية.([43])

وتجد تل أبيب صعوبة كبيرة في تجاهل أنها تقف أمام تطورات ثقيلة الوزن في الشرق الأوسط، والانطباع الذي يتم تكوينه أنها تُسحب مجدداً نحو الأحداث، لأنها "ترد ولا تبادر"، فيما العربة عالقة في الوحل السياسي، مما دفع بوزير الدفاع "إيهود باراك" للإعلان غير مرة بأن الدولة تقف أمام "تسونامي" سياسي، وهو ما يحتم عليها أن تضع نصب أعينها مصالحها العليا.([44])

كما أن التطورات المتلاحقة في المنطقة العربية دفعت بالساسة الإسرائيليين لطرح السؤال: هل فعلت الحكومة ما يكفي، وقامت بعمل جاد وعميق لمتابعة المعاني المختلفة للتغيرات الإقليمية بأسرها؟ لأن الأحداث التاريخية التي تعصف بالشرق الأوسط تتطلب منها وضع استنتاجات عمومية، مستخلصة رداً على التغييرات التي تقف أمامها، وآثارها المحتملة على علاقاتها مع أنظمتها المستقبلية.([45])

وقد وضعت محافل استراتيجية إسرائيلية خلاصات أولية من الثورات العربية على النحو التالي:

  1. انعدام الاستقرار، وتبني مواقف ودية أقل من "إسرائيل"،
  2. إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، وتعزيز التحالف المناهض لها في الخليج العربي،
  3.  إمكانية إيجاد حلول للنزاع الطويل مع سوريا ولبنان والفلسطينيين،
  4. انخفاض أهمية مصر وسوريا، المنشغلتان بشؤونها الداخلية، وارتفاع التأثير الإقليمي لتركيا والسعودية.

فيما أعربت محافل إستراتيجية في تل أبيب عن خشيتها نتيجة تزايد نفوذ الإخوان المسلمين في مصر، لأنهم يختلفون عن العلمانيين في نظرتهم إليها، فهم قوة منظمة جيداً سياسياً واجتماعياً بشكل أفضل من أي قوة سياسية أخرى, كما أن امتلاء ميادين التحرير بمناصريهم، أعطاهم شرعية لأنشطتهم وفعالياتهم.

وبغض النظر عن إمساكهم بزمام الأمور في الدول العربية، فإنهم سيواصلون ضغطهم، ما يعني أن حركة حماس في فلسطين ستشعر بأريحية كبيرة، لأنها ستتلقى مزيداً من الدعم، وهذا أبسط ما يمكن أن يدفعه الجيش المصري ثمناً للإخوان مقابل الحفاظ على الاستقرار.([46])

ولذلك تبدو دوائر صنع القرار الإسرائيلي على قناعة بأن الحركات الإسلامية ستعمل جاهدة على "إحلال الفراغ" الذي نشأ بعد سقوط عدد من الأنظمة العربية، مما يدفع بضرورة انشغالها بإعداد ما وصفتها بـ"خطة مارشال لوقف المد الإسلامي" في المنطقة العربية، على غرار نموذج الخطة الأمريكية التي جعلت أوروبا تتعافى بعد الحرب العالمية الثانية، ويتم تسويقها الآن لمنع الحركات الإسلامية من "السيطرة" على الشرق الأوسط، وتتضمن البنود التالية:

  1. ترسيخ الديمقراطية في المنطقة،
  2. إنشاء صندوق دولي لتشجيع المتغيرات الديمقراطية،
  3. إنعاش النمو الاقتصادي في الدول العربية.([47])

وأتت هذه الخطة بعد اعتبار "إسرائيل" أن الثورات العربية جلبت المأساة للمنطقة، مما تطلب منها أن تجري حساباتها بشأن العلاقات مع الأنظمة السياسية الناشئة، متهمة الولايات المتحدة بطعن "مبارك" من الخلف، وإدارة ظهرها لها، وهو ما دفع بمطالبة صناع القرار للاستعداد للتعامل المستقبلي مع حكومات عربية جديدة "غريبة" عليها، وإمكانية تكرار نموذجي موريتانيا وتركيا، لأنها بعد هذه الانتفاضات سترفض الاستمرار في العلاقة مع "إسرائيل"، وتزيد تعاطفها مع الفلسطينيين.

وتمثل أهم ما تخشاه تل أبيب أن تأتي الثورات بالإسلاميين إلى السلطة، لأنه يشكل تحدياً استراتيجياً كبيراً لها، فضلاً عن التخويف والتهويل من مخاطر إجراء انتخابات حرة، خشية من تكرار نموذج فوز حماس، مما سيكون له تأثيرات سلبية بالغة الأهمية على وضعها الإقليمي، ومن الممكن على المدى البعيد تعرض اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن للخطر، وهذا التحدي الأكبر الإستراتيجي بعد دعم الولايات المتحدة.([48])

في ذات السياق، كان للثورات العربية عواقب غير متوقعة على الصعيد الإسرائيلي، لأن نتائجها ليست جيدة ولا نقية مطلقاً، في ظل الاضطرابات التي عمت المنطقة، وهو ما يتطلب من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التكيف معها، ولذلك باتت تعمل وحداتها في الشبكات الاجتماعية، تعلمها، وقراءتها، وستشكل من الآن فصاعداً التحدي التالي، إن لم يكن الحالي، للاستخبارات العسكرية.([49])

كما تطلب ربيع الشعوب العربية من "إسرائيل" ما قيل أنها "حلولاً إبداعية، وتأهباً عالياً"، وإلا فإن هذا الربيع سينتقل إلى "باحتها الخلفية"، وربما تنفجر في وجهها، فيما توقعت أن تسفر الثورات العربية عن حصول تفكك كالذي حدث في الاتحاد السوفيتي، وانشطاره إلى 15 جمهورية، وانقسام تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين، ويوغوسلافيا إلى 7 دول، ويمكن أن يرتفع عدد الدول العربية إلى أكثر من 30 دولة، فالسودان ينفصل إلى شمال وجنوب، وليبيا تنفصل إلى بنغازي وطرابلس، وسوريا إلى جنوب وشمال، وربما دولة ثالثة، والسلطة الفلسطينية منفصلة إلى كيانين في غزة والضفة.

