مستقبل النظام السياسي الفلسطيني في ظل صعود الإسلاميين: حماس نموذجاً

  • الثلاثاء 16 يناير 2018 03:26 ص

 

                    مستقبل النظام السياسي الفلسطيني في ظل صعود الإسلاميين:

                                                             حماس نموذجاً

  • تمهيد

تشكّل الحركات الإسلامية في النظام السياسي الفلسطيني مفصلاً محورياً في بنيته السياسية والحزبية، حيث تحولت الأراضي الفلسطينية إلى بؤرة جغرافية أساسية لانطلاق عدد من الجماعات الإسلامية التي انخرطت في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي وأعطتها بعداً دينياً إسلامياً. ونجحت باستقطاب قطاعات واسعة من الفلسطينيين الذين انضموا لهذه الجماعات.

الورقة البحثية التالية تناقش أهم التغييرات التي أدخلها البعد الإسلامي على النظام السياسي الفلسطيني، من خلال اعتماد حركة حماس كحالة دراسية. وستعمل على تقديم قراءة ميدانية لواقعها القائم حالياً، كما ستحاول استشراف مستقبل النظام السياسي الفلسطيني المتوقع.

 

القسم الأول: نبذة عن تطور النظام السياسي في ظل ظهور حماس:

  • بدايات الانخراط

تشكّلت "حركة المقاومة الإسلامية-حماس" مع انطلاق الانتفاضة الأولى في ديسمبر كانون أول 1987، لكنها عرَّفت نفسها منذ البداية بأنها "جناح من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين"، إلا أن ظهورها عّبر عن تحول نوعي في فكرهم وممارستهم داخل الأرض المحتلة.

غير أن الجديد في توجهات حركة حماس المتعلقة بانخراطها في المنظومة السياسية الفلسطينية، أنها:

1. حسمت حالة "التقطَّع" في النشاط الإخواني وحولته إلى حالة دائمة مستمرة،

2. وفّرت غطاء حركياً مقاوماً للإخوان يتسم بالمؤسسية التنظيمية والسياسية والعسكرية، وله قيادته السياسية،

3. نقلت من خلال نشاطها المستمر الوضع الداخلي للإخوان الفلسطينيين نقلة نوعية، ليخدم العمل التنظيمي والتربوي والتعبوي،

4. حسم ظهور حماس حالة النقاش التي استمرت سنوات طويلة حول "جدلية الدولة والمقاومة"، فهل ينتظر الإخوان إقامة الدولة الإسلامية حتى يبدأ مشروع التحرير أم لا؟ وكان الحسم باتجاه السير في مشروعي الدولة ومقاومة المحتل معاً، على اعتبار أنهما خطان مكملان لبعضهما ويسيران جنباً إلى جنب دونما تعارض.

 هكذا، تمكنت حماس منذ البداية من الاستناد على أسس أيديولوجية وحركية وشعبية صلبة، مكنتها من الوقوف في وجه الضربات القاسية من الإسرائيليين، وأعانها على ذلك التنظيم الإخواني، باعتباره من أقدم التنظيمات الفلسطينية.

يمكن القول أن بداية المنظومة الفكرية السياسية لحماس اتسمت بالعمومية لكنها لاحقا بدأت تبدو أكثر نضجا، حيث يُلحظ على ميثاق حماس وجود الكثير من العبارات الفضفاضة، وغياب الكثير من الأبعاد السياسية الواضحة عنه. إلا أن برامج الحركة اللاحقة وتصريحات قادتها وأدبياتها استدركت هذا النقص. وقد عملت حماس على معالجته من خلال التطرق لبعض القضايا السياسية بشكل أكثر وضوحا، والتقليل من الشعارات والعموميات بصورة إجمالية.

بغض النظر عما إذا جاء هذا التحول نتيجة ضغوط الظروف الموضوعية المحيطة, أو تعبيراً عن ارتقاء عملية البلورة الذاتية لفكر وممارسة حماس لمرحلة جديدة، وقد يكون في الواقع مزيجاً من كلا العاملين, فإنه فتح المجال أمامها للتقدم بسرعة نحو تحصيل الشرعية السياسية.

ومع أن المسار كان شديد التنافسية مع منظمة التحرير الفلسطينية دائماً, واتسم بالحدة أحياناً كثيرة, إلا أن حماس استطاعت أن تتخطى نظرة المجتمع الفلسطيني تجاه موقف الإخوان المسلمين, وأن تفرض نفسها منافساً حقيقياً وقوياً للقوى الوطنية مجتمعة.

  • المزج الموجه

اعتمدت حماس في رحلتها لدخول النظام السياسي الفلسطيني على المزج بين ثلاثة عوامل أساسية، ثبت من خلال التجربة العملية التاريخية أنها تشكل في الوضع الفلسطيني "الثالوث" الضروري لنجاح أي حركة سياسية في تثبيت موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني, وجعل مبادئها تلعب دوراً رئيسياً ومحدّداً معالم حياة المجتمع الفلسطيني بصورة عامة، ويمكن إجمال هذه العوامل بالتالي:

  1. الانخراط بمقاومة الاحتلال: وهي من أساسيات العمل السياسي الفلسطيني خصوصاً داخل الأرض المحتلة. لقد استطاعت حماس أن تُبرز دورها في هذا المجال من خلال المشاركة بفعاليات الانتفاضة المختلفة, وقيامها بعمليات فدائية نوعية. كما استطاعت من خلال عملها المقاوم أن تحظى بتنامي الاحترام داخل النخب السياسية الفلسطينية.
  2. تطوير بنية مؤسسية: وقع على كاهل الحركات السياسية الفلسطينية إيجاد بدائل لسد الحاجات الضرورية للمجتمع الفلسطيني الخاضع للاحتلال، لذا فقد عملت حماس على تطوير بنية مؤسسية في مجال تقديم الخدمات الأساسية والحيوية للسكان، وبفعل مؤسساتها التي تغلغلت داخل المجتمع أصبحت شرائح مجتمعية عديدة تعتمد على الخدمات التي تقدمها الحركة. وكان ذلك بالنسبة لها مدخلها للتعبئة السياسية، وهو ما تجلى واضحاً إبان فوزها في الانتخابات البلدية والتشريعية 2005-2006.
  3. إبراز قدر من البراغماتية السياسية: أظهرت حماس قدرا من المرونة في التعامل واحترام التعددية داخل مجتمع يسعى للمحافظة على التوازن الداخلي كعنصر قوة أساسي في مواجهة الاحتلال. واستطاعت إحراز نجاح هنا وتعثر هناك في هذا الجانب، شأنها في ذلك شأن جميع الحركات السياسية الفلسطينية.

تجدر الإشارة، إلى أن غياب السلطة الوطنية المنظمة لأوضاع المجتمع الداخلية أدى إلى ضرورة أن تثبت القوى السياسية الفلسطينية قدرتها على التعامل مع هذا الواقع الهش، الأمر الذي أدى إلى وجود تنافس تطور في أحيان كثيرة لخلافات، فكانت هناك حاجة للعمل على تنظيمها بصورة مقنّنة ومنظمة ذاتياً تحت مظلة الوحدة الوطنية والصالح العام للمجتمع الفلسطيني.

حاولت حماس تسويق رؤيتها الفكرية ومبادئها الأيدلوجية داخل الشارع الفلسطيني بمواءمة سياساتها مع المتطلبات المجتمعية, مما ساعدها على تثبيت مكانتها على الخارطة السياسية الفلسطينية. كما فصلت بين الاستراتيجي والتكتيكي على صعيد العمل السياسي من خلال العديد من التحالفات التي عقدتها مع قوى علمانية ويسارية في انتخابات نقابية وطلابية.

نتيجة التحول الذي طرأ على حماس جرّاء تفاعل العوامل الثلاثة, استطاعت أن تُحدث اختراقاً كبيراً وأساسياً داخل الساحة السياسية الفلسطينية, ظهرت علاماته بوضوح في تصاعد التأييد الجماهيري لمرشحيها في مختلف الانتخابات القطاعية، النقابية والسياسية على حد سواء.

ازدادت أهمية الانتخابات في فكر حماس لتصبح جانباً رئيسياً من جوانب الممارسة السياسية، وشكّلت لها الانتخابات أحد الروافد الشرعية السياسية لإثبات الوجود، خاصة في خضم صراعها السياسي مع منظمة التحرير. واستمرت حماس في ممارستها السياسية تفرّق بين نوعين من الانتخابات، لكل نوع طبيعة منفصلة وخاصة، يترتب عليها موقف منفصل وخاص أيضاً:

  1. الانتخابات الطلابية والنقابية والبلدية: حرصت حماس على المشاركة بهذا النوع من الانتخابات لإظهار قوتها في الشارع الفلسطيني، حيث شاركت بمعظم الانتخابات الطلابية في الكليات والمعاهد والجامعات، وانتخابات النقابات المهنية الخاصة بالأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين والمحاسبين والممرضين وموظفي وكالة غوث اللاجئين.. الخ.
  2. الانتخابات السياسية المرتبطة بمشاريع التسوية: كالرئاسية والتشريعية، فامتنعت عن المشاركة في الانتخابات التشريعية 1996، والرئاسية 2005، في حين شاركت في انتخابات عام 2006. وقد أحرزت فوزاً في انتخابات البلدية 2005، والتشريعية 2006.

شجع حماس على خوض الانتخابات التشريعية النسب التي حصلت عليها في انتخابات النقابات والجامعات وانتخابات البلدية، فهذه الانتخابات أعطتها مؤشرا على تزايد رصيدها الشعبي والسياسي، مع أن إحجامها عن المشاركة في الانتخابات الأولى 1996 الذي سببته بقضايا سياسية ومواقف ميدانية شهد خلافاً داخل صفوفها بين مؤيد ومعارض.

رأى الكثيرون في قرار حماس المشاركة في الانتخابات التشريعية في 2006 تحولاً كيفياً في إستراتيجيتها، وتغييراً يعيد قراءة مسارها السياسي. حيث أنها بدأت تبحث عن المشاركة في صنع القرار باعتبارها فاعلا سياسيا من داخل مؤسسات السلطة وليس من خارجها.

  • إستراتيجية الاندماج

حرصت حماس على أن يكون قرار انخراطها في المنظومة السياسية الفلسطينية قائماً على رأي أغلبية مؤسساتها وقياداتها الرئيسية والميدانية، لذلك عملت على توسيع دائرة استشاراتها على كافة المؤسسات، وفي جميع المناطق الجغرافية في الضفة والقطاع والشتات، فضلاً عن منح الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال دوراً في إبداء كلمتهم ورأيهم.

كان رأي الأغلبية في الحركة يميل نحو المشاركة في العملية الانتخابية بشقيها: البلدية والتشريعية. وقد وفّرت هذه الخطوة المعتمدة في اتخاذ القرارات الإستراتيجية في الحركة حصانة لها في مواجهة تحديات ما بعد الانتخابات، وبالتالي لم يخرج رأي عن أي قياداتها أنه كان ضدها، مما حشد الجميع خلف اتخاذ هذا القرار. مع أن ذلك لا يلغي وجود اجتهادات داخل الحركة في السنوات الأخيرة تطالب بإعادة مراجعة القرار بالانخراط في العملية السياسية الفلسطينية لأسباب ومبررات داخلية وخارجية.

مع ذلك، فقد أدركت حماس أن برنامج المقاومة هو الذي وفّر لها هذا الوزن والتأييد، وأن الشعب الفلسطيني يقف خلف هذا البرنامج ورموزه، لاسيما بعد أن استنفذ كل سبل التسوية، لذلك أكدت أن قرارها بالانخراط في المنظومة السياسية لن يكون على حساب برنامجها.

حرصت جميع قياداتها على تأكيد اصطفافها لبرنامج المقاومة بكل قوة، ورفعت الحركة شعار (يد تبني.. ويد تقاوم). وأيقنت أن العمل السياسي الذي تخوضه مكمل لعملها المقاوم الذي اختطته منذ البداية، لكن العمل السياسي على حساب المقاومة المسلحة في بعض الأحيان وفقاً لبعض التقييمات الفلسطينية.

حاولت حماس من خلال تصريحاتها التأكيد على مبدأ الشراكة السياسية، وأنها تكميل وليست بديل من أجل الوحدة الوطنية، ولبناء البيت الفلسطيني، واستكمال النظام السياسي. كما عملت على بث رسائل لطمأنة لجميع الأحزاب الفلسطينية لاسيما فتح بأنها لا تسعى لإقصاء أحد ولا تسعى لتكون بديلاً عن أي حزب.

أثناء العملية الانتخابية رفعت حماس شعار (التغيير والإصلاح) ومحاربة الفساد، الأمر الذي ساعدها على الفوز لما عاناه الشعب الفلسطيني من انتشار ظاهرة الفساد. فقد أدركت حماس أن فتح أخفقت في حكمها نتيجة سياستها بالإنفراد بالسلطة، وإقصاء الآخرين، مما أفشلها في النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، كذلك نتيجة لانتشار الفساد والمحسوبية.

كانت حماس تدرك عند خوضها الانتخابات أنها لا تفاضل بين حسن وأحسن، بل تختار بين سيء وأسوأ، على النحو التالي:

  • فإما أن تدع المجال لفتح، تظل متحكمة بمفاصل النظام السياسي ومتصرفة فيها، مع ما رأته من ممارسة كارثية،
  • أو أن تقطع الطريق على هذا الواقع بمنعه من الانحدار رغماً عنه، من خلال أن تصبح فاعلا في اللعبة السياسية من داخل مؤسسات السلطة وليس من خارجها.

مما شجع حماس على التوجه قدماً نحو الخيار الثاني فوزها في كثير من الانتخابات النقابية وانتخابات الجامعات الأمر الذي أعطاها مؤشرا أنها أصبحت حركة كبيرة وذات امتدادات شعبية. وقد ثبتت صحة رؤيتها بالسير نحو الخيار الثاني من خلال النتائج التي حققتها في الانتخابات البلدية والتشريعية. وأصبحت بعد فوزها مُلزمة بالتجاوب مع حاجات الناس بأن تعبر عن برنامجها، وتعطيه الوسائل لتحقيقه ميدانياً، بدل أن تكتفي بالمواقف التسجيلية.

مع ذلك، فقد أثبتت التجربة أن حماس واجهت مأزقاً متعدد الأوجه، بفعل تشكيلها للحكومة بمفردها، واعترضتها العديد من العقبات الداخلية والخارجية، أخذت الأشكال الآتية:

  • إدارة حكم وسلطة دون خبرة سابقة،
  • المواءمة بين برنامجها السياسي المعلن، والاستحقاقات الدولية والإقليمية المفروضة،
  • استمرار الأزمة المالية واشتدادها كلما زادت الأيام،
  • حالة الشد والجذب بين الحكومة والرئاسة لنزع مزيد من الصلاحيات،
  • الإجراءات الميدانية المناوئة لها، كمسيرات الموظفين، وإضراب الوزارات،وتعطيل الدوام فيها،
  • دخول الفلسطينيين حالة فلتان أمني وحصار مالي واقتصادي اشتد رويداً رويداً.

وأكدت الكثير من الشواهد والمعطيات اللاحقة، أن حماس أخطأت عندما شكلت الحكومة بمفردها، وتصرفت على أساس حصولها على مزايا السلطة دون دفع ثمنها. إلا أن حماس اعتبرت أن تشكيلها حكومة لا يعد فشلاً كبيراً لها، إنما عدته انتصارا لها أظهرها كمن غلّب المصلحة الوطنية على مصلحتها الحزبية.