وقد تناولت الأوساط الإستراتيجية والدبلوماسية الإسرائيلية الآثار المترتبة على الثورات العربية بعد سقوط الأنظمة الموالية، لأنها ستصبح "جزيرة منعزلة في محيط من الكراهية"، وإن شرقاً أوسط جديداً يتشكل الآن، ما يتطلب منها أن تكون جاهزة كل يوم، ولكل شيء، ووصف ما يحدث بـ"إنذار استراتيجي".([50])

وقد شكلت الثورات العربية "ضائقة إستراتيجية" لتل أبيب من الناحيتين الإقليمية والدولية، وتمثلت في:

أ‌- الجبهة الشرقية: تعيش مع الأردن أجواءً من الشكوك، لاتهامها بالجمود السياسي، وتحذيرها من الكارثة،

ب‌- الجبهة الشمالية: في أعقاب سقوط حكومة الحريري في لبنان، وصعود حكومة يسيطر عليها حزب الله، فقد المعسكر المعتدل في الشرق الأوسط محوراً مهماً وأساسياً،

ت‌- الضفة الغربية وقطاع غزة: طرحت الثورات العربية تخوفاً من أن يتلقى الشعب الفلسطيني شهية الخروج إلى الشارع،

ث‌- إذا لم يكن هذا كافياً، فقد بقيت المنطقة مع إدارة أميركية ضعيفة، تعطي الانطباع بأنها رفعت أيديها.

وفي حين مثلت الجبهات الحربية الشمالية في لبنان وسوريا، والشرقية في إيران، والجنوبية في غزة، استحقاقات رئيسية في الإستراتيجية الإسرائيلية، واستهلكت زخم مؤسستها الأمنية، إلا أن الثورات العربية جاءت لتنذرها بأن المشهد الإقليمي قد يكون مقبلاً على تغيير جذري وحاسم ومقلق، مما أدخلها في حالة من الضبابية والتشويش وانعدام التوازن، على مستوى تشخيص التهديدات أولاً، والسبل الكفيلة بمواجهتها ثانياً.([51])

وبالتالي، تحولت عدد من الدول العربية من أنظمة حليفة وحريصة على المصلحة الإسرائيلية، إلى معادية في حدها الأقصى، أو دول غير محايدة في حدها الأدنى، ما من شأنه أن يلقي بظلال ثقيلة على تل أبيب وقراراتها، لأنها ستكون مضطرة، من الآن فصاعداً، لإدخال العامل العربي وردّ فعله في حساباتها لدى اتخاذ قراراتها تجاه ساحات المواجهة الأخرى، في لبنان أو سوريا أو قطاع غزة، وصولاً إلى إيران.

ولذلك سعت نظرية الأمن القومي الإسرائيلي على إبقاء الجارات العربية ضعيفة ومشرذمة ومحيَّدة، فالأردن يلعب دوراً هامشياً؛ ولبنان غارق في فوضى جعلته يحتوي نفسه بنفسه؛ ومصر الأهم، مكبَّلة ببنود اتفاقات السلام، التي تضمن بقاء سيناء منطقة عازلة، وإذا كانت سوريا لا تزال تشكل خطراً، فهذا غير جدّي في الواقع، لأنهم أكثر اهتماماً بالهيمنة على لبنان.([52])

وهو ما جعل الثورات العربية تؤدي إلى تداعيات سياسية خطيرة تؤثر في الواقع الاستراتيجي الإسرائيلي بشكل مباشر، من خلال:

  1. ازدياد عزلة "إسرائيل" في المنطقة، بعد خسارة حليفها الأهم، مصر،
  2. القلق من نتائج الصراع بين القوى السياسية في العالم العربي، ومنها الإسلامية، على قيادة الدول في مرحلة ما بعد الثورة، وإبداء تخوفها من حسم الصراع لصالح سيطرة الإسلاميين على الحكم،
  3. فقدان الدور الإقليمي الذي لعبته الأنظمة السابقة المتساقطة، باعتبارها أكبر أصدقائها، وخسارة التوازنات الدقيقة التي قادتها في منطقة الشرق الأوسط، وصبت في النهاية لمصلحتها،
  4. تضييق الهامش الذي تتحرك فيه السياسة الإسرائيلية في المنطقة، مع توقعات بنشوء حكومات مختلفة في بعض الدول العربية، يكون للرأي العام الشعبي دور أكبر في تشكيل سياساتها،
  5. الخوف من التحول التدريجي لمصر، لتصبح دولة إقليمية قوية على الطراز التركي، مما يضع "إسرائيل" في مواجهة محور إقليمي يضم إيران وتركيا ومصر،
  6. القلق من استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة العربية، باعتبار الاستقرار أهم من الديمقراطية بالنسبة لـ"إسرائيل"،
  7. الخوف من قيام انتفاضة فلسطينية ثالثة، على غرار الانتفاضتين الأولى والثانية، مع اكتساب زخم جديد من الثورات العربية، ومواكبة إعلامية كبيرة توفرها الفضائيات، لم تكن موجودة سابقاً.([53])

وبشيء من التفصيل، جاءت جملة التطورات التي تشهدها المنطقة العربية غير إيجابية لـ"إسرائيل"، نظراً للاعتبارات التالية:

  1. في مصر: ما زال ذات السؤال يطرح حول حجم الضرر الإسرائيلي في تراجع العلاقات معها، وشكل النظام القادم، وهل سيكون براغماتياً يحافظ على اتفاق السلام، أم ستشهد انتكاسة جديدة؟ بعد اطمئنانها على مدى 30 عاماً أن أي توتر مع مصر لن يؤدي لاندلاع مواجهة عسكرية حقيقية، مهما كانت الأحداث في ساحات أخرى، ولهذا كان بإمكانها تركيز قواتها تجاه تلك الجبهات.
  2. بالنسبة للأردن: تراجعت قوة النظام بصورة نسبية، وأصبح للمرة الأولى نقاش حول صلاحيات الملك، وضرورة توزيعها بين البرلمان والقصر، إضافة لقوانين الانتخابات القائمة.([54])
  3. الساحة الفلسطينية: رغم الهدوء النسبي، إلا أن هناك تحركات تحت الأرض تؤكد وجود خطر كبير من انتقال موجة الثورات الشعبية إليها، مما يتطلب من تل أبيب القيام بخطوات وقائية لمنع اندلاع انتفاضة جديدة، لأن أحداث المنطقة تؤثر على اعتباراتها ومخططاتها العسكرية تجاه الفلسطينيين.

ولذلك كان وصف محافل سياسية ودبلوماسية إسرائيلية للربيع العربي على أنه "زلزال" يهدد بإسقاط الأنظمة التي حكمت على مدى عقود، ومن شأنه أن يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ولئن بدأت الاضطرابات في العالم العربي باسم الحداثة والديمقراطية، لكنها سرعان ما تصاعدت إلى انتفاضات واسعة النطاق، ومن ثم ثورات تواصل زعزعة الاستقرار في المنطقة، وبشكل متزايد، وأدت نهاية الأمر لتمكين الأنظمة الإسلامية.([55])

  • المبحث السادس: مستقبل التسوية مع الفلسطينيين والعرب

تواصل الجهات الإسرائيلية المسئولة متابعتها عن كثب للتغيرات الحاصلة في المنطقة العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل شيوع أنباء عن مواقف رسمية مناهضة لـ"إسرائيل"، آخذة بالنفاذ إلى مستويات صنع القرار العربي.

وعاشت الساحة الإسرائيلية، وما زالت تعيش، حالة من الاستنفار والقلق المتزايد، في ظل ما يحصل داخل الدول العربية من تغيرات دراماتيكية، فيما بقي المستويان السياسي والعسكري يدفنان رأسيهما في الرمل، لاسيما وأن التبعات السابقة، تجعل من المؤكد عدم معرفة الصورة المستقبلية في الشرق الأوسط عقب الأحداث الحالية التي يشهدها، بما في ذلك المآلات المتوقعة للعملية السلمية مع العرب والفلسطينيين، وهو ما قد يُهدّدها، لأن هدف الأنظمة العربية الجديدة سيكون المحافظة على الاستقرار، ومنع انهيار الأوضاع.

ومن الطبيعي أن تصل الاهتزازات التي تشهدها المنطقة إلى "إسرائيل"، دون أن يعرف أحد كيف سيكون شكلها، مما يستدعي منها العمل على إعداد خطة للتعامل مع تلك الاهتزازات، أو القيام بخطوات وقائية لمنع حدوثها، لاسيما وأن عدم وجود خطة سياسية إسرائيلية يساهم بإضعاف مكانتها في العالم، بعد أن ساهمت اتفاقيات أوسلو في منحها هامش مناورة كبير للتحرك الدولي.

وبالتالي فإن استمرار الثورات العربية سيؤثر على شكل الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه مع الفلسطينيين، ما يؤكد أهمية الخروج بمبادرة سياسية إسرائيلية على أساس قرار استراتيجي ورؤية واضحة.

كما قدمت بعض المحافل القريبة من دائرة المفاوضات الإسرائيلية، سيناريوهين يمكن اللجوء إليهما لتغيير الوضع القائم على صعيد العملية السلمية، هما:

  1. اتفاق جزئي: لن يكون له شريك فلسطيني، ويمكن اللجوء إليه بشكل أحادي، رغم وجود سلبياته،
  2. سلسلة من الإجراءات: قد تؤدي في المستقبل لعملية سياسية حقيقية، بالدخول من جديد في عملية سلام شاملة مع القوى الجديدة في الشرق الأوسط، وعلى الولايات المتحدة المبادرة للقيام بجولات مكوكية، لتحديد مقاييس هذه العملية، ويمكن الاستفادة من ذلك بإنضاجها.([56])

ولهذه الأسباب رأت "إسرائيل" سبيل التعامل بحذر مع التطورات الحالية في المنطقة، وعدم المبادرة لخطوات خطيرة، والأفضل الانتظار، ومراقبة ما سيحدث، لعدم تشكل الصورة الإقليمية بصورة نهائية، وسيكون لها تأثيرات كبيرة عند اكتمال تشكلها، ما يعني بصورة أو بأخرى أنها تضررّت من ثورات العالم العربي، كما أن مكانتها في المنطقة تراجعت، وظهرت داعمة للأنظمة التي سقطت.

وهو ما يتفق مع اعتبارها لما يحصل في المنطقة العربية من ثورات، وإسقاط أنظمة موالية، أشبه ما يكون بـ"صدمة تاريخية"، بحيث "انهار الجدول مرة واحدة"، وأن الشرق الأوسط يشهد "زلزالاً وتحولاً" تاريخياً، سيلقي بظلاله التدميرية على اتفاقات السلام.