  • متغيرات محفزة

يتضح من تبدل موقف حماس من الانخراط في النظام السياسي الفلسطيني جملة قراءات ومتغيرات استوعبتها، وتطلبت منها إبداء نوع من المرونة والاستجابة، دون أن تعني قبول الواقع والرضا به، بل محاولة تغييره وإصلاحه للأفضل نحو مستوى تطلعات الشعب الفلسطيني، ويمكن إجمال هذه القراءات في التعبيرات والآراء التالية:

  1. شكّل قرار حماس بدخول النظام السياسي الفلسطيني تطوراً جديداً في مسار عملها السياسي على الصعيد الوطني، فقد رأت ضرورة خوض الانتخابات في ضوء تعاظم مسؤولياتها والتزاماتها، وفي ظل حركة الأحداث والتاريخ والمتغيرات المحلية والعربية والدولية، ولم تر أن خوضها الانتخابات يؤثر على ثوابتها وبرنامج عملها المقاوم،
  2. رأت حماس أن الأمور تغيرت عما كانت عليه أوائل قيام السلطة الفلسطينية, ووجدت أن الخارطة السياسية تغيرت عن السابق، واعتقدت أن الوقت حان أكثر من أي وقت مضى بالاندماج في المنظومة السياسية من أوسع أبوابها لإنهاء ما اعتبرته "السنوات العشر العجاف"!
  3. اعتبرت حماس، وفقاً لأدبياتها السياسية، أن اتفاق "أوسلو" دستور المرحلة السابقة وسقفها وحاكمها انتهى رغم وجود بعض معالمه. لاسيما مع إعلان إسرائيل أنها لا تلتزم ببنوده من الناحية العملية، ودخوله حيز النسيان منذ سنوات، كما أن معظم مقرراته لم تدخل حيز التنفيذ قط،
  4. رأت حماس في نفسها صاحبة مشروع إسلامي شامل، وطليعة مشروع وطني ذو امتدادات عربية وإسلامية، تزاحم في السياسة والشراكة الوطنية لوضع لبنات جادة حقيقية لمنظومة سياسية فلسطينية، لا أن تقف متفرجة ومستنكرة فقط، لأن أصحاب المشروع مطالبون بالبناء والتعمير من الداخل لا من الخارج، بالوصول عبر الوسائل القانونية والتشريعية.

وجدت حماس نفسها في النهاية منخرطة عبر معظم هيئتها القيادية في التشكيلة الحكومية، وهنا يمكن تسجيل عدد من الإيجابيات والسلبيات لهذه الخطوة، على النحو التالي:

1- الإيجابيات والمكاسب

أ- التجاوب مع رغبة الناخب الذي منح حماس ثقته، بناء على البرنامج الانتخابي الذي قدمته وانتُخِبَت على أساسه، والامتناع عن دخول الحكومة سيظهر كما لو خذلت من انتخبوها، ومنحوها أصواتهم.

ب- منع جمهور حماس الارتداد عن دعمها لصالح حركات سياسية جديدة، ما قد يعود بضرر على مشروعها الكلي، وكان ذلك واحدا من الأسباب التي دعتها لتشكيل الحكومة.

ت- تطبيق شعار "شركاء في الدم.. شركاء في القرار"، مما سيرسخ عدم تفرد فتح بمقدرات وقرارات الشعب وقضيته، والتخفيف عن كاهله المثقل بالأحمال جراء سياساتها الخاطئة، مقابل إدارة وتنفيذ السياسات والشعارات التي رفعتها حماس.

ث- ممارسة الإصلاح من داخل الحكومة، لأن الاقتصار على النقد من الخارج لن يغير شيئاً، مع بقاء الوجوه ذاتها داخل مؤسسات السلطة، فبالنسبة لحماس سيترك بقاءها خارج دفة القرار المجال مفتوحاً للمخالفين والفاسدين، ولن يمنح الحركة الفرصة للتغيير من الداخل.

ح- سيجلب تطبيق حماس لبرنامجها الانتخابي بصورة مقبولة لدى المجتمع اكتسابها مزيد من احترام مناصريها.

خ- سيعني بالنسبة لحماس وصولها للمواقع الحكومية حماية برنامج المقاومة، والبرامج التعليمية والخيرية، لأن الحركة ستكون بهذه الحالة جزءاً رئيساً من السلطة، وصاحبة تأثير كبير فيها.

د- منح الحركة مزيداً من نقاط الشرعية على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية، وإقامة علاقات جديدة بمختلف المستويات، ومنحها فرصة للدخول في الحياة البرلمانية والحكومية للعمل على تأهيل وتدريب كوادرها على هذه التجربة الحديثة.

2- السلبيات والأضرار

أ- لم يكن سهلاً أن يقبل المجتمع الدولي بشكل عام وخصمها من حركة فتح بشكل خاص أن تشكل حماس الحكومة. الأمر الذي وضع على عاتقها مهمة صعبة لإقناع الرافضين لها بالموقع الذي وصلته.

ب- وجدت الحركة أمامها تركة ثقيلة من الفساد والتراكمات الإدارية السيئة من الصعوبة إصلاحها في دورة حكومية واحدة، وبالتالي ظهر تخوف من تحميلها ذات الوزر الذي حمله الفلسطينيون للسلطة السابقة فيما يتعلق ببرامج الإصلاح على كافة المستويات.

ت- دخول حماس التشريعي والحكومة اعتُبر بمثابة تجربة سياسية جديدة لها اعتراها الكثير من التحالفات الضمنية والصريحة، ما يعني إمكانية الضغط على بعض نوابها ووزرائها لمنح الثقة لهذا الوزير أو ذاك، أو التساوق مع برنامج الحكومة خارج نطاق قرارات الحركة وإجماعها.

ج- انخراط حماس في العمل البرلماني والحكومي وإقبالها عليهما بكل طاقتها وثقلها لتطبيق "النموذج الإسلامي"، سيأخذها بعيداً عن هدفها الأساسي المتمثل في التحرير والمقاومة ليمنح الأول أفضلية على الثاني. وقد تطلب منها تفريغاً واسعاً لكوادرها وقياداتها ظهرت تبعاته ملموسة على الصعيد الداخلي لجسم التنظيم، مما نجم عنه تراجع ما في أدائها.

خ-  أفقد دخول الحركة في الحكومة جانباً من التعاطف والتأييد الذي أوصلها للفوز، خاصة تخوف الجماهير من تأجيل وتعطيل مبدأ المقاومة إلى أجل غير مسمى، وشيوع مظاهر الفتور والاسترخاء لدى قاعدة الحركة بصورة أساسية، مقابل بروز فصائل وأجنحة عسكرية ترفع لواء المقاومة، بعضها من أبنائها ممن لم يوافقوا على قرار الموافقة في الدخول والمشاركة.

  • أهداف الانخراط

أدركت حماس بعد عشر سنوات من الغياب أو التغييب عن الخارطة السياسية الفلسطينية 1996-2006، أنه لابد من تحقيق الدستورية السياسية، وحماية برنامج المقاومة، لاسيما أنها عانت وواجهت تحديات داخلية من السلطة كاعتقال عناصرها وقادتها، ووضعها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 على قائمة الإرهاب.

كما أرادت ترجمة انجازاتها في المقاومة على أرض الواقع، وتثبيت أركانها، بأن تكون مفصلاً محورياً في بناء النظام السياسي الفلسطيني، والارتقاء بالمجتمع الفلسطيني وتحقيق تطلعاته، والحفاظ على ثوابته وحقوقه بحماية برنامج المقاومة، واستخدام منبر المجلس التشريعي للدفاع عنه، والوقوف في وجه من يحاول العبث بحقوقه ومكتسباته.

رأت حماس أن برنامج المقاومة لا يقتصر فقط على السلاح، بل لابد من توفير الظروف الملائمة لاستمراره، وتثبيت عوامل الصمود. ووجدت أن من حقها باعتبارها حركة مقاومة أن تنتقل من "الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية". واعتقدت أن نجاحها سيكون له مردود وطني وإقليمي ودولي كبير يمكن "استثماره" لخدمة القضية الوطنية.

كما طمحت حماس، بحسب ما أعلنت، لبناء سلطة المؤسسات، وفصل السلطات، واحترام سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومبدأ التعددية السياسية، وكفالة الحريات، وتوفير حياة كريمة لكل فلسطيني خالية من الفساد، بصون المال العام، ومحاربة الفساد الإداري المستشري في كثير من المؤسسات، وإقرار قانون "من أين لك هذا".