وكل ذلك يعني أن الشعور بالكراهية تجاه الإسرائيليين سيلقى رواجاً بين العرب، وقادة الرأي العام والمثقفين ووسائل الإعلام، مما يسمح بالتوقع واستشراف "سنوات كئيبة" لمستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية، وليس من المستبعد خلال المفاوضات بين الأحزاب المصرية بشأن مستقبل الحكم، أن يجد الجيش المصري نفسه مضطراً للتعامل بشكل أكثر تسامحاً مع التيارات الإسلامية للحفاظ على وضعه محكماً ومستقراً.([57])

وبالتالي، فمن المتوقع أن يسرع اندماج الإخوان المسلمين في النظام السياسي المصري القادم من وتيرة تدهور العلاقات مع "إسرائيل"، إلى حد إلغاء اتفاقية "كامب ديفيد"، في ظل التصريحات الحالية لقادة الجيش، الذين يعتبرون "إسرائيل" التهديد الرئيسي في خطط تدريباتهم.

ولذلك يمكن وضع تدرج تاريخي لمراحل تدهور العلاقات بين القاهرة وتل أبيب من خلال المرور بصيغة البلاغة الحادة المعادية للأخيرة، وصولاً إلى طلبات من مؤسسات الأمم المتحدة لتغيير نظام نشر القوات في شبه جزيرة سيناء، وانتهاءً بطرح طلبات من الجانب المصري للإشراف على السلاح النووي الإسرائيلي، وضرورة اتخاذ كافة التدابير المناسبة السياسية والأمنية لمواجهة ما وصفه بـ"الشر القادم من الجنوب".([58])

ويمكن اعتبار كل ما تقدم طرف "الجبل الجليدي" فقط من التغيير الجوهري للحياة في الشبكة الاجتماعية العربية، مما سيصعب على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التعرف على صورة هذا المسار، وتقدير ما الذي يوشك أن يحدث وأين، على صعيد العلاقات السياسية مع العرب، ومستقبل المفاوضات معهم.([59])

كما يأتي الحديث عن أثر الثورات العربية على مستقبل العملية السلمية في ظل أن الحراك الحاصل يلقي بتداعياته على دوائر صنع القرار الإسرائيلي، رغم توجه أنظارها نحو ما يجري في جميع أرجاء المنطقة من انتفاضات شعبية متداعية، وتصفها بأنها زلزال يهزّ أنظمة الحكم القائمة، ويهدّد بنشوء واقع مغاير، وشرق أوسط جديد، سيلقي بظلاله السلبية على العلاقات السلمية، واتفاقيات التسوية مع الدول العربية.

وربما هذا ما دفع برئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو"، للقول أن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية غير مستقرة، قد تستمر سنوات عدة، آملاً أن ينتقل العالم العربي إلى ديمقراطية حقيقية، وعلى "إسرائيل" تجهيز نفسها لكل تطور، محذراً من تداعيات سقوط أنظمة عربية محيطة بها، لأنه يعني عدم يقين بشأن وجود شريك غداً، خاصة وأن أفضل خبراء الاستخبارات ووكالاتها لم يتوقعوا ما حدث، وغير قادرين على القول كيف سينتهي هذا "الضجيج".

كما أن "إسرائيل" من جهتها لا تعرف ما سيحدث على الجهتين الغربية والشرقية لها، وليس هناك من يؤكد أن الدولة الفلسطينية المتبلورة ستصمد! وهي ترغب بضمان اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، زاعماً أن سبب عدم الاستقرار في المنطقة ليس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل القوى الإسلامية التي تخترق كل مكان.([60])

ولذلك لم يكن عبثياً أو اعتباطياً تزايد التحذيرات من انتشار الجو الديني الإسلامي في المنطقة العربية، لأنه يبعدها عن "إسرائيل" أكثر، في ضوء تراجع عدد الممثليات الإسرائيلية في الدول العربية، وقطع ما توصف بـ"مسيرة تغريب" دول عربية كثيرة، ليحل محلها "الجلابيب السوداء"، وعاد القرآن ليكون "كتاب الكتب" يُسيّر كل شيء، لاسيما في ظل تحطم "المحور المعتدل" الموالي لأمريكا من البلدان العربية، كأحجار الدومينو.([61])

فيما زعمت أوساط سياسية ودبلوماسية إسرائيلية أن الدول العربية التي عاشت ربيع الثورات ستعاني من دوامة المكائد السياسية وعدم الاستقرار، والأحداث التي ستشهدها ستوفر عناوين مقلقة للغاية، على "إسرائيل" خصوصاً، وبالتالي عليها أن تكون في حالة تأهب ويقظة حيال التطورات القادمة، لأنها قد تهدد السلام معها، والاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط.([62])

وربما يأتي التركيز الإسرائيلي على الثورة المصرية، وآثارها المتوقعة على عملية التسوية، لأن مصر شكلت على مدار العقود الثلاثة الماضية عنوان الاستقرار الإقليمي بنظر "إسرائيل"، وأصبحت بين عشية وضحاها أشبه ببركان لا يعرف أحد متى يخمد، أو أين سيلقي حممه، مما دفع لطرح استنتاجات كثيرة أبرزها أن "إسرائيل" لا يمكنها سوى الاعتماد على نفسها، وعلى قوتها العسكرية، مما يستلزم زيادة الميزانية الأمنية.

ولهذا تراوحت السيناريوهات الإسرائيلية المطروحة بين التفاؤل والتشاؤم على مستقبل العملية السلمية، بحيث غلب على فحوى السيناريو الأكثر تشاؤماً أن حالة عدم الاستقرار في الدول العربية ستتيح لعناصر إسلامية إمكانية السيطرة على السلطة، ما من شأنه أن يلحق ضرراً كبيراً باتفاقات السلام معها.

وفي ذات الوقت، هناك اتفاق في ردود الفعل الرسمية السياسية والعسكرية في تل أبيب، على أن الثورات العربية دشنت عهداً جديداً سينعكس على الشرق الأوسط برمته، وبضمنها ملف السلام مع العرب، وأن ملامح هذا العهد لم تتضح بعد، فضلاً عن وجود احتمالات قوية بأن تؤجج ثورات أخرى في المنطقة تهدف لإحداث تغيير في أنظمة الحكم القائمة.

وهو ما دفع بـ"إسرائيل" لاستمرار التأكيد على أن الأمر الأهم هو الحفاظ على اتفاقات السلام مع العرب، وعلاقات التطبيع السائدة معهم، باعتباره رصيداً استراتيجياً، وعنصراً مركزياً في استقرار المنطقة، وفي نهاية المطاف أهم كثيراً من الديمقراطية، مما يفسر ترحيبها ببيان الجيش المصري الذي أعلن استمرار التزامه باتفاق السلام معها.

ومع ذلك، هناك جملة من الضوابط والمحددات انتهجتها "إسرائيل" إزاء الثورات العربية، ركزت على التخوف من إتاحة المجال أمام قوى إسلامية للسيطرة على السلطة، لأن النتيجة ستكون إلحاق أضرار بعملية السلام.

  • المبحث السابع: إجهاض الثورات العربية

نظرا للتداعيات المباشرة وغير المباشرة للثورات العربية على الوضع الإسرائيلي، بدأت الدوائر السياسية، ومراكز البحث والتفكير الإسرائيلية بالحديث عن ضرورة اعتماد استراتيجيات جديدة في مرحلة ما بعد الثورات، أهم ملامحها:

  1. الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية بكافة الطرق لحملها على تغيير سياسة الدعم العسكري للجيوش العربية، لاسيما المصري، بما يضمن إضعاف قدرتها على تهديد أمن "إسرائيل"،([63])
  2. تغيير النظرية الأمنية والدفاعية الإسرائيلية تجاه العلاقة مع الدول العربية، والبحث في إستراتيجية جديدة على الحدود معها، تعتمد على حمايتها من قبل الجيش الإسرائيلي، بدلا من الاعتماد على نظرائه العربية،
  3. البحث عن مصادر بديلة للطاقة، وإعادة الاستثمار في آبار الغاز المائية في "إسرائيل"، تجنباً للخسائر الاقتصادية التي ستنتج عن وقف إمدادات الغاز المصري،
  4. ضرورة التقدم نحو السلام مع العرب، بالتوصل إلى اتفاق مناسب مع السلطة الفلسطينية، أو تقديم صفقة حقيقية لسوريا تضع حدا للصراع معها، وتنهي علاقتها بإيران وحزب الله مقابل الحصول على الجولان،
  5. العمل بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول الغربية لتعزيز ما تبقى من محور الاعتدال في المنطقة، ممثلا بالأردن والسلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، بهدف تخفيف عزلة الأخيرة في المنطقة،
  6. تنفيذ إجراءات تسهل على الفلسطينيين حركتهم داخل أراضيهم، من خلال تخفيف القيود والحواجز العسكرية، والقيام بخطوات جادة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة،
  7. الامتناع عن تنفيذ أي إجراءات قد تتسبب في استفزاز الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، خصوصاً فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ومدينة القدس.([64])

وقد بذلت "إسرائيل" جهوداً كبيرة وحثيثة على صيغة ما باتت تسمى "الثورة المضادة"، أملاً بأن تنجح في اختراق بعض الجماعات الثورية العربية، والاندساس بينها، مما يعكس خطورة الموقف السياسي برمته في الشرق الأوسط، المتزايد كالنيران، فيما تراقب هي ألسنة اللهب المتصاعدة.

ورصدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أنشطة الجماعات المعارضة العربية منذ فترة طويلة، لمعرفة طبيعة نشاطها بالصورة التي أهلتها لإسقاط الحكم في الدول العربية، في ظل حالة الاحتقان الشعبي المتصاعد بصورة "دراماتيكية".

وزعمت أن عددها يزيد عن 500 جماعة وحركة وحزب، موزعة على دول الخليج العربي من جهة، وبقية الدول العربية الأخرى في المشرق العربي من جهة أخرى، أو الشمال الأفريقي من جهة ثالثة، سوادها الأعظم من الشباب الذين لا تتعدى أعمارهم الـ35-40 عاماً، يتميزون بالمهارة في استخدام وسائل الاتصال والتقنيات المتقدمة، سواء "الفيسبوك" أو الانترنت، والتكنولوجيا بصورة عامة.([65])

كما دخل عدد من المستخدمين الإسرائيليين الغرف ومنتديات الدردشة السياسية، التي أقامها الشباب المعارضون للدعوة للتغيير، وتابعوا ما كتب بها، ورصدوا، ووضعوا الكثير من التعليقات عليها، ونجحوا بالانضمام لتلك المجموعات، مستخدمين أسماء مستعارة لمراقبة تطورات الموقف، ورصد جميع التعليقات والأنشطة الاحتجاجية التي ينوون القيام بها.

وقد أنشأت وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التابعة للجيش باسم (MI)، وحدة لمراقبة وسائل الإعلام العربية المختلفة، لرصد توجهات العالم العربي نحو "إسرائيل" في أعقاب الثورات العربية، تختص بمراقبة جميع وسائل الإعلام العربية والفلسطينية، ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، لرصد ما تبثه هذه الوسائل من رسائل معادية لـ"إسرائيل"، وتجمع المواد الإخبارية والتصريحات السياسية على مدار 24 ساعة في اليوم، في جميع المواقع الفلسطينية، والصفحات الشخصية لمسئولين فلسطينيين وعرب، وستكون الوحدة جزءً من وحدة 8200 التابعة لجهاز الاستخبارات، العاملة في مجال التجسس الإلكتروني.