إضافة إلى أنها أرادت المحافظة على ثوابت الشعب الفلسطيني، وعدم التنازل عنها، وفي مقدمتها حق العودة، ومقاومة الاحتلال، والمحافظة على سلاح المقاومة.

هذه أهم الأهداف التي أعلنت حماس أنها تسعى لتحقيقها ودفعت بها لدخول المعترك السياسي. فحماس تعلمت من دروس الماضي، وقرأت الواقع جيداً وبتمعن وروية، لذلك أقدمت على المشاركة من أجل الداخل الفلسطيني لبناء البيت الوطني، وتصليب الجبهة الداخلية، وإنهاء حالة الاستفراد، والنهوض بالمجتمع الفلسطيني.

فضلاً عن الخروج من ضغوطات الخارج التي باتت مفروضة عليها في ضوء المتغيرات الحاصلة، وأهمها أحداث سبتمبر ووضعها على قوائم الإرهاب، واستكملت بمشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد.

رغم كل ما أعلنت عنه حماس بأنها تسعى لتحقيقه، كشفت أكثر من ستة أعوام من العمل التشريعي قصوراً واضحاً في الأداء البرلماني والحكومي لحماس، وهذا ليس استنتاجاً متسرعاً بل تشفعه عديد من الوقائع، أهمها:

  1. الإشكالية الذاتية المتعلقة بالنواب والوزراء المستجدين على هذه التجربة، فقد أتوا في وضع لا يحسدون عليه، آمال كبيرة تُعَلّق عليهم، وملفات فساد كبيرة بانتظار فتحها وملاحقتها، ومسؤولين من ذوي مناصب رفيعة لا بد من التحقيق معها بتهم الفساد. وجاءت قلة خبرة الوزراء من حماس وخلو السيرة الذاتية لهم من أي تجربة برلمانية أو دستورية سابقة لتضع تبعات مكلفة على تجربتهم الوليدة.
  2. العراقيل الموضوعة في طريق وزراء حماس حين اتجهوا لتفعيل أدواتهم الرقابية، ومن أهمها: الخطوات الاستباقية بعيد إعلان نتائج الانتخابات، كتقليص الكثير من الصلاحيات الدستورية الخاصة بالمؤسسة التشريعية و"ترحيلها" لمؤسسة الرئاسة.

3- "تسييس" العمل البرلماني بفعل الوقائع الميدانية في الواقع الفلسطيني الناجمة عن النتائج المفاجئة للانتخابات، مما حرف المجلس المنتخب عن مساره، وجعل أي متابع لجلساته يظنها ندوة سياسية بحتة، وغلبت على أجندتها الدورية الملفات السياسية التي تعالج من قبل الحكومة والقوى السياسية.

لم يتمكن نواب حماس من الفصل بين انتمائهم التنظيمي والوطني فأعاق ممارستهم لدورهم الرقابي، ولذلك لم يخضع وزير من ذات الفصيل للمساءلة والاستجواب، إلا ما ندر، رغم أن ذلك سيرفع الرصيد التنظيمي له ولفصيله من بعده.

كان يجدر بحماس منذ البداية ألا توزع الوعود المجانية على الناخبين، لأن الواقع صعب جداً، وقد شعرت بحجم الجهد الذي تبذله ليل نهار لتحصيل رواتب شهر واحد، وسيكون أصعب بالنسبة لها الإيفاء بوعودها فيما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارية. لذا يتوجب عليها استدراك الأمر وتهيئة المواطنين لمرحلة صعبة مادياً، بأسلوب رصين لا يسبح في الخيال مبتعدا عن احتياجات المواطن الأساسية.

 

مع ذلك، فقد ساد أداء الحكومة في إيجادها حلا للمعضلات المعيشية التي يعانيها الفلسطينيون جملة من الأخطاء والعثرات التالية:

أ- صرّح جميع وزراء حماس بأمور تتعلق بالقضية المالية، علما أنه لا ينبغي أن  تصدر مثل هكذا تصريحات إلا من المخولين كرئيس الوزراء ووزير المالية والناطق الحكومي، أما أن يتطوع الكل للإدلاء بتخمينه فهذا بالتأكيد أوقع الحكومة في حرج أمام الجمهور.

ب- الوقوع الخاطئ في ذكر أرقام محددة حول التبرعات والمنح، بحيث أُعطيت أرقام متناقضة الأمر الذي أعطى الفرصة للتشكيك بمصداقية الحكومة. فما يهم الموظفين تحصيل رواتبهم، بغض النظر عما استطاعت الحكومة تحصيله من منح أو أموال.

3- عدم المباشرة الفعلية باتخاذ إجراءات اقتصادية كتخفيض أسعار السلع الأساسية، لأن مثل هذه الخطوة لاسيما في سلع أساسية كالدقيق، السكر، الغاز، ملحة وغير قابلة للتأجيل.

4- البحث عن بدائل عربية وإسلامية شعبية ورسمية للتمويل، وتفعيل الموارد الذاتية في سبيل ذلك، أمام الإصرار الأميركي والأوروبي بعدم إعطاء تمويل لحكومة حماس.

مقابل ذلك كله، عمدت الحكومة لتوظيف مفردات الخطاب الديني، واعتاد الوزراء والمسئولون مخاطبة الفلسطينيين بالدعوة للصبر التي لا تصلح أبداً "برنامجاً حكومياً"، خصوصاً حين لا تقترن بخطة عمل محددة زمنياً، وبات صعباً قبول تبريرات استمرار المأزق والأزمة من نوع أنها ورثت صناديق خاوية وديوناً متراكمة، لأنها كانت تعرف ما ينتظرها، وما هي مقدمة عليه.

كما ظهر من خلال بعض الممارسات التي قامت بها حكومة حماس رغبتها بتكريس مساعي الهيمنة على الوزارات والدوائر والأجهزة. وقامت بتعيين عدد كبير من الموظفين خصوصاً في المراتب العالية لمجرد أنهم من عناصرها، ودون أن يتم ذلك استنادا لمعايير علمية وإدارية واضحة، ولا عبر مسابقات مفتوحة للمواطنين، بل بتوصيات تنظيمية لأخذ حصتها التي حرمت منها خلال الحكومات التسع الماضية، وأخذت منها فتح حصة الأسد من المناصب والوظائف.

كما اتسم أداء الحكومة، لاسيما في مراحلها الأولى، بقربه للسياسة الشعبوية منها للبرامج الحكومية، تعد بالفرج القريب بينما لا يقوى الـمواطن على الصمود، وتستمر الـمعاناة اليومية، ويزداد الفقر، وتتعاظم الـمصائب، وتتعمق الجراح. وبقيت تكرر عبارة أن "الحكومة باقية" رغم الصعوبات التي تواجهها، وأحالتها عملياً إلى حكومة غير موجودة وليست قائمة بالمعنى التنفيذي. عوّلت الحكومة على سلاح الصمود الجماهيري حتى درجة الانتحار بذات الطريقة الارتجالية زمن الحكومات السابقة إبّان سيطرة فتح على مقاليد السلطة.

  • الدلالات والنتائج

يمكن رصد عدة دلالات ونتائج هامة لانخراط حماس في النظام السياسي الفلسطيني على النحو التالي:

  1. محلياً: شكّل صعود حركة حماس تكريساً لوجود قوة فلسطينية توازي حركة فتح، وتنهي مرحلة شكلت فيها القوة المهيمنة الوحيدة،
  2. عربياً: تخوفت بعض الدول العربية أن يشجع انخراط حماس في النظام السياسي الفلسطيني ونجاحها فيه غيرها من الحركات الإسلامية، بحيث تحاول الوصول للحكم في تلك الدول، وهو ما حصل فعلا بعد الثورات العربية، ولذلك انضمت بعض الدول العربية للموقف المعادي لنجاح حماس، وعملت على إفشال تجربتها،
  3. إسرائيلياً: مثّل نجاح حماس إعلان فشل سياسة احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية التي بدأت منذ اتفاق أوسلو، دون أن تنال أي مقابل يوازي هذا الثمن الكبير، كما أدى الواقع الناشئ وتحول السلطة إلى مقاول رئيسي للاحتلال لتهميش منظمة التحرير، وغياب أي دور سياسي مؤثر لها،
  4. دولياً: لم يكن الأمر مختلفاً عن إسرائيل، بل جاء في سياق أكبر، فإذا عملت الولايات المتحدة تحديداً لإنشاء "الشرق الأوسط الكبير"، وتتصور لإسرائيل مهمة أساسية في إطاره يتولى فيه مهمة الضبط الأمني الإستراتيجي، فإن نجاح حماس الانتخابي في فلسطين شكّل نكسة لمشروعها الإستراتيجي الشامل، فصبت جهدها واستعملت نفوذها لتنظيم حصار دولي عليها،
  5.  من شأن دخول حماس إلى جوف النظام السياسي الفلسطيني، ثم امتداد نفوذها لقمة صناعة السياسة، واتخاذ القرار على صعيد السلطة الفلسطينية، تدشين عهد جديد من الحياة السياسية لحركة التحرر الوطني، وسمته الأساسية بروز رؤى التيار الديني وتغليفها للخطاب السياسي، مقارنة بمراحل سابقة غلبت فيها الرؤى القومية والوطنية.