وتبين لـ"إسرائيل" أن أعضاء هذه الجماعات الاحتجاجية العربية من مختلف الطبقات الاجتماعية، يعانون من نفس المشاكل والأزمات بصورة أو بأخرى، ولذلك رجحت اشتعال الثورة وبقوة في بعض الدول العربية، وجاءت البداية من تونس ومصر، مروراً بليبيا، وصولاً إلى اليمن وسوريا، مما تطلب منها تفعيل نشاطها السياسي والأمني في هذه الدول، كي لا تتأثر بتطورات المشهد السياسي المرتبك في المنطقة في وقت متأخر، وكل ذلك دفعها للإطلاع عن كثب على تطورات الموقف السياسي والأمني في الشرق الأوسط.([66])

ولذلك بلورت أجهزة المخابرات الإسرائيلية خطة لزرع عدد كبير من الجواسيس الإسرائيليين في عدد من الدول العربية الملتهبة سياسياً، لمتابعة تطورات الموقف السياسي بها، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين رئيسيتين:

  1. صحافيون يتابعون ما يجري، وينقلونه إلى صحفهم، أو القنوات الإعلامية التي يعملون بها،
  2. نشطاء دوليون يسافرون لهذه الدول، تحت غطاء بعض المنظمات الدولية.

وبالفعل، تدفق هؤلاء إلى العواصم المشتعلة بالثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن، لمتابعة تطورات الموقف السياسي بها، ومع متابعة الصحف والقنوات التلفزيونية الإسرائيلية تم اكتشاف مراسلين ينقلون رسائل حية من داخل الدول العربية، ودخلوها كصحفيين أجانب، مستغلين حالة الارتباك السياسي فيها, مما سهل لهم دخولها، ونقل ما يجري فيها صوتاً وصورة.

ويمكن تفسير هذه الجهود الإسرائيلية المضادة للثورات العربية عقب القناعة السائدة في "إسرائيل" ومفادها أن الفكر العربي في مجمله كان أكثر إدراكاً لما يجري من نظيره الإسرائيلي، رغم توفر مراكز الدراسات وأجهزة الاستخبارات، ودوائر تقديرات الموقف، فضلاً عما لعبه الإعلام العربي من دور مميز في التحريض على هذه الثورات، وانضم لما وصفته بـ"محور المقاومة"، الذي يُشكل خطراً وجودياً عليها، إلى حد اعتبار بعض القنوات الفضائية "عدواً" وفق كل المقاييس، كونها تدير صراعاً بين الإسلاميين الذين تدعمهم، وبين من يريدون العيش في كنف الغرب.([67])

وشن عدد من الخبراء الإسرائيليين حملة شعواء ترمي لتشويه صورة تلك الفضائيات، لاسيما قناة الجزيرة القطرية، وزعزعة مصداقيتها، مطلقين اتهامات ضدها بخدمة أجندات سياسية لقوى إسلامية راديكالية، ولم يتوانَوا عن وصفها بـ"الجهة المعادية"، وأنها صوت للحركات الإسلامية من قطر، ومجندة لصالح حركة حماس، وهو ما دفع باتهامها أنها تشارك في صنع الأحداث، وأن الثورات العربية هي ثورة الجزيرة الأولى، بعد ثورة "ويكيلكس".([68])

  • الخاتمة

أظهرت الدراسة أنه لا يمكن وصف حسرة "إسرائيل" على مغادرة أصدقاء مخلصين لها عروش الحكم العربية، وقرب زوال آخرين، بل ويمكن الجزم بأنها أكبر مستفيد من بقائهم في سدة الحكم، ورغم أنها تتشدق بالديموقراطية، إلا أنها تخاف منها، ومن نتائجها العكسية بين الشعوب العربية، التي لو أدت لانتخابات حقيقية على موقف سياسي، ستكون فيه بالتأكيد أول الخاسرين، وهو ما أثبتته الثورات العربية في العام الأخير.

*الهوامش

[1]) هآرتس، 12/2/2011.

[2]) مارك هيلر، ورقة عمل مقدمة إلى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بتاريخ 1/3/2011، على الرابط التالي: http://www.inss.org.il/heb/research.php?cat=94&incat=&read=4950

[3] ) ماجدولينا كيرشنير، انعكاسات ربيع العرب على الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، مركز موشيه دايان جامعة تل أبيب، ترجمة مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، بيروت، آذار 2012، ص5.

[4]) وليد عبد الحي، قراءة في كيفية تعامل مراكز الأبحاث والخبراء الصهاينة مع الثورات العربية المعاصرة..

[5]) تحليل استراتيجي للمؤرخ الإسرائيلي "توم سيغيف"، صحيفة يديعوت أحرونوت، 27/8/2011.

[6]) "رون بن يشاي"، صحيفة معاريف، 21/8/2011.

[7]) صحيفة نيويورك تايمز، 2/6/2010.

[8]) صحيفة معاريف، 28/2/2011.

[9]) تصريحات الساسة الإسرائيليين حول التغييرات الحاصلة في الشرق الأوسط، على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية:
http://www.altawasul.com/MFAAR/government/communiques++and+policy+statements/2011/ME-in-transition-Statements-by-Israeli-leaders-03032011.htm

[10]) صحيفة يديعوت أحرونوت، 15/3/2011.

[11]) صحيفة "يسرائيل اليوم"، 17/3/2011.

[12]) فراس أبو هلال، الموقف الإسرائيلي من الانتفاضة العربية الكبرى، مركز الجزيرة للدراسات، 15/5/2011 على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B5882800-B106-415A-ABA7-7FBD0E0E82E5.htm

[13]) بدا ذلك واضحاً في بعض مداولات تم تسريبها للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست خلال شهري فبراير ومارس 2011.

[14]) "أليكس فيشمان" الخبير الإسرائيلي الأكثر دراية بالشئون الأمنية والعسكرية، يديعوت أحرونوت، 22/2/2012.

[15]) العميد احتياط "شلومو بروم"، الباحث الكبير في معهد  أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، إسرائيل وبيئتها الاستراتيجية، تشرين ثاني نوفمبر 2011، ترجمة وإعداد حسن سليمان، على الرابط: www.wahdaislamyia.org/issues/119/tajamat1.htm

[16]) التلفزيون الإسرائيلي، القناة العاشرة، 8/3/2011.

[17]) البروفيسور "أوري بار يوسيف"، المحاضر في قسم العلاقات الدولية بجامعة حيفا، من يتوقع ثورات؟ يديعوت أحرونوت، 25/4/2011، على الرابط التالي: http://www.alraynews.com/News.aspx?id=415119

[18]) صالح النعامي، نفقات الأمن الإسرائيلي في ظل الثورات العربية، المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات، الدوحة، 5/7/2011، على الرابط التالي: http://www.dohainstitute.org/Home/Details/5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4/2e3fc631-a2e6-4fe1-8bfe-1d9c482c9027

[19]) مجدي طه، الثورة السورية في الإعلام العبري، مركز الدراسات المعاصرة، أم الفحم، 27/4/2011، على الرابط التالي: http://www.center-cs.net/web/pages/Details.aspx?Id=494

[20])  سامح عباس، القراءة الإسرائيلية للثورة السورية: تداعيات وتوقعات، مفكرة الإسلام، 2011، على الرابط التالي: http://islamselect.net/mat/89736

[21]) البروفيسور "إيتمار رابينوفيتش"، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المتخصص في الشؤون السورية بجامعة تل أبيب، والسفير السابق في واشنطن، ينشر تقريرا حول مخاوف إسرائيل من سقوط الأسد، على الرابط التالي:

 http://arabic.rt.com/forum/showthread.php?t=160854

[22]) البروفيسور "إفرايم إنبار"  أستاذ العلوم السياسية بجامعة بار إيلان, الثورات العربية والأمن القومي الإسرائيلي، وتم ترجمتها على الرابط التالي: http://natourcenter.info/portal/?p=849

[23]) "غيورا آيلاند" رئيس مجلس الأمن القومي السابق، وأبرز الباحثين الإستراتيجيين، تقدير موقف بعنوان: تأثير الثورات فى الشرق الأوسط فى أمن إسرائيل، 9/8/2011، مترجم على الرابط التالي: http://www.almokhtsar.com/node/11643

[24]) موقع الجيش الإسرائيلي باللغة العبرية: http://dover.idf.il/IDF/News_Channels/today/2011/03/2401.htm

[25]) "آيلاند"، مرجع سابق.

[26]) مجلة "بمحانيه" العسكرية، الصادرة عن الجيش الإسرائيلي،  عدد مارس آذار 2011.

[27]) د. "هيلال باريش"، الباحث في مركز دراسات الشؤون الإستراتجية بجامعة "بار إيلان"، تأثيرات ونتائج الثورات العربية على المشهد الصهيوني، مجلة فلسطين المسلمة، أبريل 2011، على الرابط التالي: http://www.fm-m.com/2011/apr/9-2.php

[28]) المتغيرات الإقليمية وانعكاساتها على إسرائيل، 7/11/2011، على الرابط التالي: http://es-army.syriaforums.net/t354-topic

[29]) القناة العبرية الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، 1/3/2011.

[30]) الباحث الاقتصادي الإسرائيلي "يتسحاك غال"، المصلحة الاقتصادية المصرية في استقرار العلاقات مع إسرائيل، مركز "دايان" لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، مارس 2011.

[31]) ملحق "كالكليست" الاقتصادي، 22/2/2011.

[32]) نشرة "ذي ماركر" الاقتصادية، 27/2/2011.

[33]) زياد عوض، تواصل التحريض الصهيوني على ظهور البديل الإسلامي للأنظمة المتساقطة، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، 2/3/2011، على الرابط التالي: http://www.anhri.net/?p=25178

[34]) الخبير الاقتصادي الإسرائيلي "شلومو عوز"، متابعة لأحداث مصر من ناحية صهيونية، ملتقى الإخوان، 3/2/2011: http://www.ikhwan.net/forum/showthread.php

[35]) المرجع السابق.

[36]) البروفيسور "عوديد عيران"، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، التقرير الاستراتيجي السنوي: عام بعد الربيع العربي.. أمن إسرائيل في خطر، 11/3/2012، على الرابط التالي: http://islamonline.net/ar/212

[37]) "عومر جندلر"، الباحث في الشّؤون الاستراتيجية، موازنة الأمن ستتعاظم، وسيقوى ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة، الموقع الشخصي  له على الرابط التالي: http://omergendler.blogspot.com/2011/02/defense-budget-will-increase.html

[38]) إسرائيل: حيرة أمام الثورات العربية المعاصرة، وليد عبد الحي، مركز الجزيرة للدراسات، 27/11/2011، منشور على الرابط التالي: http://www.alnator.com/news.php?maa=View&id=8357

[39]) المرجع السابق.