ما بدا واضحاً خلال السنوات الست من حكم حماس، دفع بعض التقديرات للقول أن تأخرها عن القيام بواجباتها تجاه مواطنيها بدأ يؤثر حتماً في شعبيتها، وقد تتآكل رويداً رويداً. الأمر الذي يفرض عليها ضرورة صوغ خطاب وسياسة مقنعة ومفهومة تكرس مكتسبات الحكومة وتزيد من شعبيتها.

كما أن بقاء الأزمة الاقتصادية واحتمال زيادتها في المستقبل يؤدي إلى تناقص رصيدها. فلم يتم انتخاب حماس بناءً على شعارات التحرير والقدس أساساً، لأن الوضع الداخلي احتل أولوية كبيرة لدى الناخب عند توجهه لصندوق الاقتراع، كالفساد، والقضاء على البطالة، وتوزيع الموارد المالية، وتكافؤ الفرص.

كما كان للمواجهات الميدانية التي اشتبكت خلالها حماس مع فتح آثاراً سلبية على شعبيتها التي اكتسبتها بفضل التضحيات التي قدمتها وبدت كرأسمالها الأساسي. إضافة إلى أنها أدت لافتقادها للاعتراف الإقليمي والدولي، وربما أن عنصراً مهماً من جماهيريتها الممتدة مرده إلى صبرها على الأذى الذي تعرضت له طوال سنوات الملاحقة من قبل السلطة، ولذلك ظهر من يلومها، ويعيب عليها الانزلاق نحو مربع الفتنة الداخلية.

لابد من إبداء تقدير موقف ما يتعلق بمستقبل حماس في المنظومة السياسية الفلسطينية، لاسيما إذا ما قدر لمسيرة المصالحة أن تصل إلى تمامها، وتطبيق بنودها الأساسية، لاسيما إجراء انتخابات عامة في الأراضي الفلسطينية.

السؤال الذي يشغل صناع القرار في حماس وفتح، وبعض العواصم المحيطة، وقبلهم وبعدهم تل أبيب: كم ستحصل حماس على نسبة من أصوات الفلسطينيين؟ وهل ستحافظ على تناميها الانتخابي الذي فاجأهم في الدورة السابقة؟

الحقيقة أن الإجابة على مثل هذا السؤال تتطلب الأخذ بعين الاعتبار جملة من المعايير، لعل أهمها أن انخراط حماس في تجربة السلطة والحكم في ظروف غاية في التعقيد والمعاناة وضع على أكتافها أعباء ثقيلة. وانعكس ذلك بدوره على عموم الفلسطينيين خاصة في غزة، الذين بات يقرن كثير منهم حكم حماس بمفردات: الحصار، الكهرباء، الحرب، وغيرها، ما يعني أنهم قد لا يجدون أنفسهم مضطرين للتصويت لها من جديد، إشفاقاً على أنفسهم بالضرورة، وليس رفضاً لها وعدم قناعة ببرنامجها السياسي!

من جهة أخرى، فإن فلسطينيي الضفة الغربية الذين عاشوا تحت سيطرة حكم فتح هناك خلال سنوات الانقسام السابقة، لم يجدوا أوجه المعاناة السابقة، لكنهم واجهوا ملاحقة في الحريات وتضييقاً عليهم. وقد حصل أبناء حماس وجمهورها على النصيب الأكبر من تلك الممارسات، ما يعني أنهم سيعتبرون أن مجيء أي سلطة أخرى سوى هذه القائمة حالياً هو إنجاز كبير!

في هذه الحالة، تبرز المفاضلات الانتخابية بين الناخب في الضفة الغربية والناخب قطاع غزة. ولعل ما قد يشفع لحماس أو يمنحها قدراً من الثقة، أنها وإن تراجعت حظوظها لدى الناخبين في غزة، فإن فرصها في الفوز لدى ناخبي الضفة تبدو عالية! وإن أجرينا المسألة وفقاً للمنظور الحسابي البحت، تقدر حماس أنها قد تفوز من جديد، لكن ليس بالضرورة وفق ذات النسبة السابقة!

  • ثانياً: النظام السياسي الفلسطيني

مقدمة:

اجتذب الجدل حول النظام السياسي الفلسطيني انتباه الباحثين والساسة بعد إقامة السلطة الفلسطينية، إلا أن عودة إحيائه برزت بشكل كبير بعد دخول حركة حماس إليه، مما شكّل نقطة انعطاف هامة في مسار هذا النظام، وأدى لحدوث تغيرات جديدة عليه غيّرت من سماته، وأضافت تحديات جديدة لحقله الشائك.

يأتي ذلك نظراً لكون النظام السياسي الفلسطيني حالة فريدة مختلفة عن غيره من الحالات، على اعتبار أن مستقبله، وإعادة الوحدة إليه قد يكون مرهوناً بشكل أكثر بسلوكيات حركتي حماس وفتح التي يصعب التنبؤ بها.

  • خصوصية الحالة الفلسطينية

يمكن اعتبار النظام السياسي الفلسطيني حالة خاصة، لأن أحد مكوناته المتوفرة في أي نظام آخر لأي دولة يشوبها بعض الخصوصية، فالشعب الفلسطيني يُعتبر مكوناً من عناصره، إلا أنه لا يزال خاضعاً تحت سيطرة الاحتلال، ولا توجد له دولة معترف بها، رغم قيام سلطة سياسية تشكلت عقب اتفاق أوسلو عام 1993، وتم بناء مؤسسات أخذت بعض أشكال رموز الدولة الحديثة من قبيل تشكيل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

أدى وجود سلطة فلسطينية غير كاملة السيادة خاضعة تحت الاحتلال، للإبقاء على قوة وتأثير النخب الحزبية المختلفة في النظام السياسي، سواء من تشكّلت منها منظمة التحرير كفتح واليسار، أو من بقيت خارجها كالجهاد وحماس.

النظام السياسي الواحد لم يستمر بعد الانقسام السياسي الحاد بين فتح في الضفة وحماس في غزة، أواسط 2007، وانعكس الأمر على وجود سلطتين وحكومتين، بعد أن بقيت الأولى مهيمنة عليه من خلال امتلاكها للموارد المالية الكبيرة عقب فوزها في انتخابات 1996 الرئاسية والتشريعية، لامتناع حماس عن المشاركة.

عقب انتخابات 2006، جاء دخول حماس إلى النظام السياسي ليثبت عدم استعداد النخب الفلسطينية لقيادة النظام السياسي بشكل ديمقراطي، مما دفع البعض للتشكيك بأن يكون صراع فتح مع حماس على البرامج السياسية، بل صراع على السلطة ليس إلا، بعد أن اعتبرت الأولى أن فوز الثانية بهذه النسبة الكبيرة من المقاعد التشريعية وتشكيل الحكومة نقلة نوعية وانقلاباً واضحًا في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني.

فيما عوّل البعض أن تكون مشاركة حماس في السلطة منعطفاً هاماً في طريق إنشاء نظام ديمقراطي لولا الاقتتال الداخلي، مما أدى لنتائج وخيمة على مسيرة الإصلاح التي بدأت على مجمل النظام السياسي الفلسطيني، بحيث تراجع من الناحية الديمقراطية بحسب التصنيفات العالمية، منتقلا من "الديمقراطيات الناقصة" إلى ما يعرف بـ"الأنظمة الهجينة".

  • تغير مواقع المعارضة

لم يكن تراجع النظام السياسي الفلسطيني من الناحية الديمقراطية فحسب، ممثلاً بمرحلة ما بعد الانقسام، بل حصلت تغيرات لا يوجد مثيل لها في أنظمة سياسية أخرى بالنسبة لمواقع المعارضة.

فحماس بعد الانتخابات الأولى 1996 ظلت تُعتبر حزباً معارضاً لفتح التي استمرت في الحكم منذ تأسيس السلطة، وحتى الانتخابات الثانية عام 2006، وفوزها بالانتخابات الثانية حولها من نخبة معارضة إلى حاكمة، وفازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وشكّلت الحكومة بمفردها.

لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً بعد أن سيطرت حماس على غزة، وإعلان حالة الطوارئ من رئيس السلطة، واعتبار حماس لحكومة الطوارئ بأنها غير شرعية، وإعلان قوتها التنفيذية بـ"الخارجة عن القانون"، ومعاقبة منتسبيها.

هذه التطورات المتلاحقة أدت لترسيخ الانقسام في النظام السياسي، لتعمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بشكل منفصل تماماً بين قطاع غزة والضفة الغربية، وانعكس نتيجة ما حصل على مواقع المعارضة من جديد، حيث تحولت نخبة حماس في غزة إلى نخبة سياسية حاكمة، فيما فتح في غزة هي المعارضة. في حين أصبحت النخبة السياسية لفتح في الضفة هي المسيطر على جميع مجريات الأمور السياسية هناك، وبالتالي ظلت السلطة السياسية، وعادت حماس ونخبتها مجدداً في الضفة إلى معارضة لها.

جرت محاولات عديدة للمصالحة بين فتح وحماس لإعادة الوحدة للنظام السياسي، وتوجت بمحاولات مصرية قطرية نجحت بتوقيع اتفاق مصالحة بحروفه الأولى عام 2011، ساعد في التعجيل بتوقيعها اندلاع الثورات العربية. ورغم التوقيع، فلم تتحقق الوحدة المنشودة، لأن نخب حماس وفتح شككت بتحقق المصالحة، وألقت كل منهما اللوم على الأخرى بعدم احترام الاتفاقيات الموقعة بينهما، والعمل للصالح الحزبي، وليس للمصلحة الوطنية، وعدم الاستعداد للتنازل عن السلطة، وعدم الإيمان بالشراكة، وبالتعبئة السلبية الحزبية، واستمرار انتهاك الحريات، فيما وجدت بعض نخب الحركتين استحالة تحقيق الوحدة لصعوبة ما أسمته التقاء البرنامجين الإسلامي والعلماني.

  • مستقبل النظام السياسي

يتوقف مستقبل النظام السياسي الفلسطيني إن كان سيستمر بالانقسام، أو إعادة الوحدة إليه على تصرفات النخب السياسية لحركتي حماس وفتح، خاصة مع توفر نخب متشددة ومعتدلة فيهما ليس من مصلحتها إتمام المصالحة. ويبدو تأثير النخب المتشددة التي ترغب باستمرار الانقسام على المعتدلة الراغبة بإتمام المصالحة، أكثر من تأثير الأخيرة عليها، بحيث يتوقع بعض أفراد نخبة حماس أن إعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني لن يكون عن طريق المصالحة، بل بأن يستلمون السلطة في الضفة بعد أن يصيبها ما أصاب الثورات العربية في الوطن العربي، وتوجد مؤشرات تدلل على صحة اعتقاد هذا النوع من النخب من بينها صعود الإسلام السياسي، واستلامه الحكم في تونس ومصر وسواهما.

مما يشجع مثل هذا السيناريو الافتراضي الذي قد تحول إسرائيل دون إتمامه، الأزمة المالية المتزايدة التي تمر بها سلطة فتح في الضفة، حيث يقوم الموظفون في الوظيفة العمومية بإضرابات بشكل مستمر احتجاجاً على عدم انتظام رواتبهم، وينذر استمرارها لعدم قدرة السلطة على الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين بانهيارها. يتزامن ذلك مع عدم رضا أمريكي وغربي عن قيادة السلطة الحالية، ووجود رغبة لديهما باستبدالها بقيادة أخرى، مع تقديرات داخلية وخارجية باحتمال أن تصل الثورات التي أصابت بعض الدول العربية إليها.

في حال استمرار فشل السلطة بالحصول على عضوية الأمم المتحدة، والاعتراف بها كدولة، واستمرار أزمة انقسام النظام السياسي الفلسطيني، وأزمتها المالية المتفاقمة، فسيعني ذلك مزيداً من التراجع للتيار العلماني الذي تمثله فتح في الداخل، ويدافع عن مشروع أوسلو.

فيما ستحاول حماس اقتناص الفرصة المناسبة لها لاستلام السلطة في الضفة، في ضوء توقع إزاحة الرئيس أبو مازن بطريقة أو بأخرى عن منصب الرئاسة، والسيناريوهات المتوقعة لفعل ذلك ستكون كثيرة قد يكون أحدها: نفيه، أو اغتياله سياسياً، أو استقالته طوعاً.

أما إن حصلت ثورة ضده وضد السلطة في الضفة كما حصل في بعض الدول العربية، فستكون إزاحته مشابهة لرؤساء آخرين، فإما ينحى من تلقاء نفسه، أو يتمسك بمنصبه لتتم إزاحته بالقوة، بعد أن صرح بأنه لن يبقى في منصبه لو خرجت مظاهرات تطالب بتنحيه، وإعلانه مراراً وتكراراً أنه لن يترشح لدورة رئاسية ثانية.

في المقابل، يوجد سيناريو آخر تنادي به النخب السياسية المعتدلة في حماس، بأن تستعيد السلطة في الضفة الغربية عبر صندوق الانتخابات، متوقعة فيما لو حصلت انتخابات تشريعية أن تفوز فيها مرة أخرى، لاسيما وأن انتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في الضفة، ولم تجر في غزة، لم تأت بنتائج أرادتها فتح، بعد أن حصلت فتح على فوز بالتزكية في أكثر من 85 موقع انتخابي للهيئات المحلية لعدم وجود مرشحين ضدها، ولا يُستبعد أن هذه المواقع غالبيتها محسومة لحماس.

كذلك لم تفز قائمة فتح الرسمية في كبرى بلديات الضفة كنابلس ورام الله، بل قوائم للمستقلين. عدا عن فوز اليسار بنسب لم تتوقعها فتح، مما يعطي مؤشرات جيدة لحماس بأن فتح قد لا يكون لها الحسم في الانتخابات في حال حدوثها، وإنما ستكون الغلبة مرة أخرى لها. وفوزها بالانتخابات بصورة مؤكدة كما تعتقد النخب المعتدلة أمر غير محسوم، لأن حماس لم تجر انتخابات محلية بغزة وترفض إجراء هكذا انتخابات، فربما أنها ستتفاجأ بالنتائج في غزة فيما لو قررت عقدها تماما كما حصل مع فتح.

بغض النظر عن السيناريو الذي قد تسيطر به حماس على النظام السياسي مرة أخرى، إن كان عبر صندوق الاقتراع، أو الثورة على السلطة في الضفة، أو ربما من خلال السيناريوهين معا (أي عقد انتخابات ومن ثم استيلاء على السلطة في الضفة كما حصل في غزة)، فإن تحققه يعني إضعافاً لتيار فتح في الضفة، وإمكانية أن تغادر معظم قياداته للخارج، كما حصل في غزة، مما قد يعمل على تراجعها في الداخل شيئاً فشيئاً. وهناك تقدير بأن يبرز تيار داخل فتح مرة أخرى، حيث توجد مؤشرات تدلل على تهيئة قيادات جديدة قد يكون لها دور أكبر في الساحة السياسية بعد طردها من بعض أطرها التنظيمية، ويلمس وجود دور كبير لها في نتيجة انتخابات البلدية الأخيرة في الضفة.