[40]) د."ديفيد بوكاي"، من جامعة حيفا، إسرائيل فشلت في توقع المظاهرات العربية ونتائجها، 6/7/2011، على الرابط التالي: http://www.misrelgdida.com/index.php?print=1&news=68550

[41]) إيلان مزراحي، نائب رئيس الموساد السابق، على الرابط التالي: http://www.alhadathnews.net/?p=19624

[42]) المحامي الإسرائيلي "داشيل شابيرو" في مقال بصحيفة "كريستيان سيانس مونيتور" الأمريكية، 2/4/2011، على الرابط التالي: http://www.assabeel.net/index.php/sports/local-sport/templates/system/css/studies

[43]) د. "تشيلو روزنبرغ"، المؤرخ الإسرائيلي والخبير في قضايا الأمن القومي، مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، 21/3/2011، على الرابط التالي:  http://www.palestine-studies.org/files/nashra/21-3-2011.pdf

[44]) "شمعون شتاين" الباحث في الشئون الإستراتيجية، العالم العربي يغلي.. ماذا ستفعل أوروبا مجلة "نظرة عليا"، معهد بحوث الأمن القومي، مترجمة على الرابط التالي: http://www.neworientnews.com/news/fullnews.php?news_id=25406

[45]) "رافي يسرائيلي"، المحاضر في قضايا الشرق الأوسط بالجامعة العبرية، صعود الإخوان المسلمين في الدول العربية، على الرابط التالي:  http://www.alquds.co.uk/scripts/print.asp?fname=data%5C2011%5C06%5C06-08%5C08qpt950.htm

[46]) "شتاين"، مرجع سابق.

[47]) البروفيسور "عوزي رابي"، رئيس دائرة دراسات الشرق الأوسط ومركز ديان في جامعة تل أبيب: رؤية اسرائيلية لأحداث الربيع العربي، على الرابط التالي: http://www.shabab-ta7rer.com/ar/index.php?act=post&id=1011

[48]) د."بارون فريدمان"، يدرس اللغة العربية ومحاضر عن الإسلام في معهد "التخنيون": الربيع الإسلامي ودور الشيعة في المرحلة المقبلة، http://www.albayan.co.uk/article.aspx?ID=1674

[49]) الكاتب الصهيوني "سيمون تيسدال": إيران تسعى للسيطرة على سوريا بعد سقوط الأسد، 9/2/2012، على الرابط التالي: http://www.islammemo.cc/akhbar/arab/2012/02/09/143712.html

[50]) "يعكوب عميدرور" رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الشرق الأوسط..امتحانات صعبة، 17/3/2011، على الرابط التالي: http://www.mqdad.com/vb/showthread.php?t=9236

[51]) هذه المقتطفات مستقاة من مداولات للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أواخر فبراير شباط 2011.

[52]) "أهارون زئيفي فركش"، رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الأسبق، الربيع العربي شرٌ لإسرائيل، 27/9/2011، على الرابط التالي: http://ashehab.blogspot.com/2011/09/blog-post_9492.html

[53]) هذه المقتطفات مستقاة من مداولات للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أواخر فبراير شباط 2011.

[54]) دان مرغليت، معاريف، 28/2/2011.

[55]) "عيران ليرمان" مدير اللجنة اليهودية الأمريكية وضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أحداث الربيع العربى تهدد استقرار المنطقة، 23/2/2012، http://www.alamelmal.com/vb/archive/index.php/t-44224.html

[56])  "شاؤول موفاز"، رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، موقع ويللا الإخباري العبري، 6/3/2011.

[57]) د."دان ألدار"، أحد كبار رجال "الموساد" السابقين، والباحث في شؤون الشرق الأوسط، دراسة بعنوان: لماذا يكره المصريون الإسرائيليين؟ على الرابط التالي: http://www.egyptiantalks.org/invb/index.php?showtopic=9977

[58]) البروفيسور "أيال زيسر"، رئيس مركز "موشيه دايان" للدراسات، خمس فرضيات إسرائيلية حول الثورات العربية، 28/3/2012:

http://www.taleea.com/index.php?option=com_content&view=article&id=

[59]) "حاييم آسا" مستشار الأمن القومي الصهيوني الأسبق، والمحاضر في معهد الإدارة التابع للمركز متعدد المجالات في هرتسيليا، التوقعات في الشرق الأوسط، 10/12/2011: http://www.alrafedein.com/news_view_1795.html

[60]) القناة العبرية الثانية، 22/12/2011.

[61]) حذر "إيتان هابر" الرئيس السابق لديوان "إسحاق رابين"، شرق أوسط عاصف، 3/ 1/ 2012:

http://www.al7orya.net/vb/showthread.php?t=47047

[62]) ."مردخاي كيدار"، الباحث الإسرائيلي في مركز "بيغن- السادات للأبحاث الإستراتيجية"، التابع لجامعة "بار ايلان"، معضلة بشار الأسد، 28/4/2011، http://www.el-wasat.com/portal/News-55617213.html

[63]) هكذا يرى عدد من المسئولين العسكريين، ومنهم مساعد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي السابق "عوزي دايان".

[64]) فراس أبو هلال، الموقف الإسرائيلي من الانتفاضة السّورية، 28/4/2011:

http://www.asharqalarabi.org.uk/markaz/m_abhath-04-05-11-1.htm   

[65]) موقع تيك ديبكا الأمني الإسرائيلي على الرابط التالي: http://www.debka.co.il/article/20738/

[66]) القناة العبرية الأولى في التلفزيون الإسرائيلي، 9/3/2011.

[67]) د."افرايم سنيه" النائب الأسبق لوزير الدفاع، مدير معهد الحوار الإستراتيجي في الكليّة الأكاديمية في"نتانيا"، إسرائيل تضغط لتأجيل الانتخابات المصرية: http://www.maganin.com/content.asp?contentid=18842

[68]) السفير الصهيوني السابق في مصر، "تسفي مازئيل": http://www.alquds.co.uk/scripts/print.asp?fname=data