لن يكون التغيير على صعيد فتح وحدها، بل قد يصيب كذلك حماس، وقد يحدث تغييرا في قيادتها الخارجية والداخلية لإعادة ترتيب الحكم المنظور إليه ليتوافق مع مصلحتها، ومن المتوقع أن يتم تقوية قيادات حماس في الداخل، ولا يستبعد أن تبرز قيادات سياسية جديدة بسرعة كبيرة. كما سيزداد الاعتراف الدولي بسلطة حماس شيئاً فشيئاً، وربما سيتنامى في المستقبل المنظور، فزيارة أمير قطر لقطاع غزة تعطي مؤشرات عديدة، من بينها الإقرار بشرعية السلطة الحاكمة في القطاع، لأنها أول زيارة رسمية لزعماء عرب منذ الحصار الإسرائيلي.  

 

  • نظام إسلامي أم ديمقراطي؟

يطرح السؤال القديم الجديد على أروقة صناع القرار الفلسطيني: هل ستعمل حماس على أسلمة المجتمع الفلسطيني، وتسير بالنظام السياسي تجاه نظام إسلامي أم ديمقراطي؟ الحقيقة أن السؤال حول أسلمة المجتمع الفلسطيني، والسير نحو تطبيق الشريعة منح خصوم حماس ومعارضيها تخوفات متزايدة من أن تسير الحركة باتجاه إنشاء نظام سياسي إسلامي، والبدء بتطبيق الشريعة. وقد تم استحضار شواهد ومؤشرات تدل على صحة هذا الاعتقاد أبرزها أن حماس أنشأت قوة أمنية خاصة تابعة لوزارة الأوقاف تجبر العامة في سلوكهم على تنفيذ القوانين الإسلامية، وإطلاق حملة لفرض اللباس الملائم على النساء، والفصل بين النساء والرجال على شاطئ البحر، ومنع النساء من ركوب الدراجات النارية، وإطلاق حملة الفضيلة التي طالت سلوكيات المواطنين ولباسهم، وكلها سرّعت من طرح التساؤل: هل لحظة الإسلامية قد حانت؟ وهو سؤال راود جميع القلقين المتوجسين خوفاً مما بات يسمى حكم حماس.

في المقابل، تنفي حماس أنها ترفض النظام الديمقراطي، وتدعي أنها وقفت في وجه قطاعات عريضة من قواعدها التنظيمية الذين يطالبونها بتطبيق الشريعة، بقولها أن الحدود آخر ما يطبق من الإسلام، وستطبقها فقط عندما يصبح الناس قادرين على ما وصفته بـ"الحلال المُيَسر". ومع ذلك، فحتى لو اتجهت حماس لإقامة نظام سياسي إسلامي، فإنها مطالبة بأن تراعي التنوع الأيديولوجي والفكري والسياسي الموجود في المجتمع الفلسطيني، فالتنوع أمر صحي موجود بأي مجتمع.

 

  • الخاتمة

قدمت الصفحات السابقة استعراضاً موجزاً مركزاً لواقع المدخل الإسلامي في النظام السياسي الفلسطيني، متناولاً أسباب التطور، المواقف والنشاط، مما يحتم منح أسطر قليلة لفرضية استشراف مستقبلها في ظل حالة الحراك العربي المتواصلة حتى كتابة هذه السطور.

فقد بات من الواضح أن التيارات الإسلامية العربية من أكثر المستفيدين من ظاهرة "الربيع العربي"، وأكدت نتائج الانتخابات التشريعية في الدول التي شهدت الثورات الشعبية كيف أن الحركات الإسلامية حصدت النسبة الأكبر من المجالس والمقاعد البرلمانية.

انعكس فوز الحركات الإسلامية في بعض الدول العربية إيجاباً على نظيرتها الفلسطينية، خاصة حركة حماس، لأنها قدرت أن أي نجاح يحققه نظراؤها في بلدانهم، سينعكس حتماً على الواقع الفلسطيني. وقد حدا ذلك بحماس لأن تراقب التطورات العربية عن كثب، وبعين فاحصة، لأن ما بات يحدث في شوارع القاهرة، تونس، طرابلس، دمشق، لم يعد شأناً داخلياً لتلك العواصم، بل فلسطينياً وحمساوياً بامتياز.

مع ذلك، فإن العراقيل والعقبات التي قد توضع أمام تقدم الإسلاميين في الدول العربية لتحقيق برامجهم الانتخابية، وخططهم الاقتصادية، ستجد صداها السلبي لدى الإسلاميين الفلسطينيين، الذين يخشون كثيراً من خيبة أمل الجمهور العربي والفلسطيني من إخفاقهم، بغض النظر عن الأسباب ذاتية كانت أم موضوعية، وهو ما قد يشكل "بيضة القبان" في إقدامهم أو إحجامهم لاكتمال دخولهم ساحة النظام السياسي الفلسطيني بأسره.

 

  • ملخص البحث

تهدف هذه الورقة لمعرفة أهم التغيرات التي أدخلها البعد الإسلامي على النظام السياسي الفلسطيني. اتخذت من حركة حماس كحالة دراسية عن الحركات الإسلامية التي شاركت في النظام السياسي الفلسطيني. وناقشت الورقة قراءة ميدانية لواقعها القائم حالياً، وحاولت استشراف مستقبلها المتوقع في قادم الأيام.

تناقش الورقة نشأة حماس في كانون الأول 1987 كأحد أجنحة الإخوان المسلمين بعد اندلاع الانتفاضة. لكن نشاطها المقاوم ضد المشروع الإسرائيلي كان استمرارا لنشاط حركة الإخوان منذ الأربعينيات. رغم أن ميثاق حركة حماس يتصف بالعمومية إلا أن تصريحات قادتها وأدبياتها أكثر وضوحا وأقل عمومية.

الأمر الجديد الذي يميز نشاطات حماس بعد ظهورها عن نشاطات الإخوان أنها جعلتها مستمرة وليست متقطعة، ذات طابع مؤسسي وعسكري منظم ولها قيادة. حسم ظهور حماس الجدل حول المقاومة وإنشاء الدولة عندما اختارت السير اتجاه الخطين معا. واستطاعت أن تكون المنافس الأول لحركة فتح. ومنافساً حقيقياً للأحزاب الوطنية الأخرى.

اعتمدت حماس على ثلاثة عناصر كي تكون جزءا من النظام السياسي الفلسطيني الأول الانخراط في مقاومة الاحتلال من خلال جناحها العسكري كتائب عز الدين القسام، الذي أكسبها شعبية داخل النخبة الفلسطينية. والعنصر الثاني تقديم الخدمات الأساسية والحيوية للسكان من خلال مؤسسات أنشأتها. والعنصر الثالث إظهار البراغماتية السياسية والمرونة داخل مجتمع. وهكذا ضمنت تثبيت مكانتها على الخارطة السياسية الفلسطينية.

الانتخابات مهمة بالنسبة لحماس لإثبات وجودها في صراعها السياسي مع منظمة التحرير. وتميز حماس بين نوعين من الانتخابات، النوع الأول المتعلق بالانتخابات الطلابية والنقابية والبلدية. وقد حرصت حماس على المشاركة بهذا النوع من الانتخابات منذ البداية لإظهار قوتها. والنوع الثاني المرتبط بالاتفاقيات السياسية، كالانتخابات الرئاسية والتشريعية، حيث امتنعت عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية 1996، في حين شاركت في الانتخابات التشريعية عام 2006.

اعتبرت مشاركتها في الانتخابات التشريعية الثانية تحولا في مواقفها. وكانت الغالبية من قادة حماس وأعضائها مع المشاركة في الانتخابات. ورفعت حماس خلال الانتخابات شعار (التغيير والإصلاح). السبب الذي جعل حماس تقرر المشاركة في الانتخابات التشريعية لأنه كان عليها أن تمنع فتح من السيطرة على النظام السياسي والمضي به نحو الأسوأ. فقد حاولت حماس تغييره وإصلاحه للأفضل.

قرار حماس بدخول النظام السياسي الفلسطيني شكل تطوراً جديداً في مسار عملها السياسي دون أن تغير من ثوابتها وبرنامجها المقاوم. إلى جانب ذلك رأت حماس أن الأمور تغيرت بسبب فشل أوسلو. ويحتاج الشعب بعد أن فشلت أوسلو إلى مشاركة حماس في النظام السياسي لمحاربة الفساد. تهدف حماس من مشاركتها في الانتخابات حماية برنامج المقاومة لأن عناصرها عانوا كثيرا من الاعتقال. أيضا وضعها على قائمة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

أُعيد إحياء الجدل حول النظام السياسي الفلسطيني بعد دخول حماس إليه، مما شكل نقطة انعطاف هامة في مساره، وأدى لتغيير سماته. أثر الانقسام على وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وكذلك أثر على الأحزاب المعارضة التي تغيرت مواقعها في النظام السياسي الفلسطيني. هذه التغيرات لا يوجد لها مثيل لها في أنظمة سياسية أخرى بالنسبة لمواقع المعارضة.

حماس بعد الانتخابات الأولى 1996 ظلت تُعتبر حزباً معارضاً لفتح التي استمرت في الحكم منذ تأسيس السلطة، وحتى الانتخابات الثانية عام 2006 بينما فتح كانت الحزب الحاكم. وفوزها بالانتخابات الثانية حولها من نخبة معارضة إلى حاكمة، وفازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وشكّلت الحكومة بمفردها. لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً بعد أن سيطرت حماس على غزة، وإعلان حالة الطوارئ من رئيس السلطة. حماس اعتبرت حكومة الطوارئ بأنها غير شرعية، وأعلن أبو مازن أن قوتها التنفيذية بـ"الخارجة عن القانون"، وعاقب منتسبيها.

هذه التطورات المتلاحقة أدت لترسيخ الانقسام في النظام السياسي، لتعمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بشكل منفصل تماماً بين قطاع غزة والضفة الغربية، وانعكس نتيجة ما حصل على مواقع المعارضة من جديد، حيث تحولت حماس في غزة إلى نخبة الحزب الحاكم، فيما فتح في غزة هي المعارضة. في حين عادت فتح في الضفة لتكون الحزب الحاكم، وحماس معارضة لها.

يتوقف مستقبل النظام السياسي الفلسطيني على تصرفات النخب السياسية لحركتي حماس وفتح. خاصة مع وجود نخب متشددة من الحركتين ليس من مصلحتها وحدة النظام السياسي الفلسطيني. حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني توقعت بعض نخب حماس بأن الثورات التي حصلت في العالم العربي ستحصل في الضفة الغربية وستستلم حماس السلطة في الضفة، وعندها سيكون هناك وحدة في النظام السياسي الفلسطيني مرة أخرى. توجد مؤشرات تدلل على صحة اعتقاد هذا الرأي من بينها صعود الإسلام السياسي في تونس ومصر.

مما يشجع مثل هذا السيناريو الافتراضي الأزمة المالية المتزايدة التي تواجه السلطة في الضفة وأدت إلى إضراب الموظفين في القطاع العام، ويهدد السلطة في الضفة بالانهيار لعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين. يتزامن ذلك مع عدم رضا أمريكي وغربي عن قيادة السلطة الحالية، ووجود رغبة لديهما باستبدالها بقيادة أخرى، مع توقعات داخلية وخارجية أن تحدث ثورة في الضفة على غرار ما حصل في الدول العربية.

في حال استمرار فشل السلطة بالحصول على عضوية الأمم المتحدة، والاعتراف بها كدولة، واستمرار أزمة انقسام النظام السياسي الفلسطيني وأزمتها المالية المتفاقمة، فسيعني ذلك مزيداً من التراجع لتيار فتح العلماني الذي يدافع عن مشروع أوسلو. فيما ستحاول حماس اقتناص الفرصة المناسبة لها لاستلام السلطة في الضفة، في ضوء توقع إزاحة الرئيس أبو مازن بطريقة أو بأخرى، وإحدى السيناريوهات المتوقعة لفعل ذلك: نفيه، اغتياله  أو إجباره على الاستقالة.

لكن إذا حصلت ثورة ضده وضد سلطته في الضفة كما حصل في بعض الدول العربية، فستكون إزاحته مشابهة لرؤساء آخرين. لذا، فإما يستقيل من تلقاء نفسه، أو يتمسك بمنصبه لتتم إزاحته بالقوة. وكان أبو مازن قد صرح بأنه لن يبقى في منصبه لو خرجت مظاهرات تطالبه بأن يستقيل. كما أنه أعلن مراراً وتكراراً أنه لن يترشح لدورة رئاسية ثانية.

في المقابل، يوجد سيناريو آخر تنادي به النخب السياسية المعتدلة في حماس، بأن تستعيد السلطة في الضفة الغربية عبر الانتخابات. وتوقعت أن تفوز في الانتخابات التشريعية مرة أخرى. لاسيما وأن انتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في الضفة لم تأت بنتائج أرادتها فتح. حتى ولو حصلت فتح على فوز بالتزكية في 85 موقع انتخابي.

في كبرى بلديات الضفة كنابلس ورام الله لم تفز فيها قائمة فتح الرسمية، بل قوائم للمستقلين. إلى جانب ذلك لم تتوقع فتح النسب المرتفعة التي أحرزتها أحزاب اليسار في انتخابات البلدية، مما يعطي مؤشرات جيدة لحماس بأن فتح قد لا تفوز في الانتخابات في حال حدوثها، وإنما ستكون الغلبة مرة أخرى لها.

بغض النظر عن السيناريو الذي قد تسيطر به حماس على السلطة في الضفة، إن كان عبر صندوق الاقتراع أو الثورة، فإن تحققه يعني إضعافاً لتيار فتح في الضفة، وإمكانية أن تغادر معظم قياداته للخارج. هناك تقدير بأن يبرز تيار داخل فتح مرة أخرى، حيث توجد مؤشرات تدلل على تهيئة قيادات جديدة قد يكون لها دور أكبر في الساحة السياسية، ويلمس وجود دور كبير لها في نتيجة انتخابات البلدية الأخيرة في الضفة.

لن يكون التغيير على صعيد فتح وحدها، بل قد يصيب التغيير كذلك حماس، وقد يحدث تغييرا في قيادتها الخارجية والداخلية لإعادة ترتيب الحكم المنظور إليه ليتوافق مع مصلحتها. ومن المتوقع أن يتم تقوية قيادات حماس في الداخل، ولا يستبعد أن تبرز قيادات سياسية جديدة بسرعة كبيرة. وسيزداد الاعتراف الدولي بسلطة حماس شيئاً فشيئاً.

يبرز تساؤل إن كانت حماس ستسير بالنظام السياسي تجاه نظام إسلامي أم ديمقراطي، وقُدمت أمثلة كثيرة على ما قامت به حماس من أسلمة المجتمع في غزة، الأمر الذي جعل الناس يتساءلون إن كانت لحظة الإسلامية قد حانت.

تنفي حماس أنها ترفض النظام الديمقراطي، لكنها قالت أنها ستطبق الشريعة الإسلامية فقط عندما يصبح الناس قادرين على ما وصفته بـ"الحلال المُيَسر". وفي حال كانت حماس تتجه نحو إنشاء نظام سياسي إسلامي فإنها مطالبة بأن تراعي التنوع الأيديولوجي والفكري والسياسي الموجود في المجتمع الفلسطيني، فالتنوع أمر صحي موجود بأي مجتمع.

خلصت هذه الورقة إلى أنه يبدو أن هذه اللحظة هي للأحزاب الإسلامية، فما يحدث في العالم العربي هو لمصلحتهم. وتدرك حماس ذلك جيدا. فهي تراقب ما يحصل في العالم العربي بحرص لأنها تدرك أن صعود الأحزاب الإسلامية في العالم العربي سيكون في صالحها، فيما انتكاساتها ستشكل كابحاً لجماح تنامي نفوذها على الساحة الفلسطينية.